مقال في سورة
علي راضي أبو زريق
تهدف هذه المقالة إلى توجيه النظر إلى منارة من منارات الهداية القرآنية التي صُرِفت عنها قلوب العرب، فلم يستفيدوا منها. ألا وهي فن كتابة المقال. وفي القرآن سور كثيرة مكتوبة بأسلوب المقال الفني الذي لم تعرف آداب العالم المعاصرة أحكم منه . ومع هذا نجد العرب المعاصرين من أكثر الناس بعداً عن إتقان هذا الفن. ولعل سورة الطلاق نموذج واضح للمقالة القرآنية.
وقبل أن أمضي في تحليل السورة أنبه إلى أن الدعوة لتقليد أساليب القرآن في فن الكتابة لا تعني مطلقاً إمكانية امتلاك ما تجلى فيه من إعجاز. ولكنها تقصد إلى فهم أسلوبه للاستفادة منه قدر الإمكان. وليضبط الكاتب أو المتحدث عمله بمعالم الأسلوب القرآني. واضعاً في اعتباره أن مستوى الخطاب القرآني سماء لا تنال. وهو كالسماء تماماً كلما ظن الصاعد فيها أنه أوشك أن يلمسها بيده ازدادت فوق رأسه علواً وزادته معها ارتفاعاً ما أعانته همته على ذلك صبراً.
ولن أتبع هنا أسلوب التحليل العادي. ولكن سأروى لكم قصة حدثت معي. فتكون محصلتها فهم تركيب سورة الطلاق. وتظهر أحداث القصة موقف بعض علمائنا من القرآن الكريم. بل لعلها تلقي ضوءاً على سر عدم استفادة الأمة من بعض نور الكتاب العزيز.
كان ذلك قبل عشرين سنة أو يزيد إذ اعتدت أن أستقبل في بيتي رهطاً من المثقفين الحزبيين
نتدارس معاً جوانب من القرآن أقدر نفعها لهم. وفي أحد اللقاءات حضر المجلس متخصص بالعلوم الدينية وهو في نفس الوقت عضو في حزب التحرير الإسلامي المعروف بالتشدد في فهمه للدين.
وفي بداية اللقاء قلت للحضور سنحلل الليلة سورة الطلاق لنتعلم منها فن كتابة المقال. ولأكون موضوعيا فيما أقول بعيدا عن الشخصنة جلست على يسار الحضور. وجعلت الشخص الأقرب إلي على يمينهم. مباعداً بين نفسي وبين أقربهم إليه. ولأكون صريحا فإنما اعتبرته الأقرب لأنني وإياه ممن تربى في جماعة الإخوان المسلمين وتركناها لخلافات فكرية. فخشيت أن يتهمنا الآخرون ،وهم ممن تربى في أحزاب قومية ويسارية، بالكولسة والتنسيق. ولمزيد من الحياد والموضوعية قلت: سأتلو عليكم آيات سورة الطلاق آية آية أو كل آيتين معاً ابتداءاً من الآية الثانية. ثم تتناقشون حول ما أتلو عليكم حتى تلخصوه في كلمة أو كلمتين. ثم يقوم صديقي فلان بكتابة ما تتفقون عليها دون أن يكون له حق الإشتراك في النقاش.
تلوت الآيتين الثانية والثالثة
وطلبت من الحضور تلخيصهما بكلمة أو كلمتين فاتفقوا على كلمتي عدة الطلاق. وطلبت من صديقي أن يكتبهما كما قيلتا.
ثم تلوت الآية الرابعة
وبعد تلاوة الآية الخامسة اتفق الحضور على اختصارها بكلمة التقوى.
ثم تلوت عليهم الآيتان السادسة والسابعة
فتنازعوا بيننهم أمر الآيتين ليتفقوا على أن موضوعهما البيت والإقامة.
ثم تلوت الآيتين الثامنة والتاسعة :
(وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حساباً شديداً وعذبناها عذاباً نكراً. فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسراً )
وبعد التشاور فهموا من الآيتين عاقبة تعدي الحدود.
ولدى تدارس الآيتين العاشرة والحادية عشرة استنتج الحضور منهما أنهما دعوة لتوقع الخير.
ثم قلت للحضور: أما الآية الأخيرة فسنترك أمرها إلى حين. وأما الآن فلنستمع إلى الكلمات التي اتفقتم عليها وبنفس الترتيب. فقرأ الرجل الذي كان يكتب ما أملوا عليه بأمانة ثم أعاد ما قرأ كي يرسخ في الأذهان.
وبعدها تلوت الآية الأولى من سورة الطلاق:
( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة، واتقوا الله ربكم ، لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبَيًّنة، وتلك حدود الله. ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً )
وعجب الحضور بل أظهروا سعادة فائقة وهم يستمعون إلى كلماتهم التي لخصوا بها آيات السورة ترد بنفس الترتيب في الآية الأولى منها. إلا الضيف الحزبي المتخصص بالعلوم الدينية فقد اضطرب وانزعج . وجاهر بالتهمة يلقيها في وجهي ناسيا أدب الضيافة فأنا صاحب البيت. قال بالحرف الواحد:لعلك يا أستاذ قد أثرت علينا ووجهتنا الوجهة التي تريد. فتصدى له شخص آخر من الحاضرين. ولحسن الحظ أن الشخص الآخر كان زميله في الحزب وصديقه الذي دعاه إلى اللقاء. قال ذلك الشخص : إن الأخ علي لم يتدخل وكان كل دوره قراءة الآية وكنا نحن الذين نقرر معناها الدقيق.
واستمر الحزبي الغاضب في انتقاداته لكني غضضت الطرف عن الإهانات التي وجهت إلي ومضيت في طريقي أشرح لضيفي شروط المقالة الفنية كما تعارفت عليها المراجع المتخصصة في كل لغات الأرض هذه الأيام.
قائلاً: تماما كما صيغت سورة الطلاق يجب أن يبدأ المقال بجملة تسمى أطروحة المقال. ثم تطور الجملة بعدة جمل لتصنع الفقرة الأطروحة. وكل جملة أو شبه جملة في هذه الفقرة يجب أن تعرض جانباً من جوانب موضوع المقال.
ثم يبدأ المقال في تفصيل ما جاء في الفقرة الأولى وفق نظام دقيق متعارف عليه تماماً كما صيغت سورة الطلاق. فتكون الفقرة الثانية من المقال توضيحاً للجملة الثانية من فقرة الأطروحة. وتكون الفقرة الثالثة تبياناً لما ورد في الجملة الثالثة. وهكذا حتى نهاية المقال تقريباً . وفي نهاية الفقرة الأخيرة من المقال تكون جملة تطول أو تقصر لكنها جملة ختامية للمقال كله. ومن شروطها مناسبتها في الصياغة والمعنى للفقرة الأخيرة، وتأتي تعقيباً على أجواء المقال كله. وحلاً لأصل المشكلة التي يتصدى لها المقال. وهذا ما حققته الآية الأخيرة من سورة الطلاق. ولذلك تأجل الحديث عنها إلى هذا المكان وهي قوله تعالى:
أبدى الحضور شعورهم بالسعادة وراحوا يسألون عن أمور فنية تتعلق بالمقال القرآني. ولكن صاحبنا ذا العقل الحزبي كان يقاطع معارضاً ومدافعاً وكأنه لا يريد أن يرى في القرآن نظاماً ما. ولكنه فضح نفسه عندما وصل قمة غضبه معترضاً على تخصصي. فكيف يحق لمهندس زراعي أن يكشف من أسرار القرآن ما لم ينتبه إليه المتخصصون في العلوم الدينية؟ وختم اعتراضه باتهامي بالتعالم. لأني لم أتخرج من إحدى كليات العلوم الدينية. فحزن قلبي يومها. وقررت في نفسي أن يكون ذلك اللقاء آخر ما يعقد في بيتي. وكذلك كان.
ولعل هذه المقالة التي اعتمدت على قصة خبرية صادقة تعلم القارئ منهج سورة الطلاق في كتابة المقال. وتدل حكاية الحزبي على أحد الأسباب التي تحول بيننا وبين الإستفادة من نور الٌقرآن. وتظهر دور الحركات الدينية في الحفاظ على قيم التخلف والحيلولة دون الاتصال بنور القرآن.