بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم
لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما،
وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه واجْعلنا ممن يسْتمعون
القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
الفوائد لابن القيم رحمه الله
العلم الايمان أفضل ما تكسبه النفس ويحصّله القلب
أفضل ما اكتسبته النفوس, وحصلته القلوب, ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة, هو العلم والايمان, ولهذا قرن الله سبحانه بينهما في قوله: { وقال الذين أوتوا العلم والايمان لقد لبثتم في كتاب الله الى يوم البعث فهذا يوم البعث}الروم 56. وقوله:{ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}المجادلة 11, وهؤلاء هم خلاصة الوجود ولبه, والمؤهلون للمراتب العالية, ولكن أكثر الناس غالطون في حقيقة مسمى العلم والايمان اللذين بهما السعادة والرفعة, وفي حقيقتهما. حتى أن كل طائفة تظن أن ما معها من العلم والايمان هو هذا الذي به تنال السعادة, وليس كذلك بل أكثرهم ايس معهم ايمان ينجي ولا علم يرفع, بل قد سدوا على نفوسهم طرق العلم والايمان اللذين جاء بهما الرسول صلى الله عليه وسلم ودعا اليهما الأمة, وكان عليهما هو وأصحابه من بعده وتابعوهم على منهاجهم وآثارهم.
فكل طائفة اعتقدت أن العلم معها وفرحت به {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} المؤمنون53, وأكثر ما عندهم كلام وآراء وخرص, والعلم وراء الكلام كما قال حمّاد بن زيد: قلت لأيوب: العلم اليوم أكثر أو فيما تقدّم؟ فقال: الكلام اليوم أكثر والعلم فيما تقدم أكثر!
ففرق هذا الراسخ بين العلم والكلام. فالكتب كثيرة جدا والكلام والجدال والمقدرات الذهنية كثيرة, والعلم بمعزل عن أكثرها, وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله سبحانه:{ فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم..} آل عمران 61, وقال:{ لئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم..} البقرة 120, وقال في القرآن:{ أنزله بعلمه} النساء166, أي وفيه علمه.
ولما بعد العهد بهذا العلم آل الأمر بكثير من الناس الى أن يتخذوا هواجس الأفكار وسوانح الخواطر والآراء علما, ووضعوا فيها الكتب, وأنفقوا فيها الأنفاس, فضيعوا فيها الزمان, وملأوا بها الصحف مدادا, والقلوب سوادا, حتى صرح كثير من الناس منهم أنه ليس في القرآن والسنة علم, وأن أدلتهما لفظية لا تفيد يقينا ولا علما. وصرخ الشيطان بهذه الكلمة فيهم, وأذن بها بين أظهرهم, حتى أسمعها دانيهم لقاصيهم, فانسلخت بها القلوب من العلم والايمان كانسلاخ الحية من قشرها, والثوب عن لابسه.
قال الامام العلامة شمس الدين ابن القيم: ولقد أخبرني بعض أصحابنا عن بعض أتباع أتباع تلاميذ هؤلاء أنه رآه يشتغل في بعض كتبهم ولم يحفظ القرآن, فقال له: لو حفظت القرآن أولا كان أولى, فقال: وهل في القرآن علم.
قال ابن القيم: وقال لي بعض أئمة هؤلاء: اننا نسمع الحديث لأجل البركة لا لنستفيد منه العلم لأن غيرنا قد كفانا هذه المؤونة فعمدتنا على ما فهموه وقرروه, ولا شك أن من كان هذا مبلغه من العلم فهو كما قال القائل:
نزلوا بمكة في قبائل هاشم ونزلت بالبطحاء أبعد منزل
قال: وقال لي شيخنا مرة في وصف هؤلاء:
انهم طافوا على أرباب المذاهب ففازوا بأخس الطلب, ويكفيك دليلا على أن هذا الذي عندهم ليس من عند الله, ما ترى فيه من التناقض والاختلاف ومصادمة بعضه لبعض, قال تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} النساء82, وهذا يدل على أن ما كان من عنده سبحانه لا يختلف, وأن ما اختلف وتناقض فليس من عنده, وكيف تكون الآراء والخيالات وسوانح الأفكار دينا يدان به ويحكم به على الله ورسوله, سبحانك هذا بهتان عظيم.
وقد كان علم الصحابة الذي يتذاكرون فيه غير علوم هؤلاء المختلفين الخرّاصين كما حكى الحاكم في ترجمة أبي عبد الله البخاري, قال: كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم اذا اجتمعوا انما يتذاكرون كتاب ربهم وسنة نبيهم, ليس بينهم رأي ولا قياس.
اخوكم بالله : مصطفى الحمد |