وتواجد هذه المؤسسات في أي مجتمع حق من حقوق أبنائه المواطنين دون تمييز،
إذ أن هدفها الرقي بالمجتمع، سواء من خلال المساهمة في الحفاظ على
البيئة أو الدفاع عن حقوق الإنسان، أو تحسين الوضع الصحي، أو المشاركة في
البرامج الاقتصادية، والأنشطة التعليمية، و...، مما يستدعي عدم تجاهله من
قبل الحكومات، فعائده هو ترسيخ مبادئ السلم الاجتماعي وتعزيز وحدة
البلاد. ويجب على الدولة أن تعي أدوار هذه المؤسسات، وتعمل على تمكينها
من القيام بواجباتها المنوطة بها في تفعيل الحراك الفكري والثقافي
والاجتماعي وحتى السياسي، بما ينسجم مع الثوابت الوطنية، من خلال تمكينها
من المشاركة في صنع القرار، مما يسهم بالتالي في تعميق روح الولاء للوطن.
كما يتوجب على الدولة أن تنفتح على متطلبات وحاجات العصر في هذا المجال،
وان تعي وتتيقن أن هذه المؤسسات ليست خصماً، كما أنها ليست تابعاً لها،
وإنما هي شريك حقيقي تنموي، يمثل محركاً فاعلاً للحياة اليومية في كل
إيقاعاتها، وداعماً للجهود الرسمية التي تصب في مصلحة المواطن.
ولكون المرأة إحدى مكونات المجتمع، وجزء أساسي في بناء النسيج العام له،
وشريك في التنمية، لا مستهلك لها - كما يتصوره البعض -، كان لا بد أن
تضطلع هذه المؤسسات بدور بارز في حماية المرأة، وضمان حقوقها كاملة غير
منقوصة، والاهتمام ببرامجها التنموية، والاجتماعية، وتطوير مشاركتها في
النشاط الاقتصادي، من خلال توفير فرص العمل لها. كما يجب أن يكون لها دور
بارز في التعاون والتنسيق مع باقي سلطات الدولة، من أجل وضع إستراتيجية
وطنية تمكن المرأة اقتصادياً، والذي هو من أحد أهم مستلزمات نهوضها، في
سياق مفهوم التنمية الإنسانية الشاملة.
ومن هنا يبرز الدور الإيجابي الذي يمكن أن تمارسه مؤسسات المجتمع المدني
في المملكة، مع النصف المعطل من طاقات الوطن (المرأة)، حيث يتحقق حينها
مفهوم التنمية الجديد، القائم على تقاسم الأدوار بينها وبين القطاعين
الحكومي والخاص، ضمن إطار تشاركي تكاملي، وذلك بعد الوقوف على احتياجات
المجتمع، ثم العمل نحو تحقيقها. لكن وبكل مصداقية أنى لنا ذلك وواقعنا
يفتقد المناخ الطبيعي الحر في أن يكون له صوت يُسمع، ورأي ووجود عملي
يُحترم، ومهيأ لمثل هذا التواجد المؤسساتي الذي يخدم مصالح الوطن عبر
الرجل، ناهيكم عن المرأة؟
ولعل المشكلة تتجلى بدءاً في مدى القناعة بأهمية وجود مثل هذه المؤسسات،
ففي الوقت الذي أصبح اليوم للمجتمع المدني (بمؤسساته) دور كبير في تدبير
شؤون المجتمعات محلياً ودولياً، كذلك في التوجهات والقرارات التي تتخذها
المنظمات والهيئات الدولية؛ يجب أن نعترف بان الوعي لدينا بأهميتها لا
يزال قاصراً جداً، وضعيفاً عن أن يحقق ما نطمح إليه كمواطنين. كما يستلزم
منا أن لا نتوارى خلف ادعاءات التقدم في هذا الجانب، إذ أن الباب لا زال
موصداً أمام كل الطموحات. وهذا الوضع لا بد أن يُدرك مدى خطورته. فعلى
الرغم مما شهدته مؤسسات المجتمع المدني على مستوى العالم العربي، خاصة
فيما يتعلق بقضايا تمكين المرأة، من نقلة نوعية متميزة في وتيرة أنشطتها
ومجالاتها وتأثيراتها على مجتمعاتها، وإن كانت أقل من المأمول في بعض
الدول؛ نرى مجتمعنا لا زال يراوح مكانه في ذلك، مع وجود بعض المؤسسات –
المرسّمة وغير المرسّمة - التي ساهمت إلى حدٍ ما في عطاء لهذا المجتمع من
خلال بعض برامج التوظيف، التزويج، تدريب المرأة على المهارات، والدورات
التأهيلية... كما تواجهها الكثير من العقبات كنقص الكفاءات المتخصصة،
وعدم وضوح الرؤية والرسالة لديها، وتعدد الاهتمامات وعدم التخصص، و..،
مما يتطلب النظر لهذا الجانب بثقة وتفاعل ايجابي، وسرعة المبادرة إلى
إقرار نظام وسن قانون لتشكيل وتسجيل مؤسسات المجتمع المدني، يكفل لها
العمل بسقف عالٍ من الحرية، بعيدٍ عن أجهزة الرقابة المتشددة، من أجل أن
تقوم هذه المؤسسات بدورها الأكمل، إذ أنها تمثل في صميمها ومجموعها بنى
تطوعية حرة تحكمها روح المبادرة الايجابية. ولا ضير في أن نقف وقفة فاحصة
على المؤسسات الناشطة في المجتمعات القريبة والبعيدة عنا، بهدف التعرف
على ما تملكه من عوامل النجاح والإخفاق، والاستفادة من تجاربها، ومدى
تأثيرها على مجتمعاتها، لنقرر حينها أين يجدر بنا وضع أقدامنا، وحتى متى
نبقى في حراكنا "السلحفائي"، ثم لنعرف من يكون المستفيد الحقيقي جراء
ذلك!
ولا شك أن الدولة التي تشجع مؤسسات العمل المدني وتقف مسانداً لها في
خدماتها؛ هي دولة تدرك أهمية المواطن في خدمة وطنه، وتنظر إليه بمنظار
موجه بخط أفقي يقف في صفوفها، وليس من برج عالٍ يبدو لها قزماً من خلاله،
كما وتكون غايتها المثلى إقامة مجتمع إنساني سليم معافى من كل الأدواء
التي تحد من انطلاقته.