بسم الله الرحمن الرحيم
الاخلاق المذمومة : الإمعة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على
سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت
العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا
الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن
يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من
ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . (( كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ أقع فيه )) [ متفق عليه ] من الأخلاق المذمومة : الإمّعة : لذلك الخلق المذموم اليوم أن يكون الإنسان إمعة ، وإمعة مصطلح نبوي ، وسوف نمضي في الحديث عن هذا الخلق المذموم . 1 – تعريف الإمعة : أيها الإخوة الكرام ، تعريف هذا الخلق الاصطلاحي : الإمعة الذي لا رأي له ، مع كل الناس ، ومع كل الاتجاهات ، أي أنه منافق ، ومصلحته فوق كل شيء ، يجامل الناس جميعاً ، لا ينطوي على مبدأ ولا على قيمة ، مع الناس ، ، بل مع مصلحته ، يتلون كالحرباء ، إن جلس مع أهل الإيمان قال آمنت معكم : ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ [ سورة البقرة : 14] وذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهاً . 2 – الإمعة شخص يُشترَى ويباع : إخواننا الكرام ، بالتعبير المتداول الإمعة يشترَى بأبخس الأثمان ، لكن صاحب المبدأ لا يشترى و لا يباع ، لا تؤثر فيه سبائك الذهب اللامعة و لا سياط الجلادين اللاذعة ، أحد أحدٌ ، (( و الله يا عم ، لو وضعوا الشمس في يميني ، و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته (( [السيرة النبوية] لذلك من الصعب جداً أن تشتري إنساناً صاحب مبدأ
، لا يلين ، و لا يقبل بأنصاف الحلول ، و لا يباع ، و لا يشترى ، رجل مبدأ ، رجل
المبدأ إنسان عظيم ، و رجل المصلحة إنسان تافه يعبد مصلحته من دون الله ، مع هؤلاء
و مع هؤلاء ، مذبذب لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء ، هو مع مصلحته الحقيقية ، لذلك
من أشد هذه الأخلاق انحطاطاً أن يكون الإنسان إمعة . دع المكارم لا ترحل لبغيتها و اقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي مادام معك مال فدعك من الناس ، و لا يعنيك أمرهم ، و لا تأسف على ما حلّ بهم ، المهم أن تعيش أنت في بحبوحة : دع المكارم لا ترحل لبغيتها و اقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي و من أخطر الأمراض النفسية أن يشيع النفاق في المجتمع ، و أن يشيع في المجتمع عبادة الذات ، يعبد ذاته ، إذاً هو مع القوي ، و لو تبدل الأقوياء مع القوي الحالي ، و مع القوي القادم ، لأنه يعبد ذاته من دون الله هذا هو الإمعة . 3 – الإمعة شخص ليس له استقلالية الرأي : الإمعة هو الذي لا رأي له ، فهو يتابع كل أحد
على رأيه ، يجلس مع منكري الدين معكم الحق الدين خرافة ، الدين أفيون الشعوب ،
الدين ضبابيات ، الدين حلم لا معنى له ، يجلس مع أهل الإيمان الإنسان بلا إيمان لا
قيمة له ، هو نفسه يقول هذا ، و يقول هذا ، سمِّه منافقاً ، سمِّه متلوناً ، سمِّه
وصولياً ، سمِّه منحرفاً ، سمِّه يعبد ذاته ، سمِّه إنسان مصلحة ، إنسان شهوة ،
إنسان بلا مبدأ ، و من أخطر الأمراض التي تصيب الأمة أن يكون الناس هكذا . الإمّعة كما جاء تصويره في الحديث النبوي : أما الحديث الشريف عن حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا تكونوا إمعة ، تقولون : إن أحسن الناس أحسنا ، و إن ظلموا ظلمنا ، و لكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا ، و إن أساؤوا فلا تظلموا )) [ الترمذي ] الآن الذي مع معطيات الواقع ، الذي مع الخط
العريض ، الذي مع صرعات الأزياء ، الذي مع القوي ، أحياناً يتوهم إنسان أن هؤلاء
الذين يتحكمون بالعالم لابد من إرضائهم ، لابد من موالاتهم تحقيقاً لمصالحهم ،
هؤلاء الذين يظلمون إذا ظلم الناس ، و يستشهدون ببيت ما أنزل الله به من سلطان ،
بيت قاله شاعر جاهلي جاهل : ﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ [ سورة الروم : 30] فطر الإنسان على حب العدل . (( لا تكونوا إمعة ، تقولون : إن أحسن الناس أحسنّا ، و إن ظلموا ظلمنا ، و لكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا ، و إن أساؤوا فلا تظلموا )) شيوع الإمعة في هذا الزمان : أيها الإخوة الكرام ، أرجو ألا أبالغ ، لكن هذا النمط أصبح شائعاً ، تقول له : لم تفعل هذا ؟ يقول لك : هكذا الناس ، لم تعطي هذا الأجر القليل ؟ هكذا يعطي الباقون هذا الأجر ، أليس بإمكانك أن ترفع هذا الأجر فتكون قدوة لمن يعطون من معهم أبخس المبالغ ؟ ممكن ، لماذا تحتج بالخطأ ، و لا يُحتج بك على صواب ؟ لماذا تحتج أنت بالخطأ ، و لا تتمنى أن يحتج الناس بك إذا كنت على صواب ؟ لذلك عن مرداس الأسلمي رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( يذهب الصالحون الأول فالأول ، و يبقى حثالة كحثالة الشعير أو التمر ، لا يباليهم الله بالة )) [ البخاري ، أحمد ، الدارمي] إنسان شهواني ، كاذب ، منافق ، مصلحته فوق كل شيء ، يتلون مئات الألوان ، يساير كل الناس ، محسنهم و مسيئهم ، يشايع كل الناس ، مثل هذا الإنسان هو الإمعة الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم : (( يذهب الصالحون الأول فالأول ، و يبقى حثالة كحثالة الشعير أو التمر ، لا يباليهم الله بالة )) مليار و خمسمئة مليون يتربعون على ثروات الأرض ، و يحتلون أخطر موقع في العالم ، و لا وزن لهم في العالم ، و أمرهم ليس بيدهم ، لأنهم اتبعوا أهواءهم : ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾ [ سورة مريم : 59] و قد لقي المسلمون ذلك الغي . من أقوال العلماء الواردة في ذم الإمعة : القول الأول : روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : << كنا في الجاهلية نعد الإمعة الذي يتبع الناس إلى
الطعام من غير أن يدعى ، و إن الإمعة فيكم اليوم المحقب الناس دينه >> . القول الثاني : وعن مقاتل بن حيان قال : << أهل هذه الأهواء آفة أمة محمد صلى الله عليه و
سلم أنهم يذكرون النبي صلى الله عليه وسلم و أهل بيته فيتصيدون بهذا الذكر الحسن
الجهال من الناس ، فيقذفون بهم في المهالك >> . القول الثالث : لذلك عن الفضيل بن عياض رحمه الله قال : << اتبع طريق الهدى و لا يضرك قلة السالكين ، و
إياك و طرق الضلالة و لا تغتر بكثرة الهالكين >> . ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [ سورة الأنعام : 116] الأكثرية ليست دليلا على الحق ، بل ربما كانت دليلا على الباطل : بنص هذه الآية الخط العريض بالمجتمع ليس على الحق : ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ﴾ [ سورة يونس : 36] كيف إذا خرجت الأمور عن حد المعقول ؟ فالبطولة لا أن تكون مع الأكثرية الشاردة التائهة التي تلهث وراء صرعات الأزياء ، وهناك صرعات أزياء غير معقولة ، و الله زارني شاب قبل شهرين شاب ، فلفت نظري أن عدة ثقوب في بنطاله من الأمام ، و الله تألمت من أجله أشد الألم ، وظننت أن هذا من فقره لا يوجد عنده بنطال سليم ، و كتبت عندي ملاحظة أن أهيئ له ألبسة جديدة و الله ، و سافرت إلى أستراليا ، و دعاني إنسان من أهل الغنى هناك إلى طعام الإفطار ، فإذا ابنه هكذا بنطاله ، فانتبهت أن هذا ليس فقراً ، و لكنه تقليد أعمى ، معقول أن مصمم أزياء للرجال كل سنة يوجد صرعة ، يجب أن يكون البنطال مهترئاً ، فيه ثقوب ، فيه رقع أحدث موديل ، يوجد رقع ود ثقوب ، أو كاحت ، أو خيوط من البنطال تجر على الطريق ، هذا الشيء غير معقول ، تجد شخصيات مهمة أحياناً بصرعات غير معقولة ، هذه صرعة من صرعات الأزياء ، كالحلق على الصفر ، على الثلاثة ، و عنده شعر جميل ، هكذا الموضة الآن ، و يوجد صيفية من الصيفيات من دون جرابات إذا لاحظتم ، لكن هذه قديمة ، هذا هو الإمعة ، ليس له موقف خاص ، ليس له ذوق خاص ، ليس له مبدأ خاص ، ليس له قيم خاصة ، لا وزن له إطلاقاً ، هذا هو الإمعة . عودة إلى أقوال العلماء في الإمعة : <<
اتبع طريق الهدى ، و لا
يضرك قلة السالكين ، و إياك و طرق الضلالة ، و لا تغتر بكثرة الهالكين >> . (( لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه )) [ أحمد] طبعاً أزياء الشباب أخف بكثير من أزياء النساء ،
يتفنن مصممو الأزياء في الغرب بكشف مكاشف المرأة في الطريق ، شيء مبتذل . (( إن الله يحب معالي الأمور ، ويكوه سفسافها و دنيها )) [ الجامع الصغير ] <<
يا كميل ، إن هذه القلوب
أوعية فخيرها أوعاها للخير ، و الناس ثلاثة ، عالم رباني ، و متعلم على سبيل نجاة
، و همج رعاع أتباع كل ناعق ، لم يستضيئوا بنور العلم >> . ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ﴾ [ سورة لقمان : 34] لم يقل : يعلم من ، لو قال : يعلم من ، أي ذكر
أو أنثى ، أما يعلم ما يوجد من آلاف الصفات لهذا الجنين ، من يعلمها قبل أن يأتي ؟
ـ إن قال أخطأ ، و إن أخطأ لم يدرِ ، مشغوف بما لا يدري ، فهو فتنة لمن فتن به >> . مضارّ الإمعة : أيها الإخوة الكرام ، من مضار أن يكون الإنسان إمعة : ﴿ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾ [ سورة الزخرف : 54] المجتمع الذي فيه صفة الإمعة هذا المجتمع يصنع
إنساناً لا قيمة له إطلاقاً . )) لا تكونوا إمعة ، تقولون : إن أحسن الناس أحسنا ، و إن ظلموا ظلمنا ، و لكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا ، و إن أساؤوا فلا تظلموا ))
والحمد لله رب العالمين
الموسوعة الاسلامية
لفضيلة الشيخ : محمد النابلسي
جزاهم الله عنا كل خير
اخوكم بالله : مصطفى الحمد
|