بسم الله الرحمن الرحيم
أكتب التالي استجابة لطلب أخي الزميل الفاضل المهندس عادل الحسني لأبين بعض ما أعرفه عن رسالة بعض الآيات الكريمة من سورة الإسراء بشأن بني إسرائيل والتي استدل بها أحد الإخوة بأن علم الله تعالى سبق أعمال عباده الاختيارية، والعياذ بالله.
تلك الآيات الكريمة من سورة الإسراء والتي تم بيانها قبل أكثر من عشر سنوات هي:
وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ ِلأنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8).
هذه الآيات لا تتحدث عن أعمال الأفراد الاختيارية بل توضح سياسة رب العالمين في إدارة هذا الكوكب. إنه سبحانه قد وضح لنا في سورة السجدة بأنه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة والآية بعينها:
يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5). هناك دول متطورة تمهد للمستقبل على أساس فهمهم لشخصيات أفرادهم ومحاسباتهم لإمكاناتهم و حساسية مواقعهم فكيف بالله تعالى؟
وهو سبحانه لم يذكر في القرآن أكثر القضايا المستقبلية الكبرى في الأرض مثل الحربين العالميتين والحرب الباردة وحرب فيتنام وفساد القاعدة وداعش وأمثالهم والغزوات التركية الإجرامية في الدول المحيطة بتركيا من كل جانب وظهور بني أمية وبني العباس والفاطميين وغيرهم من المجرمين. هذه القضايا الكبرى التي أثرت في سير السياسة في كوكبنا غير مذكورة في القرآن. كما أن القرآن لم يتحدث أبدا عن الفلسطينيين الذين نحتمل فوزهم في النهاية على بني إسرائيل.
ولا ينطوي القرآن على أي ذكر لظهور المذاهب الإسلامية والفقه الإسلامي وغير ذلك مما ضرت وتضر بالثقافة القرآنية التي يريدها الله تعالى.
إنما نرى في القرآن اهتماما كبيراً ببني إسرائيل ومستقبلهم في الأرض وكذلك الحركة المضادة للخلافة الإسلامية على يد المغول أو يأجوج ومأجوج. واسمحوا لي أن أوضح بأن الديانات السماوية التي اهتم بها الله تعالى في القرآن الكريم لم تنتشر أيام الرسل إلا في رقعة صغيرة من الأرض وليس هناك أي ذكر أو اهتمام سماوي بالمجتمعات الهندية والصينية والأوروبية. ذكر القرآن اسم أسرة بني إسرائيل وأسرة قريش وعشيرتي يأجوج ومأجوج. وقد وضحت مرارا وتكرارا وخاصة في كتابي الذي نشرته حول قصة الصديق يوسف بأن الله تعالى يريد أن يقيم الحجة على خلقه في هذا الكوكب بحركتين عائلية بواسطة بني إسرائيل وأخرى غير عائلية بل مهتمة بالقانون والشورى والرأي العام وهم الذين انحدروا من إسماعيل عم إسرائيل في مكة واختلطوا بغيرهم غير عابئين كثيرا بتماسكهم الأسري. أولئك يسعون لتقوية الوثائق الأسرية ولو على حساب غيرهم ولهم مزايا مالية وسياسية وعلمية والمجموعة الثانية يهتمون بالمواثيق والعقود والعلاقات الإنسانية ويميلون إلى المزيد من التسامح والتعاون بين كل البشر وينبذون التماسك العرقي.
ولذلك أبقى الله تعالى أسرة بني إسرائيل بقوتها ووعد بأن يبقوا إلى يوم القيامة ولا يمكن إزالتهم ورميهم بالبحر كما يظن البعض وكما ظن هيتلر ولم يفلح في النهاية. هم الذين استقبلوا التوراة وجعل الله منهم أئمة وأنبياء وملوكا مقتدرين.
والمجموعة الثانية والتي ستبقى على أساس كيان غير أسري هي التي استلمت القرآن في مكة ولا يمكن تصفيتهم ورميهم بالبحر كما تصور بعض غير المسلمين.
والحقيقة بأنهما كلاهما فسدا في الأرض ولكل منهما دورهما المهم في حياة البشر. فكان لليهود دور كبير حتى في ظهور الرسالة الإسلامية. كان لهم دور سلبي واضح وقد أسلم قليل منهم فصار واضحا أن التماسك الأسري لا يفقد الإنسان كل مقومات التعاون الإنساني ولكنه في النهاية ليس كافيا للتمسك بالحقيقة. والمسلمون فسدوا في الأرض بغزواتهم وحروبهم البربرية الفاسدة التي اشتهرت بالفتوحات الإسلامية وقد سلط الله تعالى عليهم يأجوج ومأجوج في النهاية فدمروهم وألحقوا بهم خسائر كبيرة في الأرواح والأموال.
وبنو إسرائيل فسدوا في أوروبا وألمانيا وجمعوا المال والقوة حتى أزعجوا كل الألمان ضدهم فسلط الله مجموعة من الدول المتعاونة مع ألمانيا عليهم ودمروهم وفعلوا بهم ما فعله التتر بالمسلمين. ثم رد الله تعالى الكرة لبني إسرائيل كما نرى اليوم وعادوا إلى ما قاموا به في أوروبا وأنا أحتمل بأن الأمريكيين سوف يدمرونهم وسيتعاونون مع الفلسطينيين ضدهم. إن تمسكهم الوقح بأسرتهم يثير غضب الشعوب ويقضي عليهم. فالوعد الثاني في القرآن قادم ولا نعرف موعده.
وهناك دور لفساد كبير من المسلمين وقد بدأ بالإرهاب كما نرى وسوف يدمر الله تعالى الإرهابيين من المسلمين أيضا كما أظن ولكن لا ندري متى فقد يكون قريبا أو بعيدا ولكن سيأتي دون شك. هذه سنة الله تعالى في خلقه. ولا ننس بأن نظام السماء كما نعرفه من القرآن مغاير لأنظمتنا الدنيوية فالله تعالى لا يستثني القتلة من بين الناس بل يجمعهم مع كل من رضي بفعالهم. إن الله تعالى اعتبر كل الذين رضوا بعقر ناقة الله تعالى والمعروفة بيننا بناقة صالح ودمرهم واعتبرهم مثل الشخص الذي مارس العقر. وأمر سبحانه نبينا أن يقول التالي للحاضرين أمامه من بني إسرائيل كما نقرأ من سورة آل عمران:
الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (183). قال اليهود بعد وفاة خاتم أنبياء بني إسرائيل عيسى قبل حوالي ستة قرون من ظهور خاتم النبيين محمد عليهما سلام الله تعالى، قالوا لخاتم النبيين بأنهم ينتظرون منه معجزة مادية تتأثر بالنار وليس معجزة معنوية لا تتأثر بالنار ويقصدون به القرآن الذي ليس له أثر مادي. فأمر الله تعالى الرسول بأن يقول لهم بأن الذين سبقوه من الرسل قد جاؤوهم بما يطلبون وهو بظني إشارة إلى طلبهم من المسيح أن يأتي بمائدة مادية يأكلون منها من السماء. لكن جمعا من بني إسرائيل وبعد ما استجاب لهم الرسول عيسى وأنزل الله بدعائه المائدة فإنهم سعوا لقتل المسيح دون أن يتحقق طبعا. ولنعلم بأن الله تعالى لا يمكن أن يسمح بقتل أي نبي في الأرض وقد وعد الرسل جميعا بالسلام. وكل الأنبياء رسل بالقوة.
فقتل النبيين يعني قصد ذلك والرضا بذلك، و بغير حق يعني بدون أن يتحقق فلا يمكن أن نعتبر قتل نبي حقا أبدا. لقد اعتبر الله تعالى أولادهم بعد ستة قرون قتلة للأنبياء لأنهم كانوا راضين بقتل المسيح وظنوا بأنه قتل فعلا. فالله تعالى يحاسبنا بما في نفوسنا ولا تنحصر محاسبتنا بما فعلناه بأيدينا. هناك الكثيرون يحبون القتل ولا يتأتى لهم ذلك فهم قتلة في منطق الرحمن بظني والعلم عند الله تعالى. بالطبع لا يجوز لبشر أن يمس من لا يمس بدن أحد بأي أذى ولكن الله تعالى هو الذي يتولى الأمر بنفسه وحينما يشاء، وغالبا ما يكون في الآخرة وحدها وأحيانا في الدارين. أكرر بأن الله تعالى لم يسمح لأحد أن يحاكم أحدا أو يؤذيه على عقيدته ونواياه.
وقد وضح الله تعالى بعض هذه الحركات المستقبلية في القرآن ليبين لمن يريد فهم نظامه القاضي بأخذ الشهادة من أهل الأرض وقد وضحت ذلك في محاضرات التفسير التي تجاوزت 1100 محاضرة بفضل الله تعالى حتى يومنا هذا، ولا مجال لبيان المزيد في هذا المختصر.
هذه الحركات طبيعية وقانونية ولا ارتباط لها بأعمال الأفراد الاختيارية. إن أهل هذا الكوكب مستعدون للفساد حينما يكسبون القوة والله تعالى أراد أن يعطي القوة مرتين لليهود وقد يعيد الكرة أيضا كما قال تعالى: وإن عدتم عدنا. وهكذا يفعل مع المسلمين ولذلك ذكر يأجوج ومأجوج ايضا في القرآن الكريم. فاليهود والمسلمون أمتان عائلية وغير عائلية وهما باقيتان حتى يوم القيامة والقوة تدور بينهما كما أن الضعف كذلك. هما نموذجان للإنسانية في هذا الكوكب وعلى أساسهما يُقام الحساب يوم القيامة كما أظن والعلم عند المولى.
لكن ما يقوم به عمرو وبكر وخالد وخويلد ووو لا علاقة له بالحركات الأممية الكبرى في الأرض. إن كل إنسان مختار أن يقوم باتباع أحكام الله تعالى وباستنكار الاعتداء على البشر واستنكار السعي لقتل أنبياء الله تعالى ويكسب رضوان ربه كما يكسب السلامة في الدنيا والآخرة. والذين يؤيدون الفساد وسفك الدماء سوف يُبتلون بالخذلان والصغار في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم. هذه سنن الله تعالى ويمكن لكل إنسان أن يتجنب غضب ربه بأعماله الاختيارية. هذه الأعمال الشخصية غير مبرمجة ولا يمكن العلم بها وهو ما يريده الله تعالى. إنه يريد أن تبقى أعمالنا الاختيارية باختيارنا وكلها لا تضر بسياسته العظمى في الأرض ولا تضر بسياسته الأممية.
وأما القول بأن الله تعالى يعلم أعمال الأفراد قبل أن يخلقهم فهو قول فاسد ودليل واضح على جهل القائل بحقائق الأمور ولا عبرة بأن المشاهير قالوا ويقولون بذلك. لا عبرة بأن نجمع مقولات الأفراد وخطب بعض الخطباء الذين ينظرون إلى القرآن نظرة سطحية غير عميقة لإثبات أفكار مرفوضة قرآنياً. القرآن سيبقى وكل هؤلاء سيزولون وكل التخيلات والأوهام ستُفضح وتذهب ريحها بإذن الله تعالى.
حتى سياسة إعطاء المجال لبني إسرائيل ليفسدوا في الأرض مرتين قد تكون قرارا اتخذه الله تعالى قبل إنزال التوراة فقط وليس يوم خلق الناس. وهذا ما تقوله الآية الكريمة: وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب... والكتاب هو التوراة لأنه مسبوق بالآية التالية من سورة الإسراء: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً (2). و التوراة والقرآن لا يمكن أن يكونا كتبا قديمة جدا بل هما كتابان أنزلهما الله تعالى وقضى بهما يوم نزولهما؛ وأعتقد بأن الإخوة الكرام يعرفون معنى القضاء.
لنقرأ هذه الآيات من سورة المائدة:
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ َلأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ َلأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32).
فالله تعالى خبير بما يفعله عباده وينظر إليهم وإلى تصرفاتهم وعلى أساس ذلك يشرع لهم ما يتناسب مع شأنهم. إنه سبحانه يملك البلايين من المجرات وهي لم تُخلق باطلا وكل منها تضم مئات البلايين من الأنظمة الشمسية وكلها تستضيف أناسي مثلنا. ونحن وإياهم لسنا ربوتات بل أتينا بأمر الله تعالى عن طريق الطبيعة فلكل واحد منا شخصيته المميزة ولكل أسرة شخصيتها المميزة ولبشر كل كوكب من كواكب الكون شخصية مميزة عن بشر الكوكب الآخر. ولكن الإخوة الذين يفكرون قليلا يظنون بأن الله تعالى خلق هذا الكون المهيب لهذا العدد الضئيل من بشر هذا الكوكب. فهؤلاء تنقصهم معرفة الله تعالى العلي العظيم.
الذين يظنون بأن الله تعالى خلق الكون لأجل خمسة أشخاص تحت الكساء فهم أقل شأنا من أن يتحدثوا عن الجبار العظيم. الذين يكتبون الكتب بالآلاف حول ولاية العهد لعلي بن أبي طالب وكأن رسول الله ملك قيصري لا يمكن الاعتماد عليهم ولا على عقولهم الساذجة. الذين يقرؤون القرآن الذي يصرح بأن الأمر يوم القيامة لله وبأن الإنسان يفقد إرادته بعد الموت ويعتقدون بأن رسول الله يتشفع لهم فهم إلى الجهل أقرب منهم إلى العقل على الرغم من الألقاب الضخمة التي زينوا أنفسهم بها. الذين ينادون بالعوائل وبأهالي البيوت ليسوا أكثر عقلية من عامة اليهود وليسوا أكثر تطورا من إخوان يوسف. الذين لا يدركون بأن الإنسان حين الموت يفقد بدنه وكل الموتى أحياء عند ربهم بنفوسهم ويظنون بأن الموتى يأكلون ويشربون ويتمتعون بالحور العين فهم سفهاء لا يعرفون الموت حتى الآن.
ومع كل ذلك فإنني أظن بأن من واجبنا أن نحترم كل الناس لأنهم بشر لكننا لا نتبعهم. علينا بأن نتبع كلام الله تعالى حسب فهمنا وليس حسب فهم الآخرين. إن كل إنسان بنفسه مسؤول أمام الله تعالى ولا يفيده التبعية للغير كالقطيع أو كالببغاوات.
نحن جميعا عبيد لرب يستحق أن نسجد ونخضع له وحده ولا نخضع للأنبياء ولا لغير الأنبياء.
لنسعى إلى أن نعرف الله تعالى ونعرف أسماءه وندعوه بها. بالطبع لم يذكر الله تعالى لنفسه صفات ومن المفيد لنا أن نعرف بأن الله تعالى بسيط لا يمكن أن تكون له إلا صفة واحدة لأنه غير مركب ولكن الصفات التي نتدارسها فهي لتقريب أذهاننا فحسب، لأننا نجهل صفة ربنا. ولنعرف بأن أسماء الله لا تُعَرِّف لنا ذات الله تعالى بل كلها باعتبار أفعاله الكريمة عز اسمه. هذه الأسماء تقربنا إلى معرفته وقد سمح لنا أن ندعوه بها ولولا إذنه لكنا مشركين إن ناديناه بها. نحن نسمي أسماءه صفات لأننا جاهلون ولا يمكن لمن يعرف منا أن يمنع عبيد الله تعالى من أن يدعو ربهم بالطريقة التي يعرفونه بها. هل يجوز لي أن أمنع الفارسي والهندي والإنجليزي أن ينادي ربه بما يحلو له من أسماء بلغته التي لا يمكن أن تستوعب حقيقة معنى الرحمان ولا حقيقة معنى الله تعالى كأسماء تقربهم فقط؟
إن اسم "الله" لا يدل على ذات الله تعالى كما ظنوا، بل ينبهنا إلى أن كل شيء خاضع له. فأشهر وأعظم اسم للقدوس العظيم بيننا بعيد عن صفة الله تعالى فلا تظنوا بأن لربكم صفات.
وأخير ا طلب مني أخي وزميلي الفاضل المهندس عبد السلام المياحي أن أكتب بعض الشيء عن يأجوج ومأجوج فإليه ذلك بكل اختصار بإذن ربي. بالطبع أن الموضوع مشروح بكل تفصيل وفي عدة محاضرات قبل حوالي تسع سنوات.
يأجوج ومأجوج عشيرتان مذكورتان في الكتب السماوية وقصتهما بظني تعود إلى ما قبل ظهور أول رسول على الأرض وهو نوح. ذلك لأن خط سير ذي القرنين كان أرضيا ولم يستعمل البحار لأن السفن لم تكن مصنوعة بعد ومخترعها هو النبي نوح عليه السلام. ذو القرنين شخص آمن بالله تعالى باعتبار الفطرة وليس هو الإسكندر المقدوني المجرم كما ظن قليلو العلم. وأبطال سورة الكهف هم غير الأنبياء ولعل جميعهم غير موسى كانوا قبل ظهور الأنبياء. هناك نبي واحد مذكور في سورة الكهف وهو موسى الذي ظهر في السورة تلميذا لا معلما كالعادة. ولا وجود للخضر وغير الخضر في كتاب الله تعالى وكل ادعاء بشري يعود إلى العصور القديمة باطل ولا عبرة فيه.
وبما أن الرسالات بدأت من الشرق الأوسط ومن المنطقة المحيطة بفلسطين لسبب يعرفه تلاميذ القرآن فإن ذي القرنين من أهل نفس المنطقة احتمالا. فهو استعان بالشمس وأخذ طريقه برجاله وعدته باتجاه مغرب الشمس حتى وصل إلى بعض خلجان الدول الإسكندنافية. هناك توجد بعض العيون الحارة ولم يتمكن من تجاوز البحر. ثم عاد مستعينا بجهة مشرق الشمس حتى وصل إلى بلده واستمر في السير حتى وصل إلى باكستان الفعلية. هي احتمالا المنطقة الحارة التي رأى بأن الناس لا يملكون ما يقيهم من الشمس. وأشعر بأنه ملام في عدم قيامه بعمل لمساعدتهم كما استنتجته من الآيات الكريمة. ثم تعلَّم أن يأخذ خطا عموديا على خط سيره من أوروبا إلى باكستان وذلك بمساعدة الشمس أيضا. فسار حتى وصل إلى منغوليا الفعلية. هناك توجد منطقة تحتوي على الحديد والنحاس. وهناك مجموعة من الجبال. بالطبع أنني ما زرت المنطقة لأحدد المكان بمعلوماتي القرآنية.
عمل ذو القرنين السد وعاد على نفس الخط الذي سار عليه مستعينا بمحاذاة حركة الأرض حول نفسها بالنسبة للشمس. عاد إلى بلاده احتمالا بعد أن أنهى جولته السياحية الطويلة في رقعة كبيرة من الأرض متحاشيا الأحواض المائية. من قصة ذي القرنين نعرف بأن الإنسان كان منتشرا في رقعة كبيرة نسبيا من الأرض قبل أكثر من خمسة آلاف وخمسمائة سنة. نحن نعرف بأن التاريخ اليهودي تمثل الخزعبلات والأساطير وكذلك تواريخ المسلمين الذي اتبع أصحابه أساطير اليهود كما نحتمل. فلا عبرة بالتواريخ المدونة لأنها من نسج الخيال. تنطوي سورة الكهف على مجموعة كبيرة من أسرار القرآن وقمت ببيان الكثير منه بفضل الله تعالى يوم التفسير.
ولله تعالى في الأرض إمكانات خفية علينا ليقوم بالعقاب حينما يشاء. قال تعالى في سورة الذاريات: لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34). مسومة تعني معلمة، عند ربك تعني في اختيار الله تعالى دون غيره. ويأجوج ومأجوج بظني من هذا النوع من المسومات التي تبقى حتى يشاء الله تعالى وقد يريد سبحانه غير ذلك. وإن عدتم عدنا، هو نظامه كما يبدو لي والعلم عنده وحده سبحانه وتعالى.
أخوكم
أحمد المُهري
22/7/2014