حديث الجن الأزرق - علم الفقه السني الجديد علم من العلوم الإنسانية
استمرارًا للحوار الدائر حول ما إذا كانت شهادة الشهود تنشيء علما, أرسل إلينا المفكر الإسلامي الكبير, سيادة الدكتور محمد أبو المكارم, الرسالة التالية. يقول سيادته:
"يجب أن نفرق بين لفظ اليقين حين ينسب للواقع وحين ينسب للاعتقاد. اليقين الواقعي يعني تطابق القول مع الحقيقة الواقعة, وهذا لا يحدث إلا من خلال إدراك الحواس. أما اليقين الاعتقادي فيحدث نتيجة اطمئنان القلب, ولا يمكن إثباته بأي طريقة علمية إدراكية. بقي أن نضع قواعد للعلوم النظرية مقابل العلوم المادية. فالعلوم النظرية لا يمكن إثباتها بأي دليل قطعي, وبهذا فلا يمكن فرضها على الآخرين أو اعتبارها دليلا دامغا على أي شيء. وبهذا فمن اقتنع بها وصدقها فلنفسه, ومن كذب بها فعلى نفسه. لا يعد من ينكر شيئًا من العلوم النظرية جاهلاً, أو أحمقًا, كما لا يعد من يشكك فيها آثمًا, بل هذا حق من حقوق البشر. إن العلوم النظرية هي اجتهاد مشروع ومحمود للبحث عن الحقيقة فيما وراء الواقع المادي, وبهذا فلا يجب التهوين فيما يصنعونه, كما لا يجب التهويل والارتقاء بهذا العمل إلى مرتبة العلم اليقيني. هذه مجرد محاولة لوضع قواعد للتفرقة بين العلم النظري والعلم اليقيني, أتمنى من أعضاء المركز تصحيح ما ذكرته أو إضافة ما يرونه." انتهى كلام سيادته
خالص الشكر لمفكرنا الإسلامي الكبير على كريم رسالته. ولي تعليق.
بداية, لا بد من تقديم وافر الشكر والتقدير لمفكرنا الإسلامي الكبير على سعة صدره, وعدم نفاد صبره خلال الأسبوعين الماضيين على كم التساؤلات التي أثرتها عقب كل رسالة أرسلها فيما يتعلق بما إذا كان كان من الممكن أن "تنشيء شهادة الشهود علما". لم يؤسس الحوار الذي دار حول هذا الموضوع فكرة أن "شهادة الشهود لا تنتج علمًا" وحسب, بل أسس كذلك فكرة أن "الفقه الإسلامي" – ويا للعجب – ما هو إلا علم من العلوم الإنسانية ينطبق عليه ما ينطبق عليها, ولا ينطبق عليه ما لا ينطبق عليها. لا يختلف "علم الفقه الإسلامي", بهذا الشكل, عن "علم النفس", ولا "علم الاجتماع", ولا "علم الاقتصاد", ولا "علم اللغة", ولا "علم النفس الاجتماعي", ولا علم اللغة النفسي", ولا "علم الاقتصاد السياسي", ولا أي علم من تلك العلوم التي تدرس جانبا أو آخر من جوانب نشاط خليفة الله في ارضه.
رجال الفقه, بهذا الشكل, ويا للعجب, ما هم إلا "علماء" ينطبق عليهم ما ينطبق على العلماء ولا ينطبق عليهم ما لا ينطبق عليهم. تمامًا مثلما يستحيل النظر إلى علماء علم النفس الإدراكي على أنهم "ورثة الأنبياء" يستحيل النظر كذلك إلى علماء "علم الفقه الإسلامي" على أنهم ورثة الأنبياء. حسب علمي, لم يترك لنا أي من الرسل التي أرسلها خالق الكون إلينا مؤلفات في "علم النفس الإدراكي" ولا في "علم الفقه الإسلامي". تمامًا مثلما يستحيل النظر إلى المؤلفات العلمية في العلوم الإنسانية التي صدرت منذ أكثر من ألف عام على أنها تمثل أعظم ما وصل إليه الفكر البشري, يستحيل النظر إلى المؤلفات الفقهية التي صدرت منذ أكثر من ألف عام على أنها تمثل أعظم ما وصل إليه الفكر البشري. تماما مثلما تمثل المؤلفات العلمية في حقل العلوم الإنسانية التي صدرت منذ أكثر من ألف عام البدايات الأولى والمحاولات البدائية لعلماء العلوم الإنسانية, تمثل المؤلفات العلمية في حقل الفقه الإسلامي التي صدرت منذ أكثر من ألف عام البدايات الأولى والمحاولات البدائية لعلماء علم الفقه الإسلامي.
رجاء التوكيد, في هذا السياق, على أن الإشارة إلى الأعمال العلمية التي صدرت منذ أكثر من ألف عام على أنها أعمال بدائية لا يعني, بأي حال من الأحوال, النظر إلى الأعمال التي قامت بها البشرية في قديم الزمان على أنها أعمال بدائية بالضرورة. أنتجت البشرية أعظم الأعمال الموسيقية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر, كما أنتجت أعظم الأعمال الفنية بدءًا من القرن السادس عشر. يكفينا بيكاسو, وماتيس, وفان جوخ, ومانيه, ومونيه, وموديلياني. إلا أننا لا نتحدث "فنا". نحن نتحدث علما. إذا كان "علم الفقه الإسلامي" علما, فهذا هو حال العلوم. أما إذا لم يكن علما, فبالله, وتا لله, ما هو؟ إما أن يكون علمًا وإما أن يكون لا علما. فإذا كان علما فينطبق عليه ما ينطبق على غيره من العلوم. أما إذا لم يكن علما فلا حاجة لنا به. علم الفقه السني الجديد علم من العلوم الإنسانية له ما لها وعليه ما عليها.
يجيب هذا التعليق, أفكر, على دعوة مفكرنا الإسلامي الكبير "لوضع قواعد للتفرقة بين العلم النظري والعلم اليقيني". تتوافر على الشبكة, وفي المكتبات العامة, ومحلات بيع الكتب, عشرات الكتب الخاصة بمنهج البحث العلمي. تكفينا هذه الكتب إن لم تكن تفيض عن حاجتنا. أما في حالة ما إذا كان مفكرنا الإسلامي الكبير يشير إلى حاجتنا إلى كتاب متخصص يبين طريقة استخدام "منهج البحث العلمي" في دراسة "علم الفقه الإسلامي" فلا بد من أن أتفق مع سيادته في أننا نحتاج بالفعل إلى كتاب متخصص في هذا المجال. آمل أن يأتي اليوم الذي نرى فيه كتابا باسم "منهج البحث العلمي في الفقه الإسلامي" يعمل على بيان طريقة استخدام المنهج العلمي في الفقه الإسلامي. قدم قدماء الفقهاء أفضل ما يمكن أن يقدموه مستخدمين في ذلك كل الأدوات التي كان يمكن للثقافة العربية البدائية أن تقدمها. نحن لم نعد بدائيين. حان وقت استخدام أرقى الأداوات التي طورتها البشرية لدراسة العلوم الإنسانية. لا بد من العمل على دراسة دين الله بأفضل الأدوات التي وفق الله خليفته في أرضه إلى الكشف عنها.
6 فبراير 2014
Regards,
Adel Al-Hussainie B.Sc. Civil Eng.
Managing Director
16-18 Park Road
Kingston, KT2 6BG
Tel: +44 208 549 9990
Mob.: +44 (0)797 3305 616