ديمقراطية الارهاب و إرهاب الديمقراطية محنة محيرة للمتحضرين

4 views
Skip to first unread message

بقلم / العّلأّمة الدكتور المهندس: عادل جندى

unread,
Feb 12, 2006, 8:21:08 AM2/12/06
to يسوع المسيح للناطقين بالعربية
سيذكر مؤرخوا الفكر السياسي في المستقبل
أن عالمنا العربي الإسلامي قد قام في
الفترة التي نعيشها الآن بابتكار
ظاهرتين جديدين لم يعرفهما العالم من
قبل؛ وهما "دمقرطة الإرهاب" و "إرهاب
الديموقراطية".
وقبل الاسترسال في باقي المقال نلفت
النظر إلى أنه كان قد أعد بصفة أساسية
قبيل أزمة "الكاريكاتير" الشهيرة. ولكن
عند مراجعته للنشر اتضح أن موضوعه ليس
بعيدا عن أوضاعٍ وتطوراتٍ لا تغيب كثيرا
عن خلفيات تلك الأزمة...
الإرهاب يمكن تعريفه ببساطة (وبدون
الحاجة لمؤتمرات دولية هدف الدعوة
إليها، غالبا، هو التهرب من لب
الموضوع...) بأنه يتعلق بالأساس
بالاعتداء على الأبرياء. وللإرهاب، كما
يقول بول بيلار، نائب سابق لرئيس السي آي
إيه، عناصر أربعة توفر أركانه:
1 ـ سبق التدبير والإعداد، وليس مجرد
انفجار آني لشحنة من الغضب؛
2 ـ ذو دوافع سياسية، مثل السعي لتغيير
نظام (أو واقع) سياسي قائم؛ وليست
إجرامية كما تمارسها جماعات مثل
المافيا؛
3 ـ موجه ضد مدنيين وليس ضد أهداف عسكرية
أو قوات قتالية؛
4 ـ تقوم به جماعات وليس جيش دولة.
والإرهاب ليس ظاهرة حديثة تماما. ففي
القرن الأول الميلادي قامت جماعة
"الغيوريين" اليهود بقطع رقاب الرومان
والمتعاونين معهم في فلسطين. وفي 1092 أسس
الحسن بن الصباح جماعة "الحشاشين" من
الشيعة النزاريين، التي كانت تقوم
بعمليات اغتيال انتحارية ضد أعدائها
المدنيين، غالبا من السنة. (ويقال أنها
سميت كذلك لأن أعضاءها كانوا يتعاطون
الحشيش قبل العمليات لتسهيل الاقتناع
بدخول الجنة. وبالمناسبة فكلمة "حشاشين"
لها علاقة بكلمة اغتيال في اللغات
الأوروبية assassin).
وفي نهاية القرن التاسع عشر بدأ الإرهاب
الحديث على يد جماعة "إرادة الشعب"
الروسية المعادية لحكم القيصر. وانتشر
الإرهاب من 1870 وحتى 1920 في أوروبا، حيث
قام الفوضويون الثوريون الساعون لقلب
أنظمة الحكم بعمليات تفجيرات واغتيالات
استهدفت رؤساء الدول. وكان اغتيال الدوق
فرانز فيرديناند في 1914 على يد متطرف صربي
من الأحداث التي اشعلت الحرب العالمية
الأولى.
ولد الإرهاب المعاصر في 22 يوليو 1968 عندما
قامت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بأول
عملية خطف طائرات. ومعها بدأ عصر
العمليات الإرهابية الاستعراضية
المصممة بهدف التأثير على جمهور واسع
أبعد من ضحايا العنف أنفسهم؛ أي بغرض
استخدام الوقع السيكولوجي للعنف، أو
التهديد بالعنف، لمحاولة التأثير
السياسي.
وظهر بعد ذلك الإرهاب "الأيديولوجي"، مثل
اليساري الذي يهدف للقضاء على
الرأسمالية. ومن نماذجه جماعة "بادر
ماينهوف" الألمانية والجيش الأحمر
الياباني والألوية الحمراء الإيطالية
في السبعينيات. ولكن هؤلاء جميعا قد حدوا
من درجة العنف المستخدم لتحاشي إيذاء
الضحايا الذين يسعون للدفاع عنهم،
واقتصروا في النهاية على بعض عمليات خطف
أثرياء وأخذ فدية عنهم. وهناك أيضا
الجماعات اليمينية وهي من بين الأقل
تنظيما وغالبا ما ترتبط بالنازيين الجدد
ويفضلون أعمال الشغب بهدف زعزعة
الحكومات الليبرالية الديموقراطية
وإقامة دول فاشية. وهناك الإرهاب
"القومي" أو الانفصالي (وهو الأصعب في
التحديد إذ تصر الكثير من جماعاته على
كونها مقاومة أو مدافعين عن الحرية) وهو
عادة ما يعاير درجة العنف المستعمل لجذب
انتباه العالم ولكن بدون تأليب
المتعاطفين أو استثارة طائفتهم؛ ومن
نماذجه جيش التحرير الأيرلندي.
إضافة لتلك الأنواع ـ الفوضوي، القومي
الانفصالي، والأيديولوجي ـ هناك
الإرهاب الديني الذي من نماذجه جماعة
أوم شينريكو اليابانية (التي ليست أكثر
من "لعب أطفال" مقارنة بجماعة مثل
القاعدة). وبصفة عامة، الإرهاب الديني هو
الأقل ضبطا للنفس (انكباحا). فالجماعات
الانفصالية، مثلا، تتحدث عادة عن أهداف
محددة (دولة مستقلة مثلا) بينما بن لادن
يتحدث عن الجهاد، ووسائله أكثر دموية
ووحشية. وذلك لأنه وأمثاله يرون العنف
غاية في حد ذاته، أو كأسلوب إلهي لخدمة
قضية سامية. يقول بروس هوفمان من مؤسسة
راند أن عتاة الإرهابيين من أمثال
كارلوس وأبو نضال لم يخطر ببالهم أفعالٌ
مثل استهداف بنايات عالية مليئة
بالعاملين. ولكن بالنسبة للقاعدة
وأتباعها فإن القتل الجماعي لا يعتبر
فقط مقبولا بل هو مطلوب.
وبالإضافة للوحشية الفائقة للإرهاب
الديني، فالملاحظة الأساسية في كل ما
سبق من عينات الجماعات الإرهابية أنها
بكافة أنواعها يجمعها الاعتماد على
مجموعات صلبة صغيرة (hard core) من العنفيين
الملتزمين بفكرة معينة ممن يسعون لفرضها
بدرجة أو أخرى عن طريق الإرهاب.
لكن أيامنا هذه شهدت تحولا عن طريق
"دمقرطة" الإرهاب الإسلامي (أو الجهادي
أو الإسلاميزم)؛ فأصبح أشخاص "عاديون
تماما" يقومون، أو يسعون بكل طريقة
للقيام، بعمليات إرهابية. وأكثر من ذلك،
أصبح للإرهاب شعبية واسعة:
ـ لا يكاد يمر أسبوع دون أن يتم القبض على
مجموعات ممن يخططون لعمليات إرهابية في
أوروبا؛ خاصة فرنسا وبلجيكا وأسبانيا
وإلى درجة أقل في ألمانيا وهولندا؛
بصورة تجعل الإعلام والشعوب تطرح الكثير
من الأسئلة حول المهاجرين وحول المسلمين
بصورة عامة. والملاحظ أن هذه المجموعات
لا توجد بينها روابط تنظيمية ولا يمكن
حتى الجزم بوجود أي صلة بينها وبين
"القاعدة". ينقل المحلل السياسي وليام
بفاف عن ريك كولسيت، من المعهد الملكي
البلجيكي للعلاقات الدولية، أن الإرهاب
في أوروبا أصبح "خليطا من الخلايا ذاتية
التطرف التي لها اتصالات دولية لكن بدون
توجيه مركزي". بصورة أخرى، فهو مجموعة من
الدوائر متحدة المركز، الذي مايزال هو
تنظيم القاعدة الدموي. الدائرة الأولى
تتكون من منظمات لها هياكل بصورة أو
بأخرى، تحيط بها دائرة أخرى مخلخلة من
الأفراد المحاربين المستقلين (free lance)
حيث يمكن ربط أي منهم بأي من الآخرين
بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بأساليب
مطاطة وتبدو عفوية.
ـ اتساع رقعة "النشطاء" في هذا المجال
ليشمل شبابا ومن هم أقل شبابا؛ رجالا
ونساء؛ متعلمين وأنصاف متعلمين؛ فقراء
وأغنياء؛ من أبناء دول إسلامية ودول
غربية (متجنسين أو مولودين بها، أو من
أهلها الأصليين المتحولين دينيا)؛
منتمين لمنظمات ومستقلين "من منازلهم"؛
متفرغين وغير متفرغين!
ـ تمتع "شخصيات" مثل أسامة بن لادن بشعبية
كبيرة في الدول الإسلامية. تقول دراسة
ميدانية نشرت في يوليو 2005 لمركز "بيو"
الذي ترأسه مادلين أولبرايت أن نسبة من
"يثقون تماما أو بعض الشيء" في أسامة بن
لادن تصل إلى 60% في بلد مثل الأردن (51% في
باكستان و 35% في اندونيسيا و 26% في
المغرب؛ مع ملاحظة أن المركز مُنع من عمل
استقصاءاته في عدد من الدول العربية...).
بل إن تأييد "العمليات الانتحارية التي
تستهدف المدنيين" بلغ 57% في الأردن،
مقابل 43% في استقصاء سابق تم بمنتصف 2002!
وإن كانت هذه النسبة ربما تناقصت، فيما
يتعلق بالمدنيين "المؤمنين"، بعد
انفجارات عمان الزرقاوية....
ـ يمكنك أن تجد جماعات إرهابية بالفكر أو
العمل تدخل "انتخابات" وتخرج منها بتأييد
شعبي واسع، كما حدث مؤخرا في العراق ومصر
وفلسطين الخ، وقبلها في الجزائر وغدا في
سوريا. وبالطبع ليس من المفترض أن يحدث
هذا! فالديموقراطية في لبها هي عملية
تستند إلى إرادة شعب يتمتع أفراده
بالحرية التامة، وأسسها تشمل المشاركة
السلمية في الحكم واحترام كافة الفرقاء.
فكيف نفسر تسليم الشعب قياده لعنفيين
ليس هناك ما يضمن ألا يمارسوا عنفهم ضد
من انتخبوهم؛ إذ تؤكد تجارب التاريخ أن
ذلك بالضبط هو ما يحدث!
***
وسوف يكون على أساتذة العلوم السياسية
البحث عما يفسر كل هذا بالتفصيل. لكن،
وبغض النظر عن عدد من الأسباب التي لا
نريد الخوض فيها، يمكننا الإشارة إلى ما
يلي:
1 ـ الإرهاب الديني الإسلامي هو النوع
الوحيد الذي مازال ينمو. وفيه يُستخدم
العنف لإعلاء أهداف يعتقد ممارسوه أنها
تستند لأوامر إلهية، بهدف إحداث تغيرات
سياسية أو مجتمعية شاملة. وبما أن
أمثالهم لا يهمهم اجتذاب ولاء أحد بل
اتباع رؤيتهم الخاصة حول الإرادة
الإلهية؛ فليس لديهم ما يكبح أفعالهم
بالطريقة التي سبق تاريخيا حدوثها
لغيرهم. وكما يقول هوفمان: "فإن الجماعات
الإرهابية الدينية المتطرفة يمكنها
استخدام العنف اللامحدود ضد قائمة
واسعة، بل غير محدودة، من الأهداف قد
تشمل أيا من يكون مغايرا للجماعة في
الدين أو الطائفة". وبالتالي فليس هناك
حتمية للانتماء إلى تنظيم مغلق ومحدد،
إذ يكفي أن يشعر شخص ما بأن واجبه الديني
يدفعه للقيام بتنفيذ أوامر إلهيه لكي
يسعى للقيام بما في وسعه.
ولكي يأخذ الشخص هوية جهادية، فعليه أن
يقتلع ذاته من مجتمعه القريب، وأن يسيس
وجهات نظره ويبحث عن مجموعات تشارك نفس
الأفكار. وبالتدريج يؤدي أسلوب التفكير
الجَمعي (group thinking) إلى القضاء على تعدد
وجهات النظر وإلى تبسيط الواقع
واختزاله، ويدفع الشخصَ إلى نزع
الإنسانية عن كل من يعارضه، حتى لو كان
مسلما مثله. وقد أدت "ميكانيزم" شبيهة إلى
هزيمة الإرهابيين اليساريين الأوروبيين
في السبعينيات والفوضويين في نهاية
القرن 19 لأنها تعزلهم عن الفئات أو
الطوائف التي (يظنون أنهم) يعملون
بالنيابة عنها. ولكن من المستبعد أن تؤدي
لنفس النتيجة (أي الهزيمة) في حالة
الإرهاب الإسلامي لارتباطه بالولاء لما
هو "مطلق" وكذلك لأن "التفويض المعنوي"
المتفق عليه ضمنا لم يتم سحبه بصورة
واضحة.
2 ـ استخدام واسع للتكنولوجيا الحديثة.
تقول دراسات مجلس العلاقات الخارجية
الأمريكي أن عدد المواقع الإرهابية
الإسلامية قد تعدت 4000 ونشاطاتها تشمل بث
الأفكار وتبادل المعلومات والدعاية
والسايبرإرهاب. ويقوم الإرهابيون اليوم
بتبادل التعليمات وخطط الهجوم بل
والتحويلات المالية عبر لوحات الرسائل
وغرف الدردشة. وتقوم مواقعهم بدور أرض
تدريب تخيلية تعطي دروسا في صنع القنابل
وإطلاق الصواريخ الخ. كما أنها تبث
فيديوهات دعائية مصممة بحرفية عالية
بهدف رفع الروح المعنوية التحميس
واستقطاب أعضاء جدد. وعلى سبيل المثال
نشرت جماعة الزرقاوي في يوليو 2005 فيديو
بروباجاندا عالي الجودة (وصفته الواشنطن
بوست بأنه يشبه التقارير السنوية لكبرى
الشركات) مدته 46 دقيقة وعنوانه "الدين
سيصبح لله".
4 ـ الإعلام الذي يمجد الإرهاب ويدعو
إليه، بحرفية فائقة. وما تقوم به فضائيات
إخبارية (مثل "الجزيرة") وغيرها من
المنابر المشابهة التوجه في هذا المجال
لا يحتاج لدليل على أهميته في اجتذاب
الإرهابيين الجدد، إذ تقوم بتحويل رموز
الإرهاب إلى "أيقونات"، وأفكار الإرهاب
إلى دوافع ليست فقط مقبولة وذات مشروعية
تامة، بل هي أقرب إلى الواجب الذي يؤدي
التقاعس عنه إلى شعور بالذنب.
5 ـ يرتبط بهذا بالطبع وجود الكثيرين ممن
يدفعهم حب الظهور والتشبه بالأبطال
الأيقونية إلى القيام بأعمال "خارقة"
تجلب لهم المديح والاعتراف، حتى بعد
موتهم. ومن بعض الأوجه، وكما قال بريان
جنكينز في 1974 ، فإن "الإرهاب هو عمل
مسرحي".
6 ـ الدور الذي تقوم به النظم
الاستبدادية التي تقاوم الإرهاب المنظم
إذا كان يهدد استقرارها، لكنها تنافسه
بهدف سحب البساط من تحت رجليه، عن طريق
بث أفكاره على نطاق واسع مما يسهم بشكل
حاسم في "دمقرطة" الإرهاب.
7 ـ انتشار الحفز والحث الديني الذي يؤدي
بالمؤمن إلى أن يتحول لإرهابي يأخذ
الأمور بيديه بدون انتظار لأحد. ونماذج
هذا قيام "أناس عاديين"، أحيانا من
الجيران، بمهاجمة كنائس في باكستان ومصر
والعراق وغيرها. ولا تنجو من الاستهداف
صالونات الحلاقة، وبالطبع محلات بيع
الخمور، كما يحدث في العراق أو غزة. ومع
مثل هذه الأفعال تنهار المسافة بين
الإرهاب (كما تم تعريفه أعلاه) وانفجارات
الغضب الهمجي للغوغاء.
8 ـ انسحاب "النخب" من المفكرين والمثقفين
من الساحة خوفا من تهديدات وابتزاز
"شباب" الإرهابيين، مما يشجع هؤلاء أكثر
فأكثر؛ إذ يرون نتائج مباشرة لأعمالهم
تجعلهم يشعرون بالنشوة وتدعوهم للتمادي.
ومن نماذج هذا انسحاب سيد القمني وغيره
من المفكرين في مصر والعراق وغيرهما،
وأخيرا بلغت الأمور حد المهزلة الكارثية
غير المسبوقة في العالم، عندما أصر نجيب
محفوظ، الأديب العربي الوحيد الحائز على
جائزة نوبل، على ألا ينشر روايته "أولاد
حارتنا" في مصر إلا إذا وافق على ذلك
الأزهر (الجهة الدينية التي ليس لها أصلا
حق الرقابة على الأعمال الأدبية) وإلا
إذا كتب مقدمة الطبعة أحد رموز
الإسلاميين في مصر!!
هذا قليل مما يمكن قوله حول "دمقرطة
الإرهاب" وهو واحد من أهم الإنجازات
والمساهمات الحضارية للعالم العربي
الإسلامي في العصور الحديثة. وإلى
المقال القادم لمناقشة الظاهرة الأخرى
حول "إرهاب الديموقراطية".
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages