رجال الاصلاح في المذهب الشيعي الامامي الاثني عشري

109 views
Skip to first unread message

الشويلي

unread,
Oct 13, 2010, 6:06:52 PM10/13/10
to مكتبة داود سلمان الشويلي

داود سلمان الشويلي

رجال الاصلاح
في المذهب الشيعي الامامي الاثني عشري

(أمل الشيعة و المسلمين في الإصلاح والتجديد والوحدة الاسلامية)

2010
لاهداء:
الى روحي امي وابي تغمدهما الله برحمته ، واسكنهما فسيح جناته ...
اقدم هذا الجهد عرفاناً بالجميل .

(لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)
قرآن كريم

"العلم المستقر هو الجهل المستقر"
النِفَّري

المحتويات:
- مقدمة.
- الامام الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء.
- الامام السيد محسن الامين.
- الامام الشيخ محمد جواد مغنية.
- الامام السيد محمد حسين فضل الله.
- الامام السيد علي الأمين .
- الامام الشيخ حسين المؤيد.
- المفكر الاسلامي أحمد الكاتب.
- الخلاصة.

مقدمة:
يحمل عنوان دراستي لفظة الاصلاح التي تستبطن لفظين اشكاليين ، هما :
تصحيح ، وتجديد، ويكمن اشكالهما بين المعنيين القاموسي و الاصطلاحي،
وبين الموضوع الذي تدخل عليه.
فما صح ان يقال – حسب الدليل – هو ما نعنيه بمصطلح (تصحيح).
والدليل هنا هو مدار هذا التصحيح ، وفي الاسلام يكون الدليل الاول
والرئيس هو (القرآن الكريم) ونصوصه الموحاة من السماء الى الرسول (ص).
اما من يقول ان السنة النبوية تعد الدليل الثاني بعد القرآن الكريم ،
ففيه اشكال ، وهذا الاشكال متأت من كون ما وصلنا من هذه السنة مختلفا
فيه ، ليس بين علماء الاسلام فحسب ، وانما بين علماء المذهب الواحد
ايضا ، فضلا عن اختلافهم بمن يؤخذ منه (رجال السند)، ولهذا تعددت كتب
الحديث ، الا ان الموثوق (سندا ومتنا) من تلك السنة – بإجماعهم – يشترط
فيه عدم تناقضه والقرآن الكريم ، اضافة الى الاحتكام للعقل السوي في غير
ذلك .
اما التجديد فمعناه اعادة العمل بالصحيح المتروك من الفكر، مهما كان
نوعه، أي اماطة اللثام – كما يقال - عما طمسه الزمن لاسباب كثيرة –
سياسية وايدولوجية واجتماعية وثقافية و جغرافية حتى - فتغير الى شيء اخر
ليس فيه من الاصل الا العنوان.
او، الاتيان برأي شرعي (فتوى) جديد لم يقل ويعمل به الاولون، اعتمادا على
صحيح ووثوقة الاحاديث والروايات ،وكذلك اعادة النظر بعد قراءة جديدة
للاحداث التاريخية التي ادت الى فرقة الامة .
فالموضوع الذي نناقش فيه مسألة الاصلاح ( التصحيح والتجديد) ، هو الدين
عامة ، والعقيدة الشيعية الامامية الاثني عشرية خاصة ، دون نسيان مبدأ
تأثير الواقع ، أي ما يسمى بفقه الواقع.(1)
ولا نريد في هذه السطور تقديم بحثا تاريخيا عن نشأت المذهب، وما فيه من
اعتقادات صحيحة او ما اصاب بعضها ما يخرجها من الصحة ، او عما في مسيرته
التاريخية من محطات كان التصحيح والتجديد فيها علامة بارزة من علامات تلك
المسيرة ، او ان نؤرخ لما فيه من محطات مظلمة سادت لاسبابها المعروفة،
وانما ستكون هذه السطور وقفة لدراسة المشروع الاصلاحي والتجديدي لبعض
رجاله من العلماء والفقهاء والمفكرين في المذهب من المعاصرين - في
القرنين العشرين والواحد والعشرين - والذين وصلوا او لم يصلوا الى درجة
الاجتهاد ، حسب التسلسل التعلمي في الحوزات العلمية الشيعية.
***
هذه دراسات كتبت لاجل التعريف ببعض الشخصيات من فقهاء ومراجع ومفكرين عرب
شيعة امامية (من داخل الحوزة الدينية) طالبوا وعملوا بالتصحيح والتجديد
في الفكر الفقهي الشيعي الامامي الاثني عشري والتاريخي والكثير من
القضايا والمسائل الاخرى ، غايتها الاولى والنهائية ، اعادة النظر في اي
فكر ، مهما كان مصدر ذلك الفكر ، والاساس الذي يبتنى عليه ، للوصول الى
الحقيقة – مهما كانت درجتها -لان الحقيقة هي ضالة المؤمن.
من خلال سطور تلك الدراسات ، ننفذ الى حياة اؤلئك الرجال العظام الذين
حاربوا الجهل والامية المذهبيتين، ان كان في فكر العامة او فكر الخاصة في
المذهب الشيعي الامامي الاثني عشري، وكذلك ، في الفكر الاسلامي للمذاهب
التي وقفت بالضد من هذا المذهب ، متهمة وناقدة له.
من خلال هذه السطور ، سنعرف ان اصوات هؤلاء الرجال ، لم تكن تعبر عن
انفسهم الخصبة المثمرة بكل ما هو جديد في الحياة والكون ، فكرا وعلما
ونظرة انسانية، بل كانت - تلك الاصوات - تجسد هاجسا انسانيا اصلاحيا في
النفس البشرية وفي نفوس الكثير من الرجال، في التجديد والتصحيح منذ بدء
الخليقة الى يومنا هذا وخاصة في الامة المؤمنة التي دعيت بأمة الاسلام ،
وفي فكر دعي الفكر الشيعي الامامي الاثني عشري الذي لم يظل ساكنا جامدا
بلا حراك طيلة الف واربعمائة عام من عمره .
ان الدين الحق ،ومن ثم المعتقد الحق، هو ذلك المتحقق في الشعور الانساني
للمؤمنين به ، والقابل للتجديد والتصحيح والاصلاح ، لان عدم القابلية على
ذلك هو موت سريع لهذا الدين ولذلك المعتقد ، وقيل سابقا :لا تكن صلبا
فتكسر ، ولا لينا فتعصر.
وان أي دين ، او معتقد ، ومن ثم أي مذهب ، او اية فكرة ، او فلسفة ، او
أي نشاط انساني روحي ، يدعي انه لا يأتيه الباطل من خلفه ولا من امامه
ولا من جنبيه ، فهو نشاط مقضي عليه بالدوغماتية ومن ثم الاضمحلال
والتفتيت وربما الموت الذاتي ايضا.
ان الحديث النبوي – صح او لم يصح - الذي يقول (اختلاف امتي رحمة) هو دفع
لان يكون هذا الدين نابضا مستمرا بالحياة ، وقويا امام كل
العقبات ،ومتجددا، انه سير الى الامام ببصر وبصيرة نافذتين.
اما الذين يريدون العودة بالدين – وكذلك المعتقد والمذهب - الى الايام
الاولى للولادة والنشأة ، فهم يريدون تجميد الدين في حقبة تاريخية لا
تصلح في عصرنا الحاضر، ولا في اي عصر ، ونسيان ان الاسلام يصلح – ولا
اقول يجب ان يطبق - لكل زمان ومكان كما يقول رجاله ، وفرق كبير بين دين
نزل في حضارة بدوية ، ومن ثم تم انفتاحه على الاخر، مهما كان نوع هذا
الاخر ، وبين عصر اصبح فيه العالم قرية عصرية بسبب ثورة الاتصالات ،
وتقدم العلم على كافة الاصعدة ، ومحو الامية بأنواعها، واكتشاف الانظمة
والقوانين التي تضبط تسيير الكون وما فيه.
بمعنى ، بين عصر – عصور - الخرافات والاساطير التي اطرت الفكر الاسلامي
بعد انتشاره وتعدد المذاهب (السياسية وليست الفقهية)، وبين عصر العلم و
الموضوعية التي ترى الاشياء بوضوح تام .
ان الواقع الحياتي هو ابن عصره ، وفي الوقت نفسه مثقل بالتاريخ
وطروحاته ، وبما اصاب الفكر الاسلامي عامة – بكل تفرعاته – من امراض وصلت
به حد الجمود ، اما الدين – الجانب الروحي للانسان والذي لا فكاك منه –
فقد وضعت ثوابته واصوله في فترة تنزيل الوحي، لهذا يقع العبء الكبير على
علمائه وفقهائه ومفكريه في التوفيق بين الواقع الحياتي بكل متغيراته ،
والدين بكل ثباته وثوابته.
***
والشيعة عامة بكل مدارسها واتجاهاتها الفقهية والفكرية ، لها الدور
الكبير في حيوية وروحية الفكر الاسلامي .
يقول عن هذا الدور عبد الرحمن بدوي في كتابه (شخصيات قلقة في الاسلام -
ط2- دار النهضة العربية - القاهرة - 1964 - ص/ د):
(( نستطيع ان نفهم ونقدر الدور الاكبر الذي قامت به الشيعة ، الى جانب
السنة ، في تكوين الروحية في الاسلام . فللشيعة اكبر الفضل في اغناء
المضمون الروحي للاسلام وإشاعة الحياة الخصبة القوية العنيفة التي وهبت
هذا الدين البقاء قويا غنيا قادرا على اشباع النوازع الروحية للنفوس ،
حتى اشدها تمردا وقلقا ، ولولا هذا لتحجر في قوالب جامدة ليت شعري ماذا
كان سيؤول اليه أمره فيها)).
اذا كان بدوي يمتدح دور الشيعة – عامة – في اغناء المضمون الروحي
للاسلام ، فهم – ايضا - لهم الدور الكبير في اغناء الفكر الاسلامي الذي
تأسس على ما بعث به النبي (ص) ، وتشكيل مضمون العقيدة الاسلامية.
ومن هذا المنطلق كانت هذه الدراسات، والدراسات الاخرى التي قدمها المؤلف
عن الفكر العربي الاسلامي عند الشيعة الامامية الاثني عشرية ، وخاصة عند
واحد من مراجعه المعاصرين الاحياء ، وهو الامام الشيخ حسين المؤيد.
اما الجانب السياسي للشيعة،عند التأسيس، فنحن غير معنيين به في هذه
السطورعلى الرغم من انه احد الاسباب الرئيسية في تشكيل العقيدة عندهم،
وفي الوقت نفسه كان سببا في تشظي الشيعة وتوزعهم الى مذاهب ومدارس عديدة.
ان الشخصيات التي قدمها هذا الكتاب لا يعني انها هي فقط التي رفعت راية
الاصلاح في المذهب الشيعي الامامي الاثني عشري تصحيحا وتجديدا وحفرا –
بالمعنى الايركيولوجي الدريدي – في عقائده وافكاره ورؤاه الفقهية ، وفي
تاريخه ايضا، الا انها – في الوقت نفسه – تجتمع تحت لافتة واحدة هي عروبة
المحتد والثقافة .
وهذا لا يعني ايضا ، ان ابناء هذا المذهب من قوميات غيرعربية لم يكن فيهم
من رفع راية الاصلاح بكل تفرعاتها ، بل ان هناك الكثير من الرجال وبتعدد
عناوينهم ، الا ان اللغة وعدم الاطلاع على نتاجات اؤلئك كان السبب الرئيس
في عدم دراستهم في هذا الكتاب.
ان البرقعي ، و د. علي شريعتي، على سبيل المثال ، هما اسمان مشهوران في
طريق الاصلاح في المذهب، قدمهما المذهب في بلاد فارس (ايران) .
***
ان هذا الكتاب هو صفحة من صفحات التعريف ببعض رجال التشيع الامامي الاثني
عشري الذين وقفوا في وجه التشيع الصفوي ورجاله (2) ، ووجه الغلاة
والمفوضة الجدد ، ووجه من رفع راية الفرقة بين ابناء الامة الاسلامية،
هؤلاء الرجال يعودون بالمذهب الى صفائه الفكري والفقهي عندما كان مذهبا
جعفريا بإمتياز ،الى رجاله الاوائل كالمرتضى و الطوسي والمفيد الى حد ما.
والذي يتوضح من خلال هذه الدراسات ان هؤلاء الرجال – وغيرهم – قد تحدروا
من ارومة عربية ، ومجتمع عربي ، وتراث وثقافة عربيتين .
ونحن اذ نذكر ذلك ، لا يعني هذا اننا ندعو الى الفرقة بين رجال المذهب
الواحد بين عرب وغير عرب ، لان ذلك لا يمكن ان يحدث والاسلام جاء الى
الناس كافة .
يقول سبحانه : (( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر
الناس لا يعلمون )).[سبأ: 28 ]
وقال (ص) : لا فرق بين عربي واعجمي الا بالتقوى.
الا ان الذي نريد ان ننبه اليه هو ان ثقافة وتراث أي مجتمع وقومية وعرق -
ومهما قدم بهما الزمن - يبقيان فاعلين في الوعي او اللاوعي عند ابناء تلك
الثقافة وذلك التراث.
واذا عدنا بالتاريخ خمسمئة سنة الى الوراء، فإننا نجد ان هناك قوميتين
حكمتا الاسلام والمسلمين ، هما القومية التركية ، والقومية الفارسية ،
وبالمقابل اضمحلت القومية العربية في الاسلام وعند المسلمين.
القوميتان هاتان هما القومية التركية التي نهجت المذهب السني ، والقومية
الفارسية التي نهجت المذهب الشيعي الامامي الاثني عشري .
قامت الدولة العثمانية على التسنن ، وقامت الدولة الفارسية الصفوية (اصل
قياداتها من القومية الاذرية المتفرسة كما قبل) على التشيع ، وكل صبغ
مذهبه بتراثه وثقافته ، فاصبح لنا تسنن عثماني، ويقابله تشيع صفوي ، ثم
كان التعارض بين التسنن العثماني و التسنن العربي، على الرغم من ان ذلك
لم يكن واضحا للعيان ، وفي الوقت نفسه اصبح التشيع الصفوي متعارضا مع
التشيع العربي ، العلوي ،الجعفري ، ووصل التعارض هذا الى الصورة التي
عليه الان والتي عبر عنها خير تعبير الدكتور شريعتي في كتابه ( التشيع
الاصفوي والتشيع العلوي).
يقول د. علي شريعتي : (إن كل المذاهب الإسلامية توجد بينها نقاط تشابه
إلا التشيع الجعفري والتشيع الصفوي فلا يوجد بينهما أية نقاط تشابه ).
ان ما نعيشه الان ،ونضرس به – زرعوا واكلنا – هو نتاج تلك الحقبة البغيضة
– والكثير من الفترات التي سبقتها - التي فعلت بها السياسة والمصالح
القومية الضيقة بعيدا عن الاسلام المحمدي فعلها ، فراح كل من هذين
المذهبين الرئيسيين في الاسلام – السنة والشيعة – يرفض الاخر ، بل ويكيل
له التهم ،والسباب واللعنات ، ويخرجه من الدين ، ويكفره ،وراح التكفير ،
والاخراج من الدين وظيفة عند بعض الرجال الذين حسبوا انفسهم منه.
ان الثواب والعقاب ، الجنة والنار ، اصبحت بيد مجموعة من المخلوقات ، ولم
تبق بيد الخالق ،الله سبحانه وتعالى ، خالقهما وخالق الكون وما فيه ،
واصبح سوق صكوك الغفران رائجا.
***
في هذه الدراسات تناولت ما قام به اؤلئك الرجال من تصحيح وتجديد من خلال
موضوعات محددة اتهم بها الشيعة (صوابا او خطأ) بعد ان خرجوا من كونهم
شيعة علوية جعفرية الى كونهم شيعة امامية اثني عشرية بعد الغيبة ودخولهم
عصر الحيرة ، ومن ثم قيام الدولة الصفوية وما الت اليه امور الامة
الاسلامية من فرقة ، ومن تلك الامور:
- القضايا العقائدية:كالامامة ، والاعتقاد بعصمتهم ، وعلمهم للغيب،
والغلو بهم ،والتفويض لهم،ومسألة الايمان والاسلام ، والرجعة ، والتقية،
والمتعة ، وتحريف القرآن الكريم ،وما يتبعة من قول عن مصحف فاطمة ،
وغيرها من القضايا والمسائل الاعتقادية – او هكذا اريد لها ان تكون -.
- القضايا التاريخية: اهم قضية تاريخية ظلت مشتعلة ، فتارة كالجمر تحت
الرماد ، وتارة ملتهبة بأتون ناري ، هي قضية الهجوم على بيت الزهراء وما
تلاه من امور، وقد تناولها رجال هذا الكتاب بالدرس والتمحيص وخرجوا
بنتيجة سنتعرف عليها خلال فصول الكتاب، وقضايا اخرى من مثل : ابن سبأ
والتشيع الامامي، التشيع الامامي واليهودية، التشيع الامامي
والنصرانية.
- القضايا السياسية: وهي قضايا معاصرة ، كالموقف من ايران ، وولاية
الفقيه.
- القضايا التفسيرية: التفسير الباطني لبعض ايات القرآن الكريم ، وقسرها
على معنى قد وضع مسبقا.
- القضايا الروائية: تصحيح الكثير من الروايات الموضوعة اعتمادا على صحة
السند والمتن وعدم معارضتها لقطعية القرآن الكريم ، و نقد المناهج
الشيعية في السيرة والتاريخ والحديث.
- القضايا الخلافية : الخلاف بين السنة والشيعة ، وسب الصحابة، والنيل من
زوجات الرسول (ص) ، ودعاوي التقريب
- القضايا الشعائرية: كالشعائر المسمات بالشعار الحسينية .
- القضايا المؤسسية: دور المرجعية والاجتهاد في الحياة اليومية .
- قضايا اخرى:كالبدع الكثيرة مثلا ، وغيرها.
آمل ان اكون قد وفقت الى تقديم اؤلئك الرجال بالصيغة التي تفيد القاريء و
تدفعه الى إعمال عقله ، والله من وراء القصد ومنه التوفيق والسداد.
***

الهوامش:
1 - خير دليل على فقه الواقع من القديم هو تغيّر فقه الامام الشافعي ،
بين ان يكون قد بناه عندما كان في العراق، والذي بناه بعد ارتحاله الى
مصر ، اما من واقع العصر الحالي فهناك اصوات عديدة تدعو اليه ، دون ان
يصيب العقيدة شيئا.
2- استخدم هنا مصطلح التشيع الصفوي دلالة على مفهوم التشيع الشعائري وما
يلحق ذلك من غلو وتفويض وتفسير باطني للقرآن الكريم ، وعدم قبول الاخر
المخالف.


الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء

(( وانا منذ خمسين سنة ادعو الى توحيد كلمة المسلمين ونبذ الشحناء
والبغضاء، والاعتصام بحبل الله المتين من الألفة وعدم الفرقة، والأخذ
بالأخوة التي عقدها القرآن بين المسلمين، فقال تعالى: [إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ])).
كاشف الغطاء
جنة المأوى

هل يحتاج فكر ما الى اعادة النظر في مقوماته واسسه وما نتج عنهما من
تفرعات (بلغة الفقهاء : الاصول والفروع) مهما كان اساس ومنشأ هذا الفكر ،
ان كان نابعا من دين سماوي ، او كان نابعا من دين وضعي، او من رؤية
اشراقية او فلسفية ، وسياسية حتى، او غير ذلك ؟
لو راجعنا تاريخ الافكار والفلسفات والمذاهب ، سنجد انها قد صابها
التغير والتبدل (تطورا او تراجعا، او اندثارا) حسب مسيرة الزمان واختلاف
المكان ، لان ذلك سنة من سنن الحياة.
وطالما الحديث في هذه السطور ينصب حول الفكر الذي تكون حول المذهب
الشيعي ، المذهب العربي الذي تشكل وتكون حول الامام علي بن ابي طالب منذ
كان الرسول (ص) حيا ، والى يومنا هذا – كما تذكر المصادر الشيعية – أي
الفكر الشيعي ، فإننا نجده – ايضا - قد اصابه ما اصاب كل فكر ، بعد ان
تحول الى فكر وضعت اسسه ومقوماته الاولى بصورة عفوية في البداية ، ومن ثم
تحول الى فكر سياسي منشغل بقضية الولاية (شورى او بالنص) ،حتى اذا مات
الامام علي بن الحسين السجاد ، انقسم الى قسمين رئيسيين ، احدهما الذي
بقي على ولاء الامام الموصى به من قبل ابيه ، وهو الامام الباقر ، والاخر
تشكل حول اخيه زيد الذي ثار على الامويين، وبتقادم الزمن بدأت الانقسامات
تتوالى، وكل راح ينشيء فكره الخاص ، ويتحصن فيه ويطور اسسه ومقوماته
وآلياته، حتى اذا وصلنا الى القرن الثالث الهجري ، كثرت الانقسامات في
هذا الفكر ، واصبح عدة فرق لها افكارها الخاصة بها.
و بعد غيبة الامام الثاني عشر ، راح يتشكل الفكر الشيعي الامامي الاثني
عشري ، وتأثر عبر مسيرته بالكثير من افكار الاخرين ، حتى اذا وصلنا الى
القرن التاسع عشر الميلادي ، برز الاجتهاد بصورة واضحة ، وبرز ما سمي
بالمرجع ، وبدأ الانقسام مرة اخرى بين فكر تمحور حول الاحاديث والروايات
(الاخباريون) ويعتمدها اساسا له ، وفكر تمحور حول علم الاصول (الاصوليون)
مع المحافظة على التسمية الرئيسية للفكر (الشيعي الامامي الاثني عشري).
وتعددت المرجعيات (الاجتهادات) ، وراح الاختلاف يبرز مرة اخرى ليصل حد
الخلاف بين المراجع ، في القرن العشرين، خاصة بين المراجع العرب كالصدرين
(محمد باقر الصدر ، ومحمد محمد الصدر) وفضل الله من جهة، كل على
انفراد ،وبين المراجع من غير العرب ، كالخوئي والسيستاني خاصة، وغيرهما .
اذن مثل هذه الافكار التي يحملها مثل هذا المذهب الشيعي الامامي الاثني
عشري يحتاج الى رجال يبرزون من بينه ليصلحوا فيه ، ويجددوا ،ويصححوا.
***
وكما قلنا ، مر فكرالمذهب الجعفري (الاب الحقيقي للمذهب الامامي الاثني
عشري في يومنا هذا) بتحولات كبيرة ، خاصة في القرون الاربعة الهجرية
الاولى ، تحت تأثير الانشقاقات بعد وفاة اغلب ائمته ، وتدخل عوامل اجنبية
كثيرة، فضلا عن دور الكلاميين والفلاسفة والمتصوفة وغيرهم في ذلك ، بحيث
تحول الى ما سمي بالمذهب الشيعي الامامي الاثني عشري ، اعتمادا على مقولة
الامامة - الامامة بالنص الالهي - ومن ثم القول بوجود اتني عشر اماما
تحقيقا لاحاديث نبوية تقول :
- " إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة " .
- و " لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا " .
- و " لا يزال الاسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة ".
وذكرت بعض هذه الاحاديث بأنهم من قريش.
و يقول الشيخ كاشف الغطاء : (( سميت هذه الطائفة ( إمامية ) إذ ليس كل
الشيعة تقول بذلك ، كيف واسم الشيعة يجري على الزيدية ، والإسماعيلية ،
ومن هنا فإن هذه الطائفة من الشيعة قد كونت لها آراء مستقلة وخاصة بها ،
تختلف مع العقائد الشيعية الأساسية في العديد من الموارد المعروفة ،
والتي توسعت مع الأيام نتيجة لانقساماتهم وتفرقهم)) .(1)
بمعنى ، ان تسمية الامامية جاءت متأخرة عن تسمية الشيعة التي من ضمن
فرقها الزيدية والاسماعيلية ، والتي – ايضا – تفرقت كل منهما الى فرق
اخرى.
وبعد غيبة الامام المهدي انشقت الشيعة الجعفرية الى اكثر من اربعة عشر
فرقة ، كان احدها قد سمي بالامامية الاثني عشرية .
إذ يقول الشيخ محمد جواد مغنية عن الائمة الاثني عشر في كتابه (الشيعة في
الميزان - محمد جواد مغنية - ص 433 ) : ((هؤلاء هم الأئمة الاثنا عشر
للفرقة الاثني عشرية التي مضى على وجودها أكثر من ألف عام ، رغم ما لاقته
من الظلم والاضطهاد)).
ونحن إذ نقدم هذه الدراسة عن واحد من فقهاء ومراجع الشيعة الامامية
الاثني عشرية في القرن الماضي من الاصلاحيين ، فإننا لا ننسى الفقهاء
والمراجع الاخرين الذين رفعوا راية التجديد والتصحيح في فكر هذا المذهب
الذي دخلته الكثير من الاراء الغالية والمفوضة والصوفيه وغيرها.
***
الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء:
هو : (( الشيخ محمد بن الحسين ابن الشيخ علي بن محمد رضا بن موسى ابن
الشيخ الأكبر جعفر - صاحب كشف الغطاء - ابن الشيخ جعفر بن يحيى ابن سيف
الدين المالكي الجناجي النجفي . يعود رحمه الله تعالى برحمته الواسعة
بنسبه إلى إحدى قبائل العراق المعروفة ، وهي قبيلة بني مالك ، التي تنتهي
إلى أحد خواص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، وهو مالك بن
الحارث الأشتر رحمه الله تعالى)) . (2)
ولادته ونشأته :
ولد رحمه الله تعالى عام ( 1294 ه‍ 1877 م ) في مدينة النجف الأشرف . (3)
***
خصاله:
قال عنه الشيخ محمد جواد مغنية: (( من العلماء الذين هم أندر من الكبريت
الأحمر ، من أولئك العلماء المتميزين الذين لم يتحددوا في علائقهم مع
مقليديهم وأتباعهم فحسب ، بل التقوا بالعالم ، ونقلت عنهم فئات شتى في
الشرق والغرب ، وعرف بهم البعيد أن في الشيعة معجزات من العبقرية ، وأن
مذهب التشيع يقوم على أقوى وأمتن أساس)). (4)
و(( كان فقيها بارعا ، قوي الحجة والبرهان ، بل ومجتهدا في مبانيه ، حرا
في آرائه ونظرياته ، حيث كان كثيرا ما ينتزع العديد من الفروع التي تعسر
على البعض وذلك لا غرابة فيه لما امتاز به رحمه الله تعالى من ذوق عربي
سليم يؤهله لفهم وادارك حقيقة النصوص المعتمدة في بناء جملة واسعة من
الأحكام ، حتى أنه رحمه الله تعالى قد روي عنه إتيانه ببعض المسائل
الفقهية النادرة التي ليس لها عنوان محدد في الكتب الفقهية الاستدلالية ،
فيفتي بها مع تقديمه الحجة والدليل على ذلك ، تاركا للآخرين مسألة
المذاكرة حول ذلك الأمر وأبعاده)) .(5)
***
مرجعيته:
يقول عنه محقق كتابه "اصل الشيعة واصولها": (( في عام ( 1337 ه‍ ) وبعد
وفاة السيد اليزدي رحمه الله تعالى والذي كان يعد مرجعا كبيرا من مراجع
التقليد اتجهت الأبصار نحو الشيخ كاشف الغطاء ، فتوافد على درسه الفضلاء
والعلماء ، وتطلعوا عن كثب مدى ما ينسب إليه من كبير الفضل ، وعظيم
المنزلة ، فوجدوا الوصف عن الموصوف ، والحقيقة تقصر عنها الحكاية ، فأقر
الجميع بعلميته ، وثنيت له الوسادة ، وشاع في الأصقاع ما عليه من تلك
السمات المؤهلة لتسنم المرجعية الشيعية ، فتعاظم عدد مقلديه في أنحاء
العالم المختلفة ، مما دفعه ذلك بعد نشره لرسائله العملية إلى إعادة
طبعها مرارا وتكرارا ، لزيادة الطلب عليها ، وتكاثر أعداد مقلديه .
وهكذا فقد توطدت مرجعية الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله تعالى ، وكان ذاك
إيذانا لتحمله عبء أعظم المسؤوليات المناطة بمراجع الأمة ، لا سيما وقد
كان العالم الاسلامي أبان تلك الحقبة يشهد جملة واسعة من التغيرات
والتطورات والانتكاسات التي تستلزم معالجة واقعية حاسمة ، ومواقفا شجاعة
ثابتة لدرء حالات النكوص والانهزام والتبعثر التي أصبحت سمة غالبة مشخصة
لواقع المجتمع الاسلامي آنذاك)) .(6)
من خلال الطرح اعلاه ، يمكن ان نستشف دوافع اصلاحات هذا الفقيه /
المرجع ، وسبب تصحيحاته وتجديداته في فكر المذهب الشيعي الامامي الاثني
عشري ، بعد (( حصول تغيرات وتطورات وانتكاسات تستلزم معالجة واقعية
حاسمة ، ومواقفا شجاعة ثابتة لدرء حالات النكوص والانهزام والتبعثر التي
أصبحت سمة غالبة مشخصة لواقع المجتمع الاسلامي))، والشيعي خاصة ، آنذاك ،
لانه كان:
- فقيها بارعا.
- قوي الحجة والبرهان .
- مجتهدا في مبانيه .
- حرا في آرائه ونظرياته .
- امتاز بذوق عربي سليم يؤهله لفهم وادارك حقيقة النصوص المعتمدة في
بناء جملة واسعة من الأحكام ، حتى أنه رحمه الله تعالى قد روي عنه إتيانه
ببعض المسائل الفقهية النادرة التي ليس لها عنوان محدد في الكتب الفقهية
الاستدلالية ، فيفتي بها مع تقديمه الحجة والدليل على ذلك ، تاركا
للآخرين مسألة المذاكرة حول ذلك الأمر وأبعاده.
***
بعض مواقفه :
ذكر محقق كتابه " اصل الشيعة واصولها "جملة من المواقف الوطنية والقومية
والاسلامية ، وكذلك جملة من تصحيحاته في الفكر الشيعي الامامي الاثني
عشري ، نذكر منها:
1 - الجهاد ضد الاستعمار البريطاني :
(( إذ كان من المرابطين في مدينة الكوت عام ( 1334 ه‍ 1916 م ) للتصدي
لتقدم القوات الانكليزية الغازية المدججة بأحدث الأسلحة)). (7)
2 - موقفه من مؤتمر بحمدون :
يقول المحقق : (( دعت جمعية أصدقاء الشرق الأوسط في الولايات المتحدة
الأمريكية الى مؤتمر بتأريخ 22 نيسان عام ( 1954 م ) في لبنان ،
وبالتحديد في مدينة بحمدون ، وحينها تلقى الشيخ كاشف الغطاء دعوة رسمية
موجهة من قبل كارلند ايفانز هوبنكز نائب رئيس تلك الجمعية لحضور هذا
المؤتمر .(...) كان موقف الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله تعالى حادا وصريحا
في رفضه لحضور هذا المؤتمر من خلال ما أرسله إلى المؤتمرين من جواب طويل
أسماه ( المثل العليا في الاسلام لا في بحمدون ) والذي أوضح فيه بصراحة
جلية رأيه في مواضيع هذا المؤتمر وبحوثه ، مبينا ما توقعه السياسة
الأمريكية وحليفتها الانكليزية من ظلم وتجني على شعوب العالم المستضعفة
المغلوبة ، مع إشارته الواضحة إلى بعد دعاة هذه السياسة ومباينتهم للقيم
الروحية التي تدعو لها الأديان السماوية المختلفة )). (8)
3 - دوره في المؤتمر الاسلامي العالمي في القدس عام 1932:
إذ تجسدت فكرة عقد مؤتمر لـ : (( البحث في نشر أساليب التعاون
الاسلامي ، ونشر الثقافة الاسلامية ، والدفاع عن البقاع المشرفة
الاسلامية ، والعمل لوقاية الدين الاسلامي وصيانة عقائده من شوائب
الإلحاد ، وتأسيس جامعة إسلامية في بيت المقدس ، والنظر في قضية الخط
الحديدي الحجازي . وكان من الطبيعي أن يستجيب الشيخ لهذه الدعوة الملحة ،
رغم إيمانه بأن ترجمة آمال المسلمين تكمن في صدق النوايا المقترنة
بالأعمال الجادة العاملة على توحيد صفوفهم ، ونبذ خلافاتهم ، وتشخيص علة
تفرقهم لمعالجتها ، لأنها هي الوسيلة الأنجع ، والسبيل الأقوم للنهوض
بهذه الأمة المبتلاة بهذا الداء الوبيل الذي بدأنا نرى ثماره واضحة وجلية
في أيامنا هذه من التسابق المحموم من قبل الكثير من الساسة المسلمين
للصلح مع الكيان الصهيوني اللقيط ، ومد جسور العلاقة معه (...) فطلب منه
في إحدى الليالي المفتي الحسيني ، ومفتي نابلس الشيخ محمد تفاحة - وكان
من أكبر علماء فلسطين سنا - ومراقب المسجد الأقصى ، أن يرتقي المنبر بعد
صلاة المغرب لإلقاء خطبة في الحاضرين الذين بلغ عددهم سبعين ألفا امتدت
صفوفهم حتى خارج المسجد الأقصى .(...) وبعد أن أنهى خطبته التي سحرت
المستمعين بحلاوة ألفاظها ، وسلاسة عباراتها ، وجزالة كلماتها طلبت منه
لجنة المؤتمر وأكابر الموجودين أن يأتموا به في صلاة العشاء حيث صوب ذلك
بالأكثرية ، فاستجاب لهم ، واقتدت به الألوف من الصفوف في حدث عظيم قل
نظيره . كما أن للشيخ كاشف الغطاء في أيام انعقاد المؤتمر مشاركات
واسعة ، وخطب بليغة ، ولقاءات متعددة تركت في أذهان الجميع ذكريات شجية
عن شخصية فذة عاصروها من علماء الشيعة الكبار)) .(9)
4 – موقفه من فلسطين:
قال الشيخ رحمه الله ، في "جنة المأوى":
(( امتحنت (فلسطين) بمحنة الصهيونية منذ اربعين سنة، وما زالت تتقدّم
والعرب والاسلام تتأخر. وقد اقتحمت معاركها الاولى ولم ازل منذ عشرين سنة
اقرع المنابر واقرع الاسماع بالخطب الناريّة، وانشر المقالات الملتهبة في
الصحف وغيرها واهيب بالمسلمين وادعوهم الى الوحدة وجمع الكلمة، وانّ
الاسلام بني على دعامتين (كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة) واصرخ الصرخات
الداوية ان يصلحوا الوضع بينهم لأنقاذ فلسطين الدامية (...) نعم كنّا
نعتز بذكر العرب ونرتاح بالأنتساب اليهم، ثم دارت رحى الزمان فصرنا نخجل
من ذكر العرب والعروبة وما يشتق منها، ونودّ لو كنا من الخزر والبربر ولم
نكن من هذه الأمة.
فلسطين قلب البلاد العربية تحقيقاً، تحفّ بها كالهالة، مصر وبلاد المغرب،
وسوريا ولبنان، والعراق، والاردن، والحجاز، واقطار الجزيرة فاذا هلك
القلب فما حال بقيّة الاعضاء؟ ولا شك ان الوضع اذا بقي على هذا قلنا
فلسطينات اخرى في زمن قريب "لا سمح الله " ...)).
5 - موقفه من العادات المنحرفة :
يقول المحقق : (( والحق يقال : أن الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله تعالى كان
نموذجا واضحا من أصحاب تلك المواقف العقائدية الشجاعة التي خلفت له
الثناء والاطراء أبد الدهر . فمن العادات السيئة والشاذة التي تفتقت عنها
أذهان الجهلة ، وروجت لها العقول والنفوس الفاسدة ، وزمر لها أعداء
الشيعة ، ونسبوها ظلما إليها ، ما اعتاد بعض العوام على فعله آنذاك ،
وبالتحديد في الأيام العشرة الأولى من شهر ربيع الأول من القيام بالكثير
من التصرفات المنكرة المؤذية للناس ، والمشينة للدين ، وبشكل بغيض ممقوت
متواصل تطبعت نفوسهم عليه ، وتشربت به لتكرره طوال عشرات أو مئات
السنين ، وكان الكثيرون من علماء الدين المخالفين والمعارضين لهذا المنهج
المنحرف في أثناء إقامة تلك الاحتفالات والمناسبات المختلفة يتحاشون
التصدي لمنع أولئك الجهلة عن منكراتهم هذه للأسباب التي ذكرناها سالفا ،
رغم استيائهم البالغ مما تشكله من إساءة بالغة للتشيع وأئمته ، فانبرى
الشيخ كاشف الغطاء بشجاعة قل نظيرها لمنع تكرر إيقاعها رغم تحذير
الكثيرين له من مغبة التصدي لها وتحريم الاتيان بها ، وإيضاح ضررها على
التشيع ، وتوهينها بالمذهب بشكل صريح سافر يتصيده أعداؤهم ومبغضيهم ،
فوفقه الله تعالى في مسعاه أيما توفيق ، وانقاد الجميع لإرادته ، وقبر
الكثير من تلك العادات السيئة التي كانت كالبقعة السوداء في ثوب التشيع
الأبيض الذي هو بري منها )).(10)
6 – الرد على الدكتور أحمد أمين :
تصحيحه لما ذكره الدكتور احمد امين في كتابه "فجر الاسلام" ،عن معتقدات
الشيعة الامامية الاثني عشرية ، خاصة اثناء لقاء الشيخ بالدكتور في مدينة
النجف عام ( 1349 ه‍(.)11)
***
مؤلفاته: (12)
1- في الحكمة والكلام :
أ - الدين والاسلام : ( أربعة أجزاء ، طبع منها جزءان ) .
ت - أصل الشيعة وأصولها .
ث - الفردوس الأعلى .
ج - الآيات البينات .
ح - جنة المأوى .
خ - التوضيح ( جزءان ، وقد تقدمت الإشارة إليه ) .
د - مبادئ الإيمان في الدروس الدينية .
ذ - نبذة من السياسة الحسينية .
ر - حاشية على كتاب الأسفار لملا صدر الدين ( مخطوط ) .
ز - حاشية على العرشية ورسالة الوجود لملا صدر الدين ( مخطوط ) .
ص - حاشية على رسالة الوجود لصدر المتألهين ( مخطوط ).
2 - في السياسة والموعظة :
أ - المثل العليا في الاسلام لا في بحمدون .
ب - المحاورة بين سفيرين .
ت - الميثاق العربي الوطني .
ث - خطبة الاتحاد والاقتصاد في الكوفة .
ج - الخطبة التأريخية في القدس .
ح - الخطب الأربع .
خ - خطبته في باكستان .
3 - في الفقه وأصوله :
أ - حاشية على كتاب التبصرة للعلامة الحلي.
ب - المسائل القندهارية .
ت - سؤال وجواب .
ث - وجيزة الأحكام .
ج - زاد المقلدين ( فارسي ) .
ح الأرض والتربة الحسينية .
خ - حاشية على سفينة النجاة لأخيه الشيخ الفقيه أحمد كاشف الغطاء.
د - حاشية على كتاب العروة الوثقى للسيد محمد كاظم اليزدي.
ذ - مناسك الحج.
س - تحرير المجلة ( خمسة أجزاء ، فقه مقارن ) .
ش - حاشية على مجمع الرسائل ( فارسي مطبوع مع حواشي السيد البروجردي) .
ر - شرح العروة الوثقى ( خمسة مجلدات ، مخطوط ) .
ز - تنقيح الأصول ( مخطوط ) .
س - رسالة في الجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعية ( مخطوط ) .
ش - حاشية على مكاسب الشيخ مرتضى الأنصاري ( مخطوط ) .
ص - حاشية على القوانين ( مخطوط ) .
ض - مجموعة الفتاوى ( مخطوط ) .
ط - حاشية على الكفاية للآخوند الخراساني ( مخطوط ) .
ظ - رسالة في الاجتهاد والتقليد ( مخطوط ) .
ع - حاشية على رسائل الشيخ الأنصاري ( مخطوط ) .
4 - في الأدب والتفسير وغيرهما ( وأكثرها لا زال مخطوطا ) :
أ - مغني الغواني عن الأغاني ( مختصر كتاب الأغاني ) .
ب - نزهة السمر ونهزة السفر ( عن رحلته الأولى إلى سوريا ومصر ) .
ت - ديوان شعره الذي أسماه : الشعر الحسن من شعر الحسين .
ث - تعليقات على أمالي السيد المرتضى.
ج - تعليقات على كتاب أدب الكاتب لابن قتيبة .
ح - مجموعتان من المنتخبات الشعرية .
خ - منتخبات من الشعر القديم .
د - عقود حياتي ( ترجمة حياة المؤلف بقلمه ) .
ذ - صحائف الأبرار في وظائف الأسحار .
ر - جنة المأوى .
ز - رسالة عن الاجتهاد عند الشيعة .
س - تعليقات على كتاب الوجيز في تفسير القرآن العزيز .
ش - تعليقات على نهج البلاغة ، ونقود على بعض شروحات الشيخ محمد عبده
له .
ص - تعليق على كتاب الفتنة الكبرى للدكتور طه حسين .
ض - تعريب كتاب فارسي هيئة .
ط - تعريب كتاب حجة الشهادة .
ظ - تعريب وتلخيص رحلة ناصر خسرو المشهورة .
ع - كتاب في استشهاد الإمام الحسين عليه السلام .
غ - العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية ، في تأريخ عائلة آل كاشف
الغطاء ، وعلماء النجف ، وتأريخها الحديث .
***
وفاته:
(( توفي بعد صلاة الفجر من يوم الاثنين الثامن عشر من شهر ذي القعدة عام
( 1373 ه‍ ) الموافق لليوم التاسع عشر من شهر تموز عام 1954 م )) .
(13)
***
شهادات:
قال فيه المرحوم العلامة المحقق الشيخ أغا بزرك الطهراني: ((هو من كبار
رجال الإسلام المعاصرين، ومن أشهر مشاهير علماء الشيعة .... والحقيقة،
أنّه من مجتهدي الشيعة الذين غاصوا بحار علوم أهل البيت " عليهم السلام"،
فاستخرجوا من تلك المكامن والمعادن، جواهر المعاني ودراري الكلم فنشروها
بين الجمهور)).
وقال فيه صاحب كتاب" أحسن الوديعة": (( كان آية الله العظمى الشيخ محمد
حسين كاشف الغطاء علاّمةً كبيراً، ومصلحاً شهيراً، وعالماً مقتدراً، له
بيان ساحر وكتابات جذابة، كانت مؤلفاته مكتوبة بلغة سلسة تناسب لغة
العصر، منسجمة مع التطور)).
***
المواقف التصحيحية والتجديدية للشيخ كاشف الغطاء

هذه مجموعة من تصحيحاته وتجديداته رحمه الله في فكر المذهب الشيعي
الامامي الاثني عشري ، نقدمها على سبيل المثال لا الحصر:
المسلم و المؤمن :
يفرق بعض علماء الشيعة الامامية الاثني عشرية بين " المسلم والمؤمن" تحت
تأثير اسباب سياسية تاريخية، تعضدهم في ذلك بعض الايات القرآنية التي
تفسر تفسيرا يخرجها عن كونها آيات عربية الالفاظ والمعاني ، او ان يقسرون
تفسيرها وكذلك تأويلها على معنى واحد مطلوب من قبل هذا البعض.
فالشيخ المفيد ، يرى التفرقة بين "المسلم والمؤمن "، إذ يقول : (( واتفقت
الإمامية على أن الاسلام غير الإيمان ، وأن كل مؤمن فهو مسلم و ليس كل
مسلم مؤمنا ، وأن الفرق بين هذين المعنيين في الدين كما كان في اللسان ،
ووافقهم على هذا القول المرجئة وأصحاب الحديث . وأجمعت المعتزلة وكثير من
الخوارج والزيدية على خلاف ذلك ، وزعموا أن كل مسلم مؤمن وأنه لا فرق بين
الاسلام والإيمان في الدين)). (14)
الا ان الكثير من علماء المذهب الذين ارادوا قول الحق دون عاطفة مزيفة ،
ودون ان يقعوا تحت تأثير روايات لم تثبت امام تحقيق الصحة والوثوقية ،
اردفوا بين اللفظين وجعلوهما بمعنى واحد يطلق على من قال بالشهادتين.
يقول الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله:
(( إن أهم ما امتازت به الشيعة عن سائر فرق المسلمين هو : القول بإمامة
الأئمة الاثني عشر ، وبه سميت هذه الطائفة ( إمامية ) إذ ليس كل الشيعة
تقول بذلك ، كيف واسم الشيعة يجري على الزيدية والإسماعيلية)). (15)
و تعتمد عقائد الشيعة في اصولها وفروعها كما يقول الشيخ كاشف الغطاء على
القضايا التالية : (16)
1 - معرفة الخالق .
2 - معرفة المبلغ .
3 - معرفة ما تعبد به ، والعمل به .
4 - الأخذ بالفضيلة ورفض الرذيلة .
5 - الاعتقاد بالمعاد والدينونة .
فضلا عن ذلك ، فالشيخ كاشف الغطاء رحمه الله ، وهو يصحح اخطاء وقع فيها
بعض رجال المذهب ، يؤكد على ان : (( الدين علم وعمل (...) والاسلام
والإيمان مترادفان ، ويطلقان على معنى أعم يعتمد على ثلاثة أركان :
التوحيد ، والنبوة ، والمعاد)) . (17)
مما جاء في اعلاه ، يمكن الخروج بنتيجة مفادها :
1 – ان الاصول عند هذا المذهب تستقي من القضايا الخمسة اعلاه.
2 – ان الفروع في هذا المذهب تعتمد الاصول المستقات من القضايا اعلاه.
3 – بمعنى ، ان كل ما شذ عن تلك القضايا ، وهي اسس الدين الاسلامي ،
وابتعد عنها ، فهو لا علاقة له بعقائد الشيعة الامامية الاثني عشرية.
ويتابع الشيخ كاشف الغطاء ليؤكد تأصيله للمذهب الامامي الاثني عشري ،
فيقول :
(( والاسلام والإيمان مترادفان ، ويطلقان على معنى أعم يعتمد على ثلاثة
أركان : التوحيد ، والنبوة ، والمعاد . فلو أنكر الرجل واحدا منها فليس
بمسلم ولا مؤمن ، وإذا دان بتوحيد الله ، ونبوة سيد الأنبياء محمد ( صلى
الله عليه وآله ) ، واعتقد بيوم الجزاء من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر
فهو مسلم حقا ، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم ، دمه وماله وعرضه حرام .
ويطلقان أيضا على معنى أخص يعتمد على تلك الأركان الثلاثة وركن رابع وهو
العمل بالدعائم التي بني الاسلام عليها وهي خمس : الصلاة ، والصوم ،
والزكاة ، والحج ، والجهاد . وبالنظر إلى هذا قالوا : الإيمان اعتقاد
بالجنان ، وإقرار باللسان ، وعمل بالأركان ، ( من آمن بالله ورسوله وعمل
صالحا ) . فكل مورد في القرآن اقتصر على ذكر الإيمان بالله ورسوله واليوم
الآخر ، يراد به الاسلام والإيمان بالمعنى الأول ، وكل مورد أضيف إليه
ذكر العمل الصالح يراد به المعنى الثاني . والأصل في هذا التقسيم قوله
تعالى : [ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل
الإيمان في قلوبكم ]. وزاده تعالى إيضاحا بقوله بعدها : [ إنما المؤمنون
الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في
سبيل الله أولئك هم الصادقون ] يعني : أن الإيمان قول ويقين وعمل . فهذه
الأركان الأربعة هي أصول الاسلام والإيمان بالمعنى الأخص عند جمهور
المسلمين . ولكن الشيعة الإمامية زادوا ( ركنا خامسا ) وهو : الاعتقاد
بالإمامة)) . (18)
اما مسألة الاعتقاد بالامامة التي جعلها الشيخ كاشف الغطاء واحدة من
اصول المذهب فقط (19) ، وليست من اصول الاسلام ، فيقول عنها الشيخ
مغنية : (( فالإمامة ليس أصلا من أصول دين الإسلام ، وإنما هي أصل لمذهب
التشيع ، فمنكرها مسلم إذا اعتقد بالتوحيد والنبوة ، والمعاد ، ولكنه ليس
شيعيا)). (20) ويقول عنها سماحة الامام الشيخ حسين المؤيد (مرجع عربي
عراقي معاصر): ((انّ الإمامة ليست أصلاً من أصول الدين و ان عدم الإعتقاد
بها – سواءً لعدم ثبوتها أو لثبوت عدمها – لا يؤثر في اسلام الإنسان و لا
في إيمانه , و ان كل من اعتقد بالاسلام و تبناه ديناً و امتثل أحكامه و
تعاليمه بالطريق الذي تيقنه بعد التثبت فهو مسلم مؤمن مهما كان مذهبه و
هو أهل لقبول عمله و نيل نعيم الله تعالى و الفوز بجنته عز و جل . و كل
كلام يخالف ذلك فأنا أرفضه و أبرء منه)).(21 )
وبقول السيد علي الامين( مرجع عربي لبناني معاصر): (( واما اصول المذهب
ومنها الايمان بالامامة هذه ليست دخيلة في ان يصبح الانسان مسلما وانما
هي من اصول المذهب ، كأي مذهب من المذاهب الاسلامية وليست من اصول
الاسلام)). (22)
ولما كان الاسلام والايمان مترادفين كما قال الشيخ كاشف الغطاء رحمه
الله ، فهذا يعني ان منكرها – أي الامامة بالنص- مؤمنا، أي ، ان المسلم
إن آمن بالامامة، او لم يؤمن بها هو مسلم مؤمن ، لا كما يفرق البعض
بينهما.
والنتيجة:
- الاسلام والإيمان مترادفان.
- فكل مورد في القرآن اقتصرعلى ذكر الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر ،
يراد به الاسلام والإيمان بالمعنى الأول ، وكل مورد أضيف إليه ذكر العمل
الصالح يراد به المعنى الثاني.
واعتمادا على هذا القول الذي يصدر عن مرجع مشهور من مراجع التقليد ،
واماما من ائمة الشيعة الامامية الاثني عشرية في العصر الحالي (النصف
الاول من القرن العشرين) ، فإن أي قول اخر يأتي مخالفا لما قيل في السطور
السابقة هو صادر من غلاة ومفوضة جدد ابتلي بهم المذهب الامامي الاثني
عشري ، فيما تبقى الامامة شرطا لتسمية المذهب الشيعي بالامامية الاثني
عشرية.
واخيرا ، يقول عنها الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله :
(( والخلاصة : أن الإمامية يقولون : نحن شيعة علي وتابعوه ، نسالم من
سالمه ، ونحارب من حاربه ، ونعادي من عاداه ، ونوالي من والاه ، إجابة
وامتثالا لدعوة النبي صلى الله عليه وآله : " اللهم وال من والاه ، وعاد
من عاداه " . وحبنا وموالاتنا لعلي عليه السلام وولده إنما هي محبة
وموالاة للنبي صلى الله عليه وآله وإطاعة له)) . (23)
***
- موقفه من دعاوي تحريف القرآن الكريم:
اتهم الشيعة الامامية الاثنا عشرية بتهمة كبيرة وخطيرة، الا وهي تهمة
تحريف القرآن الكريم الذي هو الان بين ايدينا ، اعتمادا على ما ذكرته
مؤلفات بعض علمائهم ، وخاصة الكتاب الجامع لروايات التحريف (فصل الخطاب
في إثبات تحريف كتاب رب الارباب) لمؤلفه النوري الطبرسي ، وما ذكرته بعض
مصادرهم ،مع العلم ان الكثير من كتب المذاهب الاخرى تذكر الكثير من هذه
التحريفات تحت عناوين شتى ، مثل الناسخ والمنسوخ مثلا ، و تذكر المصادر –
ايضا - ان احدى المدارس الاسلامية - احدى فرق الخوارج - قد اخرجت سورة
يوسف من ان تكون سورة منزلة ، ونسب إلى بعض المعتزلة إنكار سورة أبي
لهب ، وغير ذلك ، مما يقع تحت عنوان التحريف (الزيادة والنقصان خاصة).
(24)
يقول الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله عن هذه المسألة (ص 220)، وهو يتحدث
بإسم الشيعة الامامية الاثني عشريه لانه مرجعهم الكبير في ذلك الوقت :
(( ... وأن الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله
إليه للاعجاز والتحدي ، ولتعليم الأحكام ، وتمييز الحلال من الحرام ،
وأنه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة ، وعلى هذا إجماعهم ، ومن ذهب منهم
أو من غيرهم من فرق المسلمين إلى وجود نقص فيه أو تحريف فهو مخطئ يرده نص
الكتاب العظيم [ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ]. والأخبار
الواردة من طرقنا أو طرقهم الظاهرة في نقصه أو تحريفه ضعيفة شاذة ،
وأخبار آحاد لا تفيد علما ولا عملا ، فإما أن تأول بنحو من الاعتبار ، أو
يضرب بها الجدار)) .
وهكذا يأتي قول هذا الشيخ الامام رحمه الله كلمة الفصل لكل من اتهم
الشيعة الامامية ، وكذلك لبعض رجال الدين الشيعة الامامية الاثني
عشرية ،في ان القرآن الكريم الذي بين ايدينا الان هو القرآن المنزل من
الله سبحانه بدون زيادة او نقصان او تحريف ما.
وليس قوله هذا رحمه الله هو القول الوحيد بين فقهاء ومراجع التشيع
الامامية ، وانما هناك الكثير ممن قال بمثل هذا القول ، بل هم الغالب
الاعم في المذهب .
***
- ابن سبأ والتشيع الامامي:
كثر الحديث عن عبد الله بن سبأ في المصادر التاريخية، واتهم الشيعة بإنه
مؤسس للكثير من عقائد مذهبهم (كالامامة، والرجعة مثلا)، وقد رد الكثير من
الكتاب القول بالوجود التاريخي لمثل هذه الشخصية ، كالدكتور طه
حسين ،ومحمد كرد علي، واحمد عباس صالح ، ومن المستشرقين : الدكتور برناد
لويس، و فلهوزن، و فريدليندر، وكايتاني ، وقد اجمعوا كافة على وهمية هذه
الشخصية ، وانها موضوعة من قبل الوضاع سيف بن عمر ، ثم اشاعها الطبري.
(25)
يقول الشيخ رحمه الله:
(( أما " عبد الله بن سبأ " الذي يلصقونه بالشيعة أو يلصقون الشيعة به ،
فهذه كتب الشيعة بأجمعها تعلن بلعنه والبراءة منه ، وأخف كلمة تقولها كتب
رجال الشيعة في حقه ويكتفون بها عن ترجمة حاله عند ذكره في حرف العين
هكذا : " عبد الله بن سبأ ، ألعن من أن يذكر " . أنظر رجال أبي علي
وغيره )) .(26)
***
- التقية:
ابتلي المذهب الشيعي الامامي الاثني عشري بعقيدة التقية المتصورة من قبل
البعض من رجال وعلماء الشيعة الامامية، من خلال ما جاءت به من ضبابية في
الاحاديث والروايات، وعدم الصدق في القول ، والقول بقولين ، وغير ذلك .
( 27)
إذ كثر استخدامها - غير الصحيح و لا الموضوعي - في الكثير من المواضع في
كتب ومصادر الشيعة الامامية الاثني عشرية ، حتى طالت اقوال الائمة
(المعصومين) ، فقيل عنها انها قيلت تقية ، وكتاب الكافي – وغيره من كتب
الحديث الامامية – مليء بهذا القول ، فجعلوا من الامام المعصوم خائفا ،
يقول بما لا يعتقد به ، مخالفا لصريح القرآن الكريم .
الا ان الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله قال كلمة الفصل فيها عندما وضعها تحت
ثلاثة احكام ، كلها لا تجيز للامام المعصوم ان يعمل بها ،فضلا عن الشيعي
الامامي الاثني عشري ، لا لانه امام مسدد بالعصمة ، ولا لانه موصى به من
الله سبحانه ، ولكن لانه امام فحسب ، وما للامام من دور فعال وكبير في
حياة من يؤمنون به ويأخذون دينهم منه.
يقول الشيخ رحمه الله :
(( والعمل بالتقية له أحكامه الثلاثة :
فتارة : يجب ، كما إذا كان تركها يستوجب تلف النفس من غير فائدة .
وأخرى : يكون رخصة ، كما لو كان في تركها والتظاهر بالحق نوع تقوية له ،
فله أن يضحي بنفسه ، وله أن يحافظ عليها .
وثالثة : يحرم العمل بها ، كما لو كان ذلك موجبا لرواج الباطل ، وإضلال
الخلق ، وإحياء الظلم والجور)) .(28)
وفي الحكم الثالث تقع جميع احاديث الائمة التي قيل عنها انها قيلت تقية.
***
وفي كتابه " جنة المأوى" ، هناك اجوبة عن اسئلة موجهة اليه رحمه الله صحح
الكثير مما التبس على عوام الشيعة من امور تاريخية ، او اريد لتلك الامور
ان تلتبس عليهم من قبل بعض رجال الشيعة لاسباب واغراض غير خافية على
القاريء اللبيب، الا انه رحمه الله قال فيها القول الفصل.
واذكر هنا بعض تصحيحاته على سبيل المثال لا الحصر:
- يوم التاسع من ربيع الأول، او ما يسمى بفرحة الزهراء:
يقيم بعض الشيعة الامامية الاثني عشرية احتفالا (غير منتشر وغير مفهوم
اصلا) في هذا اليوم الذي يسمى يوم ( فرحة الزهراء) ويقولون عنه انها قد
فرحت بموت عمر بن الخطاب، الذي طعن في اليوم السادس والعشرين من ذي
الحجة، ومات يوم التاسع والعشرين منه وذلك بعد وفاتها .
يقول رحمه الله : (( انّ المعروف عن كثير من الشيعة من قديم الزمان انَّ
هذه الأيام ايام فرح وسرور كما ذكر ذلك السيّد ابن طاووس في "الأقبال"
حيث قال: وجدنا جماعة من العجم والأخوان يعظمون السرور في هذا اليوم أي
اليوم التاسع من ربيع ويذكرون انه يوم هلاك كذا، وأشار الى الرواية
المنسوبة الى الصدوق.
وقال السيد رضوان الله عليه لم اجد رواية يعتمد عليها تؤيد تلك الرواية،
ولكن لعلّ فرح الشيعة بذلك اليوم من جهة انَّ الأمام الحسن العسكري (عليه
السلام) توفيّ على اصح الروايات يوم الثامن من ربيع الأول ويكون يوم
التاسع اوّل يوم من امامة الحجة (عجل الله فرجه)، فينبغي ان يتخذه
المؤمنون عيداً كما يتخذ الناس ايام جلوس ملوكهم عيداً، ثم ذكر بعض
التوجيهات لأحتمال كون قتل الرجل في ربيع وكلّها في غاية البعد، انتهى ما
افاده (قدس سره) مع شرح وتوضيح منّا.
واقول ايضاً ويحتمل ان يكون سبب فرحة الزهراء (عليها السلام) هو ان اليوم
التاسع والعاشر من ربيع الأول هو يوم اقتران ابيها رسول الله (ص) سيد
الكائنات بوالدتها الطاهرة خديجة الكبرى ولا شك ان الزهراء كانت تظهر
الفرح والسرور بذلك اليوم من كل سنة افتخاراً بذلك الشرف العظيم والخير
العميم، ويكون قد بقيت عادة اظهار هذا الفرح متوارثاً عنذ مواليها من
الشيعة في ذلك اليوم كلّ سنة، ولكن على مرور السنين جهلوا السبب ثم حوره
بعض الدساسين الى غير وجهه الصحيح، وبقي الأسم معروفاً عندهم هو فرحة
الزهراء (عليها السلام) والسبب مجهولٌ.
ومهما كان الأمر فليس معنى كونه يوم فرح وسرور عند الشيعة ان يؤذي بعضهم
بعضا ويتجاسر بعضهم على بعض بيد او لسان، او يستعملوا بعض المفرقعات
المزعجة كما يستعمله بعض عوام النجف حاشا عقلائهم وافاضلهم، وسرى ذلك
الشعار الخبيث الى جملة من بلاد الشيعة، فأنّ جميع ذلك من اسوأ الكبائر
وايذاء المؤمن محاربة مع الله عزَّ وجلّ وايذاء فظيع للائمة، ومن اكبر
المصائب على الزهراء (عليها السلام) وقد قاومنا هذه العادات السيئة منذ
عدة سنين وخطبنا الناس في الصحن الشريف وعظناهم حتى خفّت وطأة هذه
المنكرات ولم يبق منها الاّ الشيء اليسير بالنسبة الى السابق وارجو
بتوفيقه تعالى ان لا يبقى لها اثر ان شاء الله، انما الفرح والسرور ان
يجلس المؤمنون في نواديهم الخاصة ويتلون القصائد والأشعار البديعة في
مدائح اهل البيت (عليهم السلام) وذكر مناقبهم ولو بالاصوات الحسنة التي
لم تبلغ حدّ الغناء المحرم)).
اقول: ارجو ان ينتبه القاريء اللبيب الى قول ابن طاووس : ((وجدنا جماعة
من العجم والأخوان يعظمون السرور في هذا اليوم أي اليوم التاسع من ربيع
ويذكرون انه يوم هلاك كذا، وأشار الى الرواية المنسوبة الى الصدوق)) وما
يرمي اليه هذا القول.
ومن هذا المنطلق جاءت تصحيحات الشيخ رحمه الله ، لمعرفته جيدا لدوافع
واغراض تلك الجماعات التي ذكرها ابن طاووس..
***
تصحيحاته لاراء احمد امين
- القول بالرجعة:

(( حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون *لعلي أعمل صالحا فيما تركت
كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون *فإذا نفخ في
الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون * فمن ثقلت موازينه فأولئك هم
المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون)).
[المؤمنون :99 - 103 ]

وفي رده على الاراء التي طرحها الدكتور احمد امين في كتابه "فجر الاسلام"
- وهي ردود موجهة بعد ذلك الى الشيعة عموما الذين اعتقدوا بما وجد فيه
الدكتور امين تهمة - يقول اية الله العظمى الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله
عن الرجعة التي شنع بها امين على الشيعة الامامية الاثني عشرية :
((وليس التدين بالرجعة في مذهب التشيع بلازم ، ولا إنكارها بضار ، وإن
كانت ضرورية عندهم ، ولكن لا يناط التشيع بها وجودا وعدما ، وليست هي إلا
كبعض أنباء الغيب ، وحوادث المستقبل ، وأشراط الساعة مثل : نزول عيسى من
السماء ، وظهور الدجال ، وخروج السفياني ، وأمثالها من القضايا الشائعة
عند المسلمين وما هي من الاسلام في شئ ، ليس إنكارها خروجا منه ، ولا
الاعتراف بها بذاته دخولا فيه ، وكذا حال الرجعة عند الشيعة)).(29)
ويؤكد ص168 : ((وليس لها عندي من الاهتمام قدر قلامة ظفر)).
ويكفي قوله الاخير شهادة، وجاءت جهينة بالخبر اليقين.
علما ان رجال الدين في المذهب رأوا فيها رأيين ، احدهما : رجعة الاشخاص ،
والاخر: رجعة دولة الحق، ولم يتفقوا على رأي واحد.
***
- النار المحرمة على الشيعي:
يقول بعض رجال الدين الشيعة القدامى ،وتحت تأثير الغلاة ، وكذلك
المعاصرين الذين اسميتهم بالغلاة الجدد، القول بحرمة النار على الشيعي،
ليس فقط على المنابر الفضائية فحسب، وانما تعدى ذلك الى بعض المؤلفات
التي تخرجها المطابع الحديثة ، وهم في هذا النهج يؤصلون لفرية ما انزل
الله بها من سلطان ، الا ان العقل السوي يكذبها ، كما كذبها الشيخ كاشف
الغطاء رحمه الله، وغيره من بعض الفقهاء ومراجع الدين والمفكرين الشيعة
الامامية الاثني عشرية الذين سبقوه او الذين جاؤوا من بعده.
اما حديث المنابر ، والمنابر الفضائية الحديثة، واقوال البعض ممن تقودهم
عاطفة حب آل البيت ، فهي اقوال لا تصمد امام النقد والتمحيص ، فضلا عن
ذلك ، امام آيات القرآن الكريم الواضحة .
يقول د. احمد امين : الشيعة تقول : " إن النار محرمة على الشيعي إلا
قليلا " !
فيقول الشيخ رحمه الله ردا على هذه الفرية : (( وما أدري في أي كتاب من
كتب الشيعة وجد هذا ، وهل يليق برجل تربع على دست النقد والتمحيص للمذاهب
والأديان أن يقذف طائفة من المسلمين بشناعة لا يأتي عليها منهم بشاهد ولا
برهان ، كيف وهذه كتب الشيعة كادت أن تسمع حتى الأصم والأبكم . إن الله
سبحانه خلق الجنة لمن أطاعه ولو كان عبدا حبشيا ، وخلق النار لمن عصاه
ولو كان سيدا قريشا ، ويروون عن أئمتهم عليهم السلام من أمثال ذلك ما
يفوت حد الاحصاء . نعم باب الشفاعة من النبي والأئمة عليهم السلام لبعض
المذنبين باب آخر ، ولعل القول بالشفاعة في الجملة من ضروريات مذهب
الاسلام. وأيضا نعيد ما قلناه قريبا ، وإنه لو تنازلنا وافترضنا أن
الشيعة تقول ذلك ، فهل يصح بهذا أن يقال [ بأن ] التشيع أخذ من اليهودية
أو [ أن ] اليهودية ظهرت في التشيع ؟ . وهل يحسن بعاقل أن يقول : أن أبا
حنيفة أخذ فقهه من المجوس لأنه وافقهم في بعض الفروع في باب النكاح أو
غيره ، ويعضد ذلك أنه فارسي الأصل ؟ أليس يعد هذا من سفه القول ، وخطل
الآراء التي لا فائدة فيها سوى إيقاد نار الشحناء والبغضاء بين
المسلمين ؟ )). (30)
وربما البعض يقول ان هذا القول موجود في بعض كتب المذهب ، الا ان اجابة
الشيخ رحمه الله في ذلك ومطالبته للدكتور امين ان (يمحص) تلك الاقوال قبل
ان يتهم المذهب، هو القول الفصل ردا على تلك التهمة / الفرية.
***
- هل النار محرّمة على ذرية الزهراء ( عليها السلام)؟
تذكر بعض المصادر طائفة من الاخبار ان ذرية الزهراء قد حرّمت عليهم النار
حتى لو كانوا من المخالفين.
يقول الشيخ رحمه الله : (( يخطر على بالي كلام للامام الرضا (عليه
السلام) مع اخيه زيد المعروف بزيد النار الذي خرج على المأمون ولمّا ظفر
به عفا عنه ووهبه للامام (عليه السلام) فقال الامام لزيد ما مضمونه
ولفظه: اغرّك يا زيد ما بلغك ان رسول الله (ص) قال: (انَّ الله حرّم
فاطمة وذريتها على النار)، فأن ذلك مختصّ بذريتها من صلبها كالحسن
والحسين وزينب (عليهم السلام)، والادلة القطعية عقلية ونقلية تؤيد ذلك
وتدل عليه كالحديث المشهور: (خلق الله الجنة لمن اطاعه) الخ، نعم باب
العفو والشفاعة والغفران باب آخر ولا يختص بأبناء فاطمة (عليها السلام)
بل يعم جميع شيعتها ومواليها، والجميع ابناؤها بالبنوة الروحانية ، رزقنا
الله شفاعتها والموافاة على ولايتها)).
***
- التشيع الامامي واليهودية:
شنع الدكتور احمد امين على التشيع الامامي الاثني عشري القول انهم اخذوا
معتقداتهم من اليهود ، كما قال البعض من الدارسين من المخالفين لهذا
المذهب ، فيرد الشيخ رحمه الله على هذه التهمة قائلا و متسائلا بإندهاش:
(( وهل يصح أن يقال إن اليهودية ظهرت في الاسلام لأن اليهود يقولون
بعبادة إله واحد والمسلمون به قائلون ؟ ! وهل هذا إلا قول زائف ،
واستنباط سخيف ؟ !)) .(31)
***
- التشيع الامامي والنصرانية:
يقول د. احمد امين : " والنصرانية ظهرت في التشيع في قول بعضهم أن نسبة
الإمام إلى الله كنسبة المسيح إلى الله . . " !
فيرد عليه رحمه الله قائلا: (( إن من حق الأمانة على ابن الأمين أن يعين
الهدف ، ولا يرسل في غير سدد وبغير سداد ، كان يجب عليه أن يذكر من هو
القائل بهذا القول من الشيعة . فهل مراده ما يسمونهم غلاة الشيعة
كالخطابية والغرابية والعلياوية والمخمسة والبزيعية وأشباههم من الفرق
الهالكة المنقرضة التي نسبتها إلى الشيعة من الظلم الفاحش ، وما هي إلا
من الملاحدة كالقرامطة ونظائرهم ، أما الشيعة الإمامية وأئمتهم عليهم
السلام فيبرأون من تلك الفرق براءة التحريم .على أن تلك الفرق لا تقول
بمقالة النصارى ، بل خلاصة مقالتهم بل ضلالتهم أن الإمام هو الله سبحانه
ظهورا أو اتحادا أو حلولا ، أو نحو ذلك مما يقول به كثير من متصوفة
الاسلام ومشاهير مشايخ الطرق ، وقد ينقل عن الحلاج بل والكيلاني والرفاعي
والبدوي وأمثالهم من الكلمات وإن شئت فسمها كما يقولون شطحات ما يدل
بظاهره على أن لهم منزلة فوق الربوبية ، وأن لهم مقاما زائدا عن الألوهية
( لو كان ثمة موضع لمزيد ) وقريب من ذلك ما يقول به أرباب وحدة الوجود أو
الموجود . أما الشيعة الإمامية وأعني بهم جمهرة العراق وإيران وملايين من
مسلمي الهند ومئات الألوف في سوريا والأفغان فإن جميع تلك الطائفة من حيث
كونها شيعة يبرأون من تلك المقالات ، ويعدونها من أشنع [ أشكال ] الكفر
والضلالات ، وليس دينهم إلا التوحيد المحض ، وتنزيه الخالق عن كل مشابهة
للمخلوق ، أو ملابسة لهم في صفة من صفات النقص والامكان ، والتغير
والحدوث ، وما ينافي وجوب الوجود والقدم والأزلية ، إلى غير ذلك من
التنزيه والتقديس المشحونة به مؤلفاتهم في الكلام ، من مختصرة
( كالتجريد ) أو مطولة ( كالأسفار ) وغيرهما مما يتجاوز الألوف ، وأكثرها
مطبوع منتشر ، وجلها يشتمل على إقامة البراهين الدامغة على بطلان التناسخ
والاتحاد والحلول والتجسيم . ولو راجع المنصف الذي يمشي وراء الحقائق
وفوق العصبية والأغراض شيئا منها لعرف قيمة قول هذه الناشئة المترعرعة
التي قذفتنا بهم أعاصير هذا العصر وتطورات هذا الزمن ، نعم يعرف قيمة قذف
الشيعة بالتناسخ والحلول والتجسيم . والقصارى : إنه إن أراد بالشيعة هم
تلك الفرق البائدة ، والمذاهب الملحدة التي لا أحسب أن في رقعة الأرض
منهم اليوم نافخ ضرمة فنحن لا نضايقه في ذلك ، ولكن نسبتهم إلى الشيعة
ظلم فاحش ، وخطأ واضح ، وقد أساء التعبير ، وما أحسن البيان ، ولم يعط
الحقيقة حقها . وإن أراد بالشيعة الطائفة المعروفة اليوم بهذا الاسم
[ و ] التي تعد بالملايين من المسلمين ، فنحن نطالبه بإثبات ذلك من
مصنفات أحد علمائهم من حاضر أو غابر)) . (32)
***
حوادث تاريخية
كثر الحديث في تسعينيات القرن الماضي عن حادثة تاريخية سميت مرة بحادثة
"الهجوم على بيت الزهراء" ، ومرة بإسم "حادثة حرق بيت الزهراء" ،واضافوا
لها اضافات ، ككسر الضلع ، ودخول مسمار الباب في صدر الزهراء ، واسقاط
جنينها ، وغير ذلك ، عندما شكك بوقوعها السيد محمد حسين فضل الله في احدى
محاضراته في تسعينات القرن الماضي ، معتمدا – فيما اعتمد – على رأ للشيخ
كاشف الغطاء رحمه الله ، فقامت عليه دنيا بعض رجال الدين الشيعة في قم
والنجف ولم تقعد ، واخرجت المطابع كتب البعض ردا على هذا التشكيك .
يقول الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله :
((ولكن قضية ضرب الزهراء ولطم خدها مما لا يكاد يقبله وجداني ويتقبّله
عقلي، ويقتنع به مشاعري، لا لأن القوم يتحرّجون ويتورعون من هذه الجرأة
العظيمة، بل لأن السجايا العربية والتقاليد الجاهلية التي ركّزتها
الشريعة الاسلامية وزادتها تأييداً وتأكيداً تمنع بشدة ان تضرب المرأة او
تمد اليها يد سوء، حتى انّ في بعض كلمات امير المؤمنين (عليه السلام) ما
معناه: ان الرجل كان في الجاهلية اذا ضرب المرأة يبقى ذلك عاراً في
اعقابه ونسله.
ويدلّك على تركّز هذه الركيزة بل الغريزة في المسلمين وانها لم تفلت من
ايديهم وان فلت منهم الاسلام: ان ابن زياد وهو من تعرف في الجرأة على
الله وانتهاك حرماته لما فضحته الحوراء زينب (عليها السلام )، وافلجته
وصيرته احقر من نملة، واقذر من القملة، وقالت له: ثكلتك امك يا ابن
مرجانة، فاستشاط غضباً من ذكر امه التي يعرف انها من ذوات الاعلام، وهمّ
ان يضربها، فقال له عمرو بن حريث وهو من رؤوس الخوارج وضروسها انها امرأة
والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها، فاذا كان ابن مرجانة امتنع من ضرب
العقيلة خوف العار والشنار وكلّه عار وشنار، وبؤرة عهار مع بعد العهد من
النبي (ص) فكيف لا يمتنع اصحاب النبي (ص) مع قرب العهد به من ضرب عزيزته،
وكيف يقتحمون هذه العقبة الكؤود ولو كانوا اعتى واعدى من عاد وثمود. ولو
فعلوا او هموا ان يفعلوا اما كان في المهاجرين والانصار مثل عمرو بن حريث
فيمنعهم من مدّ اليد الأثيمة، وارتكاب تلك الجريمة، ولا يقاس هذا بما
ارتكبوه واقترفوه في حق بعلها سلام الله عليه ومن العظائم حتى قادوه
كالفحل المخشوش فأن الرجال قد تنال من الرجال ما لا تناله من النساء.
كيف والزهراء (عليها السلام ) شابة بنت ثمانية عشر سنة، لم تبلغ مبالغ
النساء واذا كان في ضرب المرأة عار وشناعة فضرب الفتاة اشنع وافظع،
ويزيدك يقيناً بما اقول انها ــ ولها المجد والشرف ــ ما ذكرت ولا اشارت
الى ذلك في شيء من خطبها ومقالاتها المتضمنة لتظلّمها من القوم وسوء
صنيعهم معها مثل خطبتها الباهرة الطويلة التي القتها على المهاجرين
والأنصار، وكلماتها مع امير المؤمنين (عليه السلام) من المسجد، وكانت
ثائرة متأثرة اشد التأثر حتى خرجت عن حدود الآداب التي لم تخرج من
حظيرتها مدة عمرها، فقالت له: يا ابن ابي طالب افترست الذئاب وافترشت
التراب ــ الى ان قالت: هذا ابن ابي فلانة يبتزّني نحلة ابي وبلغة ابني،
لقد اجهد في كلامي، والفيته الألد في خصامي ولم تقل انه او صاحبه ضربني،
او مدّت يد اليّ وكذلك في كلماتها مع نساء المهاجرين والأنصار بعد سؤالهن
كيف اصبحت يا بنت رسول الله؟ فقالت: اصبحت والله عائفة لدنياكن، قالية
لرجالكنَّ، ولا اشارة فيها الى شيء عن ضربة او لطمة، انما تشكو اعظم صدمة
وهي غصب فدك واعظم منها هي غصب الخلافة وتقديم من أخر الله وتأخير من
قدّم الله، وكل شكواها كانت تنحصر في هذين الأمرين وكذلك كلمات امير
المؤمنين (عليه السلام) بعد دفنها، وتهيّج اشجانه وبلابل صدره لفراقها
ذلك الفراق المؤلم، حيث توجه الى قبر النبي (ص) قائلاً: السلام عليك يا
رسول الله عني وعن ابنتك النازلة في جوارك الى آخر كلماته التي ينصدع لها
الصخر الأصم لو وعاها، وليس فيها الاشارة الى الضرب واللطم ولكنه الظلم
الفظيع والامتهان الذريع، ولو كان شيء من ذلك لأشار اليه (عليه السلام)،
لأن الأمر يقتضي ذكره ولا يقبل ستره، ودعوى انها اخفته عنه ساقطة بأن
ضربة الوجه ولطمة العين لا يمكن اخفاؤها.
واما قضية قنفذ وان الرجل لم يصادر امواله كما صنع مع سائر ولاته وامرائه
وقول الامام (عليه السلام): انه شكر له ضربته فلا امنع من انه ضربها
بسوطه من وراء الرداء وانما الذي استبعده او امنعه هو لطمة الوجه وقنفذ
ليس ممن يخشى العار لو ضربها من وراء الثياب او على عضدها وبالجملة فأن
وجه فاطمـة الزهـراء هـو وجـه الله المصون الذي لا يهان ولا يهون ويغشى
نور العيون، فسلام الله عليك يا ام الأئمة الأطهار ما اظلم الليل واضاء
النهار،0 وجعلنا الله من شيعتك الأبرار، وحشرنا معك ومع ابيك وبنيك في
دار القرار)). (33)
***
الهوامش:
1 - أصل الشيعة وأصولها - الشيخ كاشف الغطاء - ص 214 وما بعدها .
2 - المصدر السابق – مقدمة التحقيق - ص 56 .
3 – المصدر السابق – ص59.
4 - المصدر السابق - ص60
5 - المصدر السابق - ص62.
6 - المصدر السابق - ص63 .
7 - المصدر السابق - ص66.
8 - المصدر السابق - ص 68وما بعدها.
9 - المصدر السابق - ص87 وما بعدها.
10 - المصدر السابق - ص74 وما بعدها
11 - المصدر السابق - ص76 وما بعدها.
12 - المصدر السابق - ص101 وما بعدها.
13 - المصدر السابق - ص105.
14 – المفيد - أوائل المقالات - ص 48.
15 - أصل الشيعة وأصولها - الشيخ كاشف الغطاء - ص 214 – 215.
16 - المصدر السابق - ص 210.
17 - المصدر السابق - ص 210.
18 - المصدر السابق - ص 210 – 213.
19 – المصدر السابق - ص221.
20 - محمد جواد مغنية - الشيعة في الميزان - ص 268 .
21 – الموقع الالكروني لسماحة الامام الشيخ المؤيد.
22 – زبدة التفكير في رفض السب والتكفير – السيد علي الامين - ص 17 .
23 - أصل الشيعة وأصولها - الشيخ كاشف الغطاء - ص 223.
24 - وعن صور التحريف التي وردت في كتب المذاهب الاخرى ، يمكن مراجعة :
*محاضرات الأدباء للأصفهاني- 511 .
* القرطبي- 901؛912 ، 2725؛ 2726.
* مختصر تاريخ دمشق لابن منظور- 2852.
*أسد الغابة- 1385؛ 1472
* محلى ابن حزم- 1860.
* الإتقان في علوم القرآن للسيوطي.
* مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي .
راجع : فروقات المصاحف - نبيل فياض – الموقع الالكتروني " الذاكرة " .
كذلك كتابه : (أمّ المؤمنين تأكل أولادها).
25 – راجع :هوية التشيع - الدكتور الشيخ أحمد الوائلي - ص 129 وما بعدها.
- وسيف بن عمر التميمي هذا من الوضاعين ، وضع كتابين ، هما : (الفتوح
والردة) و كتاب (الجمل ومسير عائشة وعلي) وملأهما بالاكاذيب التي نشرها
بعده الطبري وابن الاثير وابن عساكر وابن كثير وغيرهم .
26 – المصدر السابق - ص180 – 181.
27 - على سبيل المثال من الكافي: ص 266 ج1 ، ص 340 هـ 2 ج1 ، ص168 ج 2 ،
397 هـ 2 ج3 ، ص541 هـ 1 ج3 ، ص9 هـ 2 ج8.
28 - أصل الشيعة وأصولها - الشيخ كاشف الغطاء - ص 316
29 - المصدر السابق - ص 167 .
30 - المصدر السابق - ص 168 وما بعدها.
31 - المصدر السابق - ص 167 .
32 - المصدر السابق - ص 176 وما بعدها.
33 – جنة المأوى – الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء – كتاب مستنسخ من الموقع
الالكروني "المؤسسة العامة لكاشف الغطاء".
- وادهشني قول السيد مرتضى في الفقرة 9 - ص 20 ج2 ، إذ يقول : ((لا ندري
بعد كل ما قدمناه متى كانت أقوال الرجال حجة في اثبات الحقائق أو
نفيها ؟)) .
عجبي !!! الم ينقل الحادثة رجال متهمين من قبل الشيعة وهم ( سليم بن قيس
ومحمد بن سنان)، ام ان قولهما قرآنا منزلا لا يأتيه الباطل؟
- وراجع كذلك كتاب : الزهراء القدوة – محمد حسين فضل الله – كتاب مستنسخ
من موقعه الالكتروني .
- اول من ذكر الحادثة في التاريخ ، سليم بن قيس في كتابه المسمى (كتاب
سليم بن قيس) الذي اورثه لراويه أبان بن أبي عياش في سنة 76 الهجرية ! .
وقد شك اغلب رجال الدين الشيعة بعائدية هذا الكتاب لسليم ، بل ان المصادر
الرجالية وغيرها تتحدث عن سليم بن قيس وتخرجه عن صفة الوثاقة والصدق هو
وتلميذه ابان .
وهو : (( دخل سليم بن قيس إلى المدينة المنورة في أوائل خلافة عمر بن
الخطاب ، وكان عمره سبعة عشر عاما ، وبدأ يسأل ويتتبع لكي يعرف ويفهم ،
وبدأ يكتب ويدون ، مع أن تدوين الحديث كان جريمة يعاقب عليها صاحبها
بالضرب والحبس والحرمان والعزل الاجتماعي ! ! ولكن سليما كان يجيد التحفظ
والتقية ، وبذلك استطاع أن يكتب ويحافظ على كتابه ، واستمر على ذلك في
خلافة عثمان وبعده طيلة 60 سنة من عمره المبارك . . . وحمله معه في
تشريده من بلد إلى بلد ، وهروبه من سيف الحجاج . . . إلى أن ورثه لراويه
أبان بن أبي عياش في سنة 76 الهجرية !). ( راجع : كتاب سليم بن قيس -
تحقيق محمد باقر الأنصاري - ص 12 – 13 ).
وسليم هذا، وكذلك راويه أبان ، قالت عنهما المصادر :
جاء في دراسات في الحديث والمحدثين - هاشم معروف الحسني - ص 197:
(( سليم بن قيس بن سمعان ، وثقه جماعة ، وضعفه آخرون ، وادعى جماعة من
المحدثين ، ان الكتاب المعروف بكتاب سليم بن قيس من الموضوعات ، وأطالوا
الحديث حوله وحول كتابه ، وجاء فيه ان الأئمة ثلاثة عشر إماما ، وان محمد
بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت مع أنه كان في حدود السنتين)) .
وجاء في كتاب : دراسات في علم الدراية - لعلي أكبر غفاري - ص 233:
(( سليم بن قيس الهلالي أبو صادق ، له كتاب معروف . ذكره النعماني
والنجاشي والشيخ وذكر الأخير طريقه إليه )). وورد في الصفحة نفسها ،
الهامش :
(( يروى كتاب سليم ، إبراهيم بن عمر اليماني عن أبان بن أبي عياش ، عنه ،
وقال الشيخ أبان بن أبي عياش ضعيف وقال العلامة الحلي : " قال ابن
الغضائري : إنه وضع كتاب سليم " . وقال استاذنا الشعراني - رحمه الله - :
" التكلم في سليم وأبان بن أبي عياش ينبغي أن يخصص بهذا الكتاب الموجود
الذي كان في أيدينا اليوم المعروف بكتاب سليم ، والحق ان هذا الكتاب
موضوع لغرض صحيح - نظير كتاب الحسنية ، وطرائف ابن طاووس ، والرحلة
المدرسية - وواضعه جمع أمورا مشهورة وغير مشهورة ، ولما لم يكن معصوما
أورد فيه أمورا غير صحيحة ، والظاهر أنه وضع في أواخر دولة الأمويين حين
لم يجاوز عدد خلفائهم اثنى عشر نفرا إذ ورد فيه " الغاصبين منهم اثنا
عشر ، وبعدهم يرجع الحق إلى أهله " مع أنهم زادوا ولم يرجع ، وبالجملة إن
أيد ما فيه دليل من خارج فهو ، وإلا فلا اعتبار بما يتفرد به ، والغالب
فيه التأيد وعدم التفرد " )).
وابان هو (( أبان بن فيروز أبي عياش مولى عبد القيس أبو إسماعيل البصري
المتوفى ( 138 ) : قال شعبة : ردائي وخماري في المساكين صدقة إن لم يكن
ابن أبي عياش يكذب في الحديث . وقال : لا يحل الكف عنه إنه يكذب على رسول
الله ( ص ) . وقال أحمد إمام الحنابلة ليحيى بن معين - وهو يكتب عن أبان
نسخة - : تكتب هذه وأنت تعلم أن أبان كذاب ؟ وقال شعبة : لأن يزني الرجل
خير من أن يروي عن أبان . وقال : لأن أشرب من بول حماري أحب إلي من أن
أقول حدثني أبان . لعله حدث عن أنس بأكثر من ألف وخمسمائة حديث ، ما
لكثير شئ منها أصل . تهذيب التهذيب ( 1 / 99 ) . )). ( راجع: الوضاعون
وأحاديثهم - الشيخ الأميني - ص 120 ).
فبعد كل الذي قيل في مثل هكذا رجال ، يأتي اخرون ليحطوا من قدر الرجال
الذين ينفون وقوع حادثة الهجوم ، كقول من قال على الموقع الالكتروني
( منتديات يا حسين) بعد تهجمه على السيد فضل الله حول انكاره لضرب
الزهراء ، وكأن تصديق هذه الحادثة التاريخية عقيدة الهية لا يأتيها
الباطل ، اقول ان هذا القائل ، قال عن الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله :
(( اخي الشيعي يا من غايته المودة لاهل البيت يا من تريد التولي
والتبري ، ولا تأخذك في الله واوليائه لومة لائم إن المدعوا محمد حسين
كاشف الغطاء منحرف عقائديا كما محمد حسين فضل الله نعم منحرف ، كما سنبين
لك ليس فقط لانه ينفي ضرب اللعينين لسيدة الوجود صلوات الله عليها فهذه
وإن كان امرها غير سهل ولكن البعض يحملها على محامل غريبة لكنه تشدق في
الكثير من المواطن بكلمات تهين العقيدة وتهين اهل البيت صلوات الله عليهم
وخصوصا الزهراء صلوات ربي عليها)).
علما ان كل الروايات التي تذكرها المصادر يمكن ان نقول عنها انها روايات
لا تستقيم و العقل السليم ، لانها:
1 – ان اغلبها غير مسند اسنادا صحيحا.
2 – تذكر بعض الروايات ان عمر او احد جماعته كسر سيف الزبير بضربه على
الارض ، نتساءل: من أي مادة هي التي صنع منها هذا السيف ؟ و أي ارض ضرب
عليها ؟ هل هي ارض كونكريتية صلبة بحيث تكسر السيف ؟ام ان ارضية دار
السيدة فاطمة معبدة بالطابوق او الكاشي او المرمر او الصخر؟
3 – ومرة يكون الضارب للسيدة فاطمة هو عمر ، ومرة تذكر انه قنفذ.
4 – ومرة تذكر ان مكان الضرب بالسوط هو كف السيدة فاطمة ( مأساة الزهراء
– السيد جعفر مرتضى – ج2 – ص 181 )، ومرة تذكر انه عضدها ( مأساة الزهراء
– السيد جعفر مرتضى – ج1 – ص 317 ).
5 – اتساءل ايضا عن الباب المصنوع من السعف (( مأساة الزهراء – السيد
جعفر مرتضى – ج2 – ص 173 )) هل فيه مسامير ، وعلى الرغم من ان مثل هذه
الابواب (وهي الان مستعملة في بعض بساتين النخيل في جنوب العراق لبعض
حضائر الحيوانات) لا تستخدم المسامير في ربطها ، وانما تستخدم خوص
النخيل للربط ، اقول على الرغم من كل ذلك ، وبفرض انها ربطت بالمسامير ،
وهنا اشرك معي أي نجار يستخدم المسامير في ربط الواح الخشب، واسأله: لو
انه ربط لوحين بمسمار وخرج المسمار من الجهة الثانية ، فماذا يفعل به ؟
حتما انه سيرد قائلا : سألويه (احنيه) الى احدى الجهات لكي لا يؤذي
الاخرين ، وايضا – وهو المهم – ليحافظ على الربط .

‏15/09‏/2010


السيد محسن الامين

(( ان السيد محسن لم يكتف بالكتابة والوعظ والارشاد بل راح يعمل على قدر
الطاقة لتنزيه الدين من الشوائب والقضاء على كل تعقيد يوسع الخرق والعمل
على تنشئة جيل صالح.
وكان السيد محسن الأمين في طليعة دعاة التجدد وعنوانا لروحيتهم )).
- جعفر الخليلي-

عندما وضعنا دراساتنا هذه عن رجال الاصلاح في المذهب الشيعي الامامي
الاثني عشري ، لم تكن دفاعا عن هذا المذهب ، لانه ليس من شأن هذه
الدراسات – ولا كاتبها – الدفاع ، وانما كان هدفها تسليط الضوء على صفحة
من صفحات تاريخ الشيعة الامامية الاثني عشرية القريب ، ولبيان ان كانت
التهم الموجهة اليه من البعض هي صادقة ، بحيث نقول عنه انه مذهب متهم في
عقيدته، وخارج عن الاسلام جملة وتفصيلا ، في وقت اصبح العالم فيه قرية
صغيرة بفعل الفضائيات والانترنيت ، وان من يسكن في شرقيها يعرف ما يحدث
لمن يسكن في باقي مناطقها الاخرى ، والعكس صحيح .
ام ان تلك التهم باطلة ، وهذا البطلان مطلق او جزئي ، بحيث يمكن القول ان
المتهمين لهذا المذهب هم صادقون في اتهامهم ، ام انهم كاذبون او واهمون .
ان الاتهامات كثيرة ، وقد زاد الطين بلة ، ان بعض رجال المذهب والمحسوبين
عليه – خاصة على الفضائيات - ، قد قاموا بفعل تأكيدي على ان تلك التهم هي
حقيقية ، الا ان الكثير من رجال المذهب (فقهاء ومراجع ومفكرين) – القدامى
والمعاصرين – قد نفوا وبالدليل الشرعي القطعي عدم صحة عين تلك الاتهامات.
ومن هذا المنطلق ، تأتي هذه الدراسات كنقاط ضوء تسلـّط على المخفي
والمسكوت عنه في زماننا الحاضر من صور النفي لما اتهم به الشيعة ، وكذلك
لتسمع صوت من اراد ان يقول قولة حق، وراح البعض يسكته بطرق شتى تصل الى
حد القتل او الخروج من المذهب ، والامثلة كثيرة.
واذا كنا في دراسات سابقة (1) قد سلطنا الضوء بقوة على بعض التصحيحات
والتجديدات فقهيا وتاريخيا عند مرجع من مراجع المذهب ، وهو الامام الشيخ
حسين المؤيد، وكذلك في سلسلة دراساتنا هذه التي سلطنا فيها الضوء الساطع
على بعض الرجال الذين رفعوا راية الاصلاح في زحمة من اراد لهذا المذهب ان
يكون مذهبا مبنيا على الخرافة والاسطورة من الذين وصفناهم في دراسات
سابقة على انهم مفوضة القرن العشرين والواحد والعشرين الجدد ، ومن
االغالين ايضا ، وممن يستخدم رد الفعل العاطفي على بعض الاتهامات دون
دليل شرعي قاطع ، والاتيان بسخافات (شوهت الدين وجعلت منه أضحوكة
الضاحكين !). (2)
ان دراساتنا هذه تصب في هذا المجرى، وليس هناك قصد اخر من ورائها سوى قول
الحقيقة التي هي ضالة المؤمن ، والله من وراء القصد.
***
المصلح الكبير السيد محسن الامين

(( هو أبو محمد الباقر محسن ابن الصالح العابد الزاهد التقي النقي الورع
السيد عبد الكريم ابن العلامة الفقيه الرئيس الجليل السيد علي ابن الرئيس
السيد محمد الأمين ابن العالم العلامة الفقيه الرئيس الجليل السيد أبي
الحسن موسى ابن العالم الفاضل الرئيس السيد حيدر ابن العالم الفاضل السيد
احمد ابن الفاضل السيد إبراهيم المنتهي نسبه إلى الحسين ذي الدمعة بن زيد
الشهيد ابن الإمام علي زين العابدين ابن الإمام الحسين الشهيد ابن الإمام
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع ، العلوي الفاطمي الهاشمي الحلي العاملي
الشقرائي مؤلف هذا الكتاب غفر الله ذنوبه وستر عيوبه .
قال الشيخ الامين: ولدت في قرية شقراء من بلاد جبل عامل سنة 1284
ه‍ .
وقال ايضا: الذي سمعناه متواترا من شيوخ العشيرة أن الأصل من الحلة ، جاء
أحد الأجداد منها إلى جبل عامل بطلب من أهلها ليكون مرجعا دينيا ومرشدا ،
ولسنا نعلم من هو على التحقيق ، بل هو مردد بين السيد إبراهيم وابنه
السيد أحمد وابنه السيد حيدر . ثم عرفت العشيرة بال الأمين نسبة إلى
السيد محمد الأمين ابن السيد أبي الحسن موسى ووالد جدنا السيد علي الأمين
فصار يقال لذريته آل الأمين.
كان لأبويه الفضل الأكبر في تربيته وتفريغه لطلب العلم وحثه على ذلك
ومراقبته في سن الطفولة ، فقد بدأ بدراسة القرآن وهو في سن السابعة أي في
سنة 1291 ه‍ حيث تولت والدته تعليمه ، وتعلم كذلك الكتابة من بعض شيوخ
العائلة . وبعد أن ختم القرآن تعلم علمي النحو والصرف على يد السيد محمد
حسين عبد الله وغيرهم ، ثم هاجر مع عائلته إلى كربلاء فالنجف حيث استقر
هناك . وفي النجف حضر دروس الأخلاق عند الشيخ الملا حسين قلي الهمذاني ،
وقد ترك هذه الدروس وعكف على دروس الأصول والفقه . وقد ندم بعد وفاة
الشيخ الهمذاني ندما كبيرا لعدم استمراره الحضور في دروسه الأخلاقية .
و بعد معاناة مع المرض استمرت أكثر من عامين توفي ( رحمه الله ) منتصف
ليلة الأحد 4 رجب سنة ( 1371 ه‍ - 1952 م ) في بيروت ، ونقل جثمانه
بتشييع عظيم إلى دمشق حيث دفن بقرية الست - من أعمالها -)) . (3)
***
مؤلفاته :
- أبو تمام الطائي .
- أبو فراس الحمداني .
- أبو نواس .
- أحكام الأموات .
- أرجوزة في النكاح .
- إرشاد الجهال إلى مسائل الحرام والحلال.
- أساس الشريعة في الفقه الاستدلالي.
- أصدق الأخبار في قصة الأخذ بالثار.
- أعيان الشيعة.
- إقناع اللائم على إقامة المآتم.
- البحر الزخار في شرح أحاديث الأئمة الأطهار.
- البرهان على وجود صاحب الزمان ( عليه السلام ) .
- تاريخ جبل عامل . - تحفة الأحباب في آداب الطعام والشراب .
- التقليد آفة العقول .
- التنزيه لأعمال التشبيه.
- جناح الناهض إلى تعلم الفرائض.
- جوابات المسائل الدمشقية.
- جوابات المسائل الصافيتية .
- جوابات المسائل العراقية .
- حاشية الغرر والدرر .
- حاشية القوانين .
- حاشية المطول .
- حاشية مفتاح الفلاح .
- حذف الفضول عن علم الأصول .
- الحصون المنيعة في رد ما كتبه صاحب المنار في حق الشيعة .
- حق اليقين.
- حواشي أمالي المرتضى .
- حواشي العروة الوثقى .
- حواشي المعالم .
- الدر الثمين .
- الدر المنظم في حكم تقليد الأعلم .
- الدر النضيد في مراثي السبط الشهيد .
- درر العقود في حكم زوجة الغائب والمفقود .
- الدرر المنتقاة لأجل المحفوظات.
- الدرة البهية في تطبيق الموازين الشرعية.
- دروس الحيض والاستحاضة والنفاس .
- الدروس الدينية .
- الرحلات .
- الرحيق المختوم في المنثور والمنظوم.
- رسالة الردود والنقود.
- الروض الأريض في أحكام تصرفات المريض.
- سفينة الخائض في بحر الفرائض.
- مختصر من كشف الغامض.
- شرح الإيساغوجي.
- شرح التبصرة .
- الصحيفة السجادية الخامسة .
- صفوة الصفوة في علم النحو .
- عجائب أحكام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
- عين اليقين في التأليف بين المسلمين .
- قصة المولد النبوي.
- القول السديد في الاجتهاد والتقليد .
- كاشفة القناع في أحكام الرضاع.
- كشف الارتياب في اتباع محمد بن عبد الوهاب.
- كشف الغامض في أحكام الفرائض.
- لواعج الأشجان في مقتل الحسين ( عليه السلام ).
- المجالس السنية في مناقب ومصائب العترة النبوية.
- معادن الجواهر ونزهة الخواطر.
- المفاخرات .
- مفتاح الجنات .
- مناسك الحج وأعمال المدينة .
- المنيف في علم التصريف .
- نقض الوشيعة.
ولا يخفى أن للسيد ( قدس سره ) كتبا ورسائل أخرى في مختلف أنواع العلوم .
***
حركة الامين الاصلاحية الكبرى

(( في صميم معركة الاصلاح تجاوبت بثورة التنزيه انحاء العالم الاسلامي ،
وعمت دعوتها المسلمين في كل مكان ، وترجمت إلى أكثر من لغة ، ووجد فيها
المخلصون فرصة ثمينة للتخلص من الشوائب والأباطيل ، فأرادوها نقطة انطلاق
نحو نهضة اصلاحية شاملة ، كما وجد فيها الآخرون خطرا يهدد بعضهم بما هم
فيه من جمود ورجعية ، وبعضهم بما لهم من مصالح ومارب ، وأصبحت البلاد
الاسلامية تغلي غليانا بها ، فكثرت الردود عليها وانهالت الهجمات على
صاحبها ، وصاحبها صامد كالطود مؤمن بانتصاره في النهاية )).
- اعيان الشيعة –

من مظاهر الاحتفال بإستشهاد الامام الحسين في كربلاء (على الاقل في
القرنيين الاخيرين)، قراءة المقتل الذي يعتمد رواية ابو مخنف التي نقلها
الطبري في تاريخه ، مضافا لها اشعارا بالفصحى والعامية لترجمة مشاعر
المشتركين في الواقعة، واقوال من حضر ذلك اليوم في مخيم الامام الحسين من
اهله وصحبه ، وروايات لم يذكرها النص الاصلي.
وايضا ، من مظاهر تلك الاحتفالات : المجالس الحسينية ، التي اريد منها ان
تكون مدارس تعليم وتذكير ابناء المذهب بالقيم الاخلاقية والروحية
والانسانية لما قام به الامام الحسين امام سلطة البغي والظلم ، الا ان
تلك المجالس تحولت الى استجداء المشاعر المأساوية كالبكاء والنحيب
والعويل بفعل الصوت الشجي للقاريء على المنبر (4 )، واصبحت فيه تلك
المجالس كمسرح اغريقي – وحديث ايضا – يعرض مسرحيات تراجيدية (في القول
فقط)غايتها تصفية النفس الانسانية مما اصابها من ادران الحياة ، وبعد
الانتهاء يعود كل شيء الى ما كان عليه.
وكذلك ، كانت من مظاهر تلك الاحتفالات ، ممارسة افعال شديدة القسوة على
البدن والنفس ، لا لشيء، الا لان القائمين بها إما انهم قد استعاروها من
ممارسات اقوام وشعوب وديانات اخرى (يقول البعض انها مستجلبة من الهند) ،
وإما انها تأتي كرد فعل على عدم نصرة الاجداد للحسين في ذلك الوقت ، من
مثل : مظاهر لبس الأكفان وكشف الرؤوس وجرحها بالمدى والسيوف حتى تسيل
منها الدماء وتلطخ بها تلك الأكفان وضرب الظهور بالسلاسل ودق الطبول وضرب
الصنوج والنفخ في البوقات والدمام ، وغير ذلك والسير في الأزقة والأسواق
والشوارع بتلك الحالة .
ان المظاهر تلك استفزت الكثير من رجال الدين الشيعة من مراجع وفقهاء
ومفكرين وحتى من عامة الشيعة ، فإرتفعت الاصوات العقلانية الصادقة منادية
بحرمتها ، الا انها ذهبت ادراج الرياح امام زخم ذلك الصوت الشجي لرجال
المنابر ، وامام عاطفة غير مبصرة وغير مسيطر عليها عقلانيا، حتى اذا
انبرى السيد محسن الامين في النصف الاول من القرن الماضي ، لقول كلمة
الحق فيها ، من انها من المحرمات ، قامت قائمة المستفيدين منها ، ومن
الذين يحكمون عواطفهم المريضة بمرض النقص بعدم النصرة للامام الحسين في
الطف . (5)
الا ان صوته ، بل ثورته ، اتت اوكلها ذلك الحين الى حد ما.
ونحن اذ نتصدى لتقديم هذا المصلح الديني والاجتماعي والسياسي على المستوى
الاسلامي والمذهبي ، فإننا نذكر فقط واحدة من اصلاحاته في المذهب الشيعي
الامامي الاثني عشري ، وهي تحريمه ممارسة طقوس اللطم وضرب الرؤوس
بالقامات ، والظهور بالسلاسل ، تاركين اصلاحاته الاخرى الى حديث اخر ،
ومنها السياسية والاجتماعية ، والفقهية.
وما احوجنا اليوم الى رجل كالسيد محسن الامين ليرمي حجر التصحيح في
البركة هذه من جديد ،على الرغم من ان الكثير من رجال الدين والفقهاء
والمفكرين ما زالوا يسيرون على خطى ذلك الاصلاحي الكبير ، كالمرحوم السيد
فضل الله ،والسيد علي الامين ، والامام الشيخ حسين المؤيد الذي نقرأ في
طروحاته الفكرية وفي فقهه النير المستنير صوت التجديد والتصحيح في زماننا
هذا (6)، الا ان صوت الفضائيات مرتفع اعلى من صوتهم ، وان الكثير من رجال
الدين الذين يقودون العامة في الميدان لم تكتمل عدتهم الفقهية ولا
العقلية .
***
رسالة التنزيه لاعمال الشبيه
للسيد محسن الامين
اصدر السيد الامين رحمه الله وقتذاك رسالة هي اشبه بالبيان الى عامة
وخاصة الشيعة منددا بما يقومون به – او بعضهم – من اعمال غير صحيحة ،
وغير ثابتة عن الائمة ، سميت تلك الرسالة برسالة التنزيه لاعمال الشبيه ،
هذا نصها:
(( قال رحمه الله في مفتتح الرسالة : ان الله سبحانه وتعالى أوجب انكار
المنكر بقدر الإمكان بالقلب أو اليد أو اللسان ومن أعظم المنكرات اتخاذ
البدعة سنة والسنة بدعة والدعاية إليها وترويجها . ثم يشير بعد ذلك إلى
ما ينكره من الأمور التي دخلت في مجالس ذكرى الحسين فيقول :
فمنها الكذب بذكر الأمور المكذوبة المعلوم كذبها وعدم وجودها في خبر ولا
نقلها في كتاب وهي تتلى على المنابر وفي المحافل بكرة وعشيا ولا من منكر
ولا رادع وسنذكر طرفا من ذلك في كلماتنا الآتية إن شاء الله ، وهو من
الكبائر بالاتفاق لا سيما إذا كان كذبا على الله أو رسوله أو أحد الأئمة
ع .
ومنها ايذاء النفس وادخال الضرر عليها بضرب الرؤوس وجرحها بالمدى والسيوف
حتى يسيل دمها وبضرب الظهور بسلاسل الحديد وغير ذلك . وتحريم ذلك ثابت
بالعقل والنقل وما هو معلوم من سهولة الشريعة وسماحتها الذي تمدح به رسول
الله ص بقوله : جئتكم بالشريعة السهلة السمحاء ومن رفع الحرج والمشقة في
الدين بقوله تعالى : ما جعل عليكم في الدين من حرج . ومنها الصياح
والزعيق بالأصوات المنكرة القبيحة .
ومنها كل ما يوجب الهتك والشنعة مما لا يدخل تحت الحصر ويختلف الحال فيه
بالنسبة إلى الأقطار والأصقاع إلى غير ذلك .
فادخال هذه الأشياء في إقامة شعائر الحزن على الحسين ع من المنكرات التي
تغضب الله ورسوله ص وتغضب الحسين ع فإنما قتل في احياء دين جده ص ورفع
المنكرات فكيف يرضى بفعلها لا سيما إذا فعلت بعنوان انها طاعة وعبادة .
وقد رأينا في هذه الأيام أوراقا مطبوعة ذكر فيها صاحبها انه يرد على
ناشئة عصرية من صفتها كذا وكذا فطائفة منها ازدلفت إلى مشاهدهم المقدسة
ببقيع الغرقد فهدمتها وطائفة منهم قد تألبت لابطال إقامة العزاء للنبي
وآله وعترته أيام وفياتهم المعلومة لا سيما يوم عاشوراء . وحسن فيها ما
يفعله بعض الناس أيام عاشوراء من لبس الأكفان وكشف الرؤوس وجرحها بالمدى
والسيوف حتى تسيل منها الدماء وتلطخ بها تلك الأكفان ودق الطبول وضرب
الصنوج والنفخ في البوقات الدمام وغير ذلك والسير في الأزقة والأسواق
والشوارع بتلك الحالة .
وعرض بنا بسوء القول لنهينا عن قراءة الأحاديث المكذوبة وعن هذا الفعل
الشائن للمذهب وأهله والمنفر عنه والملحق به العار عند الأغيار والذي
يفتح باب القدح فيه وفي أهله ونسبتهم إلى الجهل والجنون وسخافة العقول
والبعد عن محاسن الشرع الاسلامي واستحلال ما حكم الشرع والعقل بتحريمه من
ايذاء النفس وادخال الضرر عليها حتى أدى الحال إلى أن صارت صورهم
الفوتغرافية تعرض في المسارح وعلى صفحات الجرائد .
وقد قال لنا أئمتنا ع كونوا زينا لنا ولا تكونوا شينا علينا وأمرونا بان
نفعل ما يقال لأجله رحم الله جعفر بن محمد ما أحسن ما أدب به أصحابه .
ولم ينقل عنهم انهم رخصوا أحدا من شيعتهم في ذلك ولا أمروهم به ولا فعل
شئ من ذلك في عصرهم لا سرا ولا جهرا حتى في أيام ارتفاع الخوف والتقية
كأوائل دولة بنى العباس وعصر المأمون وغير ذلك .
وقد كتب على ظهرها انها للمصلح الكبير أ فهذا هو الاصلاح الذي يوصف
صاحبه بالمصلح الكبير بالحث على أمر لو فرض محالا انه ليس محرما فهو يلصق
العار بالمذهب وأهله وينفر الناس منه ويفتح باب القدح فيه أ ليس من الورع
في الدين والاحتياط فيه التحاشي عنه أ ما يقتضي الاصلاح لو كان القصد
الاصلاح تركه والتجافي عنه صيانة للمذهب وأهله من الصاق العيب بهم
والتنفير عنهم فلو فرض إباحته فهو ليس من واجبات الدين التي يضر تركها .
وقد أفاض صاحبها في ذكر خرافات العرب قبل الاسلام مما لا مساس له
بالموضوع وفي أمور أخرى كثيرة من هذا القبيل بعبارات مطولة ولسنا بصدد
استقصاء جميع ما فيها مما يوجب الانتقاد لأن ذلك يطول به الكلام ولا
يتعلق لنا به غرض بل نقتصر على شق الرؤوس واستعمال الطبول والزمور ونحوها
ونذكر نموذجا من كلامه في غيرها مما وقع نظرنا عليه اتفاقا ليكون مثالا
لغيره .
كقوله ومن فواجع الدهور وفظائع الأمور وقاصمات الظهور وموغرات الصدور ما
نقلته بعض جرائد بيروت في هذا العام عمن نحترم اشخاصهم من المعاصرين
الوطنيين من تحبيذ ترك المواكب الحسينية والاجتماعات العزائية بصورها
المجسمة في النبطية وغيرها فما أدري أ صدق الناقل أم كذب فإن كان صادقا
فالمصيبة على الدين جسيمة عظيمة لا ينوء بها ولا ينهض بعبئها عاتق
المدينين إلى آخر ما هنالك . ونقول : هذا التهويل وتكثير الأسجاع لا يفيد
شيئا ولو أضيف إليه اضعافه من قاطعات النحور ومجففات البحور ومفطرات
الصخور ومبعثرات القبور ومهدمات القصور ومسقطات الطيور . بل إن من فجائع
الدهور وفظائع الأمور وقاصمات الظهور وموغرات الصدور اتخاذ الطبول
والزمور وشق الرؤوس على الوجه المشهور وابراز شيعة أهل البيت واتباعهم
بمظهر الوحشية والسخرية أمام الجمهور مما لا يرضى به عاقل غيور وعد ذلك
عبادة ونسبته إلى أهل البيت الطهور . والمواكب الحسينية والاجتماعات
العزائية لا تستحسن ولا تحل الا بتنزيهها عما حرمه الله تعالى وعما يشين
ويعيب وينسب فاعله إلى الجهل والهمجية وقد بينا ان الطبل والزمر وإيذاء
النفس والبروز بالهيئة المستبشعة مما حرمه الله ولم يرضه لأوليائه سواء
وقع في النبطية أو القرشية أو مكة المكرمة .
وجاء فيها قالوا انا نجد قراء التعزية كثيرا ما يسردون على مسامع
الجالسين أحاديثا كذا مكذوبة وأجاب بما لفظه : وكثير من أساطين العلماء
يعملون بضعاف الاخبار من السنن ومن المعلوم ان روايات التعزية من سنخ
الرخص لا العزائم والله يحب ان يأخذ برخصه كما يحب أن يأخذ بعزائمه .
وانا نسأله ما ربط عمل العلماء بالخبر الضعيف في السنن باخبار التعزية
التي هي أمور تاريخية لا احكام شرعية وما ربط الخبر الضعيف بالمقام
والقائل الموهوم انما قال إنهم يوردون أحاديث مكذوبة ولم يقل ضعيفة
الاسناد وما معنى ان روايات التعزية من سنخ الرخص لا العزائم فالرخصة
خاصة بالمباح والمستحب والمكروه والعزيمة بالحرام والواجب فما معنى ان
روايات التعزية من الرخص فهل تلك الروايات نفسها مباحة أو مكروهة أو
مستحبة فإن كان المراد نفس الرواية فلا تتصف بشئ من ذلك وإن كان المراد
نقلها فأي معنى لقول نقلها رخصة لا عزيمة مع أنها إن كانت كذبا كان نقلها
محرما وإن كان المراد مضمونها فهو قصة تاريخية لا تتصف برخصة ولا عزيمة
ولو فرض ان مضمونها حكم شرعي فلا بد ان يكون أحد الأحكام الخمسة
التكليفية فكيف جعل رخصة فقط وقوله إن الله يحب ان يؤخذ برخصه الخ لا ربط
له بالمقام إذ معناه ان الله يحب ان يخفف على عبده بترك المستحب مثلا كما
يحب ان يلتزم بفعل الواجب وترك المحرم فما ربط ذلك بايراد الرواية
المكذوبة في التعزية .
وجاء فيها قالوا وجلهم اي قراء التعزية يتلو الحديث ملحونا وأجاب بما
ملخصه على طوله ان المستمعين أمم عديدة ألسنتها شتى منهم عربي وفارسي
وتركي وهندي و . و . الخ . ومنهم عوام فينقل لهم معنى الأحاديث بألفاظهم
العامية إلى أن قال وأي حاجة ماسة للعربية الفصحى في قراءة التعزية على
أمة أمية كمعدان العراق وقروية الشام وسكان بادية نجد والحجاز واليمن
المصطلحين فيما بينهم على وضع ألفاظ معلومة .
وأنت ترى ان الجواب غير منطبق على هذا المقال الموهوم فالقائل يقول
الأحسن رفع اللحن من قراءة التعزية وهو يقول في جوابه ان المستمعين منهم
عربي وفارسي وتركي وهندي فما ربط الفارسي والتركي والهندي والجاوي
بالمقام فلم يقل القائل انه لا ينبغي قراءة التعزية بالتركية للأتراك
وبالفارسية للفرس وبالهندية للهنود بل يقول ينبغي لقراء التعزية بالعربية
للعرب عدم اللحن ولم يقل انه لا ينبغي ان يقرأ الحديث بالمعنى حتى يجيبه
بان منهم عواما فينقل لهم الحديث بألفاظهم العامية على أن ذلك أمر غير
واقع فليس في قراءة التعزية من يقرأ بالألفاظ العامية بل كلهم يقرأون
الفصحى ولكن مع اللحن من البعض والقائل لم يأب عن قراءة التعزية بالألفاظ
العامية كالنعي المتعارف بل يقول إذا قرئ الشعر لا يحسن ان يكون ملحونا
وإذا نقل حديث أو خطبة ينبغي ان لا يكون فيه لحن . والقائل يقول لا ينبغي
اللحن في قراءة التعزية وهو يقول في جوابه لا يلزم قراءتها بالعربية
الفصحى ولو فرضنا انه أراد من العربية الفصحى عدم اللحن فيقال له إذا اي
حاجة إلى ترك اللحن في جميع الكلام ولما ذا وضع النحو وكتب العربية وهل
قراءة الفاعل مخفوضا والمفعول مرفوعا تزيد في فهم المعاني لمعدان العراق
وقروية الشام وسكان بادية نجد واليمن والنازلين بأرياف مصر والحالين في
نواحي حضرموت والمتبوئين صحراء إفريقية وبلاد المغرب وما الذي يدعوه إلى
كل هذه المدافعة عن اللحن في قراءة التعزية وما القارئ الا خطيب .
وما الذي يدعوه إلى كل هذه المدافعة عن اللحن في القراءة أ هو حب الاصلاح
أم أمر آخر وهل إذا تلونا الحديث والشعر بدون لحن فاستجلبنا به قلب ذي
المعرفة ولم ننفره بسماع الغلط وصنا الحديث عن اللحن والغلط وعن الخطا في
فهم المعنى بسبب اللحن ولم نجعل تفاوتا على غير ذي المعرفة الذي لا يضره
رفع الفاعل ولا يزيد في فهمه خفضه يكون عملنا هذا مضرا وعكسه نافعا
والمستمعون كما يوجد فيهم المعدان يوجد فيهم أهل العلم والمعرفة .
قال : وممن طعن على القراء للتعزية بعض المعاصرين زعم أن الكثيرين منهم
بين مخلق كذا للاخبار وبين ماسخ لها وعنده هذا الطعن عليه انتهى .
ومراده كاتب هذه السطور الذي ذكر في مقدمة المجالس السنية ما لفظه : هذا
ولكن كثيرا من الذاكرين لمصابهم ع قد اختلقوا أحاديث في المصائب وغيرها
لم يذكرها مؤرخ ولا مؤلف ومسخوا بعض الأحاديث الصحيحة وزادوا ونقصوا فيها
لما يرونه من تأثيرها في نفوس المستمعين الجاهلين بصحة الاخبار وسقمها
إلى آخر ما ذكرناه . والمجالس السنية انما ألفناها لتهذيب قراءة التعزية
واصلاحها من العيوب الشائنة والمحرمات الموبقة من الكذب وغيره وانتقاء
الأحاديث الصحيحة الجامعة لكل فائدة فقام هذا الرجل يرمينا بان هذا الطعن
علينا بأننا نختلق الأحاديث ونمسخها وجاء بعبارته هذه التي جمجم فيها
وبترها وأبت نفسه الا ان يذكرها والله تعالى يعلم وعباده يعلمون وهو نفسه
يعلم اننا لسنا كذلك واننا نسعى جهدنا ونصرف نفيس أوقاتنا وعزيز أموالنا
في تاليف الكتب وطبعها ونشرها لا نستجدي أحدا ولا نطلب معونة مخلوق قصدا
لتهذيب الأحاديث التي تقرأ في إقامة العزاء من كل كذب وعيب وشين ليكون
الذاكرون من الخطباء الذين تستجلب قراءتهم الأنظار وتستهوي إليها الأفئدة
والاسماع وتستميل الطباع وليكون اثرها في النفوس بقدر ميلها إليها ولتكون
مفخرا للشيعة لا عارا عليهم ولتكون قراءتهم عبادة خالصة من شوب الكذب
الموجب لانقلابها معصية فان إقامة شعائر الحزن بذكر صفات الحسين ع
ومناقبه وماثره ووصف شجاعته وإبائه للضيم وفظاعة ما جرى عليه وذكر
المواعظ والخطب والآداب ومستحسن اخبار السلف وغير ذلك والتخلص إلى فاجعة
كربلاء على النهج المألوف مع تهذيبها عن المنافيات والمنكرات من أنفع
المدارس وأقوى أسباب التبشير بالدين الاسلامي وطريقة أهل البيت ع وجلب
القلوب إلى حبهم والسير على طريقتهم والاتصاف بتكريم صفاتهم كما أن
اقامتها على غير هذه الطريقة من أقوى أسباب التنفير عن دين الاسلام
وطريقة أهل البيت ع يعرف ذلك كل منصف ونحن نذكر لك واقعة واحدة تكون
نموذجا لما نقوله وهي أنه اتفق وجودنا في مدينة بعلبك في وفاة بعض أجلاء
السادة من آل مرتضى فقرأ رجل من القراء الذين عودناهم على عدم اللحن في
القراءة خطبة من النهج في صفة الأموات وكان بعض عرفاء المسيحيين حاضرا
فقال لجلسائه انني لم أعجب من بلاغة هذا الكلام الذي هو غاية في البلاغة
ولا من جري القارئ في قراءته كالسيل ولا من مضامين هذا الكلام الفائقة
وإن كان ذلك كله موضع العجب وانما عجبت من عدم لحن هذا القارئ فيما قرأه
على طوله . يقول هذا الرجل اننا نزعم ان الكثير منهم بين مختلق للاخبار
ثم يشتمنا بهذا القول وما ندري ما الذي يزعمه هو أ يزعم أنهم كلهم ليسوا
كذلك كيف وغالبهم عوام يخلطون الحابل بالنابل ولا ننكر ان فيهم الفضلاء
الكاملين الذين يفتخر بأمثالهم ولكن الكثير منهم ليسوا كذلك كما هو مشاهد
بالعيان ويجهل أو يتجاهل قراءتهم حديث أين ضلت راحلتك يا حسان الذي
اختلقه بعض الناس على سطح مسجد الكوفة كما هو مشهور عند فضلاء النجف
وغيرهم . أم حديث خرجت أتفقد هذه التلاع مخافة أن تكون مظنا لهجوم الخيل
على مخيمنا يوم يحملون وتحملون والا فليدلنا في اي كتاب هذا الحديث وأي
رواية جاءت به ضعيفة أو صحيحة . أم حديث ان البرد لا يزلزل الجبل الأصم
ولفحة الهجير لا تجفف البحر الخضم أم حديث قول شمر للحسين ع بعدك حيا يا
ابن الخارجي أم حديث اي جرح تشده لك زينب . أم حديث مخاطبة زينب للعباس
حين عرض شمر عليه وعلى اخوته الأمان . أم حديث مجئ زين العابدين لدفن
أبيه مع بني أسد . أم حديث درة الصدف التي حاربت مع الحسين ع أم حديث مجئ
الطيور التي تمرغت بدم الحسين ع إلى المدينة ومعرفة فاطمة الصغرى بقتل
أبيها من تلك الطيور : أم غير هذه الأحاديث الكثيرة التي تقرأ على
المنابر وهي من الكذب الصراح والتي يطول الكلام بالإشارة إليها في هذه
العجالة . أم يزعم أن قراءة الأحاديث المختلقة خير من قراءة الأحاديث
الصحيحة المروية قصدا للاصلاح . وحاصل مقصود هذا المصلح الكبير ان لا
ينبه أحد من قراءة التعزية على ترك قراءة الأحاديث المكذوبة وعلى ترك
اللحن ولا على قراءة بعض ما ينفر السامعين بل يريد ان تبقى الأحاديث
ممزوجا صحيحها بسقيمها وغثها بسمينها وصدقها بكذبها وخطاها بصوابها
وقشرها بلبابها ولحنها باعرابها فحبذا هذا الاصلاح .
وما ندري ما الذي يسوءه من حمل القراء على قراءة الأحاديث الصحيحة وما
الذي يعجبه من قراءة الأحاديث المكذوبة والملونة وليس هو بقارئ تعزية ولا
اقامه القراء محاميا ووكيلا عنهم .
ومما قاله في تحسين لبس الأكفان وكشف الرؤوس وشقها بالمدى والسيوف يوم
عاشورا : ما الذي نقموه على هذه الفئة وسفهوا لأجله احلامها واخرجوها به
عن دائرة الإنسانية أ لبسها لبس الموتى فهذا عمل غير معيب عقلا وهو مشروع
دينا في احرام الحج ومندوب في كل آن للآخرة وتأهبا للموت وكفى واعظا ومن
الغرور بالدنيا محذرا ومنذرا أ كشفها عن رؤوسها وهذا أيضا مستحسن طبا
مشروع بالاحرام دينا أم شقها أرؤسها بآلة جارحة وهذا أيضا مسنون شرعا إذ
هو ضرب من الحجامة تلحقها الأحكام الخمسة التكليفية مباحة بالأصل والراجح
منها مستحب والمرجوح مكروه والمضر محرم والحافظ للصحة واجب فقد تمس
الحاجة إلى عملية جراحية تفضي إلى بتر عضو أو أعضاء رئيسية حفظا لبقية
البدن وسدا لرمق الحياة الدنيوية والحياة الدنيا بأسرها وشيكة الزوال
والاضمحلال أ تباح هذه الجراحة الخطرة لفائدة ما دنيوية ولا تباح جراحة
ما في اهاب الرأس لأعظمها فائدة وأجلها سعادة أخروية وحياة أبدية وفوز
بمرافقة الأبرار في جنة الخلد انتهى .
قوله الحجامة مباحة بالأصل بل هي محرمة بالأصل لأنها ضرر وإيذاء للنفس
ولا تحل الا مع الضرورة لدفع مرض أو ألم أعظم منها والا لكانت كفعل حجام
ساباط الذي ضرب به المثل فقيل : أفرع من حجام ساباط . وكان إذا لم يجد من
يحجمه حجم زوجته وأولاده قوله والمرجوح مستحب فيه أنه يشمل الواجب
والمستحب قوله والحافظ للصحة واجب فيه انه لا يجب دائما فمع الخوف على
النفس يجب وبدونه يستحب . وحيث جعل شق الرؤوس نوعا من الحجامة فهو إما
واجب وذلك حينما يخشى الضارب على نفسه الهلاك لو لم يضرب نفسه بان يخبره
الطبيب الحاذق ان في رأسه مرضا مهلكا لا يشفيه الا جرح رأسه وشقه أو
مستحب بان يكون الضارب محموما حمى شديدة ويخبره الطبيب الحاذق ان دواءه
في شق رأسه واخراج الدم منه ويشترط في هذين عدم التعرض للشمس وشدة الحركة
الذي قد يوجب شدة مرضه أو هلاكه واما محرم وذلك حيث يكون ايذاء صرفا
وضررا بحتا . وحيث إن الذين يضربون رؤوسهم ليس في رؤوسهم داء ولا في
أبدانهم حمى فانحصر فعلهم في الحرام وإذا كان محرما لم يكن مقربا إلى
الله ولا موجبا لثوابه بل موجبا لعقابه ومغضبا لله ولرسوله ص وللحسين ع
الذي قتل لاحياء شرع جده ص قوله قد تمس الحاجة إلى عملية جراحية الخ فيه
ان العملية الجراحية المفضية إلى بتر العضو أو الأعضاء تباح بل تجب لأنها
مقدمة لحفظ النفس الواجب وتباح لأجل الضرورة فان الضرورات تبيح المحظورات
فيقدم الأهم وهو حفظ النفس على المهم وهو عدم الايذاء والاضرار ويرتكب
أخف الضررين ولكن الحرام لا يباح لادراك المستحب فالاستحباب لا يعارض
الحرمة ولا يطاع الله من حيث يعصى ولا يتقبل الله الا من المتقين .
ومن ذلك تعلم أن قوله أ تباح هذه الجراحة الخطرة لفائدة ما دنيوية ولا
تباح جراحة ما في اهاب الرأس لأعظمها فائدة وأجلها سعادة أخروية كلام
شعري فان الفائدة الأخروية وهي الثواب لا تترتب على فعل المحرم فلا يكون
في هذا الفعل الا الضرر الدنيوي والأخروي .
وما أشبه هذا الكلام الشعري بما يحكى ان رجلا صوفيا سرق تفاحة وتصدق بها
فسأله الإمام الصادق ع عن سبب فعله ذلك فقال إنه لما سرقها كتبت عليه
سيئة فلما تصدق بها كتب له عشر حسنات لأن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها
ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الا مثلها فإذا أسقطنا سيئة من عشر حسنات بقي
تسع حسنات فقال له الصادق ع ان هذا جهل أ وما سمعت قوله تعالى انما يتقبل
الله من المتقين انك لما سرقت التفاحة كتبت عليك سيئة فلما تصدقت بها
كتبت عليك سيئة أخرى لأنك تصدقت بغير مالك أو ما هذا معناه . ثم قال : لا
يقال إن السعادة والفوز غدا لا يترتبان على عمل ضرري غير مجعول في دين
الله لأنا نقول أولا الغير مشروع كذا في الاسلام من الأمور الضررية هو ما
خرج عن وسع المكلف ونطاق طاقته لقبح التكليف حينئذ بغير مقدور إما ما كان
مقدورا فلم يقم برهان عقلي ولا نقلي على منع جعله وكونه شاقا ومؤذيا لا
ينهض دليلا على عدم جعله إذ التكاليف كلها مشتقة من الكلفة وهي المشقة
وبعضها أشد من بعض وأفضلها أحمزها وعلى قدر نشاط المرء يكون تكليفه وبزنة
رياضة المرء نفسه وقوة صبره وعظمة معرفته يكلف بالأشق فالأشق زيادة للاجر
وعلوا للرتبة ومزيدا للكرامة ومن هاهنا كانت تكاليف الأنبياء أشق من
غيرها ثم الأوصياء ثم الأمثل فالأمثل وفي الخبر ان عظيم البلاء يكافؤه
عظيم الجزاء وفي آخر ان أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأوصياء ثم الأمثل
فالأمثل من المؤمنين وعباد الله الصالحين وهكذا إلى الطبقة السفلى وهي
طبقة المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يجدون حيلة ولا
يهتدون سبيلا فهم أخف تكليفا من سائر الطبقات انتهى .
قوله لا يترتبان على عمل ضرري غير مجعول في دين الله فيه ان الجعل
للأحكام لا للأعمال فيقال هذا الحكم مجعول في دين الله أو غير مجعول ولا
معنى لقولنا هذا العمل مجعول في دين الله أو غير مجعول بل يقال جائز أو
غير جائز أو نحو ذلك قوله لأنا نقول أولا الغير مشروع كذا في الاسلام الخ
فيه أولا ان قوله الغير مشروع لحن غير مسموع تكرر وقوعه منه كما نبهنا
عليه إذ لا يجوز دخول آل على المضاف الا إذا دخلت على المضاف إليه كالجعد
الشعر ثانيا انه ذكر أولا ولم يذكر ثانيا قوله أما ما كان مقدورا فلم يقم
برهان عقلي ولا نقلي على منع جعله فيه أولا ان الكلام في العمل الذي فيه
ضرر كما صرح به في قوله لا يترتبان على عمل ضرري والجعل للحكم لا للعمل
كما مر فكانه اشتبه عليه ما سمعه من أن الله لم يجعل حكما ضرريا بمقتضى
قوله ص لا ضرر ولا ضرار وما يريد ان يثبته من أن الله يجوز ان يكلف بما
فيه ضرر كشق الرؤوس فخلط أحدهما بالآخر ثانيا قوله لم يقم برهان عقلي ولا
نقلي على منع جعله ان أراد به انه لم يقم برهان على جواز ان يكلف الله
بما فيه ضرر فأين قول الفقهاء دفع الضرر المظنون واجب وأين اكتفاؤهم
باحتمال الضرر الموجب لصدق خوف الضرر في اسقاط التكليف وأين قولهم بوجوب
الافطار لخائف الضرر من الصوم وببطلان غسل من يخاف الضرر لحرمة الغسل
واقتضاء النهي الفساد في العبادة ووجوب التيمم حينئذ وأين قولهم بوجوب
الصيام واتمام الصلاة على المسافر الذي يخاف الضرر على نفسه بالسفر لكون
سفره معصية وقولهم بسقوط الحج عمن يكون عليه عسر وحرج في الركوب والسفر
أو يخاف الضرر بسفره إلى غير ذلك من الاحكام المنتشرة في أبواب الفقه.
قوله وكونه شاقا ومؤذيا لا ينهض دليلا على عدم جعله فيه انه أعاد لفظ
الجعل وقد عرفت انه ليس له هنا محل وجمع بين الشاق والمؤذي وهما غيران
حكما وموضوعا فالمؤذي وهو الضار يحرم فعله ولم يكلف الله به والشاق الذي
فيه عسر وحرج لم يكلف الله به لقوله تعالى ما جعل عليكم في الدين من حرج
الا في موارد مخصوصة لكن ربما يجوز فعله إذا لم يكن مضرا .
ومن الطريف قوله التكاليف كلها مشتقة من الكلفة فان الكلفة إذا بلغت حد
العسر والحرج أسقطت التكليف كما عرفت وإذا بلغت إلى حد الضرر أوجبت حرمة
الفعل . وأفضل الأعمال أحمزها إذا لم تصل إلى حد الضرر والا حرمت فضلا عن
أن تكون أفضل أو غير أفضل قوله على قدر نشاط المرء يكون تكليفه الخ فيه
ان تكاليف الله لعباده واحدة لا تتفاوت بالنشاط والكسل وقوة الصبر وعظمة
المعرفة فالواجبات يكلف بها الجميع لا يسقط واجب عن أحد بكسله وضعف صبره
وحقارة معرفته ولا يباح محرم لاحد بشئ من ذلك ولا يجب مباح ولا يحرم على
أحد بقوة صبره ونشاطه وعظمة معرفته وكذا المستحبات والمكروهات نعم
الكسلان كثيرا ما يترك المستحب وقليل الصبر كثيرا ما يفعل المكروه
والتكليف في الكل واحد وليس في الشريعة تكليف لشخص بغير الشاق ولآخر
بالشاق ولشخص بالشاق ولآخر بالأشق بحسب تفاوت درجاتهم ومراتبهم في النشاط
والرياضة والصبر والمعرفة ومن هنا تعلم فساد قوله : ومن هاهنا كانت
تكاليف الأنبياء أشق من غيرها ثم الأوصياء ثم الأمثل فالأمثل . نعم كلف
نبينا ص دون غيره بأشياء خاصة مثل صلاة الليل فكانت واجبة عليه كما أبيح
له أشياء خاصة دون غيره مثل الزيادة على أربع أزواج وباقي التكاليف
يتساوى فيها مع غيره وأين هذا مما نحن فيه .
قوله وفي الخبر ان عظيم البلاء يكافؤه عظيم الجزاء . هذا أجنبي عن المقام
إذ المراد بالبلاء هو المصائب الدنيوية من موت الأولاد وذهاب الأموال
والقتل وتسلط الظالم وأمثال ذلك وأي ربط لهذا بما نحن فيه من التكليف
بالشاق أو ما فيه ضرر . وهكذا خبر ان أشد الناس بلاء الأنبياء ثم
الأوصياء ثم الأمثل فالأمثل : ليس معناه أشد الناس تكليفا بل المراد بذلك
المصائب والبلايا الدنيوية التي تصدر عليهم كما صدر على النبي ص وأهل
بيته ع وأوليائهم . وفي اي لغة يصح تفسير البلاء بالتكليف .
وهل الذين يشقون رؤوسهم من أمثل الطبقات حتى كلفوا بذلك والعلماء وخيار
المؤمنين ليسوا كذلك فلم يكلفوا به ولم يفعلوه . وأما المستضعفون فهم
القاصرون في الادراك الذين رفع الله عنهم بعض التكاليف التي لا يمكنهم
معرفتها لقصور ادراكهم كما رفع التكاليف عن المجانين لحكم العقل بقبح
تكليف الجميع فأين هذا مما نحن فيه . قال : ولو كان الشاق وان دخل تحت
القدرة والطوق غير مشروع ما فعلته الأنبياء والأولياء أ لم يقم النبي ص
للصلاة حتى تورمت قدماه أ لم يضع حجر المجاعة على بطنه مع اقتداره على
الشبع أ لم تحج الأئمة مشاة حتى تورمت أقدامهم مع تمكنهم من الركوب أ لم
يتخذ علي بن الحسين البكاء على أبيه دأبا والامتناع من تناول الطعام
والشراب حتى يمزجها بدموع عينيه ويغمى عليه في كل يوم مرة أو مرتين أ
يجوز للنبي وآله ص ادخال المشقة على أنفسهم طمعا بمزيد الثواب ولا يجوز
لغيرهم أ يباح لزين العابدين ان ينزل بنفسه ما ينزله من الآلام تأثرا
وانفعالا من مصيبة أبيه ولا يباح لوليه ان يؤلم نفسه لمصيبة إمامة أ ينفض
العباس الماء من يده وهو على ما هو عليه من شدة الظما تأسيا بعطش أخيه
ولا نقتص اثره أ يقرح الرضا جفون عينيه من البكاء والعين أعظم جارحة
نفيسة ولا نتأسى به فنقرح على الأقل صدورنا ونجرح بعض رؤوسنا أ تبكي
السماء والأرض تلك بالحمرة وتي بالدم العبيط ولا يبكي الشيعي بالدم
المهراق من جميع أعضائه وجوارحه ولعل الاذن من الله لسمائه وأرضه ان ينزف
كذا على الحسين ما تشعر بترخيص الإنسان الشاعر لتلك المصيبة الراتبة ان
ينزف من دمه ما استطاع نزفه اجلالا واعظاما وهب أنه لا دليل على الندب
فلا دليل على الحرمة مع أن الشيعي الجارح نفسه لا يعتقد بذلك الضرر ومن
كان بهذه المثابة لا يلزم بالمنع من الجرح وان حصل له منه الضرر اتفاقا
انتهى . وقد عرفت ان المشقة إذا وصلت لحد العسر والحرج أوجبت رفع التكليف
بالاجماع لقوله تعالى ما جعل عليكم في الدين من حرج ولم توجب تحريم الفعل
وإذا وصلت إلى حد الضرر أوجبت رفع التكليف وحرمة الفعل إما استشهاده
بقيام النبي ص للصلاة حتى تورمت قدماه فان صح فلا بد ان يكون من باب
الاتفاق اي ترتب الورم على القيام اتفاقا ولم يكن النبي ص يعلم بترتبه
والا لم يجز القيام المعلوم أو المظنون انه يؤدي إلى ذلك لأنه ضرر يدفع
التكليف ويوجب حرمة الفعل المؤدي إليه والا فأين ما اتفق عليه الفقهاء من
أنه إذا خاف المكلف حصول الخشونة في الجلد وتشققه من استعمال الماء في
الوضوء انتقل فرضه إلى التيمم ولم يجز له الوضوء مع أنه أقل ضررا وإيذاء
من شق الرؤوس بالمدى والسيوف إلى غير ذلك ، واما وضعه حجر المجاعة على
بطنه مع اقتداره على الشبع فلو صح لحمل على صورة عدم خوف الضرر الموجب
لحرمة ذلك لكن من أين ثبت انه كان يتحمل الجوع المفرط الموجب لخوف الضرر
اختيارا مع القدرة على الشبع وكذا استشهاده بحج الأئمة مشاة هو من هذا
القبيل ، أما بكاء علي بن الحسين ع على أبيه المؤدي إلى الاغماء وامتناعه
عن الطعام والشراب فان صح فهو أجنبي عن المقام فان هذه أمور قهرية لا
يتعلق بها تكليف وما كان منها اختياريا فحاله حال ما مر ، وأما نفض
العباس الماء من يده تأسيا بعطش أخيه فلو صح لم يكن حجة لعدم العصمة ،
واما استشهاده بتقريح الرضا ع جفون عينيه من البكاء فان صح فلا بد ان
يكون حصل ذلك قهرا واضطرارا لا قصدا واختيارا والا لحرم ومن يعلم أو يظن
أن البكاء يقرح عينيه فلا يجوز له البكاء ان قدر على تركه لوجوب دفع
الضرر بالاجماع وحكم العقل ، أما قوله : أ تبكي السماء الخ . . . فكلام
شعري صرف لا يكون دليلا ولا مؤيدا لحكم شرعي وأما قوله : وهب أنه لا دليل
على الندب فلا دليل على الحرمة فطريف لان الأصل في المؤذي والمضر الحرمة
ودفع الضرر واجب عقلا ونقلا ، ومثله قوله مع أن الشيعي الجارح لا يعتقد
بذلك الضرر ، فان الجرح نفسه ضرر أولا وذلك لا يتفاوت فيه الشيعي وغيره
فالكل ذو لحم ودم لا دخل فيه للمذهب . ثم نقول عطفا على قوله أ يقرح
الرضا جفون عينيه ولا نتأسى به فتقرح على الأقل صدورنا ونجرح بعض
رؤوسنا : اننا لم نركم جرحتم مرة بعض رؤوسكم ولا كلها ولا قرحتم صدوركم
من اللطم ولا فعل ذلك أحد من العلماء وانما يفعله العوام والجهلة . أ
تأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم . يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا
تفعلون كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون .
ونقول عطفا على قوله : أ تبكي السماء والأرض بالحمرة والدم ولا يبكي
الشيعي بالدم المهراق من جميع أعضائه : اننا ما رأيناكم أهرقتم دما طول
عمركم للحزن من بعض أعضائكم ولا من جميعها فلما ذا تركتم هذا المستحب
المؤكد تركا أبديا وهجرتموه هجرا سرمديا ولم يفعله أحد من العلماء في
عمره ولو بجرح صغير كبضعة الحجام ولما ذا لم يلبسوا الأكفان ويحملوا
الطبول والأبواق وتركوا هذه المستحبات تفوز بها العوام والجهلة
دونهم)) . (7)
***
ماذا نستنتج من تلك الرسالة وما فيها من مناقشات موضوعية ، شرعية ؟
نستنتج الاتي :
- ان السيد الامين يطلق لما يجري يوم عاشوراء (شعائر الحزن على الحسين)
تسمية البدع.
- وانها اعمال منكرة تغضب الله ورسوله (ص) وتغضب الحسين .
- وهي ليست طاعة وعبادة.
ان المنكر مما يجري في عاشوراء ، هو: الكذب بذكر الأمور المكذوبة المعلوم
كذبها وعدم وجودها في خبر ولا نقلها في كتاب وهي تتلى على المنابر وفي
المحافل بكرة وعشيا.
ومن بعض الاحاديث التي كذبها السيد الامين، والتي تذكر على المنابرفي
مجالس العزاء الحسينية :
- حديث: أين ضلت راحلتك يا حسان الذي اختلقه بعض الناس على سطح مسجد
الكوفة كما هو مشهور عند فضلاء النجف وغيرهم .
- حديث: خرجت أتفقد هذه التلاع مخافة أن تكون مظنا لهجوم الخيل على
مخيمنا يوم يحملون وتحملون والا فليدلنا في اي كتاب هذا الحديث وأي رواية
جاءت به ضعيفة أو صحيحة .
- حديث: قول شمر للحسين ( ع) بعدك حيا يا ابن الخارجي.
- حديث: اي جرح تشده لك زينب .
- حديث: مخاطبة زينب للعباس حين عرض شمر عليه وعلى اخوته الأمان .
- حديث: مجئ زين العابدين لدفن أبيه مع بني أسد .
- حديث: درة الصدف التي حاربت مع الحسين ع .
- حديث مجئ الطيور التي تمرغت بدم الحسين ع إلى المدينة ومعرفة فاطمة
الصغرى بقتل أبيها من تلك الطيور.
وايضا مما استنكره ، ايذاء النفس وادخال الضرر عليها من مظاهر لبس
الأكفان وكشف الرؤوس وجرحها بالمدى والسيوف حتى تسيل منها الدماء وتلطخ
بها تلك الأكفان ودق الطبول وضرب الصنوج والنفخ في البوقات والدمام وغير
ذلك والسير في الأزقة والأسواق والشوارع بتلك الحالة . وابراز شيعة أهل
البيت واتباعهم بمظهر الوحشية والسخرية أمام الجمهور مما لا يرضى به عاقل
غيور وعد ذلك عبادة ونسبته إلى أهل البيت الطهور. وتحريم ذلك ثابت بالعقل
والنقل، وكل ما يوجب الهتك والشنعة.
إن هذه الرسالة ( رسالة التنزيه) أثارت ثائرة الخرافيين والمتاجرين
بالدين ، وقتذاك ، لكنها استطاعت ان تحرك الاسن في بحيرة المذهب.
***
صدى الدعوة الاصلاحية
الشيعة الاموية والشيعة العلوية:
نذكر في هذه الدراسة مقالة الاستاذ جعفر الخليلي هنا ، لان – تلك المقالة
- تسلط الاضواء الكاشفة على ما حدث تلك الفترة التي صرخ وصرح بها السيد
الامين بثورته الاصلاحية في المذهب الشيعي ، وكذلك تعرفنا على من وقف مع
هذه الثورة ومن لم يقف معها ، بل حاربها.
المقال : السيد محسن الأمين يقود معركة الاصلاح بشجاعة وتضحية ،بقلم
الأستاذ جعفر الخليلي صاحب جريدة الهاتف العراقية .
(( المفروض ان يكون العالم الروحاني رجلا جافا خشنا تدل على ذلك ماكله
وملابسه وأفكاره ، وسواء أ كان هذا المفروض حقا أم باطلا فقد وجد أن أكثر
العلماء الروحانيين عاشوا على هذه الوتيرة يتهيبهم الناس لجفافهم وعدم
فهم أفكارهم وترفعهم عما يحوط الناس ويكتنفهم ، أما الذين انطبق عليهم
تعريف المؤمن بان يكون هشا بشا فقد كانوا قليلين ومن هذا القليل كان
السيد محسن الأمين ، فقد وعيت أول ما وعيت وانا اسمع باسمه عالما متجددا
ينزع إلى اللباب ويدعو للتبسط فمالت نفسي له وقرأت بعض عظاته وأفكاره
فدلني المقروء على روحانية من صنف آخر غير ما ألفت ان ارى في النجف على
الغالب فهفت نفسي إليه ، وكلما ازددت قراءة لأفكاره ازداد ايماني به
كعالم افهم ما يقول واعرف ما ذا يريد ، (...) وكان السيد محسن الأمين في
طليعة دعاة التجدد وعنوانا لروحيتهم . ومن الحق أيضا ان نقول إن هذا الذي
سمي بالتجدد لم يكن جديدا وانما كان هو القديم بل هو اللب والأساس من
الدين ومن العلوم الاجتماعية ولكن الذي اخرج العلماء على قواعد الايمان
التي تتطلب ان يكون العالم هشا بشا هو الذي أخرجهم على مغزى التشريع
وقواعد الدين وانتحى بهم ناحية هي وأصول الدين الصحيح على طرفي نقيض فإذا
بنا لا نعرف منطوقهم ولا محمولهم ولا ما يهدفون إليه . (...) ثم علمت أن
للسيد محسن أندادا من العلماء هم الآخرون كانوا ينفذون إلى النفوس
بدعواتهم الاصلاحية وأحاديثهم الشهية والفرق بين السيد محسن وغيره هو ان
السيد محسن لم يكتف بالكتابة والوعظ والارشاد بل راح يعمل على قدر الطاقة
لتنزيه الدين من الشوائب والقضاء على كل تعقيد يوسع الخرق والعمل على
تنشئة جيل صالح منذ ان ذهب إلى دمشق هاديا ومرشدا فتوجه إلى تاليف كتب
أدبية وأخلاقية مدرسية وتأليف كتب خاصة بتاريخ سيرة الحسين ع وعرضها عرضا
مجردا من الشوائب والأكاذيب لاتخاذها مصدرا لخطباء المنابر الحسينية ثم
عمل لقيام المدرسة المحسنية في دمشق وإلزام الخطباء بمراعاة خطته في
المآتم الحسينية وأول عمل قام به هو تحريم الضرب بالسيوف والسلاسل في يوم
عاشوراء ومقاومة الذين يستعملون الطبول والصنوج والأبواق وغيرها في تسيير
مواكب العزاء بيوم عاشوراء ، فكان هذا أول عمل اتخذ منه مخالفوه ذريعة
لمهاجمته وقد أيدهم في نشاط الحملة كونها جاءت متفقة ورغبة العوام
والسواد كل الاتفاق واتسعت الحملة وكان الشيخ عبد الحسين صادق في النبطية
والسيد عبد الحسين شرف الدين في صور ممن خالف السيد محسن الأمين فبعثت
هذه المخالفة في نفس السيد محسن روحا جديدة زادته حماسة وثورة في وجه
القائلين بجواز الضرب بالسيف على الرؤوس في يوم عاشوراء فأصدر رسالة
التنزيه .
واتجه الجميع إلى كبار العلماء يستفتونهم في أمر الضرب بالسيف كمظهر من
مظاهر الحزن على أبي عبد الله الحسين فأفتى المرحوم السيد أبو الحسن
الأصفهاني بحرمة الضرب بالسيف ، وقال ما مضمونه ان استعمال السيوف
والسلاسل والطبول والأبواق وما يجري اليوم أمثاله في مواكب العزاء بيوم
عاشوراء انما هو محرم وهو غير شرعي . وكان المرحوم السيد أبو الحسن لم
ينفرد بعد بالزعامة الروحية بل كان في طريق انفراده بها وكان له منافسون
من العلماء فكادت تجمع فتاوى منافسيه على خلافه وتبعهم في ذلك كل الشيعة
الا القليل ، ودوت هذه الفتاوى المخالفة للسيد أبو الحسن الذي أيد السيد
محسن في جميع الأندية والمجالس ، وتبناها الخطيب الشهير السيد صالح الحلي
وقد كان من مشاهير الخطباء الذين قلما تجود الطبيعة بأمثالهم من حيث
القدرة والخبرة والجرأة فصرخ بالناس وهاجهم ضد السيد محسن الأمين ،
وانقسم الناس إلى طائفتين على ما اصطلح عليه العوام : علويين وأمويين
وكان الأمويون هم اتباع السيد محسن الأمين وقد كانوا أقلية لا يعتد بها
وأكثرهم كانوا متسترين خوفا من الأذى . واتخذها البعض حجة لمهاجمة
أعدائهم واتهامهم بالأموية وكثر الاعتداء على الاشخاص وأهين عدد كبير من
الناس ، وضرب البعض منهم ضربا مبرحا وبلغت جرأة السيد صالح ان تطاول على
السيد أبو الحسن وتناول السيد محسن . وبدافع اعجابي بالسيد محسن
وانطباعاتي عنه منذ الصغر وايماني بصحة دعوته أصبحت أمويا وأمويا قحا في
عرف الذين قسموا الناس إلى أمويين وعلويين ، وكنت شابا فائر الدم كثير
الحرارة فصببت حرارتي كلها في مقالات هاجمت بها العلماء الذين خالفوا
فتوى السيد أبو الحسن والذين هاجموا السيد محسن الأمين ولما كنت يومذاك
موظفا فقد نشرت مقالاتي في الجرائد بتواقيع مستعارة وتبعني في عملي هذا
عدد من الأمويين ثم ما لبثنا ان تعارفنا نحن الأمويين وكان المرحوم الشيخ
محسن شرارة في الطليعة ، ولست أذكر مما مر الا انني أحسنت الدفاع عن
السيد محسن بقلمي ولساني حتى هددت بالقتل والاعتداء . وكنت أجد في كثير
من الأحيان رسالتين وأكثر قد القي بها تحت الباب تتضمن إلى جانب التهديد
بالقتل شتائم عجيبة غريبة فكنت أسعى لالتقاطها قبل ان يعرف أحد عنها شيئا
ذلك لأن لي أما ملتهبة العاطفة اخشى ان يصل إليها خبر التهديد فتجن وتنغص
علي حياتي ، وكان لي من حسن الحظ من يدفع عني الشر رغم كونه من
العلويين ، ومن الحق ان أشير إلى المجتهد الكبير الشيخ عبد الكريم
الجزائري فقد كان ممن ذب يوم ذاك هو والزاهد التقي المرحوم الشيخ علي
القمي والعالم المعروف الشيخ جعفر البديري عن السيد محسن ، ولكن التيار
كان جارفا والقوة كلها في جانب العلويين وكانوا يتفننون في التشهير
بالذين سموهم بالأمويين ! ولا تسل عن عدد الذين شتموا وضربوا وأهينوا
بسبب تلك الضجة ، وكان السبب الأكبر في كل ذلك هم العامليون الذين كانوا
يسكنون النجف طلبا للعلم وكان معظمهم من مخالفي السيد محسن . وممن دافع
عن السيد محسن خارج النجف كان المرحوم السيد مهدي القزويني في البصرة
وكان السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني في بغداد الذي ساعدنا نحن الذين
تولينا الكتابة والدفاع عن السيد كثيرا ، على أن دفاع هؤلاء لم يكن
مستغربا يوم ذاك كما كان دفاع المرحوم الشيخ علي القمي ودفاع المرحوم
الشيخ جعفر البديري لبعدهما عن روح التجدد ، وقد اثار هذان الأخيران في
ذبهما عن السيد محسن دهشة الأوساط . وقد استطاع السيد محسن ان يوجه
مساعيه توجيها عمليا فيحول بين أرباب المآتم الحسينية والمواكب وبين
القيام بآية حركة تتنافى والشريعة الاسلامية حتى الخطباء فقد استطاع ان
يسيطر عليهم ويحصر خطبهم ضمن دوائر معينة من الموعظة والارشاد وقراءة
سيرة الحسين وتاريخ شهادته بعد إن كانت الفوضى عملت عملها حتى بلغ من
تصرف الخطباء ان يرووا على منابر الحسين اخبارا وروايات هي أقرب للكفر
منها إلى الاسلام عند علماء الشيعة . إما النجف وسائر المدن الأخرى فقد
قابلت دعوة السيد محسن برد فعل قوي شديد ظهر اثره في أول شهر محرم جاء
بعد الفتوى فقد ازداد عدد الضاربين بالسيوف والسلاسل وازداد استعمال
الطبول والصنوج والابواق وكثرت الأهازيج والأناشيد التي تتضمن النقمة
والتحدي لتلك الحركة الاصلاحية وخاف الأمويون على حد تعبير الناس وانسحب
الكثير منهم من الميدان . وبلغ السيد محسن خبر هذه الضجة كما بلغه خبر
الذين ذبوا عن رأيه ودافعوا عن حركته وظهر لي من شكره لي وثنائه علي في
أول التقائي إياه انه كان يعرف كل شئ عن الحركة . وأصدرت جريدة الفجر
الصادق وكنت فيها جريئا على قدر ما تستدعيه حرارة الشباب واندفاعه وكانت
لي مع السيد صالح الحلي مواقف مشهودة استطعت ان انتقم منه للاصلاح ولم
أبال بالتهديد والوعيد وكان المرحوم الحاج عطية أبو كلل يؤيدني في موقفي
لعدة أسباب أهمها كونه من مقلدي السيد أبو الحسن ثم ارتباط أسرته بأسرتي
ارتباطا قديما ، هذا إضافة إلى اتفاقي والحاج عطية ببث الدعوة لحمل اتجاه
مواكب الأنصار إلى النجف في يوم وفاة النبي ص تلك الحركة التي كان هو
وحده بطلها وقد نجحت ومنذ ذلك اليوم والمواكب تقصد النجف في يوم وفاة
النبي من كل سنة . فكان كل هذا سببا لوقوف جريدة الفجر الصادق في وجه
السيد صالح الحلي وقوف من لا يخشى شيئا ولا يخاف أمرا ولكي تتم الحملة
بالنجاح ويتم الانتقام لدعوة السيد محسن الاصلاحية قامت جريدة الفجر
الصادق بالدعوة للخطيب الأستاذ الشيخ محمد علي اليعقوبي وكان يومذاك يسكن
في الجعارة الحيرة ولاقت الدعوة لليعقوبي اقبالا بالنظر لما كان يتمتع به
من مواهب أدبية وملكات ممتازة وكثر على مرور الزمن التلذذ بمنبر اليعقوبي
وبان اثر الانكسار على السيد صالح جليا وتشجع أنصار الحركة الاصلاحية
بالظهور ولم يعد يتردد اسم الأمويين كثيرا كما كان يتردد من قبل . وزرت
دمشق مصطافا لأول مرة وكان أول عمل عملته هو زيارة السيد محسن وكان يسكن
بيتا إلى جوار المدرسة المحسنية وجاء ذكر الحركة الاصلاحية فأفاض كثيرا
في وصف العلل والفوضى التي تعم الناس وقال إن الامر بحاجة إلى أيد فعالة
تنشل هؤلاء الجهلاء من جهالتهم وأذكر فيما أذكر أنه قال لي ما مضمونه :
ان السيد صالح الحلي هو أحسن خطيب عرفته المنابر الحسينية وانا أود ان
نعد الخطباء على غراره إذا ما أردنا ان ننبه الناس ونوجههم توجيها صحيحا
إما موقفه ضد الحركة الاصلاحية وضدي انا فله تفاسير أخرى لا يجوز ان
تصدنا عن قول الحقيقة . إلى أن قال الأستاذ الخليلي : وجاءت الاخبار تنبئ
ان السيد محسن قادم إلى العراق فاختلف انصاره في امره فمنهم من رجح مجيئه
ومنهم من لم يرجح ذلك لأن الفتنة لم تكن قد خمدت بعد تماما وان رد الفعل
وان بدا أخف من السابق ولكنه كان لا يزال غير مستهان به وكتب البعض إلى
السيد محسن بتأجيل قدومه ولكن ‹ صفحة 380 › السيد محسن كان جريئا وغير
هياب فتحرك من دمشق وتحركت الجماهير لاستقباله ودعا السيد أبو الحسن إلى
تبجيله وتكريمه فتضاعف الغرض وإذا به استقبال لم تشهد النجف نظيرا له
اشترك فيه العلماء والفضلاء والتجار ومختلف الأصناف ودنا منه الشيخ كلو
الحبيب وهو من وجوه الطبقات المسماة بالمشاهدة وهي الطبقات التي تمثل
النجف بقوة السلاح دنا منه الشيخ كلو الحبيب وترامى على قدميه ثم اخذ
يقبل يديه ويقول : لعن الله من غشني ، ها هو ذا وجهك النوراني يشع
بالايمان فاغفر لي سوء ظني فإنما الذنب ذنب أولئك المارقين المغرضين
الذين قالوا عنك ما قالوا . وكان وجه السيد محسن يشع بالايمان حقا فقد
كانت له جاذبيته وسحره وكان ينم عن نفس وادعة بعيدة عن التعقيد لا غموض
فيها ولا ابهام فلا يلبث ان يراه أحد حتى يحبه . ونزل في النجف ضيفا على
السيد أبو الحسن المرجع الديني الأكبر في النجف ثم انتقل بعد ذلك إلى بيت
الشيخ خليل مغنية وقد زرت سماحته هناك وكان محله غاصا بطبقة كبيرة ممن
كان قد تألب وألب الناس عليه ولكنه ما كاد يراه حتى ذاب أمامه كما يذوب
الثلج امام صيف الشمس الحارة ، وبالغ الحاضرون في استقبالي والعناية بي
في مجلسه سترا لمواقفهم النابية وخوفا من أن أشير وانا العارف بفعلتهم
إلى ما بذلوا من جهود ومساعي للنيل من السيد والحط من شانه وكان معظمهم
من العامليين . وبولغ في اكرام السيد محسن والحفاوة به وكثرت الولائم
والدعوات التي أقيمت له وفرضت شخصيته المحترمة نفسها حتى على خصومه
فبالغوا هم الآخرون في تكريمه وتبجيله ولم يخرج من النجف حتى سقط اسم
العلويين والأمويين من الأفواه فلم يعد أحد يقسم الناس إلى قسمين)) . (8)
***
نقل عنه رحمه الله ، قوله:
((أن سرّ نجاح هؤلاء الساكسون إنما يعود إلى "أنهم أخذوا عن الإسلام ثلاث
فضائل هي قوام ما بلغوا من قوة ومنعة، وهي التفكير العميق، والعزم
المصمم، والثبات الدائم، فهم يفكرون ملياً، ثم يعزمون أكيداً، وما إن
يجنحوا إلى العمل حتى يثبتوا ثباتهم العجيب إلى أن يفوزوا بالغايات
والمطالب)). (9)
***

الهوامش:
1 – قدما دراسة مطولة عن هذا المرجع الشيعي الامامي الاثني عشري في وقتنا
الحاضر، بعنوان (التصحيح والتجديد في الفكر العربي الاسلامي) امتدت على
مساحة خمس كتب ، هي :
- التصحيح والتجديد في الفكر العربي الاسلامي - الفكر الاجتهادي الشيعي
نموذجا - الكتاب الاول - التصحيح والتجديد الاجتهادي في المذهب الشيعي-
عند المرجع الديني سماحة اية الله الامام الشيخ حسين المؤيد.
- التصحيح والتجديد في الفكر العربي الاسلامي - عند المرجع الديني سماحة
اية الله الامام الشيخ حسين المؤيد -الكتاب الثاني- نحو مشروع وطني وقومي
واسلامي معاصر.
- التصحيح والتجديد في الفكر العربي الاسلامي - الفكر الاجتهادي الشيعي
نموذجا - الكتاب الثالث - مقارنة بين الفكرالاجتهادي للامام الشيخ حسين
المؤيد وبين الفكر الاجتهادي الاتباعي.
- التصحيح والتجديد في الفكر العربي الاسلامي - الكتاب الرابع - المرجعية
الرشيدة - قراءة في مرجعية الامام الشيخ حسين المؤيد.
- التصحيح والتجديد في الفكر العربي الاسلامي - عند سماحة الامام الشيخ
حسين المؤيد - الكتاب الخامس – المستدرك.
2 - مهزلة العقل البشري - الدكتور علي الوردي.
3 - أعيان الشيعة - السيد محسن الأمين - ج 10 - ص 333 . وكل المعلومات عن
رحمه الله مستقات من هذا المصدر. (راجع القرص الالكتروني مكتبة اهل
البيت).
4 - اغرب ما قاله رجل دين معروف على احدى الفضائيات الشيعية ردا على من
استهجن قول احد قراء التعازي من غلو في الامام علي على الفضائيات ايضا،
إذ بدلا من ان يتحدث عما في قول ذاك من غلو يصل حد الشرك ، قال : ان صوت
هذا المنبري شجي وفيه حنان .
وكأن التشيع ينتشر بالصوت الشجي الذي يستدر الدموع ، وليس بنشرالفكر
الاصيل.
5 - وعادت من مثل تلك الاصوات مرة اخرى في تسعينات القرن الماضي ضد السيد
فضل الله حول مسألة تاريخية لم يثبت صدقها هي مسألة كسر ضلع الزهراء
واسقاط الجنين.
6 - انظر دراستنا الطويلة عن التصحيح والتجديد في الفكر العربي الاسلامي
– عن الفكر التجديدي والتصحيحي للامام الشيخ حسين المؤيد في المذهب
الشيعي.
7 - أعيان الشيعة - السيد محسن الأمين - ج 10 - ص 373 وما بعدها.
- ويذكر المفكر الاسلامي احمد الكاتب في كتابه (الشيرازي في مواجهة
التحديات الحضارية ) ان الشيخ حسين الحلي أصدر كتابا ضد الأمين تحت
عنوان : (سيماء الصلحاء في إثبات جواز إقامة العزاء لسيد الشهداء) .
ويقول كذلك: في الكتاب ذاته عن الشيرازي : ((وأيد مختلف انواع الشعائر
بما فيها اللطم وضرب السلاسل والتطبير ووطء الجمر اللاهب يوم عاشوراء.
حتى انه قاد بنفسه مواكب للتطبير ( ضرب الرؤوس بالسيوف) باسم الحوزة
الدينية في كر بلاء في أواخر الستينات ، لحسم الجدل الدائر حولها . ودفع
أخاه السيد حسن الشيرازي في سنة 1385/1965إلى تأليف كتاب باسم (الشعائر
الحسينية) شن فيه هجوما عنيفا على الذين ينتقدون الشعائر ووصفهم بالعملاء
للمستعمرين والعداوة للتشيع ، وهو ما أدى إلى انقسام الناس في كر بلاء ،
وانحياز جماعة من أصدقاء الشيرازي السابقين وخاصة أعضاء (الجمعية الخيرية
الإسلامية) إلى الصف المطالب بإصلاح الشعائر والوقوف امام التطرف في
ممارستها ، ثم أدى إلى قيام بعض أنصار الشيرازي بالهجوم على مركز الجمعية
الخيرية وتحطيمه سنة 1966 مما ترك شرخا في صفوف الحركة الإسلامية في
كربلاء والعراق.
كان الشيرازي ينظر إلى (الشعائر الحسينية) كوسيلة مهمة لنشر الإسلام
والتشيع وتعزيز قوة المرجعية أمام الدولة العراقية ، ويرى في محاولات
ضربها أو تحجيمها من قبل السلطات الظالمة محاولة للسيطرة على الأجواء .
وكان انحيازه الى جانب المؤيدين الى اقامة الشعائر الحسينية بمختلف
أنواعها ، يحقق له ضمنا شعبية واسعة في صفوف عامة الناس بالرغم من انه
كان يبعد عنه النخبة المثقفة التي كانت تستنكر التطرف في ممارستها كدخول
النار او التطبير والضرب بالسلاسل )).
- انظر كذلك جواب السيد فضل الله لاحد السائلين عن ايام عاشوراء، اذ قال
عام 2005 ما نصه:
(( علينا أن نعمل لتكون عاشوراء إسلامية ويكون الهدف منها هو تعريف الناس
بالإسلام لأن الغالب في طريقة إثارة الذكرى هو استنـزاف الدمعة وترديد
المأساة مما يفرض على بعض القراء أو الخطباء الإتيان بالأحاديث الموضوعة
المثيرة، وقد أصبح من المعروف أن القارئ الناجح هو الذي يستنـزف الدمعة
لا الذي يفتح العقل، فينبغي حتى تبقى عاشوراء مدرسة إسلامية _ لأن الناس
تجتمع في عاشوراء أكثر من غيرها من المناسبات وتستمع للخطيب أكثر من غيره
_ ينبغي أن نمزج الفكرة بالعاطفة فالعاطفة ضرورية في تخليد عاشوراء ولكن
علينا أن نعرف كيف نعقلن العاطفة حتى نعطي الناس معنى ثورة الإمام
الحسين(ع). كما علينا أن نبتعد عن العادات المحرمة المتخلفة والتي تسيء
إلى عاشوراء ومذهب أهل البيت(ع) مما يشوّه صورة ذلك أمام العالم. إن
عاشوراء انطلقت من خلال الموقع الإسلامي في إصلاح الأمة وتصحيح الانحراف
وتأكيد الانفتاح على مواجهة التحديات الاستكبارية ضد الإسلام والمسلمين
بالوقوف مع حركة الوحدة الإسلامية من أجل أن يكون الإسلام في حاضرنا
ومستقبلنا الرسالة العالمية كما أرادها الله للإنسان كله)). ( راجع موقع
بيانات الالكتروني لسماحة السيد فضل الله) .
8 – المصدر السابق - ص378 وما بعدها.
9 – الموقع الالكتروني (بينات) .


الشيخ محمد جواد مغنية

(( فالإمامة ليس أصلا من أصول دين الإسلام ، وإنما هي أصل لمذهب التشيع ،
فمنكرها مسلم إذا اعتقد بالتوحيد والنبوة ، والمعاد ، ولكنه ليس
شيعيا)) .
- محمد جواد مغنية -

تحدث معي بعض قراء دراستي المطولة (بكتبها الخمسة): (التصحيح والتجديد في
الفكر العربي الاسلامي- الفكر الشيعي الاجتهادي في الفقه والسياسة عند
سماحة الامام الشيخ حسين المؤيد )، وعن جدوى كتابة مثل هذه الدراسات عن
فكر مذهب متهم من قبل المذاهب الاسلامية بشتى التهم ، وزاد البعض اعتراضه
إذ قال لي : كيف تقول في احدى مقالاتك انك علماني مؤمن ، فيما انت في هذه
الدراسة تؤكد على شيعيتك وتدافع عنها؟
اجبته وقتها (كان الحديث مع محاوري على الشات) ، اولا : انا ما زلت على
قولي في تلك المقالة ، وثانيا ، اسألك (السؤال موجه لمحاوري): هل ان محمد
اركون كان مسلما متدينا ولم يكن علمانيا ، بالمعنى الذي يفهمه من
العلمانية ، عندما كتب دراساته عن الفكر الاسلامي؟ و، قل لي ما هو مذهب
الكاتب نصر حامد ابو زيد (1) من خلال قراءة كتابيه : (الامام الشافعي
وتأسيس الايدولوجية الوسطية) و (الاتجاه العقلي في التفسير – دراسة في
قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة)؟ ام انه كان من تابعي ابن عربي وهو
يكتب كتابه : (فلسفة التأويل – دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن
عربي)؟
واين تضع عبد الرحمن بدوي وهو يكتب كتابه : (مذاهب الاسلاميين ) عن
الاسماعيلية والقرامطة والنصيرية والدروز، ام تراه ملحدا لانه كتب
كتابا : ( من تاريخ الالحاد في الاسلام)؟
وصنف لي يا اخي (السؤال للمحاور) ، الكاتب نبيل فياض (2) واي دين او مذهب
يدين الله بهما من خلال الكتب التي كتبها ، من مثل : (أم المؤمنين تأكل
أولادها) عن السيدة عائشة ، وكتاب : (يوم انحدر الجمل من السقيفة) ،
وكتاب : (الهاجريون) و كتاب : (ما هو الاسلام) و كتاب : (مراثي اللات
والعزى).
ام ان المستشرق كريستوف لوكسنبورك كان مسلما عندما كتب كتابه : (معاني
القرآن على ضوء علم اللسان)، او ان الذين كتبوا وحرروا كتاب (تاريخ
القرآن) – وهم من الالمان- مسلمون؟
والقائمة تطول ، ولا اريد ان انساق مع ذاكرتي كي لا يقال عني انني اعرض
عضلاتي في القراءة ، فما انا الا طالب علم يبحث عن الحقيقة ، والحقيقة
ضالة المؤمن.
***
وايضا ،ان للمذهب والفكر الشيعيين من يدافع عنهما ، وانا هنا اعرض لبعض
رجالهم الذين احدثوا اصلاحات (تصحيحا وتجديدا) في فكر مذهبهم ، وما عملي
هذا سوى تذكير من يريد ان يتذكر ويعمل بما يريد ان يعمل به ، والله
والحقيقة من وراء القصد.
***
ان من اهم ما اختلف فيه السنة والشيعة هو موضوعة الامامة كما وضحنا ذلك
في دراسات سابقة ، وكان الاختلاف والخلاف بينهما هو في المرجعية ، أي هل
ان مرجعية الامامة (الخلافة ، او الامامة الدينية والسياسية) هي الله
سبحانه ، أي انها بالنص الالهي ، ام هي الامة ،اي بالشورى؟
وكثر الحديث عن ذلك ، وافترقت الامة الى عدة اقوال ، وظلت الحال على ما
عليه ، وكل تشبث برأيه ، الا ان بعض علماء الشيعة الامامية الاثني عشرية
زادوا الطين بلة عندما قالوا بالفرق بين المسلم والمؤمن اعتمادا عليها.
واثيرت هذه المسالة في بدايات هذا القرن على الفضائيات بصورة حادة
وصارخة، وتحدث عنها الطرفان (السنة السلفية وبعض الامامية) ، وكل يأتي
بإدلته ، الا ان من غير الشيعة الامامية الاثني عشرية اعتمدوا على فتاو
واقوال رجال دين شيعة امامية اثني عشرية اجتهدوا فيما قالوه ، فيما هناك
رجال دين من المذهب نفسه قالوا بغير القول الاول ، أي ان المسلم والمؤمن
هما صفتان تطلقان على من قال بالشهادتين ، كقول الامام الشيخ كاشف الغطاء
الذي تحدثنا عليه في السطور الماضية، والشيخ محمد جواد مغنية ، والسيد
فضل الله رحمهما الله ، والسيد علي الامين ، والامام الشيخ حسين المؤيد
(كلهم مراجع عرب)، وغيرهم ، علما ان هؤلاء كمخالفيهم من رجال المذهب ،
اجتهدوا حسب ادلتهم الشرعية ايضا واعلنوا رأيهم (فتواهم) امام الملأ من
المسلمين ومن مقلديهم .
وبالحدة نفسها، ما زال رجال الدين السلفية خاصة ، يقولون: بإن الشيعة
الامامية الاثني عشرية يعتقدون بتحريف القرآن الكريم، ولهم الحق في ذلك
وهم يقرأون لمن قال بهذا القول من رجال الشيعة الامامية الاثني عشرية ،
وخاصة الكتاب الجامع لروايات التحريف (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب
الارباب) لمؤلفه النوري الطبرسي - و الغض عما جاء في الكثير من
المصادرللمذاهب الاخرى من اشارات حول ذلك - وراحت الفضائيات تتحدث عن
هذا الكتاب وكأنه قرآنا منزلا عند الشيعة ، دون ان يلتفتوا لاقول مجتهدين
ورجال دين شيعة امامية اثني عشرية انكروا هذا القول ، ان كان ذلك في
زمننا الحاضر او قبل مئات السنين.
والادهى من ذلك ، حديث البعض عن (التقية) عند الشيعة الامامية، وهذا
البعض معذور فيما اتهم به المذهب - مع العلم ان التقية (بالمفهوم العام)
فعل انساني واسلامي منذ بدء الخليقة وظهور القوى القاهرة للانسان بل
الحيوان حتى - لانه اطلع ايضا في بعض مصادرالمذهب ما يخرجها من اطارها
العام ، الا انه لم يطلع على الاراء الاخرى حولها ، فظل هذا البعض من
المتهمين لا يقبل بأي حديث او تصحيح لحديث من رجل شيعي ، لانه يوصمه
بالتقية.
ان المذهب الشيعي الامامي الاثني عشري ما زال فيه باب الاجتهاد مفتوحا
(ابتداء من القرن الخامس الهجري على يد المفيد والرضي كما تذكر المصادر،
مع عدم التقليد الاجباري)، وكل رجل دين حاصل على درجة الاجتهاد له الحق
في ان يفتي ويقول ، بشرط وجود الادلة الشرعية المعتمدة في المذهب ، وان
أي قول هو مردود على صاحبه ، وحجة عليه، ولهذا تعددت المراجع في المذهب
الشيعي الامامي الاثني عشري.
وهذا القول لا يمكن استثناء المذاهب الاخرى منه ، والا ما سبب تعدد
المذاهب ، كالحنفية، والشافعية، والمالكية، والحنبلية ، والظاهرية...
الخ؟ الا ان هذه المذاهب سدت باب الاجتهاد عندها بعد وفاة امامها ، سوى
ان علماء الحنفية – على سبيل المثال - الذين جاؤا بعد امامهم النعمان
افتوا بجواز الاخذ بما في الصحاحات ، بعد ان قال امامهم النعمان انه لم
يصح عنده سوى سبعة عشر حديثا .
***
الشيخ محمد جواد مغنية:
(( ولد سنة 1322 في قرية طير دبا من جبل عامل وتوفي في المحرم سنة 1400
في بيروت ونقل جثمانه إلى طير دبا حيث دفن فيها . درس على شيوخ قريته ثم
سافر إلى النجف فأنهى هناك دراسته وكان من أبرز أساتذته السيد حسين
الحمامي . ثم عاد إلى جبل عامل فسكن قرية طير حرفا ثم عين قاضيا شرعيا في
بيروت ثم مستشارا للمحكمة الشرعية العليا فرئيسا لها بالوكالة . ثم أحيل
للتقاعد )). (3)
***
مؤلفاته:
- الجوامع والفوارق بين السنة والشيعة .
- فلسفة التوحيد والولاية - مطبعة الحكمة .
- إمامة علي بين العقل والقرآن .
- هذي هي الوهابية.
- الشيعة والحاكمون.
- الشيعة والتشيع - ط دار الكتب / بيروت.
- من هنا وهناك .
- الكاشف في تفسير القرآن .
- الفقه على المذاهب الخمسة.
- فقه الإمام جعفر الصادق - في ستة مجلدات.
- الزواج والطلاق على المذاهب الخمسة .
- الوصايا والمواريث على المذاهب الخمسة .
- في ظلال نهج البلاغة.
- الاثنا عشرية . بالأردو .. ترجمة : سيد صفدر حسين .
***
في هذه السطور ، سنعرض لبعض تصحيحاته وتصويباته للكثير من العقائد – او
ما جعل من العقائد في المذهب الشيعي الامامي الاثني عشري – والرد على
الكثير من الاتهامات ، وفك بعض التباسات البعض ،التي طالت المذهب الذي هو
احد رجاله .
- الاسلام والولاء عند الشيخ مغنية:
يقول الشيخ مغنية :
(( هل يعتقد الإمامية أن الولاء ركن من أركان الإسلام ، بحيث لا يكون
مسلما - عندهم - إلا إذا كان مواليا لأهل البيت ( ع ) ؟ الجواب : لقد نسب
أكثر من واحد هذا القول إلى الإمامية ، ولكن النسبة هذه لا تبتنى على
أساس . فلقد اتفقت كلمتهم على أن كل من نطق بالشهادتين يكون حكمه حكم
المسلمين ، له ما لهم ، وعليه ما عليهم ، وبذلك صرحوا في كتب العقائد
والتفسير والفقه ، وعملوا به منذ أقدم العصور ، فعن الإمام الرضا عن
آبائه عن جده النبي ( ص ) أنه قال : أمرت أن أقاتل الناس ، حتى يقولوا لا
إله إلا الله ، فإن قالوها حرم علي دماؤهم وأموالهم . وقال صاحب الجواهر
ج 6 باب الإرث : " المسلمون يتوارثون ، وإن اختلفوا في المذاهب والأصول
والعقائد ، كما هو المشهور ، لعموم ما دل على التوريث بالنسب والسبب من
الكتاب والسنة والاجماع لابتناء المواريث على الإسلام ، دون الإيمان ،
وفي تلك الأدلة أن الإسلام هو ما عليه جماعة الناس من الفرق كلها ، وبه
حقنت الدماء ، وجرت المناكح والمواريث . مضافا إلى شهادة تتبع أحوال
السلف من توريث المسلمين بعضهم من بعض في جميع الأعصار ، مع الفتوى
الظاهرة ، والشهرة المعلومة . أما الغلاة والخوارج والنواصب ، وغيرهم ممن
علم منهم الانكار لضرورة من ضرورات الدين فلا يرثون المسلمين قولا واحدا
" .
بل قال صاحب " مصباح الفقيه " الآغا رضا الهمداني في الجزء الثالث من
كتاب الطهارة ص 49 : من أقر بالشهادتين يعامل معاملة المسلمين من جواز
المخالطة والمناكحة والتوارث ، حتى ولو علم نفاقه وعدم اعتقاده . أنكر
النواصب والخوارج ضرورة دينية ، وهي مودة الآل التي ثبت وجوبها بصريح
القرآن ، والسنة المتواترة فخرجوا بذلك عن الإسلام عند الإمامية ، أما
الغلاة فإن اعتقدوا أن هذا الشخص بالذات هو الله ، وأنكروا وجود خالق
سواه فهم كافرون ، وإن اعترفوا بوجود خالق مثله فهم مشركون ، وإن اعتقدوا
بأن الله حل أو اتحد فيه فهم منكرون لما ثبت بضرورة الدين من أن الله أجل
وأعظم من أن يصير بشرا يأكل الطعام ، ويمشي في الأسواق . وبكلمة إن
الغلاة والخوارج والنواصب ليسوا عند الإمامية من الإسلام في شئ ، إما
لأنهم يجحدون الإسلام من الأساس ، كالغلاة ، وإما لأنهم ينكرون ما ثبت
بضرورة الدين ، كالنواصب والخوارج)) .(4)
***
الإيمان والولاء :
فإذا كان الناطق بالشهادتين مسلما ، فهل يمكن ان نقول عنه انه مسلم
مؤمن؟
يجيب الشيخ مغنية قائلا:
(( قلنا إن الإيمان بمعناه الخاص لا يتحقق بمجرد النطق بالشهادتين ، بل
لا بد أن يضاف إليه التصديق في القلب ، والعمل بالأركان من إقامة
الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت . وقد زاد الإمامية
ركنا آخر على هذه الأركان ، وهو الولاء لآل الرسول مستندين إلى ما رواه
الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري عن الرسول العظم ( ص ) ، قال كرد علي في
كتاب " خطط الشام " ج 6 ص 251 طبعة 1928 : " قال أبو سعيد الخدري : أمر
الناس بخمس ، فعملوا بأربع ، وتركوا واحدة . ولما سئل عن الأربع ؟ قال :
الصلاة والزكاة وصوم رمضان والحج . قيل : فما الواحدة التي تركوها ؟
قال : ولاية علي بن أبي طالب . قيل له : وإنها المفروضة معهن ؟ قال : نعم
هي مفروضة معهن " . وقال الإمام الصادق : الإسلام هو الظاهر الذي عليه
الناس ، والأيمان هو معرفة هذا الأمر . وقال : بني الإسلام على خمس :
الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية . أي بعد الإقرار بالشهادتين ، حيث
لا يقبل أي عمل بدونه . وبهذا يتبين أن الولاء - عند الإمامية - ركن من
أركان الإيمان ، لا من أركان الإسلام ، فغير الموالي مسلم ، ولكنه غير
شيعي ، وبكلمة إن الولاء عندهم من أصول المذهب ، لا من أصول الدين)) .
(5)
وبهذا القول نصل الى حقيقة اعتقاد الشيعة الامامية في الامامة ، خاصة
وما ذكره الشيخ مغنية ايضا على الصفحة 435 ، قال :
(( ويعتقدون بأن الإمامة أصل من أصول المذهب ، لا من أصول الإسلام ، وأن
من أنكرها فهو مسلم ، له ما للمسلمين ، وعليه ما عليهم ، إذا اعتقد
بالتوحيد والنبوة والمعاد ، ولكنه ليس إماميا)).
إذن، هناك فرقا بين ان نقول ان الامامة اصل من اصول الاسلام ، كما يحلوا
للبعض ان يقول ، وبين ان نقول انها اصل من اصول المذهب.
أي عندما يعتقد مسلما ما بالامامة (بالنص الالهي) فهو شيعي المذهب، اما
من لا يعتقد بها فهو مسلم.
اما صفة المؤمن فهي خارجة عن هذا التوصيف، ولا علاقة لها بالايمان
بالامامة الشيعية الامامية، أي كما عبر عنها الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله
بقوله :
(( والاسلام والإيمان مترادفان ، ويطلقان على معنى أعم يعتمد على ثلاثة
أركان : التوحيد ، والنبوة ، والمعاد . فلو أنكر الرجل واحدا منها فليس
بمسلم ولا مؤمن ، وإذا دان بتوحيد الله ، ونبوة سيد الأنبياء محمد ( صلى
الله عليه وآله ) ، واعتقد بيوم الجزاء من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر
فهو مسلم حقا ، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم ، دمه وماله وعرضه حرام .
ويطلقان أيضا على معنى أخص يعتمد على تلك الأركان الثلاثة وركن رابع وهو
العمل بالدعائم التي بني الاسلام عليها وهي خمس : الصلاة ، والصوم ،
والزكاة ، والحج ، والجهاد)). (6)
***
التقية:
(( التقية في اللغة : الحيطة والحذر من الضرر والتوقي منه ، والتقية
والتقاة بمعنى واحد ، قال تعالى : ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) أي :
تقية ، بالاتفاق. قال ابن منظور : وفي الحديث : قلت : وهل للسيف من
تقية ؟ قال : نعم ، تقية على إقذاء ، وهدنة على دخن ومعناه : إنهم يتقون
بعضهم بعضا ، ويظهرون الصلح والاتفاق وباطنهم بخلاف ذلك. وفي الاصطلاح :
فقد عرفها جمع من علماء المسلمين بألفاظ متقاربة وذات معنى واحد)) .
(7)
ابتلي المذهب الشيعي الامامي الاثني عشري بعقيدة التقية المتصورة من قبل
البعض من رجال وعلماء الشيعة الامامية، من خلال ما جاءت به من ضبابية في
الاحاديث والروايات، وعدم الصدق في القول ، والقول بقولين ، وغير
ذلك .
إذ كثر استخدامها - غير الصحيح و لا الموضوعي - في الكثير من المواضع في
كتب ومصادر الشيعة الامامية الاثني عشرية ، حتى طالت اقوال المعصومين ،
فقيل عنها انها قيلت تقية ، وكتاب الكافي (8) – وغيره من كتب الحديث
الامامية – مليء بهذا القول ، فجعلوا من الامام المعصوم خائفا ، يقول بما
لا يعتقد به ، مخالفا للقرآن الكريم . (9)
يقول الشيخ مغنية:
(( وبالتالي ، فإن التقية كانت عند الشيعة حيث كان العهد البائد ، عهد
الضغط والطغيان ، أما اليوم حيث لا تعرض للظلم في الجهر بالتشيع فقد
أصبحت التقية في خبر كان . في عام 1960 أقامت الجمهورية العربية المتحدة
مهرجانا دوليا للغزالي في دمشق ، وكنت فيمن حضر وحاضر ، فقال لي بعض
أساتذة الفلسفة في مصر فيما قال : أنتم الشيعة تقولون بالتقية . . . فقلت
له : لعن الله من أحوجنا إليها . إذهب الآن أنى شئت من بلاد الشيعة فلا
تجد للتقية عندهم عينا ولا أثرا ، ولو كانت دينا ومذهبا في كل حال
لحافظوا عليها محافظتهم على تعاليم الدين ومبادئ الشريعة )).
(10)
إذن ، فالتقية هي لا دين ولا مذهب.
يقول الشيخ كاشف الغطاء :
(( لذا تجد الكثير من رجالات الشيعة وعظمائهم سحقوا التقية تحت
أقدامهم ، وقدموا هياكلهم المقدسة قرابين للحق على مشانق البغي ، وأضاحي
في مجازر الجور والغي)) . (11)
***
الرجعة :
(( الرجعة في اللغة : العودة إلى الحياة الدنيا بعد الموت . (...) إن
الذي تذهب إليه الإمامية أخذا بما جاء عن آل البيت ( عليهم السلام ) ، هو
نفس المعنى المحقق في اللغة )). (12)
(( قال فريق من علماء الإمامية : إن الله سبحانه سيعيد إلى هذه الحياة
قوما من الأموات ، ويرجعهم بصورهم التي كانوا عليها وينتصر الله بهم لأهل
الحق من أهل الباطل ، وهذا هو معنى الرجعة . وأنكر الفريق الآخر ذلك ،
ونفاه نفيا باتا . ونقل هذا الاختلاف الشيخ الإمامي الثقة أبو علي
الطبرسي في " مجمع البيان " عند تفسير الآية 83 من سورة النمل : " ويوم
نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون " . قال : استدل بهذه
الآية على صحة الرجعة من ذهب إلى ذلك من الإمامية . ووجه الدلالة - بزعم
هؤلاء - أن اليوم الذي يحشر الله فيه فوجا من كل أمة لا يمكن أن يكون
اليوم الآخر بحال ، لأن هذا اليوم يحشر فيه جميع الناس لا فوج من كل أمة
لقوله تعالى في الآية 48 من سورة الكهف : " وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا
" . فتعين أن يكون الحشر في هذه الدنيا لا في الآخرة . أما الذين أنكروا
الرجعة من علماء الإمامية فقد قالوا : إن الحشر في الآية يراد به الحشر
في اليوم الآخرة ، لا في هذه الحياة ، والمراد بالفوج رؤساء الكفار
والجاحدين ، فإنهم يحشرون ويجمعون لإقامة الحجة عليهم . ومهما يكن ، فإن
غرضنا الأول من نقل كلام الشيخ الطبرسي الإمامي هو التدليل على أن علماء
الإمامية لم يتفقوا بكلمة واحدة على القول بالرجعة . وقد اعترف باختلافهم
الشيخ أبو زهرة ، حيث قال في كتاب " الإمام الصادق " ص 240 ما نصه
بالحرف : " ويظهر أن فكرة الرجعة على هذا الوضع ليست أمرا متفقا عليه عند
إخواننا الاثني عشرية ، بل فيهم فريق لم يعتقده " . وقال السيد محسن
الأمين في كتاب " نقض الوشيعة " ص 473 طبعة 1951 : " الرجعة أمر نقلي ،
إن صح النقل به لزم اعتقاده ، وإلا فلا " . وقال ص 515 يتعلق بالبداء : "
أجمع علماء الإمامية في كل عصر وزمان على أن البداء بهذا المعنى باطل
ومحال على الله ، لأنه يوجب نسبة الجهل إليه تعالى ، وهو منزه عن ذلك
تنزيهه عن جميع القبائح ، وعلمه محيط بجميع الأشياء إحاطة تامة جزئياتها
وكلياتها ، لا يمكن أن يخفى عليه شئ ، ثم يظهر له " . ولو كانت الرجعة من
أصول الدين أو المذهب عند الإمامية لوجب الاعتقاد بها ، ولما وقع بينهم
الاختلاف فيها ، أما الأخبار المروية في الرجعة عن أهل البيت فهي
كالأحاديث ، في الدجال التي رواها مسلم في صحيحه القسم الثاني من الجزء
الثاني ص 316 طبعة 1348 ه‍ ، ورواها أيضا أبو داود في سننه ج 2 ص 542
طبعة 1952 ، وكالأحاديث التي رويت عن النبي في أن أعمال الأحياء تعرض على
أقاربهم الأموات ( كتاب مجمع الزوائد للهيثمي ج 1 ص 228 طبعة 1352 ه‍ ) .
إن هذه الأحاديث التي رواها السنة في الدجال وعرض أعمال الأحياء على
الأموات ، وما إلى ذاك تماما كالأخبار التي رواها الشيعة في الرجعة عن
أهل البيت . فمن شاء آمن بها ، ومن شاء جحدها ، ولا بأس عليه في
الحالين . وما أكثر هذا النوع من الأحاديث في كتب الفريقين )) .
(13)
اذن ، اختلف رجال الامامية حولها لانها أمر نقلي ، وانقسموا الى فريقين،
فمن قال بإنها تحدث في الحياة الدنيا ، ومن قال انها تحدث في الاخرة ،الا
انها ليست اصل من اصول الدين او المذهب .
يقول السيد محسن الأمين :
(( وإما الرجعة ففيها اخبار فمن صحت عنده لزمه القول بها ، ومن لا
فلا )). (14)
يقول الدكتور الشيخ أحمد الوائلي :
(( أما موضوع الرجعة عندهم فهو مجرد فهم من كتاب الله تعالى لبعض الآيات
ولمضمون تلك الآيات ، ذلك بالإضافة إلى روايات كثيرة تدعم تلك المضامين ،
وهي : أعني الرجعة ليست من ضروريات الإسلام عندهم . وبوسع القارئ الرجوع
إلى قوله تعالى : ( يوم نحشر من كل أمة فوجا ) النحل / 83 )).
(15)
***
الجفر:
يقول السيد محسن الامين :
(( في مجمع البحرين في الحديث : أملى رسول الله ص على أمير المؤمنين ع
الجفر والجامعة ، وفسرا في الحديث باهاب ماعز وأهاب كبش فيهما جميع
العلوم حتى أرش الخدشة والجلدة ونصف الجلدة ، ونقل عن المحقق الشريف في
شرح المواقف ان الجفر والجامعة كتابان لعلي ع قد ذكر فيهما على طريقة علم
الحروف الحوادث إلى انقراض العالم . وكان الأئمة المعروفون من أولاده
يعرفونهما ويحكمون بهما.
وفي القاموس الجفر من أولاد الشاء ما عظم واستكرش وبلغ أربعة أشهر اه .
وفي الصحاح الجفر من أولاد المعز ما بلغ أربعة أشهر وجفر جنباه وفصل عن
أمه والأنثى جفرة اه‍ فالجفر في الحديث على حذف مضاف اي جلد الجفر ولعله
صار كالعلم على جلد مخصوص لثور أو شاة لكثرة الاستعمال)). (16)
إلا ان الشيعة الامامية اتهموا به ، لانه ينبيء عن معرفة الائمة بالغيب،
فقال عنه الشيخ مغنية:
(( أن مسألة الجفر ليست من أصول الدين ولا المذهب عند الإمامية ، وإنما
هي أمر نقلي ، تماما كمسألة الرجعة ، يؤمن بها من تثبت عنده ، ويرفضها
إذا لم تثبت ، وهو في الحالين مسلم سني ، إن كان سنيا ، ومسلم شيعي ، إن
كان شيعيا )). (17)
***
فرية تحريف القرآن:
وكما رد هذه التهمة رجال شيعة امامية كثر ، فقد رد الشيخ مغنية التهمة
ذاتها، فقال:
(( اتفق المسلمون بكلمة واحدة على أنه لا زيادة في القرآن ، ما عدا فرقة
صغيرة شاذة من فرق الخوارج ، فإنها أنكرت أن تكون سورة يوسف من القرآن ،
لأنها قصة غرام يتنزه عن مثلها كلام الله سبحانه . ونسب إلى بعض المعتزلة
إنكار سورة أبي لهب ، لأنها سب وطعن لا يتمشى مع منطق الحكمة والتسامح .
ونحن لا نتردد ، ولا نتوقف في تكفير من أنكر كلمة واحدة من القرآن ، وأن
جحود البعض ، تماما كجحود الكل ، لأنه طعن صريح فيما ثبت عن النبي بضرورة
الدين ، واتفاق المسلمين أما النقصان بمعنى أن هذا القرآن لا يحتوي على
جميع الآيات التي نزلت على محمد ، فقد قال به أفراد من السنة والشيعة في
العصر البائد ، وأنكر عليهم يومذاك المحققون وشيوخ الإسلام من الفريقين ،
وجزموا بكلمة قاطعة أن ما بين الدفتين هو القرآن المنزل دون زيادة أو
نقصان للآية 8 من سورة الحجرات : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
" . والآية 41 من سورة فصلت : " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه
تنزيل من حكيم حميد " . واليوم أصبح هذا القول ضرورة من ضرورات الدين ،
وعقيدة لجميع المسلمين ، إذا لا قائل بالنقيصة ، لا من السنة ، ولا من
الشيعة . فإثارة هذا الموضوع ، والتعرض له - في هذا العصر - لغو وعبث ،
أو دس وطعن على الإسلام والمسلمين)) . (18)
وقال ايضا ، ص314:
(( إن الإمامية أشد الناس تمسكا بالقرآن ، ومحافظة عليه ، وتعظيما له ،
ومنه يستقون عقيدتهم وأحكامهم ، وبه يدفعون شبهات المبطلين ، وأقوال
المتحذلقين ، فهو عندهم المعجزة الكبرى ، والمقياس الصحيح للحق
والهداية ، فقد رووا أن أئمتهم أمروهم أن يعرضوا ما ينقل عنهم على
القرآن ، فإن خالفه فهو كذب وافتراء وزخرف وباطل يجب ضربه في عرض
الجدار . لا تحريف في القرآن ويستحيل أن تناله يد التحريف بالزيادة أو
النقصان للآية 9 والحجر " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له الحافظون " والآية
42 فصلت " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد
" . ونسب إلى الإمامية افتراء تنكيلا نقصان آيات من آي القرآن ، مع إن
علماءهم المتقدمين والمتأخرين الذين هم الحجة والعمدة قد صرحوا بأن
القرآن هو ما في أيدي الناس لا غيره ، فمن المتقدمين الشيخ الصدوق في
كتاب اعتقاد الشيعة الإمامية ، والسيد المرتضى في كتاب المسائل
الطرابلسيات ، والشيخ الطوسي في كتاب التبيان ، ومن المتأخرين الشيخ جعفر
النجفي في كتاب كشف الغطاء ، والسيد محسن البغدادي في شرح الوافية ،
والشيخ علي الكركي ألف رسالة خاصة . في نفي الزيادة ، والسيد محسن الأمين
في الجزء الأول من أعيان الشيعة ، والشيخ جواد البلاغي في الجزء الأول من
آلاء الرحمن . ونقل الأمين والبلاغي في هذين الكتابين أن القائلين
بالنقصان هم أفراد من شذاذ الشيعة ، والحشوية من السنة لا يعتد بقولهم .
إذن نسبة التحريف إلى الشيعة كنسبته إلى السنة ، كلتاهما لم تبن على أساس
من الصحة)) .
***
مصحف فاطمة :
وما زلنا في مسألة تحريف القرآن ، وردت فرية اخرى تعضد الاولى وهي وجود
قرآن اخر سمي بـ (مصحف فاطمة) ، وراح البعض يقول انه قرآن غير القرآن
الذي بين ايدينا ، الا ان الكثير من رجال الدين الشيعة الامامية ردوا هذا
الاتهام ، ومنهم السيد محسن الامين ، والسيد فضل الله ، والامام الشيخ
حسين المؤيد ، منسجمين مع قول الشيخ مغنية ، الذي قال :
(( وقد جاء ذكره في أخبار أهل البيت مع تفسيره ، وأنه كان من إملاء رسول
الله على علي ، قال الإمام الصادق : عندنا مصحف فاطمة ، أما والله ، ما
فيه حرف من القرآن ، ولكنه من إملاء رسول الله ، وخط علي . قال السيد
محسن الأمين في " الأعيان " قسم أول من ج 1 ص 248 : إن نفي الإمام الصادق
أن يكون فيه شئ من القرآن لكون تسميته بمصحف فاطمة يوهم أنه أحد النسخ
الشريفة فنفى هذا الايهام )). (19)
***
بين السنة والشيعة :
وكما رفع الكثير من رجال الدين الشيعة الامامية الاثني عشرية اصواتهم
الصادقة بوحدة الامة الاسلامية ، والوحدة بين السنة والشيعة خاصة ، منذ
القرن الماضي الى يومنا هذا ، كالشيخ كاشف الغطاء ، والسيد الامين ،
والسيد شرف الدين، والسيد فضل الله ، والامام الشيخ حسين المؤيد ، والسيد
علي الامين ، راح الشيخ المصلح محمد جواد مغنية يرفع صوته طالبا الوحدة
وهو يشرح نقاط الخلاف والالتقاء بين السنة والشيعة ، فيقول:
(( كثيرا ما يدور على الألسن هذا السؤال : ما الفرق بين السنة والشيعة ،
مع العلم بأن الإسلام يجمع الفريقين ؟ الجواب : يتفق السنة والشيعة على
أن الدين عند الله الإسلام ، وأن الطريق إليه كتاب الله ، وسنة نبيه ،
وأن الكتاب هو هذا الذي بين الدفتين دون زيادة أو نقصان ، وإن اختلفوا في
شئ ففي ببعض أسباب النزول ، أو في فهم بعض الآيات . واتفقوا أيضا على
وجوب العمل بالسنة النبوية واختلفوا في طريق ثبوتها ، وبكلمة لم يختلفوا
في النبي ، بل عنه كما قال الإمام علي ، وهذا الاختلاف في فهم بعض الآيات
وفي السبيل التي تثبت بها السنة النبوية أنتج الخلاف في بعض الفروق في
الأصول والفروع ، وحاصلها أن القضايا الدينية تنقسم إلى أصول عقائدية
أساسية ، ومسائل فرعية تشريعية ، وسنبين فيما يلي ما اتفقا عليه ، وما
اختلفا فيه مما يتصل بالعقائد ، أما المسائل التشريعية فنتعرض لمداركها ،
وللمبادئ التي تستخرج منها ، كالكتاب والسنة وما إليهما ، أما المسائل
نفسها فلا حصر لها ، وقد تعرضنا إلى كثير منها في كتاب " الفقه على
المذاهب الخمسة " . و " الزواج والطلاق على المذاهب الخمسة " . و "
الوصايا والمواريث على المذاهب الخمسة " .
العقائد :
إن المسلمين جميعا يؤمنون بالله ، ونبوة محمد ، وبالبعث والحساب ،
واتفقوا بكلمة واحدة على أن من جحد أصلا من هذه الأصول الثلاثة فليس من
الإسلام في شئ ، وأيضا اتفقوا على أن من أنكر وجوب الصوم والصلاة والحج
والزكاة ، واستحل شيئا من المحرمات الضرورية ، كالخمر والزنا والسرقة
والقمار والكذب وقتل النفس المحرمة ، وما إلى ذاك مما ثبت بضرورة الدين ،
واتفقت عليه كلمة المسلمين فليس بمسلم ، حتى ولو قال : " لا له إلا الله
محمد رسول الله " ، لأن إنكار شئ ممن هذا النوع يستدعي إنكار نبوة محمد
وشريعته ، وهذه هي المبادئ التي تجمع فرق المسلمين على كثرتهم وتنوع
آرائهم .
ثم اختلف السنة والشيعة في أمور ، منها ما يتصل بالعقيدة ، ومنها يتصل
بمبادئ التشريع ، فمن الأولى : معرفة الله :
1 - بعد أن اتفق الإمامية والسنة على أن معرفة الله واجبة على كل إنسان ،
بمعنى أن عليه أن يبحث ، وينظر إلى الدلائل التي تؤدي به إلى الجزم
واليقين بوجود الخالق اختلفوا في مصدر هذا الوجوب : هل هو العقل أو
الشرع ؟ قال الإمامية : إن معرفة الله تجب بالعقل ، لا بالشرع ، أي إن
العقل هو الذي أوجب على الإنسان أن يعرف خالقه ، أما ما جاء في الشرع من
هذا الباب كقوله تعالى " فاعلم أنه لا إله إلا هو فهو بيان وتأكيد لحكم
العقل ، وليس تأسيسا جديدا من الشارع .
وقال السنة : بل تجب المعرفة بالشرع لا بالعقل ، أي أن الله وحده هو الذي
أوجب على الناس أن يعرفوه .
2 - قال بعض السنة : رؤية الله ممكنة في الدنيا والآخرة ، والبعض قال
بإمكانها في الآخرة فقط ، بل قال الحنابلة : إنه جسم ، ولكن لا
كالأجسام . وقال الإمامية : إن رؤية الله محال وغير ممكنة لا في الدنيا
ولا في الآخرة .
3 - قال السنة : إن صفات الله غير ذاته . وقال الإمامية : بل هي عينها .
وقال السنة : إن أفعال الله لا تعلل بالأغراض والمقاصد ، أي إنه تعالى لا
يفعل شيئا لغاية خاصة ، لأنه لا يجب عليه شئ ، ولا يقبح منه شئ . وقال
الإمامية : إن جميع أفعاله معللة بمصالح تعود على الناس ، أو تتعلق بنظام
الكون " سبحانك ما خلقت هذا باطلا " . وقال السنة : كلام الله قديم وغير
مخلوق . وقال الإمامية : بل هو حادث ومخلوق . وقال الإمامية : إن أمر
الله بالشئ يدل على إرادته له ، وإن نهيه عنه يدل على كراهيته للمنهي
عنه ، ومحال أن يأمر بما يكره ، وينهى عما يحب . وقال السنة : إن الله
يأمر بما لا يريد ، بل ربما أمر بما يكره ، وإنه ينهى عما لا يكره ،
وربما نهى عما يحب . وقال السنة : الخير ولشر من الله ، وإنه هو الذي فعل
ويفعل الظلم والشرك ، وجميع القبائح ، لأنه خالق كل شئ . وقال الإمامية ،
الخير من الله ، بمعنى أنه أراده وأمر به ، ومن العبد أيضا ، لأنه صدر
منه باختياره ومشيئته ، أما الشر فمن العبد فقط ، لأنه فاعله ، وليس من
الله ، لأنه نهى عنه ، والقبائح يستحيل فعلها على الله عز وجل . وقال
السنة : يجور أن يكلف الله الناس بما لا يطيقون ، لأنه لا يجب عليه شئ
ولا يقبح منه شئ . وقال الإمامية : التكليف بغير المقدور ممتنع عقلا
وشرعا . وقال الإمامية : الإنسان مخير لا مسير . وقال السنة : إنه مسير
لا مخير . وقال السنة : إن العقل لا يدرك حسنا ولا قبحا ، وإنما الحسن ما
أمر به الشرع ، والقبيح ما نهى عنه ، ولو أمر بما نهى لصار حسنا ، بعد أن
كان قبيحا . أو نهى عما أمر به لصار قبيحا بعد أن كان حسنا ولذا يقولون :
هذا حسن ، لأن الله أمر به ، وهذا قبيح ، لأنه نهى عنه . وقال الإمامية :
إن العقل يدرك الحسن والقبح مستقلا عن الشرع ، ويقولون : أمر الله بهذا ،
لأنه حسن ، ونهى عنه ، لأنه قبيح . وقال الشيعة : إن جميع المسببات ترتبط
بأسبابها ، فالماء هو الذي يروي والطعام هو الذي يشبع ، والنار هي التي
تحرق . وقال السنة : لا سبب إلا الله فهو الذي يحدث الري عند الشرب وهو
الذي يحدث الشبع عند الأكل ، والاحراق عند النار ، وقال بعضهم : بتكفير
من اعتقد أن الله أودع قوة الري في الماء ، والاحراق في النار ، وما إلى
ذاك . بعثة الأنبياء وعصمتهم : قال السنة : لا يجب على الله أن يبعث
أنبياء يبينون للناس موارد الخير والشر ، ويجوز أن يتركهم بلا هاد ولا
مرشد ، لأنه لا يجب عليه شئ ، ولا يقبح منه شئ . وقال الإمامية : بل تجب
بعثة الأنبياء ، لأنهم يقربون الناس إلى الطاعة ، ويبتعدون بهم عن
المعصية . وقال السنة تجوز الذنوب على الأنبياء الكبائر منها والصغائر
قبل أن يصبحوا أنبياء ، أما بعد النبوة فلا يجوز عليهم الكفر ولا تعمد
الكذب ، وتجوز عليهم الصغائر عمدا وسهوا ، والكبائر سهوا لا عمدا . وقال
الإمامية : الأنبياء معصومون من الذنوب كبيرها وصغيرها ، قبل النبوة
وبعدها ، ولا يصدر عنهم ما يشين لا عمدا ولا سهوا ، وإنهم منزهون عن
دناءة الآباء ، وعهر الأمهات .
الإمامة :
قال السنة : إن الإمام يتعين بالانتخاب ، ويكفي أن يبايعه شخص واحد ، حتى
تتم له البيعة ، والعصمة ليست بشرط عندهم في الإمام . وأوجب المالكية
والشافعية والحنابلة الصبر على جور الحاكم وظلمه ، ومنعوا من الخروج
عليه . وقال الإمامية : يتعين الإمام بنص النبي ، أو بنص إمام معصوم ،
وإن النبي قد نص بالخلافة على علي بعده بلا فاصل وأوجبوا له العصمة ، كما
أوجبوا الخروج على الحاكم الجائر بقيادة الإمام المعصوم ، أو بفتوى
المجتهد العادل . وقال السنة : يجوز أن يتقدم المفضول على الفاضل ، وغير
الأعلم والأكمل على الأعلم والأكمل . وقال الإمامية : يجب تقديم الأعلم
والأكمل . وقد أبي عمر بن الخطاب أن يساوي في العطاء بين الفاضل
والمفضول ، علاوة على تقديم الثاني على الأول . هذي هي مجمل الفروق بين
السنة والشيعة فيما يتصل بالعقيدة .
أما الفروق التي ترجع إلى مدارك الأحكام فتتلخص بما يلي :
الكتاب :
اتفقوا جميعا على أن الكتاب أحد مصادر التشريع ، بل هو المصدر الأول ،
وأيضا اتفقوا على أن عموماته تخصص بالخبر المتواتر الذي يفيد العلم ،
وبالخبر المشهور المفيد للاطمئنان ، ومثال ذلك آيات المواريث بين
الأقارب ، فإنها تخصص بحديث " لا يرث القاتل " لأنه من الأحاديث
المتواترة عند السنة والشيعة ، واختلفوا في تخصيص عمومات الكتاب بالخبر
الواحد الذي لم يصل إلى حد التواتر أو الشهرة . قال الحنفية : يطرح الخبر
الواحد ، ويبقى الكتاب على عمومه . وقال الإمامية والمالكية والشافعية
والحنابلة : الخبر يخصص عمومات الكتاب. وفي كتاب " أصول الفقه " للخضري
أن الشافعي قال : إن الكتاب ينسخ بالكتاب ، ولا ينسخ بالسنة ، وقال
الجمهور - أي بقية المذاهب - : لا مانع من نسخ الكتاب بالسنة .
وعند الإمامية : أن الكتاب ينسخ بالخبر المتواتر ، ولا ينسخ بالخبر
الواحد . وعلى أية حال ، فقد اتفق الجميع على عدم العمل بظواهر الكتاب
إلا بعد ‹ صفحة 80 › الفحص والرجوع إلى السنة النبوية ، ومقابلة الآية
المبينة للحكم مع الأحاديث التي وردت في بابه ، لأن السنة بيان وتفسير
للقرآن .
السنة النبوية :
أجمع المسلمون بكلمة واحدة على أن ما ثبت عن الرسول بطريق اليقين فهو
حجة متبعة ، تماما كالقرآن ، لقوله تعالى : " ما أتاكم الرسول فخذوه وما
نهاكم عن فانتهوا " . ولكن أبا حنيفة لم يثبت عنده من أحاديث الرسول إلا
سبعة عشر حديثا ، لأنه لا يقبل الحديث إلا إذا رواه جماعة عن جماعة ، أو
اتفق فقهاء الأمصار على العمل به ، أو رواه صحابي ، ولم يخالفه فيه أحد .
وهذا التشدد في الحديث أدى به إلى تضييق العمل بالسنة ، أو طرحها
بالنتيجة ، والتوسع في العمل بالرأي ، سواء أكان الرأي قياسا أم استحسانا
أم مصالح مرسلة . " ومن الأمور الظاهرة في فقه أبي حنيفة الحيل الشرعية ،
وقد أصبحت فيما بعد بابا واسعا من أبواب الفقه في مذهب أبي حنيفة وغيره
من المذاهب ، وإن كانت في مذهب أبي حنيفة أظهر ". ومعنى اقتصار أبي حنيفة
على العمل ب‍ 17 حديثا فقط أنه في النتيجة لا يعتمد على السنة كمصدر
للتشريع ، وأن صحيح البخاري ومسلم ، وبقية الصحاح المحتوية على مئات
الأحاديث ليست بشئ ، مع أن الحنفية يعتبرونها ، ويعملون بها خلافا لمبدأ
إمامهم أبي حنيفة . أما ابن حنبل فيأخذ بالحديث الصحيح إن وجده ، وإلا
فبما أفتى به الصحابة ، وإن اختلفوا تخير ، وإلا فبالحديث المرسل
والضعيف ، وإن فقد كل هؤلاء التجأ إلى الرأي من قياس واستصلاح . ولا يعمل
به إلا عند الضرورة . وبهذا يتبين الفرق بين مسلك ابن حنبل ، ومسلك أبي
حنيفة ، فالأول يوسع دائرة الأخبار ، ويضيق دائرة الرأي ، والثاني على
العكس يوسع دائرة الرأي ، ويضيق دائرة الأخبار ، ومن هنا كان المدى بعيدا
بين فقه المذهبين . أما مالك فوسط بين الاثنين ، فهو لا يشترط في الحديث
الشهرة كأبي حنيفة ، ولا يأخذ بالضعيف كما هي الحال عند ابن حنبل ، ويعمل
بالخبر الواحد بشرط عدالة الراوي ، أو أمانته ، ولكنه يقدم عمل أهل
المدينة على الحديث الصحيح ، ويرى أن الناس لهم تبع ، وإذا أعوزه عمل أهل
المدينة ، والحديث الصحيح لجأ إلى الرأي بجميع أقسامه من قياس واستحسان
واستصلاح . أما الشافعي فيأخذ بالحديث إذا رواه ثقة عن ثقة مشهورا كان أو
غير مشهور ، وإذا لم يجده عمل بالقياس فقط دون الاستحسان والاستصلاح .
أما الإمامية فيأخذون بكل حديث يرويه الثقات عن رسول الله ، أو عن أحد
أئمتهم الأطهار ويعتقدون أن أقوال الإمام في الشريعة هي عين أقوال جدهم
رسول الله ( ص ) ، سواء أأسندها إليه ، أم أرسلها بدون إسناد ، وأن الكذب
والخطأ محال في حقه ، وبهذا كان عندهم من الأحاديث ما يغنيهم عن الرأي
بشتى أقسامه ، قال الشيخ جعفر في كتابه " كشف الغطاء " المسألة السادسة
والأربعون : " إن الفقيه - أي الإمامي - لا يحتاج إلى الأدلة الظنية ،
لأنه في غنى - غالبا - بالآيات القرآنية ، والأخبار المتواترة المعنوية
والسيرة القطعية المتلقاة خلفا بعد سلف من زمان الحضرة النبوية والامامية
" . ومن هنا كان الاختلاف بين فقهاء الإمامية أقل وأضيق من الاختلاف بين
أئمة المذاهب الأربعة ، لأن العمل بالحديث وبالرأي عند الاربعة يختلف سعة
وضيقا ، أما الإمامية فهم متفقون على مصادر التشريع ومدارك الفقه .
ورب قائل : إن الإمامية يعدون العقل من الأدلة الفقهية ، ويلجأون إليه ،
حيث يعوزهم النص ، وهذا عين العمل بالرأي ، أو قريب منه . الجواب : إن
الفرق بين الرأي الذي يعتمده السنة ، وبين العقل الذي يعتمده الإمامية
تماما كالفرق بين الذات والموضوع . فالسني حين يعتمد على الرأي يتخذ من
نفسه مشرعا للأحكام ، ويصرف النظر عن المشرع الحق ، أما الإمامي حين
يعتمد العقل فإنه يعتمده كطريق كاشف عن حكم الشرع - مثلا - السني يحكم
بنجاسة النبيذ لمجرد ظنه وحدسه بأن سبب النجاسة هو السكر ، دون أن يعتمد
في ذلك على نص من الكتاب أو السنة . أما الإمامي فيقول : لا يسوغ لنا أن
نستخرج من عند أنفسنا علة النجاسة ما دام الذي حرم الخمر وأوجب نجاستها
لم ينص على العلة ، أما إذا نص عليها ، وقال : الخمرة نجسة ، لأنها مسكرة
ساغ لنا ، والحال هذه ، أن نعمم الحكم لكل مسكر ، وبدون هذا النص لا يجوز
لنا بحال أن نتأول ونتمحل ، وإلا اتخذنا لأنفسنا صفة التشريع ووضع
الأحكام . وقد مثل الإمامية لحكم العقل بقضايا عقلية بحتة ، كحكمه بقبح
الظلم ، والإعانة على الإثم ، وقبح الكذب الضار ، وحسن الصدق النافع ،
ورد الوديعة ، والبراءة الأصلية فيما لا نص فيه ، لقبح العقاب بلا بيان ،
وكتقديم الأهم على المهم ، وما إلى ذاك مما يعلم فيه حكم الشرع بالضرورة
والبداهة ، على أن أكثر القضايا التي استقل العقل بإدراكها قد ورد فيها
نص صريح من الشرع مؤكدا لحكم العقل .
الصحابة :
قال السنة : إن الصحابة جميعهم عدول ، ولا تطلب تزكيتهم ( مسلم الثبوت
وشرحه وأصول الفقه للخضري ) . وقال الإمامية : إن الصحابة كغيرهم ، فيهم
الطيب والخبيث ، والعادل والفاسق . واتفق السنة على أن فتوى الصحابي ليست
حجة على صحابي مثله ، واختلفوا هل هي حجة على غير الصحابي . قال مالك .
والشافعي في القديم وابن حنبل في رواية : إن قول الصحابي حجة على غير
الصحابي ، تماما كسنة رسول الله ( مسلم الثبوت وشرحه ) . وقال الإمامية :
إن فتوى الصحابي ليست بحجة على أحد ، وإنه من هذه الجهة لا يمتاز في شئ
عن غيره .
الاجتهاد :
أقفل السنة باب الاجتهاد مقتصرين على المذاهب الاربعة منذ القرن الرابع
الهجري ، وما زال مقفلا عندهم ، حتى اليوم ، وفي الأيام الأخيرة دعا
أفراد من علمائهم إلى فتحه ، كالشيخ محمد عبدة والشيخ المراغي وشيخ
الأزهر فضيلة الشيخ شلتوت . وباب الاجتهاد مفتوح على مصراعيه عند
الإمامية لكل من له الأهلية والكفاءة . وأجاز السنة أن يقلد الجاهل في
الأحكام الشرعية العالم الميت . وأكثر الإمامية على عدم الجواز . قال
السيد محسن الأمين في الجزء الأول من " أعيان الشيعة " : إن سد باب
الاجتهاد عند السنة أقرب إلى المصلحة ما داموا عاملين بالرأي ، لأن العمل
به يستدعي تعدد الأقوال ، وإشاعة الخلافات والمنازعات ، أما فتحه عند
الشيعة فلا يستدعي شيئا من ذلك ، لأن مدارك الأحكام عندهم ترتكز على أساس
معين ومحدد . وفات السيد رحمه الله أن فتحه عند الشيعة جرأ الكثير من
جهالهم على انتحاله كذبا وافتراء . وبالمناسبة نذكر محاورة طريفة جرت بين
السيد الأمين ، وعالم سني بدمشق ، قال هذا العالم للسيد : أنا لو علمت
مذهب الإمام جعفر الصادق لما عدوته ، ولكن لا سبيل إلى العلم به ، لأن
الشيعة يكذبون في نسبة مذهبهم إليه . قال له السيد : إن مذهب كل إنسان
يعلم من أتباعه ، ويؤخذ منهم ، فقد علمنا مذهب رسول الله ( ص ) من
المسلمين ، وعلمنا مذهب أبي حنيفة مما نقله عنه أتباعه الأحناف ، وكذلك
مذهب الشافعي وأحمد ومالك ، فيجب أن يكون الأمر كذلك بالنسبة لمذهب
الإمام الصادق . فقال العالم السني : لا بد من حكم خارج عن الفريقين .
فقال السيد : إذن نحكم اليهود والنصارى . قال السني : كيف تقول هذا ؟ قال
السيد : أنت قلته ، لا أنا . فبهت وسكت .
التصويب والتخطئة :
قال الإمامية : إن الله في كل واقعة حكما معينا ، فمن ظفر به فهو
المصيب ، وله أجران ، أو أكثر . ومن أخطأه فهو المجتهد المخطئ ، وله أجر
واحد على بحثه واجتهاده . واختلف السنة فيما بينهم ، فقال الشافعي بمقالة
الإمامية ( اللمع لأبي إسحق الشيرازي الشافعي ) . وقال الغزالي في
المستصفى ج 2 ص 361 سنة 1324 ه‍ : " ذهب بسر المريسي إلى أن الإثم غير
محطوط عن المجتهدين في الفروع . فمن أخطأ فهو آثم وتابعه على هذا ابن
علية وأبو بكر الأصم ، ووافقه جميع نفاة القياس ، ومنهم الإمامية " .
وغريب هذا الخطأ الفاضح المشين من عالم كالغزالي ، فقد ذكر الإمامية في
كتب الحديث والفقه والأصول أن المجتهد المخطئ معذور ، وفي كتاب " كشف
الغطاء " للشيخ جعفر البحث السابع والأربعين ص 39 ما نصه بالحرف " اشتهر
على لسان الفريقين - أي السنة والشيعة - رواية أن الفقيه إذا أخطأ كان له
حسنة ، وإذا أصاب فله عشر " . وقال الغزالي ومالك وأبو حنيفة : إن كل
مجتهد مصيب ، لأن الحكم الواقعي يتبع ظن المجتهد ، ويقال لهؤلاء مصوبة .
( المستصفى واللمع والخضري ) . وعلى أية حال ، فمن نسب إلى جميع السنة
القول بالتصويب فقد اشتبه ، كما اشتبه الغزالي في نسبته إلى الإمامية
القول بأن المجتهد المخطئ آثم .
رائحة التشيع :
قال لي أحد الإخوان : أصحيح أن السنة يشترطون في الراوي أن لا تكون فيه
رائحة التشيع ؟ وهل وجدت في كتبهم مصدرا لهذا القول ؟ قلت له : هذا قول
المتعصبين منهم ، وليس مبدأ عاما عند علمائهم . إن المحققين والمنصفين
يشترطون فيما يشترطون للأخذ برواية الراوي أن لا يستحل الكذب في دينه ،
وكفى . نقل الغزالي في كتاب " المستصفى " عن الشافعي أنه قال : تقبل
شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة ، لأنهم يرون الشهادة بالزور
لمن وافقهم بالمذهب " . وقال الخضري في الكتاب " أصول الفقه " ص 213 سنة
1938 : " أما المبتدعون ببدع غير مكفرة فأكثرهم على القول بقبول
رواياتهم . وهو المعقول ما داموا لا يدينون بالكذب ، ولا نظن هذا معتقدا
لأي طائفة من المسلمين ، وإن نسب إلى الخطابية أنهم يدينون بالشهادة لمن
يوافقهم في الاعتقاد ". وروى أصحاب الصحاح الستة عن رجال من الشيعة كإبان
بن تغلب ، وجابر الجعفي ، ومحمد بن حازم وعبيد الله بن موسى وغيرهم .
وعلى سبيل التفكهة نقل ما ذكره نظام الدين الأنصاري في كتاب " فواتح
الرحموت بشرح مسلم الثبوت " المطبوع مع المستصفى سنة 1324 ه‍ . ص 140 ج
2 ، قال : " أما المبيحون للكذب فلا تقبل رواياتهم البتة ، لأنهم ما جاز
في دينهم على زعمهم الكذب لا يبالون بالارتكاب عليه ، ومنهم الروافض
الغلاة والإمامية ، فإن الكذب فيهم أظهر وأشهر ، حتى صاروا مضرب المثل في
الكذب ، وجوزوا ارتكاب جميع المعاصي . فلا أمان لهم أن يكذبوا على رسول
الله ، ولا هم يبالون بالكذب على رسول الله وأصحابه ، ومن نظر في كتبهم
لم يجد أكثر المرويات إلا موضوعة مفتراة " . وإذا كان أكثر روايات
الإمامية كذبا وافتراء ، فمعنى ذلك أن التوحيد ونبوة محمد والبعث والنشر
سخف وهراء ، ووجوب الصوم والصلاة والحج والزكاة سراب وهباء ، وتحريم
الزنا والكذب والسرقة جهل وعماء ، لأن روايات الإمامية جلها في ذلك .
تعالى الله ورسوله علوا كبيرا . ولا نعرف فرقة من المسلمين تشددت في
تحريم الكذب بعامة ، وعلى الله والرسول بخاصة كالإمامية . فإنهم حكموا
بخروج مستحله من الإسلام ، وأخذوا الصدق في تحديد الإيمان ، فلقد رووا عن
أئمتهم أخبارا تجاوزت حد التواتر " إن الإيمان أن تؤثر الصدق ، وإن ضرك
على الكذب ، وإن نفعك " . واختصوا دون سائر الفرق بالقول إن تعمد الكذب
على الله أو رسوله من المفطرات ، وإن على هذا الكاذب القضاء والكفارة ،
وبالغ جماعة منهم ، حيث أوجبوا عليه أن يكفر بالجمع بين عتق رقبة ، وصيام
شهرين متتابعين ، وإطعام ستين مسكينا . هذا ما جاء في كتب الإمامية . فمن
يكون الكذاب الكفار الإمامية ، أو الذي يفتري على الأبرياء الأصفياء ؟ !
وغريب أن ينسب إلى الإمامية هذا المتقول استحلال الكذب على رسول الله
( ص ) ، ومع أنه جاء في كتب السنة أنفسهم أن جماعة منهم تعمدوا وضع
الأحاديث على لسان رسول الله ، واحتجوا بأنهم يكذبون تأييدا لدينه ،
وانتصارا لشريعته ، فكذبهم كان للنبي لا عليه . ( أضواء على السنة
المحمدية لأبي رية ص 102 طبعة سنة 1958 ) . وهكذا يستحلون الكذب على رسول
الله ، ثم ينسبونه إلى غيرهم ، ويقولون بالتقية )). (20)
***
معنى العصمة :
كثر الحديث عن عصمة الائمة التي تعتقد بها الشيعة الامامية الاثني
عشرية ، واتهموا بأنهم يضعون ائمتهم في مقام الانبياء ، بل يصل الاتهام
حد الشرك ، الا ان العصمة كما يشرحها الشيخ مغنية هي ليست هكذا بل هي :
(( تضاربت الأقوال في تفسير العصمة ، فمنهم من قال : إن المعصوم يفعل
الطاعة مع عدم قدرته على المعصية ، فهو مجبر على فعل الحسن ، وترك
القبيح ، ومنهم من قال : إن للمعصوم غريزة تردعه عن المعصية ، كما تردع
غريزة الشجاعة عن الفرار ، وغريزة الكرم عن الامساك ، وقال نصير الدين
الطوسي في كتاب التجريد صفحة 228 طبع العرفان : " المعصوم قادر على فعل
المعصية ، وإلا لم يستحق المدح على تركها ، ولا الثواب ، ولبطل الثواب
والعقاب في حقه فكان خارجا عن التكليف وذلك باطل بالاجماع والنقل ، وقال
الشيخ المفيد : " ليست العصمة مانعة من القدرة على القبيح ، ولا مضطرة
للمعصوم إلى الحسن ، ولا ملجئة إليه وعلى هذا يكون معنى العصمة عند
الإمامية أن المعصوم يفعل الواجب مع قدرته على تركه ، ويترك المحرم مع
قدرته على فعله ، ولكنه مع ذلك لم يترك واجبا ، ولم يفعل محرما)) .
(21)
وقال الشيعة ايضا بسهو الائمة ، على الرغم من العصمة التي فهمناها من
اعلاه.
يقول الشيخ مغنية معيدا قول صاحب تفسير مجمع البيان:
(( أما جواز السهو على المعصوم فقال صاحب مجمع البيان في تفسير الآية 68
من سورة الأنعام : " إن الإمامية لم يجيزوا السهو والنسيان على أئمتهم
فيما يؤدونه عن الله تعالى ، فأما ما سواه فقد جوزوا عليهم أن ينسوه أو
يسهوا عنه ما لم يؤد ذلك إلى إخلال العقل ، وكيف لا يكون كذلك ! وقد
جوزوا عليهم النوم والاغماء ، وهما من قبيل السهو ، ومن نسب غير هذا إلى
الإمامية فقد ظن ظنا فاسدا ، وإن بعض الظن إثم . ")). (22)
***
علم الغيب عند الائمة:
يتساءل الامام الشيخ مغنية وهو يرد على من قال بمعرفة الائمة للغيب ، او
من اتهم الشيعة بهذا القول:
(( هل يعتقد الشيعة أن أئمتهم يعلمون كل شئ ، حتى الصناعات واللغات ؟ ثم
هل علوم الأئمة ومعارفهم في عقيدة الشيعة ، كعلوم سائر الناس ومعارفهم ،
أو هي وحي ، أو إلهام وما أشبه ؟ )) .
يجيب رحمه الله:
(( ولست أعرف مسألة ضلت فيها الأقلام ، حتى أقلام بعض الإمامية أكثر من
هذه المسألة . مع أنها ليست من المسائل الغيبية ، ولا المشاكل النظرية .
وذكرنا في فصل سابق أن الحديث عن عقيدة طائفة من الطوائف لا يكون صادقا ،
ولا ملزما لها إلا إذا اعتمدت على أقوال الأئمة ، والعلماء المؤسسين
الذين يمثلونها حقا ، لذلك اعتمدنا في هذا البحث على أقوال الأئمة
الأطهار ، والشيوخ الكبار ، كالمفيد والمرتضى والخواجا نصير الدين
الطوسي ، ومن إليهم أمانة وعلما .
قال الشريف المرتضى في الشافي ص 188 ما نصه بالحرف : " معاذ الله أن نوجب
للإمام من العلوم إلا ما تقتضيه ولايته ، وأسند إليه من الأحكام
الشرعية ، وعلم الغيب خارج عن هذا " .
وقال في ص 189 : " لا يجب أن يعلم الإمام بالحرف والمهن والصناعات ، وما
إلى ذاك مما لا تعلق له بالشريعة . إن هذه يرجع فيها إلى أربابها ، وإن
الإمام يجب أن يعلم الأحكام ، ويستقل بعلمه بها ، ولا يحتاج إلى غيره في
معرفتها ، لأنه ولي إقامتها ، وتنفيذها " .
وقال الطوسي في " تلخيص الشافي " المطبوع مع الكتاب المذكور ص 321 : "
يجب أن يكون الإمام عالما بما يلزم الحكم فيه ، ولا يجب أن يكون عالما
بما لا يتعلق بنظره " كالشؤون التي لا تخصه ولا يرجع إليه فيها . وهذا
يتفق تماما مع قول الشيعة الإمامية بأن الإمام عبد من عبيد الله ، وبشر
في طبيعته ، وصفاته ، وليس ملكا ولا نبيا . أما رئاسته العامة للدين
والدنيا فإنها لا تستدعي أكثر من العلم بأحكام الشريعة ، وسياسة الشؤون
العامة . وكيف ينسب إلى الشيعة الإمامية القول بأن أئمتهم يعلمون الغيب ،
وهم يؤمنون بكتاب الله ، ويتلون قوله تعالى حكاية عن نبيه " لو كنت أعلم
الغيب لاستكثرت من الخير " . وقوله " إنما الغيب لله " . وقوله " قل لا
يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله " .
وقال الشيخ الطبرسي في " مجمع البيان " عند تفسير الآية 123 من سورة
هود : " ولله غيب السماوات والأرض " : " لقد ظلم الشيعة الإمامية من نسب
إليهم القول بأن الأئمة يعلمون الغيب . ولا نعلم أحدا منهم استجاز الوصف
بعلم الغيب لأحد من الخلق .
فأما ما نقل عن أمير المؤمنين ( ع ) ورواه عنه الخاص والعام من الأخبار
بالغائبات في خطب الملاحم وغيرها مثل الإيماء إلى صاحب الزنج ، وإلى ما
ستلقاه الأمة من بني مروان ، وما إلى ذلك مما أخبر به هو وأئمة الهدى من
ولده ، أما هذه الأخبار فإنها متلقاة عن النبي ( ص ) مما أطلعه الله
عليه ، فلا معنى لنسبة من يروي عنهم هذه الأخبار المشهورة إلى أنه يعتقد
كونهم عالمين الغيب ، وهل هذا إلا سب قبيح وتضليل لهم ، بل تكفير ، لا
يرتضيه من هو بالمذاهب خبير ، والله هو الحاكم وإليه المصير " . وإن
افترض وجود خبر أو قول ينسب علم الغيب إلى الأئمة وجب طرحه باتفاق
المسلمين ، قال الإمام الرضا : " لا تقبلوا علينا خلاف القرآن ، فإنا إن
تحدثنا حدثنا بموافقة القرآن ، وموافقة السنة ، إنا عن الله وعن رسوله
نحدث ، ولا نقول قال فلان وفلان . فإذا أتاكم من يحدثكم بخلاف ذلك
فردوه . إن لكلامنا حقيقة ، وإن عليه لنورا ، فما لا حقيقة له ، ولا نور
عليه فذاك قول الشيطان " .
وبكلمة إن علوم الأئمة وتعاليمهم يحدها - في عقيدة الشيعة - كتاب الله
وسنة نبيه ، وإن كل إمام من الأول إلى الثاني عشر قد أحاط إحاطة شاملة
كاملة بكل ما في هذين الأصلين من الألف إلى الياء ، بحيث لا يشذ عن علمهم
معنى آية من آي الذكر الحكيم تنزيلا وتأويلا ، ولا شئ من سنة رسول الله
قولا وفعلا وتقريرا ، وكفى بمن أحاط بعلوم الكتاب والسنة فضلا وعلما ، أن
هذه المنزلة لا تتسنى ولن تتسنى لأحد غيرهم ، ومن هنا كانوا قدوة الناس
جميعا بعد جدهم الرسول تماما كالقرآن والسنة . (...) قال الإمام الصادق :
عجبا للناس يقولون : أخذوا علمهم كله عن رسول الله ، فعملوا به واهتدوا ،
ويرون إنا أهل البيت لم نأخذ علمه ، ولم نهتد به ، ونحن أهله وذريته في
منازلنا أنزل الوحي ، ومن عندنا خرج العلم إلى الناس ، أفتراهم علموا ،
واهتدوا ، وجهلنا وضللنا ؟ . . . وقال الإمام الباقر : لو كنا نحدث الناس
برأينا وهوانا لهلكنا ، ولكنا نحدثهم بأحاديث نكنزها عن رسول الله ، كما
يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم .
وبهذا يتبين الجهل ، أو الدس في قول من قال بأن الشيعة يزعمون أن علم
الأئمة إلهامي ، وليس بكسبي ، وترقى بعضهم ، فنسب إلى الشيعة القول بنزول
الوحي على الأئمة وبرد هذا الزعم بالإضافة إلى ما نقلناه من أحاديث
الأئمة الأطهار ما قاله الشيخ المفيد في كتاب " أوائل المقالات " : " قام
الاتفاق على أن من يزعم أن أحدا بعد نبينا يوحى إليه فقد أخطأ وكفر )).
(23)
***
الرد على بعض الافتراء :
(( قال الدكتور ستيورادت ضود أستاذ العلوم الاجتماعية في جامعة بيروت
الأميركية ، وفي جامعة واشنطن في كتابه العلاقات الاجتماعية في الشرق
العربي صفحة 210 قال " يعتقد الشيعة أن موت الحسين وأتباعه كان بمثابة
تضحية لغفران خطايا جميع المسلمين " وليت المؤلف أشار إلى مصدر قوله هذا
الذي لم نجد له أثرا في كتاب قديم أو حديث للشيعة الإمامية كيف وهم يتلون
مؤمنين بكتاب الله المنزل " ولا تزر وازرة وزر أخرى " ! إن عقيدة الفداء
والغفران عقيدة نصرانية بحتة لا يعرفها مذهب من المذاهب الإسلامية .
وقال في صفحة نفسها : " تبدأ الأئمة الاثنا عشر عند الشيعة بعلي ، وكلهم
ملهمون يتصفون بمميزات إلهية " وهذا مثل سابقة لا نعرف له مصدرا . .
يعتقد الإمامية أن من شبه الله بشئ من خلقه ، أو نسب بعض صفاته القدسية
إلى إنسان ما نبيا كان أو إماما فهو ومن جحد الله وأنكر وجوده سواء "
تعالى الله عما يقول المشبهون والجاحدون له علوا كبيرا " إن الإمام في
عقيدة الشيعة الإمامية إنسان كامل لا يمتاز بشئ عن أفراد البشر إلا " أنه
أفضل من كل أحد في زمانه " )). (24)
***
التفسير الباطني:
(( قال الشيخ محمد جواد مغنية بالحرف الواحد : " ونسب إلى الشيعة
الإمامية أنهم يعتقدون بأن المراد بالبحرين : علي وفاطمة ، وبالبرزخ :
محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وباللؤلؤ والمرجان : الحسن والحسين .
وأنا بوصفي الشيعي الإمامي أنفي هذه العقيدة عن الشيعة الإمامية على وجه
الجزم والإطلاق)) . (25)
***
المتعة عند الشيعة الإمامية:
اكثر ما شنع على مذهب الشيعة الامامية الاثني عشرية هو زواج المتعة والتي
كثر الحديث عنه من قبل البعض من غير الشيعة الامامية ، وفي الوقت نفسه ،
كثر ترويجه بكثرة - خاصة في نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي –
بين الشيعة حتى اصبح تجارة (26)، الا ان المراقب الدقيق لممارسته في
المناطق الشيعية ، سيجد ان من يقوم به من النساء هن من كن من اصحاب
الرايات الحمر في زمننا الحاضر ، وممن منعن عن مزاولت مهنتهن – التي هي
اقدم مهنة في التاريخ كما يقول بعض الدارسين – لاسباب قانونية في الدول
التي هي دينية او شبه دينية ، فتحولن الى ممارستها عن طريق المتعة دون
التقيد بشروط هذا الزواج ، لانه – وكما شرحه الشيخ مغنية – اصعب من
الزواج الدائم بكثير .
وايضا ، وهو الاهم ، ان هناك موانع اجتماعية ، واعراف عشائرية عربية،
وتربية عائلية ،تحد من هذا الزواج في العراق خاصة .
يقول الشيخ مغنية وهو يشرح ماهية هذا الزواج الذي لم يستطع احد – ذكرا
كان ام انثى – على ممارسته ، او عقده:
(( ويسمونها بالزواج المنقطع ، وبالزواج إلى أجل ، وهي كالزواج الدائم لا
تتم إلا بعقد صحيح دال على قصد الزواج صراحة ، ويحتاج العقد إلى إيجاب .
وهو قول المرأة أو وكيلها : زوجت أو أنكحت أو متعت ، ولا يكون بغير هذه
الألفاظ الثلاثة أبدا ، وإلى قبول من الرجل ، وهو قبلت أو رضيت . وكل
مقاربة تحصل بين رجل وامرأة من دون هذا العقد فهي سفاح . وليست بنكاح حتى
مع التراضي والرغبة الأكيدة . وإذا كان العقد بلفظ أجرت أو وهبت أو أبحت
ونحوها ، فهو لغو لا أثر له أبدا . ومتى تم العقد كان لازما يجب الوفاء
به ، وألزم كل واحد من الطرفين بالعمل على مقتضاه . ولا بد في عقد المتعة
من ذكر المهر ، وهو كمهر الزوجة الدائمة لا يتقدر بقلة أو كثرة ، فيصح
بكل ما يتراضى عليه الرجل والمرأة ، ويسقط نصفه بهبة الأجل ، أو انقضائه
قبل الدخول ، كما يسقط نصف مهر الزوجة بالطلاق قبل الدخول . ولا يجوز
للرجل أن يتمتع بذات محرم كأمه ، وأخته ، وبنته ، وبنت أخيه ، وبنت
أخته ، وعمته ، وخالته ، نسبا ولا رضاعا ، ولا بأم زوجته ولا بنتها ،
وأختها ، ولا بمن تزوج أو تمتع بها أبوه أو ابنه ، ولا بمن هي في العدة
من نكاح غيره ، ولا بمن زنى بها وهي في عصمة غيره ، فالمتعة في ذلك كله
كالزوجة الدائمة من غير تفاوت . وعلى المتمتع بها أن تعتد مع الدخول بعد
انتهاء الأجل ، كالمطلقة ، سوى أن المطلقة تعتد بثلاث حيضات ، أو ثلاثة
أشهر ، وهي تعتد بحيضتين أو بخمسة وأربعين يوما . أما العدة من الوفاة
فهما فيها سواء ، ومدتها أربعة أشهر وعشرة أيام ، سواء أحصل الدخول أم لم
يحصل . والولد من المتعة كالولد من الزوجة الدائمة في الميراث والنفقة
وسائر الحقوق المادية والأدبية . ولا بد من أجل معين في المتعة يذكر في
متن العقد ، وبهذا تفترق المتعة عن الزواج الدائم ، ولكن الطلاق يفصم عرى
الزواج ، كما يفصمه انتهاء الأجل في المتعة ، فانتهاء الأجل طلاق في
المعنى ، ولكن بغير أسلوبه . ولا ميراث للمتمتع بها من الزوج ، ولا نفقة
لها عليه ، والزوجة الدائمة لها الميراث والنفقة ولكن للمتمتع بها أن
تشترط على الرجل ضمن العقد الانفاق والميراث ، وإذا تم هذا الشرط كانت
المتمتع بها كالزوجة الدائمة من هذه الجهة أيضا ، ويكره التمتع بالزانية
والبكر .
هذه هي المتعة ، وهذي حدودها وقيودها ، كما هي مدونة في جميع الكتب
الفقهية للشيعة الإمامية ، ولم تستعمل المتعة شيعة سوريا ولبنان ، ولا
عرب العراق ، والمنقول أن بعض المسنات في بلاد إيران يستعملن المتعة .
والخلاصة أن الشيعة الإمامية يقولون بإباحة المتعة ، ولكن على الأساس
الذي بيناه . وعلى الرغم من ذلك فإنهم لا يفعلونها ، وما هي بشائعة في
بلادهم . وإنما الزواج الشائع بينهم هو الزواج الدائم المعروف المألوف
عند جميع الطوائف والأمم . ولا أثر لها في محاكمهم الشرعية . وقد اتفق
السنة والشيعة على تشريع زواج المتعة في عهد الرسول الأعظم صلى الله عليه
وسلم ، ودلت على الآية 24 من سورة النساء " فما استمتعتم به منهن ،
فآتوهن أجورهن فريضة " ، وفي الحديث ما ذكره مسلم في صحيحه عن جابر بن
عبد الله قال : استمتعنا على رسول الله وأبي بكر وعمر " . ولكن السنة
قالوا : إن المتعة نسخت وأصبحت حراما بعد أن أحلها الله سبحانه ، وقال
الشيعة : لم يثبت النسخ عندنا ، كانت حلالا ، ما زالت على ما كانت
عليه )).(27)
***


الهوامش:
1- ماركسي الفكر.
2 – لا ديني الفكر.
3 - أعيان الشيعة - السيد محسن الأمين - ج 9 - ص 205 – 206.
4 - الشيعة في الميزان - محمد جواد مغنية - ص 115 وما بعدها.
5 – المصدر السابق - ص 117.
6 - أصل الشيعة وأصولها - الشيخ كاشف الغطاء - ص 210 .
7 - التقية في الفكر الإسلامي - مركز الرسالة - ص 11.
8 - على سبيل المثال من الكافي: ص 266 ج1 ، ص 340 هـ 2 ج1 ، ص168 ج 2 ،
397 هـ 2 ج3 ، ص541 هـ 1 ج3 ، ص9 هـ 2 ج8.
9 – راجع دراستنا السابقة : رجال الاصلاح في المذهب الشيعي الامامي
الاثني عشري - الامام الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء.
10 - الشيعة في الميزان - محمد جواد مغنية - ص 52
11 - أصل الشيعة وأصولها - الشيخ كاشف الغطاء - ص 317.
12 - الرجعة أو العودة إلى الحياة الدنيا بعد الموت - مركز الرسالة - ص
13 .
13 - الشيعة في الميزان - محمد جواد مغنية - ص 54 – 55.
14 - أعيان الشيعة - السيد محسن الأمين - ج 1 - ص 31.
15 - هوية التشيع - الدكتور الشيخ أحمد الوائلي - ص 102
16 - أعيان الشيعة - السيد محسن الأمين - ج 1 - ص 94 .
17 - الشيعة في الميزان - محمد جواد مغنية - ص 57.
- يقول السيد محسن الأمين:
(( أقول الظاهر من الأخبار أن الجفر كتاب فيه العلوم النبوية من حلال
وحرام وأحكام وأصول ما يحتاج الناس إليه في أحكام دينهم وما يصلحهم في
دنياهم والأخبار عن بعض الحوادث ويمكن أن يكون فيه تفسير بعض المتشابه من
القرآن المجيد وأما عد الجفر علما من العلوم ويستنبط منه علم الحوادث
المغيبة كما يفهم من كشف الظنون وغيره مما مر وكما ارتكز في أذهان بعض
الناس فلم نطلع على ما يؤيده وكيف كان فوجود كتاب يسمى بالجفر منسوب إلى
أمير المؤمنين علي ع متسالم عليه بين الشيعة وأهل السنة)). - أعيان
الشيعة - السيد محسن الأمين - ج 1 - ص 95 – 97
18 - الشيعة في الميزان - محمد جواد مغنية - ص 58 .
جاء في : الفصول المهمة في تأليف الأمة - السيد شرف الدين - ص 175 وما
بعدها:
(( والقرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إنما
هو ما بين الدفتين ، وهو ما في أيدي الناس لا يزيد حرفا ولا ينقص حرفا ،
ولا تبديل فيه لكلمة بكلمة ولا لحرف بحرف ، وكل حرف من حروفه متواتر في
كل جيل تواترا قطعيا إلى عهد الوحي والنبوة ، وكان مجموعا على ذلك العهد
الأقدس مؤلفا على ما هو عليه الآن ، وكان جبرائيل عليه السلام يعارض رسول
الله ( ص ) بالقرآن في كل عام مرة وقد عارضه به عام وفاته مرتين .
والصحابة كانوا يعرضونه ويتلونه على النبي حتى ختموه عليه ( ص ) مرارا
عديدة ، وهذا كله من الأمور المعلومة الضرورية لدى المحققين من علماء
الإمامية ، ولا عبرة بالحشوية فإنهم لا يفقهون . والباحثون من أهل السنة
يعلمون أن شأن القرآن العزيز عند الإمامية ليس إلا ما ذكرناه والمنصفون
منهم يصرخون بذلك . قال الإمام الهمام الباحث المتتبع رحمة الله الهندي
رضي الله عنه في صفحة 89 من النصف الثاني من كتابه النفيس ( إظهار الحق )
ما هذا لفظه : القرآن الكريم عند جمهور علماء الشيعة الإمامية الاثني
عشرية محفوظ عن التغيير والتبديل ، ومن قال منهم بوقوع النقصان فيه فقوله
مردود غير مقبول عندهم . قال : قال الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن
بابويه الذي هو من أعظم علماء الإمامية الاثني عشرية في رسالته
الاعتقادية : " اعتقادنا في القرآن أن القرآن الذي أنزل الله تعالى على
نبيه هو ما بين الدفتين ، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك ، ومبلغ
سوره عند الله مائة وأربع عشر سورة ، وعندنا والضحى وألم نشرح سورة
واحدة ، ولإيلاف وألم تر سورة واحدة ، ومن نسب إلينا أنا نقول إنه أكثر
من ذلك فهو كاذب " انتهى .
قال الإمام الهندي : وفي تفسير مجمع البيان الذي هو تفسير معتبر عند
الشيعة ذكر السيد الأجل المرتضى علم الدين ذو المجد أبو القاسم علي بن
الحسين الموسوي : أن القرآن كان على عهد رسول الله ( ص ) مجموعا مؤلفا
على ما هو الآن ، واستدل على ذلك بأن القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك
الزمان حتى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له ، وأنه كان يعرض على
النبي ( ص ) ويتلى عليه ، وإن جماعة من الصحابة كعبد الله بن مسعود وأبي
بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي ( ص ) عدة ختمات ، وكل ذلك بأدنى
تأمل يدل على أنه كان مجموعا مرتبا غير مبتور ولا مبثوث . قال الهندي :
وذكر أن من خالف من الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافهم ، فإن الخلاف مضاف
إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخبارا ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها
عن المعلوم المقطوع على صحته - انتهى .
قال الإمام الهندي : وقال السيد المرتضى أيضا : إن العلم بصحة القرآن
كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام المشهورة وأشعار العرب
المسطورة ، فإن العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وبلغت إلى حد لم
تبلغ إليه فيما ذكرناه ، لأن القرآن معجزة النبوة ومأخذ العلوم الشرعية
والأحكام الدينية ، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وعنايته الغاية حتى
عرفوا كل شئ فيه إعرابه وقراءته وحروفه وآياته ، فكيف يجوز أن يكون مغيرا
أو منقوصا مع العناية الصادقة والضبط الشديد - انتهى .
قال الإمام الهندي : وقال القاضي نور الله التستري الذي هو من علمائهم
المشهورين في كتابه المسمى بمصائب النواصب : ما نسب إلى الشيعة الإمامية
من وقوع التغيير في القرآن ليس مما قال به جمهور الإمامية ، إنما قال به
شرذمة قليلة منهم لا اعتداد بهم فيما بينهم - إنتهى .
قال الإمام الهندي : وقال الملا صادق في شرح الكليني : " يظهر القرآن
بهذا الترتيب عند ظهور الإمام الثاني عشر ويشهر به " انتهى .
قال الإمام الهندي : فظهر أن المذهب المحقق عند علماء الفرقة الإمامية
الاثني عشرية أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه هو ما بين الدفتين ،
وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك ، وإنه كان مجموعا مؤلفا في عهد
رسول الله ( ص ) وحفظه ونقله ألوف من الصحابة ، وجماعة من الصحابة كعبد
الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي عدة ختمات ،
ويظهر القرآن ويشهر بهذا الترتيب عند ظهور الإمام الثاني عشر رضي الله
عنه . قال والشرذمة القليلة التي قالت بوقوع التغيير فقولهم مردود عندهم
ولا اعتداد به فيما بينهم)) .
ان الرواية الاخيرة (السطرين الاخيرين) هو قول فصل لمن اتهم.
- ويقول حسين أحمد الخشن في مقدمة كتاب (الزهراء القدوة) للسيد فضل الله
في الهامش 66 ص 124 (المستنسخ من شبكة الانترنيت) : (( تحدّث سماحة السيد
بهذا الحديث مع العالم الشيخ محمد الغزالي، الذي أنصف في هذا المجال كما
في غيره، قال في كتابه "دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين"،
ص:219 ـ 220: "سمعت واحداً من هؤلاء ـ الذين يرسلون الكلام على عواهنه ـ
يقول في مجلس علم: إن للشيعة قرآناً آخر يزيد وينقص عن قرآننا المعروف،
فقلت له أين هذا القرآن، إن العالم الإسلامي الذي امتدت رقعته في ثلاث
قارات ظلّ من بعثة محمد(ص) إلى يومنا هذا بعد أن سلخ من عمر الزمن أربعة
عشر قرناً، لا يعرف إلا مصحفاً واحداً، مضبوط البداية والنهاية، معدود
السور والآيات والألفاظ، فأين هذا القرآن الآخر، ولماذا لم يطّلع الإنس
والجن على نسخة منه خلال هذا الدهر الطويل؟ لماذا يُساق هذا الافتراء،
ولحساب من تفتعل هذه الإشاعات وتُلقى بين الأغرار ليسوء ظنهم بأخوانهم
وقد يسوء ظنهم بكتابهم، إن المصحف واحد يطبع في القاهرة فيقدسه الشيعة في
النجف أو في طهران ويتداولون نسخه بين أيديهم وفي بيوتهم دون أن يخطر
ببالهم شيء بتة إلا توقير الكتاب ومنزله جلّ شأنه ومبلغه(ص)، فلِمَ الكذب
على الناس وعلى الوحي".
راجع كذلك ما قاله المرجع الديني السيد الخوئي في كتابه : (البيان في
تفسير القرآن - ص 196) عن هذا الموضوع ، إذ ناقش مسألة تهمة تحريف القرآن
نقاشا علميا موضوعيا كل الروايات عند الطرفين ، وخرج بنتيجة مفادها ، ان
القرآن الذي بين ايدينا الان هو القرآن الذي نزل على رسول الله (ص) بلا
زيادة ولا نقصان.
19 - الشيعة في الميزان - محمد جواد مغنية - ص 61 .
20 - المصدر السابق - ص 75 - 86
21 - المصدر السابق - ص 272 .
22 - المصدر السابق - ص 273 . وهناك كثير من الامور في هذا الشرح الا
اننا تركناها لعدم شياعها بين الفريقين الان خاصة.
23 - المصدر السابق - ص 42 وما بعدها.
24 - المصدر السابق - ص 308 .
25 - حوار في العمق من أجل التقريب الحقيقي - صائب عبد الحميد - ص 29.
26 – من مشاهداتي الشخصية ، عندما كنت مع زميل نتمشى داخل الصحن الزينبي
- في دمشق- عام 2004 ، مررجل دين(شيخ ) مع سيدة شابة تتحدث لغة عربية
بلهجة دولة عربية محاددة مع سوريا تقع على البحر المتوسط وهو يتحدث
معها ، قال لي زميلي انهما يبحثون عن شخص يريد المتعة وقد كلموني – يقول
زميلي – صباح اليوم ورفضت.
والحادثة الثانية ، اخبرني عنها احد ابنائي ، عندما عاد هو وزوجته (كانا
حديثي الزواج) من زيارة الامام الكاظم في بغداد ، قال :انهما عندما دخلا
الصحن الكاظمي استقبلهم رجل دين (شيخ ) وسألهم ان كانوا يحتاجون الى رجل
دين يعقد بينهم عقد متعة.
27 - الشيعة في الميزان - محمد جواد مغنية - ص 357 .
- ربما يندهش بعض القراء من اقحام موضوع زواج المتعة (الزواج
المنقطع) في دراسة تناقش عالم دين مصحح ومجدد في مذهبه، الا انه في هذا
الموضوع لم يأت بجديد.
اقول: ان السبب في ذلك هو شرحه الدقيق لهذا النوع من الزواج الذي يتوضح
لنا كم هو صعب اكثر من الزواج الدائم الذي يتم – على اقل تقدير –
بالاشهار ، لا بالسر.
وكذلك قوله (قبل نصف قرن تقريبا) : ((ولم تستعمل المتعة شيعة سوريا
ولبنان ، ولا عرب العراق)). وارجو وضع خطا احمرا تحت عرب العراق ، أي ان
هناك قوما من غير العرب يسكنون العراق يمارسون هذا الزواج.
الا انه – وكما قلت في البداية – ان صاحبات الرايات الحمراء قد قمن
بالدور جيدا في وقتنا الحاضر.
وهو زواج مذموم غير معترف به لاسباب اجتماعية واخلاقية وقيمية، على الرغم
من وجوده في الكثير من المصادر الشيعية الامامية ، ومعترفا به شرعا من
قبل فقهاء ومراجع ورجال الدين الشيعة الامامية.
اعاذنا الله سبحانه – رجالا ونساء – من هكذا زواج.


السيد محمّد حسين فضل الله


((أنا لا شغل لي بمحمد حسين فضل الله، وإنما لي شغلٌ بالإسلام، إني موكل
بالإسلام أتبعه)).

(( من جهتي أفكاري ما تزال أفكاري ومستعدٌ أن أتحمَّل مسؤوليتها مائة
بالمائة وأنا مستعد أن أشكر كل من يدلَّني على خطأٍ في قولٍ وفعلٍ وأعتبر
أنَّه قَدَّم لي هدية في هذا المجال)).
((إن النص قد يكون محدوداً في المعنى، ولكنه قد يحمل الكثير من الإيحاءات
التي تعطي الحركية الحية في حركة المعنى في الواقع)).
محمد حسين فضل الله


السيد محمد حسين فضل الله رحمه الله ، مرجع شيعي امامي اثني عشري ، خريج
حوزة النجف ، رجل شكل اشكالية كبيرة ليس على مستوى اعلان مرجعيته فقط ،
وانما على المستوى الفكري داخل المنظومة الفكرية للمذهب الشيعي الامامي
الاثني عشري ، وعلى المستوى الفقهي داخل المنظومة الفقهية للمذهب.
اشكالي على المستوى الفكري لانه ناقش بل حاكم ما طرحه فكر المذهب على مر
العصور بآليات المناهج الحديثة للخطاب، الاسلامي خاصة ، واشكالي على
المستوى الفقهي لانه صحح و جدد في الرأي الفقهي لعلماء المذهب ، ووافق
على من اتفق ورأيه الفقهي الذي استنبطه بمحاكمة النص غير الالهي بحسب
السند والمتن الموثوقين ، وبموافقتهه للنص القرآني الصريح ، وخالف من
خالفه اعتمادا على ذلك.
وفي السطور القادمة سنتعرف عليه وعلى فكره الاصلاحي في المذهب.
***
السيد محمّد حسين فضل الله:
هو: (( السيد محمّد حسين ابن السيد عبد الرؤوف ابن نجيب الدين ابن السيد
محيي الدين ابن السيد نصر الله ابن محمد بن فضل الله (وبه عرفت الأسرة
وإليه نسبت) ابن محمد بن محمد بن يوسف بن بدر الدين بن علي بن محمد بن
جعفر بن يوسف بن محمد بن الحسن بن عيسى بن فاضل بن يحيى بن حوبان بن
الحسن بن ذياب بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن محمد بن داود بن ادريس بن
داوود بن أحمد بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن المثنى ابن
الحسن السبط ابن الإمام علي بن أبي طالب)). (1)
***
الولادة والنشأة:
ولد سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله في النجف الأشرف/
العـراق في19/شعبان/1354هـ، حيث كان والده آية الله السيد عبد الرؤوف فضل
الله قد هاجر إليها لتلقّي العلوم الدينية، وأمضى مع أسرته فترات طويلة
في الدرس والتدريس، ضمن الحاضرة العلمية الأبرز في العالم آنذاك.
***
الدراسة العلمية:
ترعرع السيد فضل الله في أحضان الحوزة العلمية الكبرى في النجف الأشرف،
وبدأ دراسته للعلوم الدينية في سنّ مبكرة جداً.. ففي حوالي التاسعة من
عمره، بدأ بالدراسة على والده، وتدرّج حتى انخرط في دروس الخارج في سنّ
السادسة عشرة تقريباً،
وقد كان سماحة السيد فضل الله من الطلاب البارزين في تحصيلهم العلمي في
تلك المرحلة، ويُذكر في هذا المجال أن السيد الشهيد محمد باقر الصدر قد
أخذ تقريرات بحث السيد فضل الله إلى السيد الخوئي لكي يُطلعه على مدى
الفضل الذي كان يتمتع به سماحته، هذا الأمر الذي انعكس فيما بعد ثقة
كبيرة من المرجع الخوئي تجاه السيد فضل الله، فكانت وكالته المطلقة له في
الأمور التي تناط بالمجتهد العالم.
برز من بين أقرانه ، فتوجّهت إليه شرائح مختلفة من طلاب العلم في النجف
آنذاك، فبدأ عطاءه العلمي أستاذاً للفقه والأصول.
درّس عدة دورات في كتابي "المكاسب" و"الرسائل" للشيخ مرتضى الأنصاري،
وكتاب "كفاية الأصول" لللآخوند الخراساني.
عاد إلى لبنان في العام1966م، وهذا ما عبّر عنه السيد محمد باقر الصدر
حين قال: "كل من خرج من النجف خسر النجف إلاّ السيد فضل الله، فعندما خرج
من النجف خسره النجف".
أسس حوزة "المعهد الشرعي الإسلامي"، وشكّل بذلك نقطة البداية لكثير من
طلاب العلوم الدينية، وقد تخرج على يديه كثير من العلماء البارزين في
الوسط اللبناني، وما يزال المعهد قائماً حتى وقتنا الراهن.
شرع سماحته بإلقاء "دروس الخارج" في الفقه والأصول على طلاّب العلم منذ
ما يزيد عن العشرين عاماً، ويحضر درسه في بيروت ما يزيد عن المائة طالب
من اللبنانيين والعراقيين وغيرهم، وقد درس على يديه العديد من أهل العلم
والفضل وأساتذة الحوزة، وقد صدرت تقريرات لبعض أبحاثه في النكاح والرضاع
والوصية والمواريث والقضاء، وغيرها، بالإضافة إلى مئات أشرطة التسجيل
الصوتي في الأبواب الفقهية والأصولية المتنوعة.
وبالإضافة إلى درس الخارج في بيروت، شرع سماحته بتدريس الخارج في حوزة
المرتضى في دمشق/سوريا، في يومي السبت والأحد من كل أسبوع، يحضره العديد
من طلاب العلم وأساتذة الحوزة، من العراقيين والخليجيين بشكل خاص، ممن
هاجروا إلى الشام وأقاموا في جوار السيدة زينب)).
***
مؤلفاته:
من أبرزها:
- المعالم الجديدة للمرجعية الشيعية.
- قضايانا على ضوء الإسلام.
- الحوار في القرآن.
- من وحي القرآن.
- الإسلام ومنطق القوة.
خطوات على طريق الإسلام.
- دنيا المرأة.
- الحركة الإسلامية: هموم وقضايا.
- آفاق الحوار.
- الحوار الإسلامي ـ المسيحي.
- فقه الحياة.
- خطاب الإسلاميين والمستقبل.
- نظرة اسلامية حول الولاية التكوينية.
- زهراء القدوة.
- يا ظلال الإسلام – شعر.
- قصائد للإسلام والحياة – شعر.
- على شاطىء الوجدان – شعر.
***
من اقواله:
ـ لا أزال أعيش القلق الّذي يدفع إلى المعرفة.
- كنت أعيش قلق الإسلام.
- اكتشفت الإسلام الحركيّ مبكراً قبل أن يكون هناك حزبٌ إسلاميّ.
- أعيش كإنسانٍ شاعرٍ يحبُّ الجمال، ويحبّ الطّبيعة ويحبّ الحياة.
- إنّ الحياة لا تتحمّل الحقد.. الحقد موت والمحبّة حياة، وأنا أريد أن
أحيا ولا أريد أن أموت.
ـ العقدة تأكل صفاءك؛ فأن تتعقّد، يعني أن تمنع نفسك من هذه الرّحابة
الإنسانيّة.
إنَّ الوحدة الإسلاميّة لا تعني ـ وقد صرَّحنا بذلك مراراً ـ أن يتنازل
الشّيعيّ عن مذهبه ليرضى عنه السّنّي من دون أساس، أو يتنازل السنّي عن
مذهبه ليرضى الشّيعيّ من دون أساس، بل أن نعتصم بحبلِ الله جميعاً في
المساحة التي نلتقي عليها في هذا الحبل، وأن نتحاور ونتجادل بالّتي هي
أحسن. لذلك فإنّني لم أتنازل عن أيّ رأيٍ مما أعتقد أنّه الحقّ، سواء في
حواري في المسألة الإسلاميّة في دائرة السنّة والشّيعة، أو في المسألة
الإسلاميّة ـ المسيحيّة، أو في المسألة الإسلاميّة ـ العلمانيّة. لقد
كانت مشكلتي أنّني كنت أملك وضوح الرّؤية ووضوح الكلمة في ما أراه.
ـ إنّني أشعر بالاعتزاز لأنّني استطعت أن أفتح عقلاً على ما أعتبره
الحقيقة، وأن أفتح قلباً على ما أدعو إليه من المحبّة، وأن أفتح حياةً
على الخطِّ المستقيم.
***
قيل عنه:
(( كان مولهاً بضرورة أن نبني عقيدتنا اعتماداً على القرآن الكريم
بالدّرجة الأولى، لأنّ القرآن هو الّذي يضبط مسار تفكيرنا العقائديّ)).
(( فيما يتعلّق بما نراه من كمٍّ كبيرٍ من المرويّات في السنّة الشّريفة،
وفي أحاديث أهل البيت(ع)، مما يحتاج إلى ميزانٍ دقيقٍ لترجيح هذا على
ذاك، أو لفهم موضوعٍ معيّن، أو لضرب هذا في عرض الجدار، إذا كان مخالفاً
للقرآن)).
((... والإسلام، بحسب ما يفهمه سماحة السيّد، هو أن تنطلق من أصالة
النّصّ، لكنّك تتحرّك في الواقع وعلى الأرض، ولا تتحرّك في أفق التّجريد
الّذي يذهب بك بعيداً عن هذا العالم، فلا تعود تبصر نفسك وأنت في عمق
التحدّيات، ولذلك كان يقول على سبيل المثال: إنّ القرآن لا يفهمه إلا
الحركيّون، لأنه يعتبر أنّ هذا القرآن هو الّذي أرّخ في آياته ومناسبات
نزولها، وفي توجيهاته للمسلمين، في حالات القوّة وفي حالات الضّعف، في
حالات الهزيمة وفي حالات الانتصار، في التّوجيه العباديّ والسّلوكيّ
والأخلاقيّ، وما إلى ذلك مما يتعرّض له القرآن الكريم، كان يؤرّخ لهذه
الحركة الإسلاميّة الوليدة التي بدأت مع رسول الله(ص)، وكان السيّد
قرآنياً، لأنّه كان واعياً بأنّ هذا المصدر الّذي لا يأتيه الباطل من بين
يديه ولا من خلفه، هو المرجعيّة الأولى، حتى في فهم السنّة الشّريفة)).
***
فاعليَّة الحوزة:
ناقشنا كثيرا امور الحوزة العلمية في فكر رجال هذا الكتاب ، او في دراسات
اخرى ، ويمكن من خلال افكار اؤلئك الفقهاء والمراجع – كالامام الشيخ
المؤيد - الخروج بنتيجة مفادها : ان الحوزة بحاجة الى عملية اصلاح في
المنهج العام وفي مناهج التدريس ، وفي الشخوص.
ويحدد السيد فضل الله الاسلوب الامثل للخروج من الجمود الذي وصلته الحوزة
بقوله:
(( السّبل إلى ذلك كثيرة، وأهمّها الانفتاح على مشاكل العصر والأمّة، من
أجل المشاركة في إيجاد الحلول المناسبة لها، لأنّه من الضّروريّ أن تكون
الحوزة قريبةً جدّاً من النّاس، وبالتّالي، فلا ينبغي لها الابتعاد عن
كلّ المشاكل والابتلاءات الّتي تحدث هنا وهناك، وهذا ما يعطي الحوزة
دوراً فاعلاً وإيجابيّاً، وبالتّالي، فإنّ الانفتاح على الآخرين وعلى
اعتراضاتهم وإشكالاتهم، سواء كانت تتعلّق بالنّاحية العقائديَّة
والوجوديَّة، أو بالنّاحية التّاريخيَّة، ونحو ذلك من قضايا، يجعل
التَّواصل والتّفاهم ممتدّاً إلى الّذين نختلف معهم، تماماً كما كان عليه
الأئمّة(ع)، حيث كانوا محطَّ أنظار الجميع، من خلال توجّه الكلّ إليهم
للسّؤال عمَّا يدور في أذهانهم، حتّى الّذين كانوا يقفون في الجهة
المقابلة، كانوا يطرحون أسئلتهم، إمّا عناداً أو احتجاجاً، فكانوا يقفون
عاجزين ـ عندئذٍ ـ في قبال الأئمّة(ع) وما يملكون من إجاباتٍ شافيةٍ
ونافعةٍ لكلّ أسئلتهم، وإمّا استفساراً واستعلاماً، حيث كانوا يرون
الأئمّة(ع) مناراً لهم من أجل السّير بهم في خطّ التّكامل للسّير نحو
الله. وهذا ما نريد للحوزة أن تكون عليه، ونسأل الله أن يلهم الجميع
السّير في هذا الاتجاه، والحمد لله، فإنّنا نلمس بين وقتٍ وآخر من
يتحسَّس مثل هذه الهموم، ويحاول السّير بالحوزة إلى الأمام)).
وفي كتابه : "المعالم الجديدة للمرجعية الشيعية"،طرح رحمه الله مشروعه
الاصلاحي على مستوى المرجعية الذي ارتكز على ثلاث مرتكزات اساسية ، هي :
المرجعيّة المؤسّسة: المشروع ـ الطموح
1 - المـرجـع الاعلم وضمن شروط اخرى يجب ان تتوفر فيه كالتفاعل مع عصره
وتحدياته .
2 - المؤسسة المرجعية، من خلال الابتعاد عن حالتها التقليدية في تناول
الامور كافة ، والتخلي عن الشخصنة.
3 - الأمة الإسلامية، من خلال النظر الى وحدة الامة الاسلامية ، وليس الى
المذهب فقط.
***
ملامح منهجيته الفكرية والتاريخية والفقهية:

ركائز فكره :
يعتمد فكر السيد فضل الله رحمه الله ، ومن ثم مرجعيته الفقهية (المذهبية)
على مجموعة من الركائز ، اهمها :
- العقل.
- الحوار.
- الحركية.
يقول سماحته وهو يتحدث عن العقل المخلوق من قبل الله سبحانه والمفكر
بالله ايضا: (( لا بدّ من أن يكون لنا عقل يتحرك في إنتاج العلم والفكر،
ويحرك تأملاته في الآفاق، ويطلق تجربته في الواقع الذي يعيشه الإنسان)).
( 2 )
ويقول كذلك : ((وعندما ندعو إلى قراءة التاريخ بموضوعية، ندعو قبل ذلك
إلى تنمية الذهنية الموضوعية التي تتحرك بدون أفكار مسبقة، بل تلاحظ ما
يقوله العقل القطعي لتأخذ به، وليس كل ما يعتبره البعض حكماً عقلياً فهو
في الحقيقة حكمٌ عقلي لا بدّ أن نعتمده ونؤول النصوص على ضوئه، بل إن
تصوراتهم قد يعتبرونها حكماً عقلياً، ثم إذا امتلكنا الذهنية الموضوعيّة
نأتي إلى دراسة النصوص التي بأيدينا والتي تمثّل الأساس الفكري عندنا،
دراسة من لا يحمل فكراً مسبقاً موروثاً أو مكتسباً من المحيط والبيئة
بحيث يحاكم النص ويفهمه على ضوئه.
ونحن نعتقد أن الدراسة الموضوعيّة لا تنتج حساسيات ولا تخلق مشاكل تؤثر
على وحدة المسلمين، لأنها تقوم على أسس علميّة تخاطب في الإنسان عقله بدل
أن تحرك غريزته وعصبيته، وإنما الذهنيات الغرائزية هي التي تحاول أن توجه
العقل بغرائزيتها ولا تحاول أن تخاطبه بعقلانيتها)).
والحوار عنده يستمد قوته و دعائمه من الايمان ، حتى يكاد ان يكون هو
الايمان كما عبر هو عنه ، إذ قال : ((للحوار في الإسلام معنى الإيمان في
حركيته في انتماء الذات)). ( 3)
والحوار عند سماحته ينقسم الى نوعين هما:
- الحوار الذاتي:
- الحوار مع الآخر.
والحوار الذاتي هو : ((حركة الفكر الداخلية حين يدور الجدال بين احتمال
واحتمال، وفكرة وفكرة، وظاهرة ودلالة في نطاق السلب هنا، والإيجاب (...)
(لـ) الوصول إلى وحدة الإنسان في التزاماته الذاتية)) ( 4 )
اما الحوار مع الاخر عند سماحته فهو: ((التفكير بصوت مسموع )) مع
((الإنسان الآخر الذي يحمل الفكر المضادّ)). ( 5)
اما المساحة التي يتحرك فيها الحوار فهي – كما يرى سماحته – غير محددة ،
ولهذا يكون مجاله كل شيء ، فلا مقدسات في مجاله ولا محرمات ، والحرية هي
التي تنبض في ذلك المجال.
ومن هذا المنطلق بدء فكر السيد فضل الله يعيش المتعالي كما يعيش الواقع .
اما الحركية فقد كانت هي ركيزة وعماد العقل والحوار في الوصول الى
الحقيقة (وهي حقيقة نسبية غير مطلقة)، ان كانت هذه الحقيقة حكم شرعي
مستنبط ، او نظرة تأملية في الوجود العياني للوصول الى الايمان الامثل
(قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) ، او قراءة للتاريخ ومحطاته .
***
منهجه الفقهي :
(( تميّز سماحته بتجربة فقهية وأصولية متميّزة جعلت منه مجدّداً في هذا
العالم، متابعاً لمسيرة السلف الصالح من الفقهاء، وممهّداً الطريق نحو
اجتهاد أصيل في فهم الكتاب والسنّة، وقد ساعده على ذلك فهمه العميق
للقرآن الكريم، انطلاقاً من تفسيره "من وحي القرآن"، وذوقه الرفيع في
اللغة العربية وآدابها، والذي يُعتبر الركن الأساس في فهم النصّ، ويمكن
لنا أن نذكر عدّة مميّزات في هذا المجال:
اعتماد سماحته على الرؤية القرآنية كأساس في الاجتهاد والاستنباط بوصفه
الأساس التشريعي والدستوري الأول في سلّم مصادر التشريع، وقد مكّنه ذلك
من الوصول إ لى معطيات فقهية جديدة تمثّل فهماً قرآنياً أصيلاً.
محاولة تخليص الفقه من التعقيدات التي أفرزها تأثّر الممارسة
الاستنباطية والتنظير الأصولي بالفلسفة التجريدية، ما أدى إلى تشويش
الفهم العرفي في تعامله مع النصّ في دلالته ومعطياته. وليس ذلك إنكاراً
لأهمّية الأصول كما توهّم الكثيرون، وإنما هو العمل على التوفيق بين
النظرية والتطبيق التي خالف فيها كثيراً من الفقهاء لسبب وآخر.
الشمولية في الرؤية الفقهية، حيث تتحرّك العملية الاستنباطية لتجمع كل
المفردات المترابطة التي تشكّل المنظور الإسلامي المتكامل، خلافاً للمنهج
التجزيئي الذي يعمل على تقطيع أوصال الأحاديث التي تنتمي إلى وادٍ واحد.
الذوق الأدبي الراقي، والقدرة اللغوية المتميّزة عند سماحته، أعطى
لممارسته الاستنباطية عمقاً وأصالة وصفاءً من جهة، ووفّر له فهماً أدقّ
وأعمق للنصوص الشرعية من جهة أخرى.
وبالإضافة إلى كل ذلك، امتلك سماحته الجرأة العلمية على طرح نظريّاته
الفقهية عندما يتوصل إلى قناعة ثابتة بها، ورأى أنّه في ظل وضوح الرؤية
لدى الفقيه، ليس ثمّة مبرّر له في الاحتياط، لأن الاحتياط لا بدّ أن
يرتكز على دراسة واقعية لظروف المكلّفين لا لظروف المجتهد، لأن
الاحتياطات التي لا أساس علمياً لها، أوقعت المكلّف بالحرج والمشقّة في
كثير من المجالات الابتلائية، ولذا أفتى سماحته بطهارة كلّ إنسان، وبجواز
تقليد غير الأعلم، وباعتماد علم الفلك والأرصاد في إثبات الشهور القمرية،
وغير ذلك، وقد قال بعض الفضلاء وهو يشير إلى بعض الفتاوى السابقة، إنه
وصل إلى نفس النتائج، والفرق أن "السيّد كان أجرأ منّا")).
***
نظرته للاحاديث والروايات:
يؤكد سماحته عند ذكر رواية او حديث في كتاب ما او حوار او من على المنبر
الحسيني على التأكد من وثوقية هذه الرواية او الحديث .
صحيح ان هذا المنهج معمول به عند جميع الاصولين من علماء الشيعة
الامامية الاثني عشرية ، الا ان البعض منهم ينسى ذلك تحت تأثيرالعاطفة ،
والاعتقاد الخاطيء بصدق الراوي – السند - ، و تأثير بعض الاعتقادات غير
الصحيحة ، فيورد احاديث وروايات غير صحيحة السند والمتن وتتضارب مع صريح
القرآن الكريم ، وخير مثال على ذلك ما احتوته الكتب الحديثية الاربعة
وكتاب بحار الانوار وغيرها من غث وسمين منها كما يقول رجال المذهب كافة ،
اللهم الا الغلاة والمفوضة الجدد.
يقول رحمه الله وهو يناقش مثل تلك الروايات والاحاديث:
(( آ - لا يجوز نقل الروايات المذكورة غير الموثوق بصحتها بالطريقة التي
توحي بأنها قضايا تاريخية واقعية، كما أن نقلها بعنوان الرواية التي لا
يتحمل الناقل مسؤوليتها يفرض عليه دراسة مضمونها الفكري، بحيث لا يؤدي
إلى نتيجة سلبية في صورة الإمام الحسين(ع) أو السيدة زينب(ع) أو إلى قيمة
إسلامية، أو إلى صورة أو نحو ذلك لأن السامعين ـ غالباً ـ لا يفرقون بين
الرواية في النقل وبين الصورة الحقيقية.
ب - لا بد في مسألة "لسان الحال" من دراسة الواقع الداخلي للشخصية، لا
سيما للإمام(ع) أو للسيدة زينب(ع) وتأثيرات القصة المؤلفة أو الشعر
المنظوم على صورتهما من الناحية الإيجابية أو السلبية ولا يكفي ـ فيه ـ
المؤثرات التي تحكم الكاتب أو الشاعر، فنحن نلاحظ أن بعض ما يتحدث به
الخطباء عن "لسان الحال" قد يشوّه الموقف في قضية كربلاء.
ج - لا يجوز ذلك، لأن المنام لا يمثل حجة على ذلك. ملاحظة: إن الخطيب إذا
كان يملك القدرة الفنية الأدبية فإنه يستطيع تصوير الحادثة الحقيقية
بالأساليب الفنية التي تجتذب السامع وتؤدي إلى إثارة العاطفة من دون حاجة
إلى غير الواقع، وقد جاء عن الإمام الصادق(ع): "قليل الحق يكفي عن كثير
من الباطل..".)).
ويقول عن نهج البلاغة المنسوب ما فيه الى الامام علي بن ابي طالب :
(( ليس كل ما ورد في نهج البلاغة تصح نسبته للامام علي (ع) بل لا بد من
دراسة سند كل خطبة او كلمة كما انه ليس من صنع الشريف الرضي وقد تحدث
الكثير من العلماء في اكثر من كتاب عن مصادر نهج البلاغة)).
وعن خطبة الططنجيه ، يقول: (( هذه الخطبة غير صحيحة ومكذوبة عن لسان
الإمام علي عليه السلام. )).
***
قراءته للتاريخ:
يقول سماحته وهو يشرح منهجيته في النظر الى التاريخ الاسلامي:
(( إن التاريخ حقيقة لا نستطيع إلغاءها ولا رميها خلف ظهورنا، لأنه يشكل
ثقافتنا وفكرنا، وإن أهملناه في موقع فإنه سيفرض نفسه علينا في مواقع
أخرى، لذلك لا بدّ أن تكون لنا شجاعة دراسة التاريخ بالطريقة الموضوعية
العقلائية.
سبق أن كتبت قبل ما يقارب الأربعين سنة في مجلة ( الأضواء) التي كانت
تصدر عن جماعة العلماء في النجف الأشرف "حول منهج الدراسات الإسلامية بين
السند والمتن"، وقلت إن علينا أن ندرس النصوص التاريخية كما ندرس القضايا
الفقهية على أساس ملاحظة السند والمتن معاً، وهذا المبدأ هو الذي ركّزه
القدماء من العلماء وإن فصل المتأخرون بينهما.
للذكريات التاريخية التي ترتبط بحياة أي عظيم من عظمائنا طريقتان في
الإثارة :
ـ هناك طريقة يعيش فيها الناس في الماضي بحيث تنتقل الأمة إلى التاريخ
لتسكن فيه وتنفصل عن حاضرها لتعيش مع من عاشوا في التاريخ.
ـ وهناك طريقة أخرى، وهي أن ننقل التاريخ إلى الحاضر لنجعله يتفاعل معه
ويعطيه من إيحاءاته ومن أفكاره ما يجعل منه قوةً تتحرك لصنع المستقبل.
وفي الطريقة الأولى لن تستفيد الأجيال شيئاً من التاريخ ومن عظمائه،
وإنما تتحول المسألة إلى حالة تقديس للتاريخ وعبادة لعظمائه، بحيث يصبح
همُّ الناس ذكر فضائل هذا العظيم أو ذاك، ويستغرقون في شخصيته وينسون
دوره وتعاليمه ومبادئه. وهذه هي طريقة الكثيرين الذين عاشوا مع العظماء
في التاريخ ولكنهم لم يستفيدوا منهم شيئاً، كما نلاحظ في الكثير ممن
يحتفلون بميلاد السيد المسيح (ع) ويقدسونه ويؤلهونه ولكنهم لم يأخذوا منه
شيئاً يفيدهم في حياتهم، وهكذا الذين ينصبون للسيدة العذراء مريم (ع)
تماثيل في كل مكان ويتعبدون للتمثال ويخضعون أمامه بكل مشاعرهم
وأحاسيسهم، ولكنهم ليسوا مستعدين أن يقتربوا من روح مريم ومن طهرها خطوة
واحدة، هؤلاء يتعبدون لمريم ولا يعيشونها.
وهكذا نجد الكثيرين من المسلمين يحتفلون بالنبي محمد (ص) في يوم مولده،
ولكن لا يسمحون لمحمد (ص) أن يأتي إلى بيوتهم ليصلحها، أو يدخل إلى
عقولهم ليحرّكها، أو قلوبهم ليطهّرها، أو ساحاتهم ليدفعها نحو الجهاد
والعمل في سبيل الله.
والحال نفسها نجدها في احتفالاتنا بذكريات أهل البيت (ع) ، فترى الكثير
يذكرون علياً وحسناً وحسيناً وفاطمة .....، ويبكونهم، ولكن شرط أن يبقوا
في أمكنتهم في التاريخ، لأنهم إذا ما جاءوا إلى حياتنا الحاضرة، فإنهم
يخرّبونها علينا ويفسدونها من خلال تعاليمهم التي ترفض ما نحن عليه من
ضلالٍ وانحراف..
وأما الطريقة الثانية، فهي أن ندعو عظماء التاريخ إلينا، نقول للسيد
المسيح(ع) ولأمّه العذراء(ع) : تعالوا وزورونا في واقعنا، لا زيارة الجسد
ولكن زيارة الفكر والأخلاق والروح، ونقول لرسول الله(ص) وأهل بيته(ع) :
تعالوا إلينا وادخلوا بيوتنا ونوادينا وكل ساحاتنا الاجتماعية والثقافية
والسياسية والاقتصادية، حتى نستطيع أن نستلهم منكم كل القيم والمعاني
السامية)). ( 6 )
***
- حرية التناول:
يقول السيد فضل الله:
((المشكلة أنَّ السنَّة لا يريدون أن يتنازلوا عن أي شيء ورثوه، وأنَّ
الشيعة لا يريدون أن يتنازلوا عن أيِّ شيءٍ مما ورثوه، بقطع النظر عمَّا
إذا كان ما ورثوه يخضع للبرهان أو للدليل أو لا يخضع، لأن القضية في بعض
أوضاعها (إنَّا وجدنا آباءنا على أمَّة وإنَّا على آثارهم مقتدون) .
لذلك لا نجد هناك أية حريَّة في داخل المذهب السنِّي لمناقشة
القضايا السنية، وليست هناك أية حرية في داخل المذهب الشيعي لمناقشة
القضايا الشيعية؟. الحرية المطروحة هنا وهناك هي مناقشة الآخر، أمَّا أن
نناقش فكرنا في عملية نقد علمي، فهذا ليس وارداً، بل قد نجد هناك إرهاباً
فكرياً هنا وإرهاباً فكرياً هناك..
إنني أعتقد أنَّ علينا أن ندرس ما عندنا، وأنَّ عليهم أن يدرسوا ما عندهم
بطريقة علمية، موضوعية، بعيداً عمَّا إذا كانت هذه المفردات الفكرية أو
الفقهية أو المفهومية، ممَّا إلتزم به المتقدمون أو ممَّا لم يلتزموا
به..)). ( 7 )
***
- الغاء قدسية الاشخاص:
يقول السيد فضل الله:
((أنا أتصور أنَّ هناك نوعاً من الصنمية اللاشعورية الموجودة لدى
المؤمنين من مسلمين ومسيحيين للشخصيات التي يقدسونها من خلال هذه الأشكال
التي قدمناها إليهم وإعتبرناها طقوساً ومقدسات، بحيث ينتقل الإنسان عن
القيمة الدينية أمام الصورة المادَّية. وحتى مسألة تعليق الإنسان في صدره
أيقونه، حتى أنَّ بعضهم يعلّق صورة السيد المسيح، أو العذراء، ونجد عندنا
من يعلّق صورة الإمام علي، أو صورة الإمام الخميني، أو صورة بعض
الشخصيات)). ( 8)
***
- اللجوء الى اعتماد القياس:
حيث قرر السيد فضل الله إمكانية العمل بالقياس ولو من ناحية نظرية ، لان
فقهاء الشيعة ومرجعهم كافة يذمون القياس كمصدر من مصادر التشريع.
يقول السيد فضل الله رحمه الله:
((..وربما نستفيد من الحديث الأول الذي يؤكد عدم الحاجة إلى القياس
لوفاء الكتاب والسنة لجميع الأحكام، إنَّ الأمر لو لم يكن كذلك بحيث كانت
هناك حاجة مُلحة إلى معرفة الحكم الشرعي لبعض الأمور ولم يكن لدينا طريق
إلى معرفته من الكتاب والسنة، فإن من الممكن أن نلجأ إلى القياس أو نحوه
من الطرق الظنية في حال الإنسداد إنطلاقاً من أن الإعتماد على الطرق
الظنية العقلائية أو الشرعية كان مرتكزاً على الحاجة إليها لإدارة شؤون
الحياة العامة للناس…)). ( 9)
ويقول ايضا رحمه الله ، مؤكدا على الفهم الصحيح للقياس :
(( إننا نتصور أنه لا بد لنا من أن ندرس هذه الأمور دراسة أكثر دقة وأكثر
حركية.. إن المشكلة هي أن الدراسة الأصولية والفقهية تؤطر ذهنية الإنسان
في هذه الدائرة الضيّقة ومن هنا ينشأ الإنسان وفي قلبه وحشة من أن يمد
الحكم الثابت لموضع إلى أمثاله لأن ما أسميه لغة القياس التي تألفها
الذهنية الشيعية تجعل كل شيء قياساً عندهم حتى ولو كان الإحتمال إحتمالاً
بعيداً جداً لأنهم إذا لم يستطيعوا أن يشيروا إلى خصوصية الإحتمال في
مضمونه فإنهم يطلقون الإحتمال في المطلق ويقولون إنّ الله أعلم
بالخصوصيات ونحن لا طريق لنا إلى معرفتها بحيث يغلقون الباب على أي
إستيحاء وإستلهام للملاك الشرعي..
ما نتصوره أنَّ علينا أن نعيد دراسة الأحاديث التي وردت في رفض
القياس عن أئمة أهل البيت عليهم السلام لأن الواضح أن بعض القضايا التي
رفض فيها نقل الحكم مـن موضوع إلى موضوع آخـر كانت منطلقة من أنّ السائل
اعتقد الملاك في جانب مقاس بينما كان الملاك شيئاً آخر لا يسمح بهذا
القياس لأنه لا يحقق عناصر القياس). ( 10)
***
بعض تصحيحاته

هذه بعض الامثلة على تصحيحاته الفقهية والتاريخية والسياسية ذكرت بعضها
خشية الاطالة ، الا ان مسيرته في المرجعية توضح للقاري مدى ما وصل اليه
فكره على المستويات كافة من التصحيح والتجديد ،حتى اخذ مساحة واسعة من
الفكر الاسلامي ، والشيعي الامامي الاثني عشري خاصة. ولمن يريد التوسع في
ذلك يمكنه الاطلاع على مؤلفاته ومحاضراته ودراساته المثبتة على موقعه
الالكتروني.

على المستوى الاعتقادي:

- مصحف فاطمة:
سبق ان تطرقت الى هذا الموضوع في دراسات هذا الكتاب، وفي دراسات اخرى،
وان اصراري على تكرار مناقشة هذا الموضوع يأتي من باب تثقيف جمهور الشيعة
اولا على الفهم الخاطيء الذي حاول البعض ايصاله اليهم عما يسمى بمصحف
فاطمة من انه قرآن غير القرآن الذي بين ايديهم وهو عند الامام المهدي
وسيخرجه عندما تنتهي فترة غيبته ويحكم به، وكذلك لسد الذرائع امام البعض
من علماء السنة المتهمين للشيعة بوجود قرأن غير القرآن المنزل الذي يتعبد
به المسلمون جميعا .
قال رحمه الله:
(( لقد تركت لنا الزهراء(ع) كتاباً عرف "بمصحف فاطمة"، وقد ثار حوله لغطٌ
واسع، ولهذا لا بدّ أن نبيّن حقيقة هذا المصحف ورأينا في ما يشتمل عليه.
وبدايةً، يجب أن نؤكد بأن هذا المصحف بحسب ما يعتقده كل الشيعة دون
استثناء، ليس قرآناً آخر غير القرآن الموجود بين الدفتين والمتداول بين
المسلمين، والذي لم يحصل فيه زيادة أو نقصان.
وقد حاول بعض علماء المسلمين ممن لا يتحملون مسؤولية الكلمة، اتّهام
الشيعة بأن لهم قرآناً غير القرآن المتداول بين أيدي المسلمين، لأن
المصحف يعني القرآن، وعندما يتحدث عنه الإمام الصادق(ع) يقول إنه أكبر من
مصحفكم هذا بثلاث مرات.
ولكننا نقول لهؤلاء أن يتقوا الله في كلماتهم لأنه :
أولاً: إن الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت(ع)، والتي تتحدث عن مصحف
فاطمة، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك والريب بأنه ليس قرآناً مغايراً
للقرآن المتداول بين أيدي المسلمين. ولهذا عبّر عنه في بعض تلك الروايات
بـ"كتاب فاطمة" بدل مصحفها، كما جاء في كتاب الزكاة من الكافي.
ثانياً: نقول لهؤلاء، وقد قلنا ذلك لكثير من علماء المسلمين من أهل
السنّة:لو أنكم جلتم على كل مواقع الشيعة في العالم ودخلتم كل بيوتهم
ومساكنهم ومكتباتهم ومساجدهم وحسينياتهم ..فإنكم لن تجدوا إلا هذا القرآن
الذي بين أيديكم لا يختلف عنه بكلمة ولا حتى بحرف واحد.
ثالثاً: إن كلمة مصحف التي هي منشأ الوهم واللغط، لا ترادف بحسب مدلولها
كلمة قرآن، لأن كلمة مصحف مأخوذة من الصحف والصفحات، فكل كتاب له أوراق
وصفحات يسمى مصحفاً، وحتى القرآن الكريم إنما سمي مصحفاً لأنه يشتمل على
صحف وصفحات. ولئن صارت الكلمة في العرف الإسلامي مرادفة لكلمة القرآن،
فإن هذا العرف حادث والاصطلاح متأخر جداً عن زمن صدور الروايات التي تقول
إن لفاطمة مصحفاً)). (11)
***
- الشهادة الثالثة:
لم يكن رحمه الله اول من قال بعدم جواز اعتبار الشهادة الثالثة جزءا من
الاذان والاقامة ، وانما قال ذلك الكثير من فقهاء ومراجع التقليد قبله ،
ولا ننسى تكفير الشيخ الخالصي في النصف الاول من القرن الماضي من قبل
فقهاء ومراجع التقليد ذلك الوقت عندما جاهر بهذا القول في الكاظمية ، مع
العلم ان جل المصادر الحديثية عند الشيعة الامامية الاثني عشرية تقول
بذلك .
اما من الفقهاء والمراجع المعاصرين الذين قالوا بهذا الرأي ، الامام
الشيخ حسين المؤيد ، الا ان الطامة الكبرى هي هل عمل هؤلاء بما نادوا به،
ام انه ظل كلام بكلام؟ (12)
قال رحمه الله:
(( الشهادة الثالثة ليست بدعة في ذاتها ، ولكنها ليست من الفصول الواجبة
لا في الأذان ولا في الإقامة ، نعم هي من حقائق الإيمان عندنا، ولم ينقل
لنا في الأخبار أن النبي (ص) أو أحدا من الأئمة (ع) كانوا يدخلونها في
الأذان أو الإقامة ، ولذا فنحن جرياً على ذلك قلنا إنه لا يجوز إعتبارها
جزءاً منهما لأنها ليست كذلك ، ولعل الذين أدخلوها هم بعض الغلاة من
الشيعة كما يقول الشيخ الصدوق (رحمه الله) باعتبار أنه يستحب الشهادة
لعلي بالولاية كلما ذكرت الشهادة للنبي (ص) بالرسالة ، ولكن هذا لا يوجب
أن يكون الأمر كذلك فيما هو من الأمور التوفيقية كالأذان والإقامة ،
وخاصة بالنسبة للإقامة لاحتمال أن تكون بمثابة الجزء من الصلاة لأنه يكره
كراهة شديدة الإتيان بما ينافي الصلاة بعد الإقامة((..
***
- الولاية التّكوينيّة:
من اكثر المسائل العقدية التي اخذت تنتشر بإتساع في النصف الثاني من
القرن العشرين هي مسألة الولاية التكوينية للائمة ، بعد القول بمعرفة
الغيب من قبلهم، والتفويض لهم .
ان الولاية التكوينية للائمة هي القدرة والاستطاعة على التحكم بالكون
وذراته ، وهذا يناقض صريح القرآن الكريم ، بل انه شرك محض ، حيث ان
القائلين بها جعلوا من الائمة شركاء لله في افعاله ، حتى لو قال القائلون
ان ذلك من باب التفويض.
ان القرأن الكريم لم يصرح بالتفويض ، ولا بمعرفة الغيب من قبل الخلق ،
والايات الكريمة تذكر ذلك ،وكذلك السيرة الذاتية لكل امام ، فلم تذكر
المصادر ان واحدا من الائمة قد استخدمها ولو لمرة واحدة، فظلت معطلة ،
ولا فائدة منها في حياتهم ، وبالنتيجة ، ان القول بها عبث شرعي وموضوعي
وعلمي.
ومن المراجع الذين نفوها عند الائمة : الامام الشيخ حسين المؤيد ، والسيد
علي الامين حسب علمي.
طرحت هذا المسالة على سماحته رحمه الله ، فقال:
(( الولاية التّكوينية غير ثابتة، بل يعارضها القرآن الكريم، وعقيدة
التّوحيد الخالصة، فلم يثبت أنّ الله تعالى جعل لواحدٍ من البشر القدرة
على التصرّف في عالم التّكوين، إلا في مجالٍ محدودٍ كمورد المعجزة، حيث
يكون ذلك بإقدارٍ من الله تعالى)).
وفضلا عن ذلك ، كتب دراسة مطولة عنها نشرها في كتاب بعنوان : نظرة
اسلامية حول الولاية التكوينية – دار الملاك – بلا تاريخ.
***
على المستوى الفقهي:

- شهادة المرأة:
يعيب الكثير من المفكرين– عربا واجانب - من جماعة حقوق الانسان والمرأة
خاصة ، على الاسلام لانه قد انتقص من حقوق المرأة المسلمة عندما جعل –
مثلا - كل امرأتين في الشهادة تعادل شهادة رجل واحد كما جاء في الاية
القرآنية ((يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه
وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب
وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي
عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل
واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون
من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الاخرى …)). [البقرة:282 ]
الا ان السيد رحمه الله ، وغيره من مراجع التقليد ، كالشيخ المؤيد مثلا،
نظر الى هذه المسألة نظرة علمية موضوعية تساوي بين المرأة والرجل دون ان
تخل بالاصل القرآني للاية الانفة الذكر، وطالبا بدراسة اي مسألة وردت في
القرآن الكريم من كل جوانبها الواردة في القرآن الكريم ، وليس بإتباع
منهج التجزيء غير الصحيح .
قال رحمه الله:
((إنَّ القرآن حين تحدّث عن مسألة الشّهادة لـم ينتقص من المرأة، لأنَّ
النّص القرآني واضح: [ أن تضلَّ إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى] أي
الاحتياط بالعدالة، فإذا نفت إحداهما أو خانتها العاطفة، فالصِّفر لا
يغطي صفراً، لذلك ففي البيِّنة الشّرعية «إنَّما أقضي بينكم بالبيِّنات
والإيمان» في البيِّنة الشرعية نحتاجُ لرجلين عادلين، فهل نقول: هذا
انتقاصٌ من كرامة الرّجل؟ فكلا الشاهدين موثوقان وعادلان، فهذا احتياط
بالعدالة، وليس انتقاصاً من شخصية المرأة. ونحن نلاحظ عدم تفريق الإسلام
بين رجلٍ وامرأة في الحقوق العامّة في المواطنية في الجانب القيمي، في
قيمة العمل، لا فرق... [ وضرب اللّه مثلاً الذين آمنوا نوحٍ وامرأة لوطٍ
كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من اللّه
شيئاً وقيل أدخلا النّار مع الّداخلين، وضرب اللّه مثلاً للذين آمنوا من
الرجال والنساء امرأة فرعون إذ قالت ربّ ابنِ لي عندك بيتاً في الجنّة
ونجني من فرعون وعمله، ونجني من القوم الظالمين] ، ومريـم بنت عمران.
والقرآن يقدّم لنا امرأة، أوحى لنا أنها أعقل من الرجال وهي ملكة سبأ،
حين جاءها كتابُ سليمان وكانت الملكة والحاكمة بأمرها، وتستطيع أن تفرض
نفسها على الجميع، [ قالت يا أيُّها الملأ افتوني في أمري ما كنت قاطعة
أمراً حتّى تشهدون] .
فهذه المرأة أرادت أن تستشير قومها كأي حاكمٍ يشعر بالمسؤولية، فقد حضر
الرجال، فماذا قالوا لها؟ لقد أرادت لهم أن يستعرضوا عضلاتهم الفكريّة
[ قالوا: نحن أولو قُوّةٍ وأولوا بأسٍ شديد والأمر إليكِ فانظري ماذا
تأمرين؟] وهي تعرف أنَّها إذا أرادت الدخول في حربٍ فقد تكون خاسرة؟ ومن
هو سليمان هل هو ملك أم هو نبيّ؟ [ قالت: إنَّ الملوك إذا دخلوا قرية
أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذّلة وكذلك يفعلون * وإنّي مرسلة إليهم
بهدّية فناظرة بِمَ يرجع المرسلون ] .
فالقرآن قدّم هذه المرأة الحاكمة أنها أعقل من الرجال. فعلينا عدم دراسة
المسائل في الإسلام من جانب واحد، بل دراسة القضيّة من جميع الجوانب.
(13)
***
على المستوى التاريخي:

- قضية الهجوم على بيت الزهراء:
قلت في مقدمة الكتاب ، ان: اهم قضية تاريخية ظلت مشتعلة ، فتارة كالجمر
تحت الرماد ، وتارة ملتهبة بأتون ناري ، هي قضية الهجوم على بيت الزهراء
وما تلاه من امور، وقد تناولها رجال هذا الكتاب بالدرس والتمحيص وخرجوا
بنتيجة سنتعرف عليها خلال فصول الكتاب ، و تناولها – ايضا - السيد فضل
الله في الكثير من محاضراته ، حيث شكك حدوث بعض وقائعها ، مما جعل دنيا
بعض رجال الدين الشيعة تقوم ولا تقعد ، حتى وصل الحال بواحد وعشرين مرجعا
الى تكفيره واخراجه من المذهب . ( 14 ).
كما انكر الكثير من رجال وعلماء ومفكري الشيعة الامامية الاثني عشرية ،
كالامام كاشف الغطاء ،و الامام الشيخ المؤيد ، والمفكر الاسلامي احمد
الكاتب ، على سبيل المثال، حدوثها ، بكل وقائعها ، او بعض تفاصيلها.
ولا نريد هنا اعادة حيثيات ما وصلت اليه القضية في تسعينات القرن
الماضي ، بقدر ما نريد التأكيد عليه في فكر السيد فضل الله من حيوية
ونشاط، وتناوله (لاقدس !!!) ما في الفكر الشيعي الامامي الاثني عشري
بالدراسة والتمحيص .
يقول السيد فضل الله :
(( وهناك بعض الحوادث التي تعرّضت لها ممّا لم تتأكد لنا بشكل قاطع
وجازم، كما في مسألة حرق الدار فعلاً، وكسر الضلع، وإسقاط الجنين، ولطم
خدها وضربها.. ونحو ذلك مما نقل إلينا من خلال روايات يمكن طرح بعض
علامات الاستفهام حولها، إما من ناحية المتن وإما من ناحية السند، وشأنها
شأن الكثير من الروايات التاريخية. ولذا فقد أثرنا بعض الاستفهامات كما
أثارها بعض علمائنا السابقين رضوان الله عليهم، كالشيخ المفيد الذي يظهر
منه التشكيك في مسألة إسقاط الجنين، بل في أصل وجوده ـ وإن كنا لا نوافقه
على الثاني ـ، ولكننا لم نصل إلى حد النفي لهذه الحوادث ـ كما فعل الشيخ
محمد حسين كاشف الغطاء(قده) بالنسبة لضربها ولطم خدها ـ، لأن النفي يحتاج
إلى دليل كما أن الإثبات يحتاج إلى دليل ، ولكن القدر المتيقن من خلال
الروايات المستفيضة، بل المتواترة تواتراً إجمالياً، هو الاعتداء عليها
من خلال كشف دارها والهجوم عليه والتهديد بالإحراق، وهذا كافٍ للتدليل
على حجم الجريمة التي حصلت.. هذه الجريمة التي أرّقت حتى مرتكبيها، ولذا
قال الخليفة الأول لما دنته الوفاة: "ليتني لم أكشف بيت فاطمة ولو أعلن
عليّ الحرب)). (15)
ويقول الشاخوري: ((أقصى ما يمكن أن يسجله الآخرون أن سماحة السيد لم
يتفاعل فقط مع حديث ضرب الزهراء تماماً كما هو صريح عبارة كاشف الغطاء:
جّنة المأوى، ص134 وأما بقية الأمور كالهجوم على الدار والتهديد بالإحراق
وإشعال النار والإعتداء على حرمة الزهراء والإمام عليهما السلام فلم
ينكرها، فلا يصح أن يقال أن سماحته نفى حصول أي عنف على الزهراء كما
يورده البعض..)) . (16)
***
على المستوى السياسي:

نظرية ولاية الفقيه: (17)
لا اريد ان اناقش صحة او خطأ هذه النظرية التي تعني فيما تعنيه (الولاية
العامة للفقيه)، لان هذا ليس من منهجية دراسات هذا الكتاب ، خاصة اذا
عرفنا ان هذه النظرية هي سياسية بإمتياز من وجهة نظر دينية مذهبية ، الا
ان الذي اريد ان اذكره هنا هو موقف سماحة السيد فضل الله رحمه الله
منها ، مع العلم ان فقهاء ومراجع ومفكري المذهب قد انقسموا الى قسمين في
قبولها او رفضها ، وان اغلبهم هم من رافضيها ،كالسيد الخوئي ، والسيد
السيستاني ، والسيد علي الامين ، والامام الشيخ حسين المؤيد ، والكثير من
مراجع التقليد في النجف وقم .
سأذكر هنا ونحن ندرس افكار السيد فضل الله رحمه الله رأيه بنقاط محددة ،
منها قوله:
- هي مسألة فقهية تختلف فيها الإجتهادات بحسب الأدلة والنظر فيها فمن
الفقهاء من قال بها ومنهم من لم يقل بها .
- الولاية لا بد فيها من فعلية التصدي وبسط اليد، ولا يكفي بلوغ الشخص
منصب نائب الإمام من خلال كونه مجتهداً وعادلاً، خصوصاً على رأينا من عدم
كعيّن (كذا) الفقيه لكم.
- ولاية الفقيه هي جزء من فقه النظام السياسي في الإسلام، والمسلمون
بمذاهبهم كافة قد اجمعوا على وجوب كون الإسلام هو الحاكم في شتى
الميادين.
- الولاية العامة للفقيه غير ثابتة عندنا لعدم قيام الدليل الشرعي
عليها ، وقد لا تتوقف المصلحة على ذلك ، وقد يتأثر حفظها بالشورى مثلاً.
***
التَّقريب بين المذاهب

يذكر رحمه الله تاريخيا العلماء الذين انطلقت منهم فكرة التَّقريب بين
المذاهب الإسلامية ، يقول:
(( كانت بداياتها من خلال مجموعة من العلماء الكبار في مصر، منهم المرحوم
الشيَّخ محمد تقي القمّي الذي كان ينال تأييد المرحوم آية الله السيد
البروجردي في هذا المجال، وكان إلى جانبه الشَّيخ عبد المجيد سليم والشيخ
محمود شلتوت والكثير من العلماء الكبار، وقد شاركهم في ذلك المرحوم الشيح
محمد حسين آل كاشف الغطاء، انطلقت لمعالجة الأفكار الخاطئة التي يحملها
السنّة عن الشيعة، أو الّتي يحملها الشّيعة عن السّنّة، فكانت رسالة
التقريب من أجل أن تعريف السنَّة بما عند الشيعة، وتعريف الشيعة بما عند
السنَّة)).
يرى رحمه الله في التقريب بين المذاهب الاسلامية ، ان من واجب ابناء
الامة الاسلامية:
- تحديد العدو ، ومعرفة اهدافه.
- الشعور بالمسؤولية تجاه ذلك.
- معالجة الاسباب الداعية للفرقة بين ابناء الامة الاسلامية،خاصة الفتنة
بين السنة والشيعة لانها تمثل الخطر على الإسلام كله في العالم.
- الحوار بين ابناء الامة الاسلامية ، او ابناء الديانات الاخرى.
- التقريب الحقيقي يكون بتعميم ثقافة الوحدة الاسلامية.
- على المستوى الاعلامي ، يرى رحمه الله : أن نسعى لتأسيس فضائيات
إسلامية وحدوية بدلاً من الفضائحيات التي تثير الفتنة بين المسلمين.
ولاجل ذلك افتى سماحته بحرة سب الصحابة والنيل من زوجات النبي (ص) ،
وغيرها من الفتاوى التي تصب في مجرى وحدة المسلمين ، خاصة بين السنة
والشيعة.
ومن يريد الاستزادة في ذلك يمكنه الرجوع الى موقعه الالكتروني.
***
الشعائر الحسينية

ان الشعائر الحسينية التي تقام ايام عاشوراء ، ومن ثم اصبحت تقام في ذكرى
وفاة الائمة ، وتجاوز البعض على اقامتها اثناء وفاة بعض علماء الشيعة
المعاصرين ايضا، هي : اللطم على الصدر، ضرب الظهور بالسلاسل
(الزناجيل) ،ضرب الرأس بالسيوف و (القامات).
وقد حرمها الكثير من فقهاء ومراجع الشيعة ، وقد ذكرنا في الدراسات
السابقة ذلك .
يقول السيد فضل الله رأيه الفقهي :
(( لا بد في كل الشعائر الدينية والحسينية أن تكون مباحة في أنفسها،
ولذلك لا يجوز جعل ما هو حرام في نفسه من الشعائر، وحيث أن بعض الموارد
مما تعارف الناس على جعله من الشعائر كالتطبير واللطم الاستعراضي الموجب
لأذى النفس ونحو ذلك مما يكون مصداقاً من مصاديق الإضرار بالنفس أو من
مصاديق الإساءة إلى المذهب، فلا يمكن عد مثل هذه الموارد من الشعائر
لحرمتها في نفسها، ولا يمكن أن يطاع الله من حيث يعصى... وقد ذكر السيد
الخوئي في المسائل الشرعية أنها ليست من الشعائر)).
وعن التطبير وضرب السلاسل يقول رحمه الله:
(( لقد أفتينا فتوى قاطعة بحرمة التطبير وضرب الزنجير مع السكاكين:
أولاً: من جهة أنه إضرار بالجسد، والإضرار بالجسد حرام حتى في عاشوراء
بمناسبة الاحتفال بالإمام الحسين(ع) وهذا الإضرار ليس من الشعائر، لأنه
لم يرد فيها أي نصّ من النبي(ص) أو الإمام(ع) كما ذكره السيد الخوئي رحمه
الله.
وثانياً: لأنه يؤدي إلى هتك حرمة المذهب الشيعي وأهله لاستلزامه سخرية
الناس بهم، لأن ذلك مظهر تخلف وتأخر كما أن المواساة لأهل البيت(ع) لا
تتحق بذلك، بل بالجهاد في سبيل الله. ولذلك فإننا ننصح أخواننا المؤمنين
أن يمتنعوا عن هذه العادة السيئة وأن يبيّنوا لأخوانهم الأضرار اللازمة
منها وأن يحتفلوا بالذكرى بإحياء أمر أهل البيت(ع) بذكر محاسن كلامهم
وذكر سيرتهم وأخلاقهم كما أمرونا بذلك. والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته)).
ويفتي رحمه الله ، بإثم فاعلها:
((- التطبير محرم وفاعله آثم لما يسببه ذلك من الإساءة والهتك للمذهب
الحق وكذا من جهة حرمة الإضرار بالنفس أو الغير)).
ثم يطالب رحمه الله بتطوير هذه الشعائر في الوسائل والاساليب بحيث تكون
افعالها غير محرمة، فيقول:
(( إن دور الشعائر الحسينية في الراهن والمستقبل، هو نفس الدور الذي كان
في الماضي، وإن كان اللازم التطوير في الوسائل والاساليب التي تعمم من
الفائدة المترتبة على مثل هذه الشعائر، والدور المطلوب هو كون هذه
المجالس والشعائر مدرسة نقّالة اسلامية تعلم الاجيال الاسلام الحقيقي
والدور الصحيح للدين في حياة الشعوب)).
خلاصة الاسباب التي ادت الى حرمتها كما يرى رحمه الله:
- الاضرار التي يحرم ارتكابها شرعا بحق النفس او الغير.
- ولما يسببه ذلك من الاساءة والتوهين لمذهب أهل البيت (ع).
كما ان من تثقف على ان الائمة يحضرون جميع مجالس عاشوراء ، فسماحته رحمه
الله ينكر هذا الاعتقاد الخاطيء.
***
المصدر الرئيس :
الموقع الالكتروني لسماحة السيد محمد حسين فضل الله.


الهوامش:
1 – ما لم اذكره من المصادر فهو مأخوذ من موقعه سماحته الالكتروني .
2 - حريـّة العقـل في القراءة والإبـداع – السيد محمد حسين فضل الله -
محاضرة بمناسبة أسبوع المطالعة.
3 - الحوار في الاسلام – محمد حسين فضل الله - المنطلق، العدد98، رجب
1413 هـ/ ك 2 - يناير 1993 م.
4 - المصدر السابق.
5 - المصدر السابق.
6 - الزهراء القدوة - محمد حسين فضل الله.
7 - الإنسان والحياة ـ السيد فضل الله، دار الملاك، ص195.
8 - مجلة المعارج، عدد 28 ـ 31، ص624 ـ 625.
9 - تأملات في آفاق الإمام موسى الكاظم، ص43.
10 - مجلة المنطلق ع 11، ص 76.
11 - الزهراء القدوة.
12 - اقصد ، هل ان الجوامع والمساجد والحسينات التابعة لمن قال بهذا
القول من المراجع لا تذكر هذه الشهادة عند رفع الاذان على مناراتها ،
وكذلك في بداية الصلاة؟
هذا ما لا يمكن التحقق منه من قبلي.
13 - محاضرة تحت عنوان: «الخطاب الإسلامي والتيارات المعاصرة»، في
12/3/2001.
14 - راجع كتابنا : التصحيح والتجديد في الفكر العربي الاسلامي - الفكر
الاجتهادي الشيعي نموذجا - الكتاب الاول - التصحيح والتجديد الاجتهادي في
المذهب الشيعي- عند المرجع الديني سماحة اية الله الامام الشيخ حسين
المؤيد ، مقدمة /2 ، هامش:12.
15 - الزهراء القدوة.
16 - مرجعية المرحلة وغبار التغيير - الشيخ جعفر الشاخوري البحريني.
17 – يقول رحمه الله : للفقيه المجتهد الولاية والسلطة على إدارة شؤون
الناس العامة مما يحتاج فيه إلى ولايته، والشؤون العامة هي ما يرجع إلى
النظام العام الذي يتوقف عليه توازن الحياة للمسلمين وغيرهم بما يحفظ
مصالحهم السياسية والإقتصادية والإجتماعية والأمنية ونحوها، ويقوم به
نظام حياتهم كمجتمع، كذلك فإن له الولاية على الأفراد الذين فقدوا وليهم
كالقاصرين والمجانين، هذا وحيث يصدر الفقيه أمراً تجب طاعته، ولا يجوز
الخروج عليه فيما هو ولي عليه، وفي حدود المنطقة التي يعمل ولايته فيها.
أما إذا لم يتوقف حفظ النظام العام على ولايته أو لم تكن له سلطة في
منطقة أخرى خارج منطقة سلطة الولاية فلا ولاية له في ذلك المورد وبكلمة
واحدة أن الولاية عندنا للفقيه لا تثبت بالنصوص من الكتاب والسنة بل من
قاعدة حفظ النظام إذا توقف عليها فيدور الأمر مدار ذلك وجوداً وعدماً.


السيد علي الأمين


((المشكلة في الفكر الطائفي الذي يمزق الناس بين شيعة وسنة، ناتجة عن فكر
قديم وموروث، يعتمد على معارك تاريخية، مثل مسألة الخلافة في النص عند
الشيعة، التي بقي منها نظرية تأريخية؛ لأن أهل البيت لم يعودوا
موجودين)).
السيد علي الامين

((علي الأمين.. إطفائي حرائق الطائفية ومعارض الولاءات العابرة للحدود)).
تركي الدخيل
جريدة الاتحاد

السيد علي الأمين :
هو العلامة المجتهدالسيد علي الأمين والده الشريف محمد بن السيد علي تقي
بن السيد محمد الأمين .
***
ولادته:
ولد في بلدة قلاوية العاملية في لبنان سنة 1952م.
***
حياته:
(( هاجر إلى العراق إلى النجف الأشرف في ستينات القرن العشرين تلقى علومه
الشرعية على يد مراجع الحوزة العلمية في النجف الأشرف
بلغ مرحلة الاجتهاد الشرعي في سن مبكرة و مدرسا مادة أصول الفقه في حوزات
النجف و قم ولبنان ودرس عنده المئات من طلاب العلوم الدينية من مختلف
أنحاء العالم. له بحوث مهمة و مئات التسجيلات في مادة أصول الفقه و بحث
الخارج ( الاستدلال ) ومئات الندوات الفكرية و المحاضرات ، له نظريات
تستوقفك، تهزك، لانه ليس روتينياً أو كلاسيكياً تقليدياً وله أفكار نيرة
ومختلفة عن الرأي السائد عند الشيعية السياسية في لبنان. هو مفتي صور
وجبل عامل للطائفة الشيعية)).
***
مؤلفاته:
- النجوم العوالي في فروع العلم الإجمالي .
- غاية المراد في حديث "لا تعاد" .
- كيف نفهم الثورة الحسينية .
- رسالة في تخطئة المجتهد وتصويبه- 1989 .
- بلغة النفوس في شرح الدروس .
- الزواج المختلط .
- الدور السياسي للأئمة بين الواقع والمرتجى .
- القضاء بين الثابت والمتغيّر .
- موقع المسلمين الشيعة في العالم العربي والإسلامي إنطلاقا من التقريب
بين المذاهب الإسلامية ,
- الإسلام كما جاء: ليست المذاهب قدراً لا يمكن تجاوزه .
- زبدة التفكير برفض السب والتكفير.
- ولاية الدولة ودولة الفقيه – الشيعة وتحديات المواطنة.
- الاحزاب الدينية الشيعية بين شهوة السلطة ورسالية الائمة – 2008 .
***
الاسس التي تنبني عليها مرجعيته الفكرية والفقهية:
- الاسلام رسالة سماوية تتكامل مع الرسالات السماوية التي سبقتها و تلتقي
معها.
- دستورنا القرآن الكريم دون تبديل أو تحريف.
- يجب اعتماد مفاهيم القرآن الكريم عند النزول ومصطلحاته قبل نشوء
المعاني التوليدية لكثير من الألفاظ القرآنية.
- إننا بحاجة إلى إطلاق العنان لمرجعية القرآن الكريم.
- إن تمامية الدين ثابتة بالكتاب والسنة وهي ليست موضعاً للخلاف بين
المسلمين.
- علينا تحكيم الكتاب والسنة بوسائل الإثبات وتحكيم الكتاب بالسنة.
- إن حجية السنة مشروطة بعدم مخالفة الكتاب.
- المذاهب ليست قدراً لا يمكن تجاوزه.
- لم يكن مذهب علي ابن أبي طالب جعفرياً وشيعياً ولم يكن مذهب عمر بن
الخطاب سنياً كما لم يكن الخليفة أبو بكر مالكياً ولا السيدة عائشة أم
المؤمنين حنفية أو حنبلية وهكذا فلم يكن لسائر الصحابة والخلفاء من مذهب
سوى الإسلام وفقط بدون أي قيد آخر.
- نحتاج إلى الكثير من الشجاعة التي تخرجنا عن الفهم الموروث الذي تولد
عبر قرون عديدة
- الإختلاف في الرّأي بين القيادات السّياسيّة لا يجوز أن ينعكس على
علاقات الطوائف.
- لا يجب أن يكون الحاكم من الطائفة الأكثر عدداً بل يجب أن يكون من
الشعب ويكفي هذا الإنتماء.
- مسألة أولوية الخلافة والامامة أصبحت من الماضي ولا جدوى من طرحها
اليوم
- التفسير القاصر شوَّه مفهوم التقية في اذهان الناس
- مع فتح باب الاجتهاد لا تصحُ نسبة الرأي إلى المذهب ويصبح المجتهد
مسؤولاً عن الرأي الذي ينسب أليه وهو الذي يتحمل المسؤولية عن رأيه وحده
وهو إجتهاد محكوم بسقف القرآن الكريم وضرورات الشريعة فلا يجوز الإجتهاد
في مقابل النصوص الدينية الصريحة ولا يجوز الاجتهاد في ثوابت الشريعة وما
هو من ضرورات الدين
- عندما نعتمد مرجعية واحدة في الفكر والسلوك وهي مرجعية القرآن الكريم
سنجد أن كثيراً من الفجوات ستردم وأن كثيراً من المناهج ستعتدل وبذلك
ينتهي الخلاف في أكثر التفصيلات.
- الوحدة الإسلامية والولاء للأوطان، و المواطنية الصالحة هي الدليل على
التشيع.
- ولاية الدولة في مواجهة نظرية ولاية الفقيه.
لهذا نرى سماحته بدعو الى تحديث الكثير من جوانب الاسلام ، خاصة ما يتعلق
بالسلوكيات الاجتماعية وحقوق المرأة والنظم السياسية والاحوال الشخصية ،
عن هذا الامر يقول سماحته :
(( طبعاً، هناك مسائل فقهية عدة تطرّق إليها الفقهاء عبر التاريخ وهي لا
تعتبر من المقدسات التي لا يجوز تبديلها او تغييرها، لأن آرائهم كانت
انتاجاً بشرياً وفكرياً، وهذا الانتاج يحق لنا في عصرنا وفي العصور التي
تأتي بعدنا أن ينظروا في ما توصّل اليه الفقهاء السابقون حول المرأة
والنظم السياسية والأحوال الشخصية، وما شابه ذلك. هناك أمور يجب إعادة
النظر فيها وفتح باب الاجتهاد حولها، لكن نحن بحاجة في عالمنا الاسلامي
الى تنظيم السلك الديني كما فعلت الكنيسة.
سبقتنا الكنيسة في هذا الإطار، بحيث أنه لم يصبح الناطق باسم الدين غير
محدد وأي انسان يمكنه أن يتحدث باسم الدين وأن يصدر الفتاوى، هناك مؤسسة
مركزية هي التي تعبّر عن رأي الدين. في عالمنا الإسلامي، لا يوجد بعد
تنظيم للسلك الديني، بحيث تكثر الفتاوى، فهذا يصدر فتوى وذاك ينشئ
تنظيماً ويبدأ بإصدار الفتاوى. هذه خطورة كبيرة ونحن بحاجة الى تنظيم
السلك الديني وإنشاء مجمع فقهي كبير يضم الفقهاء من عموم المسلمين ليكون
هو المخوّل وحده بأن يصدر الفتاوى في عالمنا الإسلامي)). (1)
***
- عملية استنباط الأحكام الشرعية بين الثابت والمتحرك :
(( إن الحكم الذي يصل إليه الفقيه من خلال حركة الإجتهاد قد يكون
معتمداً على نصًّ جليًّ وواضح الدلالة ويقينّي الثّبوت والصُّدور وهو ما
يسمى عادةً بالدليل القطعي سنداً ودلالةً وفي هذه الحالة يكتسب الحكم صفة
الثبات والدوام وهذه الحالة ليست من الحالات الشائعة والكثيرة في عملية
الإستنباط التي يقوم بها المجتهد لمعرفة الحكم في واقعة من الوقائع.
وقد يكون الحكم الذي توصل إليه المجتهد ليس معتمداً على النص وذلك إما
لإجماله أو لفقدانه وهذه الحالة تعتبر من الحالات الشائعة في عمليات
الإستنباط التي يقوم بها المجتهد وفي هذه الحالات يعتمد الفقيه على قواعد
عملية يرجع أليها في حالات فقدان النص الديني أو إجماله وحينئذٍ لا تكتسب
الأحكام المستنبطة صفة الثّبات والدّوام ولا تعتبر أحكاماً نهائية
ونتائج مغلقة لأن الفقيه المختص قد يكون عند فقدان النص اعتمد على إجماع
أو على قاعدة عملية هي غير ثابتة عند فقيه آخر.
وقد يناقش في انعقاد الإجماع على مسألة ما لأنها من المسائل المستحدثة.
فكيف يُدَّعى فيها الإجماع وقد يكون النقاش في أصل الإعتماد على الإجماع
دليلاً وحجة في حد نفسه أوفي دائرة الحجية سعةً وضيقاً.
وفي كل الأحوال لا يكون الحكم الذي وصل إليه المجتهد حكماً نهائياً وهذه
العملية الإجتهادية لا تكون مخالفة لصفة الثبات المأخوذة من النص الديني
القائل:
(حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة)
وذلك لأن النتيجة التي توصل إليها بأدواته العلمية لا تكشف عندنا كشفاً
يقينياً أنها من الحلال أو الحرام الصادرين عن النبي وبالتالي لا تكون
مخالفة لعنصر الثبات والدوام المستفاد من النص الديني السابق وأمثاله .
فحركة الإجتهاد تتسع مساحتها للنقاش في مستندات الأحكام ولا تطعن في ثبوت
الحكم واستمراره على تقدير اليقين بصدوره.
وبعبارة أخرى إن النص الديني الذي يستفاد منه صفة الدوام للحكم يتحول
إلى قضية شرطَّية لا يثبت فيها المشروط بدون ثبوت الشرط. أي إن كان هذا
الحلال حلال محمدٍ فهو باقٍ إلى يوم القيامة والمجتهد يتصدى لإتبات هذا
الشرط وقد لا يرى مجتهد آخر من خلال قناعاته العلمية توفر الأدلة على
تحقق الشرط وثبوته.
مثال آخر:
ونعطي مثالاً آخر لمعالجة حركة الإجتهاد الديني لمسألة من مسائل الحداثة
قد تشكل نموذجاً لتحديث الفهم للنصوص الدينية وإمكان استجابتها للحوداث
المستجدة.
قد طرحت الحداثة مجموعة من التساؤلات حول قضايا الإنسان والمجتمع. منها
على سبيل المثال مسألة الزواج المختلط بين المسلمين والمسيحيين في لبنان
وغيره من دول العالم.
والمعروف بين الفقهاء القدامى والمعاصرين أنهم قد ذهبوا قولاً واحداً
إلى تحريم زواج المرأة المسلمة من الرجل المسيحي بينما أفتوا بجواز زواج
الرجل المسلم من المرأة المسيحية .
وقد طرحت هذه المسألة عليَّ في ندوة فكرية حصلت في أستراليا قبل سنوات
عديدة وقد ذكرت في الإجابة على هذه المسألة :
أنَّ بعض الأحكام قد يُدَّعى أنها من المسائل التي قام عليها الإجماع من
الفقهاء والإجماع يعتبر من أدلة التشريع الإسلامي ويمكن أن يقبل أصل
الدعوى قبل الدخول في التفاصيل لأنه بالإمكان أن يحصل إجماع على مسألة من
هذا القبيل.
ولكن بما أن الإجماع دليل صامت وليس دليلاً ناطقاً لنأخذ بعمومه أو
خصوصه، فيؤخذ بالقدر المُتَّيقن الذي يكشف عنه الإجماع يقيناً وأما ما
زاد على ذلك فلا يكون الإجماع دليلاً عليه وليس حجةً فيه.
ولتوضيح هذه الفكرة نطبقها على مسألة الزواج المختلط وهي زواج المسلمة
من الرجل غير المسلم إذا كان من أهل الكتاب(التوراة والإنجيل) وزواج
الرجل المسلم من المرأة إذا كانت من أهل الكتاب مسيحيةً كانت أو يهودية.
وهذا الإجماع يخضع لحركة الإجتهاد ولا يكون مؤداه نهائياً ولا يجعل الباب
مغلقاً حول هذه المسألة وأمثالها لأن الاجتهاد لا يعطي صفة القداسة
والنهائي للنتائج التي يتوصل إليها المجتهد لأنها تعبير عن فهم خاص
به .والفتاوى هي نتائج لحركة الإجتهاد وليست نصوصاً دينية بالمعنى
التشريعي والمقدس عندنا هو نفس النص الديني على تقدير ثبوته وأما فهم
النص الديني فليس من المقدسات التي لا يجوز تجاوزها.
وعلى هذا فبالإمكان أن ينظر الفقيه في هذه المسألة مجدداً رغم تداول
المنع بين الفقهاء فيناقش في هذا الإجماع المدعى وأنه مختص بحالة الرفض
لمعتقد المرأة المسلمة وعدم احترامه لها.
المسلم الذي يتزوج من المرأة الكتابية فإنه لا يكون مسلماً إلا إذا قبل
وأحترم معتقد زوجته الكتابية فهو لا يكون مسلماً إلا إذا آمن بعيسى
المسيح والنبي موسى وسائر الأنبياء .
وقد جاء في القرآن الكريم ما ينفي صفة الرفض للإسلام كدين سماوي عن أهل
الكتاب من دون أن تعمل به.
فقد تحترم ديناً ولكنك لا تعتقد به وقد تؤمن به كدين سماوي من دون أن
تعمل بأحكامه وفي القرآن الكريم إشارة إلى هذا المعنى:
(وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم ما أنزل إليهم خاشعين
لله ولا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن
الله سريع الحساب ) سورة آل عمران-آية-199-
وأيضاً قوله تعالى:
(ولتجدَّن أقربهم مودةً للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم
قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون)سورة المائدة-آية-82-.
والحاصل أنه عندما يكون هناك احترام متبادل للعقائد والأديان السماوية،
لا تكون هذه الحالة مشمولة للإجماع المدعى كما أنها غير مشمولة للحكمة
المستفادة من المنع القائم في تزويج المشركات والمشركين وهي حكمة
الإستقرار حفاظاً على الاستمرار في العلاقة الزوجية.
هذا ما تقتضيه أصول البحث العلمي في عملية استنباط الحكم الشرعي وقد
رأينا أن بعض الفقهاء يستند في المنع من الزواج المختلط إلى آية المنع عن
التزاوج مع المشركين ويفتي في نفس الوقت بجواز زواج الرجل المسلم من
المرأة الكتابية وفي هذا تناقض واضح وخروج عن النهج المألوف في عملية
الاستنباط للأحكام الشرعية وهذا الاستدلال الضعيف يدلنا على أن الإجماع
الُمدَّعى يستند إلى وجهٍ ضعيف وما يستند إلى الضعيف يكون ضعيفاً ولا أقل
من الإحتمال فيبطل حينئذٍ الإستدلال ويؤخذ بالمقدار الذي يكشف عنه
الإجماع على سبيل الجزم واليقين وهي صورة عدم الإحترام المتبادل بين
الطرفين على مستوى العقائد والأديان السماوية .
وقد ذكرت هذه المسألة مع شيء من التطويل لأعطي مزيداً من التوضيح لفكرة
إمكان تجاوب عملية الإستنباط مع المسائل المستحدثة من دون التخلي عن
النصوص الدينية.
ولا يعد هذا اللون من الاستدلال والتجديد خروجاً عن الإسلام ولا يُعدُّ
أيضاً خروجاً عن المناهج المألوفة في عملية الاستنباط.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الإسلام يمكن أن ينفتح على
الحداثة ويمكن أن يصل الفقيه المعاصر إلى نتائج تختلف عن النتائج التي
توصل إليها الفقهاء القدامى.
ومن هنا فإني أرى أن الحداثة لا تعني ترك النص القديم بل قد تعني فيما
تعنيه ترك الفهم القديم والذي كان سائداً وهذا لا يتنافى مع الإسلام
المنفتح على الجديد من خلال حركة الإجتهاد التي تغنيها التجارب العلمية
الإجتماعية والأفكار الحديثة لأنها من الفقيه المطلع عليها أعمق رؤية
وأكثر اقتداراً على استكشاف وجوه جديدة من النص الديني الذي يتسم
بالمرونة أصلاً لاشتماله على العمومات والإطلاقات التي تتسع لأفراد جديدة
من العام والمطلق لم تكن موجودة في عصر صدور النص خصوصاً وأن هناك جملة
من القواعد تعالج الحالات التي لم يرد فيها نصُ أصلاً وهذا يعني أن عملية
التشريع من أول الأمر تشتمل على المساحة الأوسع حتى خارج دائرة النصوص
الدينية الخاصة.
- ويضاف إلى الأمر السابق أمرٌ آخر يجعل من التشريع الإسلامي ماضياً
وحاضراً يتناول بأصوله وقواعده ونصوصه المسائل المستحدثة. وهذا الأمر هو
العقل. حيث إن الفقهاء عندنا يعتبرون العقل من مصادر التشريع الهاَّمة
وقالوا إذا تعارض الدليل النقلي مع الدليل العقلي فإن التقديم يكون لدليل
العقل وقد جاء في القرآن الكريم وفي كثير من الأحاديث الدينية التأكيد
على مكانة العقل وتجديد النظر والفكر في المسائل والقضايا الموروثة والتي
قد يعتبرها البعض من الأمور اليقينية التي لا تحتاج إلى الإستدلال لكونها
أصبحت جزءاً من الفكر والسلوك.
وقد ذمَّ القرآن الكريم أولئك الذين كانوا يمنحون إجازة لعقولهم معتمدين
على المعلومات الموروثة بدون تحقيق كما جاء في قوله تعالى:
( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه
آباءنا، أَوَلَوْ كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون)البقرة-170
(إنا وجدنا آبائنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)الزخرف-22-
وهناك آيات كثيرة تأمر بالتفكر وتطالب بالتعقل وفي بعض النصوص الدينية
ورد أن لله حجتين على العباد حجة ظاهرة وهم الرسل والأنبياء وحجة باطنة
وهو العقل.
وفي الحقيقة إن اعتماد العقل مصدراً من مصادر التشريع بل مصدراً لمحاكمته
أيضاً هو الذي جعل النصوص الدينية تتجاوز حدود الزمان والمكان وهو الذي
أخرج النصوص عن دائرة الانغلاق إلى عالم المرونة والإنفتاح على مسائل
العصر ومحاولة الإجابة على تلك التساؤلات.
ولهذا نقول أن الإسلام منفتح على الحداثة ولا يعتبر الصيغة التي طرحت في
القرون السابقة هي الصيغة الوحيدة المغلقه وكذلك الحال بالنسبة إلى بعض
الأطروحات السياسية الإسلامية المعاصرة فإنها لا تشكل الصيغة الُمثلى
لأنها صيغة تحولت من خلال عالم التطبيق إلى صيغة بشرية والبشر قد يخطئون
وقد يصيبون ويبقى الإسلام يحثهم على اكتشاف الأفضل والجديد ولذلك لا نرى
مانعاً من تجديد النظر وإعادة القراءة للماضي من خلال متطلبات الحاضر
وبذلك ندخل أكثر في عالمنا المعاصر ويمكن أن نزيل الكثير من رواسب الماضي
والإلتباسات الحاصلة والمشاكل العالقة في مجتمعاتنا الحديثة التي تتطلب
المزيد من الوعي والحرية والمسؤولة لإزالة الكثير من الظلم والحرمان
والتخلف بسبب إضفاء الطابع الإلهي على كثير من التصرفات التي يقوم بها
الحاكمون متعمدين إشاعة المفاهيم والأفكار الخاطئة عن حقوقهم وحقوق
الأفراد والجماعات لتبقى سيطرتهم على تلك الشعوب الضعيفة.
وفي اعتقادي إن الدراسة الجديدة للفكر والتراث على ضوء ما يمكن أن تمنحه
الحداثة من سعة في آفاق الفهم والتطلع يمكن أن تساهم إلى حدٍّ كبير في
إزالة السدود والعوائق التي تمنع من تقدم جملة من المجتمعات وتساهم في
التواصل بين الشعوب والأمم الذي أصبح من ضرورات العصر )).(2)
ويقول سماحته: (( فنحن بين منهجين:
1- أحدهما يدعو إلى إغلاق الاجتهاد في الكتاب والسنة.
2- و الآخر يدعو إلى الاجتهاد خارج إطار الكتاب والسّنّة.
وفي كلا المنهجين غياب واضح لمرجعية القرآن الكريم مع أن الأحاديث قد
تواترت في أن كل شيء مردود إلى الكتاب والسّنّة.
ومن المعلوم أن السّنّة مشروطة بعدم المخالفة للكتاب وقد جاء في روايات
أهل البيت عليهم السلام)). (3)
***
الحداثة:
ان مفهوم سماحته للحداثة ومنهجيتها في التعامل مع النصوص هو:
(( ومن هنا فإني أرى أن الحداثة لا تعني ترك النص القديم بل قد تعني فيما
تعنيه ترك الفهم القديم والذي كان سائداً وهذا لا يتنافى مع الإسلام
المنفتح على الجديد من خلال حركة الإجتهاد التي تغنيها التجارب العلمية
الإجتماعية والأفكار الحديثة لأنها من الفقيه المطلع عليها أعمق رؤية
وأكثر اقتداراً على استكشاف وجوه جديدة من النص الديني الذي يتسم
بالمرونة أصلاً لاشتماله على العمومات والإطلاقات التي تتسع لأفراد جديدة
من العام والمطلق لم تكن موجودة في عصر صدور النص خصوصاً وأن هناك جملة
من القواعد تعالج الحالات التي لم يرد فيها نصُ أصلاً وهذا يعني أن عملية
التشريع من أول الأمر تشتمل على المساحة الأوسع حتى خارج دائرة النصوص
الدينية الخاصة)).(4)
***
دعـوة التقـريب بين المذاهب الاسلامية:
إن دعوة التقريب بين المذاهب الاسلامية اخذت حيزا كبيرا من تاريخ
المسلمين بعد ان دخلت مؤثرات خارجية في الفكر الاسلامي ، وما زالت
المؤتمرات المقامة في سبيل ذلك ماثلة في الذاكرة الورقية ، مثل مؤتمر
بغداد ، والان ، في عصر القرية العالمية الصغيرة ، عصر الثورة التكنلوجية
في الاتصالات ، وعصر محو الامية ، اصبح هذا الامر يؤرق اغلب رجال الدين
الشيعة المصلحين .
يقول السيد الامين :
(( إن المصدر الأساسي لدعوة التقريب بين المذاهب الإسلامية –بعد كونها من
الأمور الراجحة في حد نفسها – هو القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من
بين يديه ولا من خلفه، وقد جاء الحث على التقريب في آيات عديدة من سور
مختلفة منها قوله تعالى على سبيل الوجوب ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى
الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر …) –1- وأي خير أعظم من السعي
إلى تقريب الأمة بعضها من البعض الآخر طلباً لوحدتها وتعزيزاً لقوتها)) .
(5)
لان التقارب عند سماحته قوة ومنعة و مصدر من مصادر الغنى والثروة
الفكرية، فإنه يؤكد قائلا :
(( والتقارب لم يعد مصدراً من مصادر القوة بين الأمم والشعوب فحسب بل
اصبح في مفهوم العصر مصدراً من مصادر الغنى والثروة الفكرية لحضارة البشر
جميعاً وعنواناً من عناوين الرقي والتقدم الذي يساهم في تطور المجتمع
البشري وسيره نحو حياة مستقرة وآمنة .
ولا شك بأن المقصود من دعوة التقريب بين المذاهب الإسلامية هو البحث عن
القوا سم المشتركة فيما بينها للإنطلاق منها في عملية التقريب وإزالة
الغربة التي حصلت بفعل بعض المسائل الخلافية مع أنها تقل كثيراً عن
المسائل المتفق عليها والتي تشكل أهم الركائز والأسس في عملية التفاهم
والانفتاح بين المذاهب والشعوب .
ومن المضمون المتقدم لدعوة التقريب يظهر أن المقصود منها العيش ضمن
تعددية فكرية تحترم الآخر وتقبل به كما هو دون سعي للإلغاء وفرض الآراء ،
فإن إختلاف الآراء وتغاير الأفكار والأنظار في فهم الشريعة وأحكامها أمر
مشروع له مبرراته التي ينبغي القبول بها من الجميع ما دامت منطلقة من
الاجتهاد المشروع في دائرة الكتاب والسنة عندما يكون اجتهاداً في فهم
الكتاب والسنة وليس اجتهاداً في مقابل الكتاب والسنة .
والحاصل أن التَّعددية الفكرية المنطلقة في الأصل من منبع واحد يتمثل في
كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ويتمثل أيضاً
بالسنة النبوية التي أمرنا الله أن نأخذ بها كما في قوله تعالى (وما
آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم فانتهوا عنه ) . هذه التعددية يتسع لها
ذلك المنبع الفياض الذي لا ينضب ومنه تكتسب الإجتهادات المختلفة شرعية
القبول من خلال القوا سم المشتركة والأهداف الموحدة التي يجمعها السعي
للوصول إلى أحكام الله سبحانه وتعالى وقد ورد في مضمون السنة المطهرة أن
من بذل جهده في الوصول إلى أحكام الله تعالى كان مأجوراً إن أصاب وكان
معذوراً إن أخطأ وفي بعض المضامين المروية ( أن المجتهد إن أصاب كان له
أجران وإن أخطأ فله أجرُ واحد) .
وعلى كل حال فإن اختلاف الآراء وتعددها لا يوجب الخروج من ساحة الإستنباط
المشروعة كتاباً وسنةً وكما لا يوجب إختلاف المجتهدين داخل المذهب الواحد
الخروج عن دائرة المذهب والإسلام رغم تباعد آرائهم وتباينها أحياناً
فكذلك يجب أن يكون الحكم عند إختلاف أصحاب المذاهب وأتباعهم فلا يجوز أن
يكون هذا الإختلاف في هذه المسألة أو تلك موجباً للخروج عن دائرة الإسلام
ما دام اجتهاداً في دائرة الكتاب والسنة لمعرفة حكم الله سبحانه
وتعالى)) . (6)
اما الصراع الحادث بين السنة والشيعة في عصرنا الحاضر ، على الرغم من انه
صراع تاريخي ، فهو كما يقول عنه سماحته:
(( إن بذور الصراع السني الشيعي ليست دينية، إنما يراد منه السلطة
والنفوذ، وهذا ما رأيناه في العراق وبعض مظاهره في لبنان. كنا قديماً في
العراق وعشنا فترة طويلة من الزمن، ولم نشعر بأن هناك صراعاً طائفياً أو
مذهبياً. لكن بعد سقوط النظام العراقي، أرادت بعض الجهات الاستفادة من
الوضع الجديد والتغيرات التي حصلت للوصول الى السلطة، لذلك بدأ التنافس
بين هذه الأطراف على السلطة وأخذ صراعها أشكالاً عسكرية ومسلحة، وأخذ
البعض يظهر أن الصراع مذهبي لاستقطاب أبناء مذهبه لتحصيل مزيد من
المكاسب.
هنا، يجب أن نواجه هذا المشروع، لأننا نعتقد أن هناك أمرين في العالم
العربي والإسلامي يجب أن نواجههما هما التطرف والتعصب المذهبي أو التفرق،
لأن التطرف هو الذي أوجد مشكلة للعالم الاسلامي مع الغرب كله، والتعصّب
المذهبي هو الذي يحدث الفرقة داخل المجتمعات الإسلامية نفسها ويضربها من
الداخل. كذلك يحاول البعض أن يستفيد منهما لتعزيز مواقعه وبسط نفوذه في
الوطن العربي. تتحمّل إيران مسؤولية في هذا الإطار، لأن بعض الجماعات في
العراق محسوبة عليها ، كذلك في لبنان. هذه لا تسيء الى نفسها فحسب، بل
الى الشيعة في الوطن العربي ككل وتجعل إيران في موقع رفض من العالم
العربي والإسلامي)). (7)
وحول الوضع المذهبي في العراق بعد الاحتلال ، يقول سماحته وهو ينتقد
المرجعيات والسياسين على السواء في العراق لانها لم تقم بالدور المطلوب
منها حيال ذلك :
(( لا يجوز أن يتوقف مشروع التقارب ويجب أن يعمل العقلاء والحكماء في
هذه الأمة على الإستمرار بهذا الواجب الديني الكبير الذي ينقذ الأمة من
أخطار التطرف والتفرق التي تهدد وحدتنا واستقرارنا داخل مجتمعاتنا
وأوطاننا والتي تهدد أمتنا بالعزلة عن الأمم الأخرى وبمزيد من العدوات
لها في العالم والذي أراه أن التطرّف والتفرّق يغذي أحدهما الآخر ولذلك
يجب أن تتظافر جهود الدول العربية والإسلامية والمصلحين فيهما على
التعاون من أجل دفع هذا الشر المستطير على قاعدة قوله تعالى: ولتكن منكم
أمّة يدعون إلى الخير} ولا يزال الخير موجوداً في أمّة محمد إلى يوم
القيامة كما هو مضمون الحديث•
وقد كان لما جرى في العراق ويجري الأثر السيء على عملية التقارب التي
كانت ضعيفة في الأساس، ومما لا شك فيه أن الصراع على السلطة في العراق
ساهم إلى حد كبير في نبش دفائن الماضي ونكء الجراح والذي أعطى البعد
الطائفي والمذهبي للصراع هي محاولات استقواء الأطراف الطامحة للسلطة
بالعصب المذهبي لتحصيل مزيد من المواقع والنفوذ داخل النظام الجديد•
والمرجعية الدينية في العراق لم تقم بالدور المطلوب لمنع الإنفجارات
المذهبية والاحتقانات الطائفية ودخول رجال الدين في العملية السياسية في
العراق هو الذي طبع الصراع السياسي على السلطة بطابع المذهبية والطائفية،
وقد خرجت المرجعية الدينية في النجف الأشرف عن الطريقة المعهودة في
الإبتعاد عن الصراعات السياسية السلطوية وأصبحت في بعض الأحيان مع فريق
داخلي ضد آخر في الإنتخابات النيابية والتعيينات الحكومية وهذا ما لم
يحصل له نظير في عهود المرجعية الطويلة وصولاً إلى عهد أئمة أهل البيت
عليهم السلام الذين رفضوا الدخول في معركة السلاطين وكانوا يطلبون من
شيعتهم عدم الخروج على السلطان كما جاء في الحديث عن الإمام جعفر الصادق
(لا يخرج الخارج منّا أهل البيت إلاّ واصطلمته البلية واخترمته المنيّة
وكان خروجه زيادة في مكروهنا ومكروه شيعتنا) وهو بذلك كان يريد ابعاد
الشيعة عن الدخول في الصراع على السلطة الذي يلهب نار العداوة والبغضاء
ويعمل على تمزيق الأمّة من داخلها ولا تجني منه الأمة سوى المزيد من
الضعف والإنحلال كما قال الله تعالى: ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}
وفي الحديث (ما ذئبان ضاريان بأشد فتكاً في قطيع غنم من حب الرياسة في
دين المسلم)).(8)
ولاجل تفعيل التقارب هذا ، يضع سماحته مجموعة اقتراحات ، منها:
(( أ- التأكيد على مرجعية كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل لا من بين يديه
ولا من خلفه وبالعودة إلى سنّة رسول الله الجامعة .
ب - العمل على تغيير وتعديل منهاج التدريس في المعاهد والحوزات الدينية
وفتح أبوابها لاستقبال طلاب العلوم الدينية من مختلف المذاهب والتأكيد
على أن الدين الذي يجمعنا هو الإسلام وأنّ المذاهب هي آراء وأفكار
واجتهادات مشروعة، وأن الاختلاف فيها لا يعني اختلافاً في الدين وخروجاً
منه•
ج- انشاء جامعة علمية للتقريب بين المذاهب ينتشر طلابها وعلماؤها في
العالم الإسلامي للتبليغ الديني ويكون مقرُّها في مكّة المكرّمة أو
المدينة المنوّرة•
د- انشاء محطة فضائية باسم الاعتدال الديني لبث البرامج الدينية التي
تساهم في ثقافة الاعتدال والوسطية ونبذ الفرقة والتعصُّب•
هـ - انشاء هيئة مشتركة في مكّة المكرّمة لتحديد المناسبات الدينية في
العالم الإسلامي وتوحيدها لمناسبات الحج والأعياد))• (9 )
ونحن اذ نتعرف عن كثب على اراء هذا المصلح والمجدد خاصة في دعوته لتقريب
بين المذاهب ، علينا ان نتعرف – ايضا - على نظرته الى المشروع الشيعي في
عصرنا الحاضر.
يقول سماحته:
(( لقد كان المشروع الذي سعى الأئمَّة إلى تحقيقه بعد وفاة رسول
الله(ص)هو المشروع التوحيدي الذي يجمع عموم المسلمين وغيرهم ممن يعيش
معهم على نفس الأرض والتاريخ وهذا ما أشار أليه الإمام علي (ع) في كلامه
السابق الذي نقلناه عنه في عهده لمالك الأشتر عندما قال له : بأنّ
الرعيّة صنفان إمّا أخُ لك في الدين أو نظير لك في الخلق فلم يكن لدى
الإمام علي سوى مشروع يجعل من المواطنين في الدولة الإسلامية كتلة واحدة
وجماعة متساوية في الحقوق والواجبات فلا مذهبية ولا فئّوية ولا فضل
لعربيٍّ على أعجميٍّ إلاّ بالتقوى وهذا هو نهج القرآن ونهج رسول الله
محمد(ص) في حياته وعلى هذا النهج سار الإمام الحسن (ع)وهو ما سعى إلى
تحقيقه الإمام الحسين في ثورته على نظام يزيد الذي تنكّر لنهج الخلافة
الراشدة وحَّول السلطة إلى ملك عضوضٍ للعائلة فخرج الإمام
الحسين(ع)معلناً المشروع التوحيدي الذي سار عليه الإمام علّي والذي أرسى
قواعده جّده النبيّ (ص) فقال:(إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً
ولا مفسداً إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي أريد أن آمر بالمعروف
وأنهى عن المنكر…) فلم يكن الإمام الحسين (ع) طامحاً لإقامة مشروع
انفصالي يعزل الأمة بعضها عن البعض الآخر بل أراد مشروعاً توحيدياً على
امتداد المساحة التي تعيش عليها أمَّة جدّه المصطفى (ص) وبعد استشهاد
الإمام الحسين وأصحابه بدأت تظهر بوادر الإنقسام الحادّ في الأمة
الإسلامية وأصبح قيام الأئمة بعد الحسين (ع) بأي عملٍ سوف يؤدي إلى ترسيخ
الإنفصال في جسم الأمّة على المستوى السياسي وإيجاد الكيانات المتعددة
فعمل الأئمة عليهم السلام بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) على رأب الصّدع
الذي حصل ونأوا بأنفسهم عن أي مشروع إنفصالي وكانوا مع شيعتهم جزءاً لا
يتجزأ من كيان الأمة الموحَّد وعملوا جاهدين على بقاء الشيعة مَّتحدين مع
جسم الأمة الإسلامية الكبير ليس لهم من مشروع خاّصٍ بهم سوى مشروع الأمة
العام وليس من تطلعات سوى تطّلعات الأمة نحو العيش بحرية وعدالة وكرامة
ويشهد لذلك دعاء الإمام زين العابدين (ع) لأهل الثُّغور حماة الوطن
الإسلامي آنذاك ويشهد لذلك مسيرة التطبيع التي كان يقوم بها من خلال
التعاطي مع نظام الحكم الذي قتل أباه الحسين (ع) حيث كان يقول لو أئتمنني
قاتل أبي على السيف الذي قتل به الحسين لرددته إليه ومواقف الإمام علي
(ع) مع الخلفاء الراشدين قبل ذلك أكبر شاهد على الحفاظ على مسيرة الوحدة
والتّطبيع .
وهذا هو النهج الذي يجب على الشيعة أن يسلكوه في عصر الغيبة فهم جزء لا
يتجزأ من أمّة الإسلام الكبرى وليسوا فئة منفصلة عنها وبالّتالي ليس لهم
من مشروع سياسي غير المشروع الذي تتبناه الأمة الإسلامية بشكل عام وليس
لهم من صيغة سياسية غير الصِّيغ التي تعتمدها شعوبهم في أوطانها لأّنهم
جزء لا يتجزأ من تلك الشعوب التي انحدروا منها ويعيشون معها )).
(10)
***
ولاية الفقيه:
ينطلق سماحته وهو ينتقد فكرة ولاية الفقيه ، من خلال علاقة المواطنين مع
حكومات بلدانهم.
يقول سماحته: (( منطق ولاية الفقيه الذي يَصدُر من إيران لا ينفع
الطائفة في أي بلد من هذه البلدان. هذا مشروع يرتبط بإيران وحدها، ومن
الخطورة والخطأ تحويل ولاية الفقيه إلى دعوة سياسية تعزل الشيعة عن غيرهم
من المذاهب في مجتمعاتهم، وفي البحرين ولبنان فإن مثل هذه الفكرة تمثل
خطورة على نسيج المجتمع التعددي، ولا يمكن أن يُكتب لها النجاح. عندما
طرح الإمام الخميني هذه المسألة في الحوزة النجفية لم يَلقَ استجابة على
الإطلاق. بل إن مما يجدر ذكره أن ''ولاية الفقيه'' صيغة من الصيغ التي لم
يمارسها الأئمة في حياتهم. لا ينبغي لما يطرح في إيران اليوم أن يكون
ولاية عابرة للحدود والأوطان والشعوب والمجتمعات. السيد الخامنئي ليست له
ولاية على الشيعة خارج إيران. بين شيعة إيران وشيعة الخليج وشيعة لبنان
رابطة مذهبية هذا صحيح ولكن هذه الرابطة رابطة ثقافية لا تعني أن تكون له
ولاية سياسية. هذا شيء أساسي ينبغي أن ينتبه له أبناء الشيعة في البحرين.
الولاية في البحرين للقيادة السياسية على كل المواطنين. والواجب هو رفض
أي ولاية سياسية على الشعب البحريني للفقيه أو غيره إلا ولاية القيادة
السياسية للبلد)). (11)
ويقول كذلك :
(( وقد اضطربت الأفكار وتعددت الآراء في الآونة الأخيرة حول وجود مشروع
سياسي للشيعة في العالم أو في أماكن تواجدهم وأخذ بعض المفكّرين والعلماء
يبحثون عن نظرية الحكم عند الشيعة بشكل عام تارة وعن صيغة المشروع
السياسي في بعض أماكن وجود الشيعة تارة أخرى حَّتى بدا وكأن الشيعة قوم
يعيشون وحدهم وكأنهّم جسم منفصل عن أجسام شعوبهم وأممهم وأوطانهم وبدأ
بعض الباحثين يتساءل عن هوية الإنسان الشيعي وكأنّه إنسان قادمُ من عالم
آخر .
والذي ينبغي أن يقال في هذا المجال بأنّ كثيراً من الأبحاث التي برزت على
السّاحة الفكرية من بعض علماء الشيعة ومفكّريها كالبحث عن نظرية الحكم
عند الشيعة وأنهّا على نحو ولاية الفقيه الفرد أو على نحو شورى الفقهاء
هي أبحاث نظرَّية ليس لها حظُّ في الواقع الذي تعيشه الشيعة في عالم
اليوم والغد ولم يكن الماضي أحسن حالاً من الحاضر لأن الشيعة لم يكونوا
وحدهم في يوم من الأيام وهذه الأبحاث تدور حول حاكمية الفقيه فرداً أو
جماعة في مجتمع شيعي خالص وهذا الأمر لن يتحقق لا في دنياً ولا في آخرة
هذا مع أنهّا نظريات لا يوافق عليها أغلب علماء الشيعة خصوصاً المحققّون
منهم ، والحاصل أنّ هذه النّظريات التي طفت على السّطح ليس لها ارتباط
بعالم الواقع الذي يعيشه الإنسان الشيعي الذي يتكوّن المجتمع منه ومن
غيره الذي لم يسمع بهذه النظريات فضلاً عن أن يقبل بها مضافاً إلى ما
عرفت من كونها غير مقبولة عند الفريق الأعظم من الشيعة أنفسهم .
(أفنلزمكموها وأنتم لها كارهون )... )). (12)
***
الموقف من ايران:
اما موقفه من ايران في خضم هذا هذا الواقع المفروض ، واقع الفرقة
الاسلامية ، والصراع السياسي الطائفي ، فللسيد الامين رأي يشاطره الكثير
ممن تحدثنا عنهم في هذا الكتاب.
يقول سماحته :
(( إيران خلطت بين السياسة وبين الدين في عملية العلاقة معها، ولا شك
بأن إيران، نتيجة لطموحاتها السياسية، تحاول ان توظف العصب الديني لهذا
المشروع السياسي عبر علاقتها بالشيعة في لبنان او بالشيعة في الوطن
العربي، فيما لا يجوز ان تكون هناك علاقة مباشرة معهم لأنها تضرهم وتؤدي
الى عزل الشيعة في اوطانهم وعزلهم عن شعوبهم، لأن الشيعة إن كان في لبنان
او في الوطن العربي هم جزء لا يتجزأ من الوطن العربي ومن الشعوب العربية،
وانظمتهم السياسية هي التي تكون وليةً عليهم وليس ايران التي تحاول ان
تمدد ولاياتها السياسية على الشيعة في لبنان أو غيرهم من خلال بعض
المفاهيم الدينية التي لا تصلح لبلادنا أصلا، مثل مشروع ولاية الفقيه
وغيره، فحتى في ايران ولاية الفقيه محل جدل ونقاش ولولا السلطة العسكرية
لا تنجح كمشروع سياسي، وبالتالي لا يمكن ان ينجح هكذا مشروع في لبنان..
يجب على ايران ان تعيد النظر في مثل طرح هذه المشاريع خارج حدودها، لأن
ولاية الفقيه ليست ولاية عابرة للحدود والقارات...، السيد خامنيئي اختاره
الايرانيون فكيف يكون له ولاية على اللبنانيين او على الكويتيين او على
السعوديين". )). (13)
ويقول كذلك :
(( إيران ليست حريصة على التشيع بهذا الشكل الذي يوحى به.ونحن نعرف بأنه
لو كانت حريصه على التشيع لكانت لا تسعى لقسمة الشيعة .مثلاً كثير من
الشيعة العرب هم ليسوا على علاقة بإيران لأنهم لا يستجيبون لأوامرها
ولولاية الفقيه فيها وهي تحاربهم ولا تعترف بهم وبعض العلماء الايرانيين
أودعوا في السجن لعدم اعترافهم بولاية الفقيه .فإذاً ليست القضية أن
أيران حريصة على المذهب الشيعي وتريد أن تنشره وإنما حريصة من أجل أن
يكون لها نفوذ في المنطقة لتمرير سياستها وليس من أجل حالة دينية أو
مذهبية )) . (14)
***
مسائل اعتقادية
ناقش السيد الامين مسائل كثيرة اعتقادية خاصة بالشيعة الامامية الاثني
عشرية ، كالامامة التي يعدها الشيعة الامامية الهية النص ، وهي اصل من
اصول الدين عندهم ، وقضية التقية التي اسيء فهمها واستخدامها ، وقضية
الفهم الخاطيء عند بعض الشيعة الامامية والكثير من السنة لما سمي بمصحف
فاطمة ، كل هذه المسائل وغيها ناقشها رجال الدين الشيعة الامامية من
فقهاء ومراجع ومفكرين ، الا ان مألة شهادة المرأة لم يناقشها من قبل أي
رجل اسلامي مهما كان عنوانه حسب اطلاعي المتواضع، اذ انه افتى بشرعية
شهادة المرأة الواحدة.
الامامة:
اخذت الامامة حيزا كبيرا من تاريخ الصراع السياسي والفقهي بين الشيعة
وبين المذاهب الاسلامية الاخرى منذ السقيفة الى يومنا هذا .
وإذا كانت قضية الامامة قد بدأت بداية سياسية ، فإنها ولاسباب كثيرة لا
مجال لذكرها قد تحولت الى قضية فقهية ، ثم مذهبية (سياسة وفقه)، وقد
تناول اساطين المذهب عبر التاريخ ، الا ان الكثير من المؤثرات الخارجية
قد جعل منها مسألة عقدية ، بل اصل من اصول الدين.
يقول: (( المشهور عند علماء الكلام الشيعة أن أصول الدين هي خمسة وهي
التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد يوم القيامة ولعل كلمة (أصول
الدين) كمصطلح كلامي عندهم أوحت للكثير من أهل العلم والعلماء بأن الدين
في رأيهم يدور مدار الإعتراف بهذه الخمسة ولكن المستفاد من كلمات جملة من
الفقهاء أن أصول الإسلام ثلاثة هي التوحيد والنبوة والإيمان باليوم الآخر
فكل من آمن بتوحيد الله تعالى ونبوة محمد بن عبد الله واليوم الآخر فهو
مسلم تجري عليه أحكام الإسلام وهو من المسلمين في الصميم له ما لهم وعليه
ما عليهم ويستبطن الإيمان بتلك الأصول الثلاثة الإيمان بكل الأنبياء
والرسل والرسالات وكل ما أوحى الله به إلى رسوله محمد عليه أفضل الصلاة
والسلام•
ومقتضى الجمع بين كلمات علماء الكلام وكلمات الفقهاء أن يقال بأن مقصود
علماء الكلام ليس ناظراً إلى الأمور التي يتحقق بها اتصاف الإنسان بأنه
مسلم وإنما كان نظرهم إلى ما اعتبروه من أسس الفكر الديني التي تحتاج إلى
إقامة الدليل عليها لإثباتها والدفاع عنها ولعله لذلك لم يلتزم بها
الفقهاء في أحكامهم واستنباطاتهم الفقهية الباحثة عن احوال المكلفين
والأحكام اللاحقة لهم في معتقداتهم وعباداتهم ومعاملاتهم• والإمامة كمنصب
ديني تحدث عنها القرآن الكريم في آيات عديدة كقوله تعالى: قال إني جاعلك
للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين} وقوله تعالى: يوم
ندعوا كل أناس بإمامهم} وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا} وغيرها من الآيات
التي أشارت إلى موقع الإمامة•
ولعله بإعتبار أن الإمامة تشكل في بعض معانيها امتداداً للنبوة في حمل
الرسالة والمحافظة عليها ولكن بدون وحي من الله تعالى ولأنها دون مقام
النبوة المرتبطة بالوحي الإلهي كان يترك أمر التشخيص في الإمامة إلى
النبي (ص) وقد يكون لهذا الأمر أو غيره لم يتعرض القرآن الكريم بشكل واضح
وصريح للمسألة والله سبحانه وتعالى هو العالم بحقائق الامور والأحكام)) •
(15)
***
التقية:
يقول : (( يتحمل التفسير الفقهي المشهور عند الفقهاء مسؤولية التشويه
لمفهوم التقية حيث انطلقوا في تعريفهم لها من منطلقات الخوف الشخصي
والضرر الفردي مما أوحى أنها طريقة سرية لحفظ الشخص بإظهاره شيئاً لا
يبطنه ولذلك أخذ الفقهاء في تفسيرها دفع الضرر مع أنه لم يرد له ذكر في
النصوص الواردة في التقية والتي أعلن عنها الأئمة عليهم السلام بشكل علني
وظاهر ولم تكن طريقة سرية وإنما كانت حكماً شرعياً يكشف عن تجاوز الأشكال
المختلفة في أداء العبادات والمعاملات إلى وحدة الجوهر والمضمون الذي
ينطبق على كل الأشكال والأفراد فليس جوهر العبادة ومضمونها في شكلها
وإنما هو قائم في حقيقة المعبود الواحد والأمة الواحدة، فالتقيّة تريد أن
تقول للجماعة التي اعتادت على شكل خاص في العبادة مثلاً أن هذا الشكل ليس
نهاية العبادة التي لا تنحصر بهذا الشكل وبهذه الشروط بل هي واسعة تشمل
هذا الشكل وغيره من الأشكال الأخرى التي تتكافأ في الصحة ولذلك لم تكن
الدعوة إلى الإتيان بها مخصوصة بظروف طارئة وإنما كانت دعوة شاملة لحالات
الإرادة والإختيار فالإمام الصّادق كان يدعو أصحابه وشيعته للذهاب إلى
مساجد المختلفين معهم في شكل العبادة وإلى عشائرهم والصلاة بصلاتهم وقال
إن المصلي خلفهم كالمصلي خلف رسول الله في الصف الأوّل وأنه كالمجاهد في
سبيل الله وهكذا كان الحال بالنسبة إلى الصوم وأداء مناسك الحج ولذلك لم
يرد عن الأئمة وجوب الإعادة لتلك العبادات بعد ارتفاع الظرف الذي استدعى
إظهار الموافقة وهذا يعني أن التقية ليست طريقة ظرفية سرية وإنما هي
الطريقة الدائمة للبحث عن المشتركات والإبتعاد عن مظاهر الإنقسام
والإختلاف حفاظاً على وحدة الأمة والجماعة ومن المعلوم أن حاجة الأمة إلى
الوحدة ليست حاجة ظرفية وإنما هي حاجة مستمرة ودائمة إلى أن يرث الله
الأرض ومن عليها، ولعله لأن الغاية من التقية هي الوحدة التي تتجلى في
البحث عن المشتركات والأخد بها عبر الإمام الصادق عنها (التقية ديني ودين
آبائي) (ومن لا تقية له لا دين له) لأن الذي يرفض العمل بالتقية بهذا
المعنى يرفض المشترك ويرفض الآخر وهو بذلك يخالف الوحدة التي تقع في
طليعة الاهداف الدينية•
ولذلك نقول إن ما يعمل له بعض علماء الشيعة وغيرهم حول التقارب ليس أمراً
عابراً وظرفياً إنه تكليف شرعي يجب القيام به والإستمرار عليه وفيه
استجابة لقول الله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون
بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}• )).
(16)
***
مصحف فاطمة:
((إن القرآن الكريم هو كتاب الله المنزل على نبيه محمد بن عبد الله وهو
الموجود بين أيدي المسلمين بدون زيادة ولا نقصان فهو الكتاب الذي لا
يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وقد بلّغه الرسول بتمامه وهو الذي
لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى هذا ما يعتقده المسلمون الشيعة
قولاً واحداً وهذا ما كان عليه أئمة أهل البيت في شتى الأعصار ومختلف
الأمصار وإذا وجدت بعض الروايات تنقل خلاف ذلك فهي باطلة ومردودة لأن
أئمة أهل البيت قد ثبت عنهم القول (بأن ما خالف قول ربنا لم نقله) (وكل
حديث مخالف لكتاب الله هو مردود وزخرف باطل) ورواياتهم بهذا المعنى
متواترة، وليس للمسلمين الشيعة من كتاب منزل من عند الله على رسول الله
غير القرآن الكريم•
وأما ما يقال عن وجود مصحف لفاطمة عليها السلام فهو مما لم أعثر على نسخة
منه ولا هو موجود بين أيدينا ولم نقرأه في حوزاتنا العلمية ومدارسنا
الدينية ولم نجد فيها من مصاحف غير القرآن الكريم المنتشر في كل بيوتنا
وأماكن عبادتنا وهو المعروف والمسمى بمصحف عثمان برواية حفص عن عاصم وهو
المطبوع مراراً في المملكة العربية السعودية والمنشور في كل البلاد
الاسلامية، وهناك مؤلفات عديدة في تفسير القرآن الكريم لعلماء كثر من
المسلمين الشيعة منذ مئات السنين ليس في آياته زيادة أو نقصان عن النسخ
الحالية للقرآن الكريم•
ولا يوجد لديهم تفسير واحد لمصحف فاطمة الذي قد يكون المقصود منه الأدعية
والأوراد والأذكار التي كانت تقوم بها في عباداتها، ولعل منشأ الدعايات
في الماضي كان من قلْة الإطلاع الذي يعود لأسباب مختلفة كانت تمنع من
حصول التواصل العلمي بين مختلف الأطراف•
نرى أن هناك إهمالاً للقرآن الكريم لدى المسلمين الشيعة ويقول بعض
المراجع أنه يفاجأ بأن الحوزة العلمية في النجف أو في قم لم تمتلك منهجاً
دراسياً للقرآن، إلى أي حد يمكن أن يصل عدم إلتزام القرآن في المدارس
الحوزوية الشيعية؟
إن وجود إهمال لدراسة القرآن الكريم في مدارسنا الدينية وحوزاتنا العلمية
بالحد المذكور في السؤال هو أمر مبالغ فيه، فنحن عندما كنا في النجف كانت
توجد دروس لتفسير القرآن الكريم، وكنا نحضر بعضها وفي الدراسة الفقهية
كان الإعتماد على آيات الأحكام باعتبار علاقتها بالإستدلال على الأحكام
الشرعية ونحن لا ننكر بأن المنهج الذي كان موجوداً لم يكن كافياً لحفظ
القرآن الكريم وتجويده وقد كانت علوم التفسير تعتمد على الجهد الشخصي
لطلاب العلم وليس على وجود منهج دراسي يلزم الطلاب بدراسته ومع ذلك فقد
وجدت عشرات التفاسير القرآنية التي ألفها العلماء الموجودون في الحوزات
العلمية التي تقوم على الدراسة الحرة ولا تعتمد في الأصل على نظام دراسي
محدد وإن اختلف الوضع قليلاً في زماننا•
الإمام الخميني يذكر في أحد كتبه أن جبريل نزل على فاطمة وحدثها لما يجري
لها ولذريتها ودوّن هذا كله الإمام علي بن أبي طالب ما رأيك؟
- إن المعروف لدينا أن جبريل كان هو الواسطة في نزول الوحي من الله على
النبي محمد (ص) وقد جاء في القرآن الكريم (وكذلك أوحينا إليك قرآناً
عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها) (قل إنما أنا بشر يوحي إليّ انما إلهكم
إله واحد) (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك) وغيرها من الآيات التي
تحدَّثت عن نزول جبريل بالوحي على النبي وأما نزوله على غير رسول الله
فليس عليه دليل من كتاب الله•
وأما الروايات والأخبار ففيها الصحيح وفيها غيره الكثير ولا ندري ما هي
الفائدة من إطلاع فاطمة الزهراء على ما يصيب ذريتها بعدها وتدوين الإمام
علي لتلك المعلومات؟! والله تعالى يقول في كتابه لنبيه قل لا أملك لنفسي
نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير
وما مسني السوء إن انا الا نذير وبشير لقوم يؤمنون}• )).
(17)
***
شهادة المرأة:
(( تدخل شهادة المرأة في الآلية التي يعتمدها القاضي لتحقيق العدالة وفصل
الخصومة وقد مر معنا سابقاً أن المُشرِّع في باب القضاء عندما ينظر
القاضي إلى التفصيلات لا يُغْفِلُ الواقع الذي يكون عليه المجتمع فهو
يريد أن يحقق العدالة بأدوات الواقع وبما أن الواقع الذي كانت عليه
المرأة عند التشريع كان واقعاً يفرض عليها ما يشبه العزلة التي تمنعها من
الإطلاع على مجريات الأحداث والمعاملات التي كانت تجري في مجتمع الرجال
مضافاً إلى المهام العائلية التي كانت تلقى على عاتقها مما يصرفها عن
الإهتمامات الأخرى وهذه من العوامل التي تجعلها بنظر المجتمع غير قادرة
على ضبط الأحداث والوقائع الجارية في الغالب بين الرجال ولذلك جاء اشتراط
المرأة الثانية في الشهادة احتياطاً لتحقيق العدالة ودفعاً لاحتمال قلة
الحفظ والضبط للواقعة المشهود عليها وهذا الاحتمال كان موجوداً في أذهان
وعقول أصحاب تلك البيئة ،وهو ناشىء من أجواء العزلة التي كانت تعيشها
المرأة في ذلك المجتمع الذي حدد لها دوراً ضيِّقاً يُشغلها أو يمنعها في
الغالب من التواصل مع عالم الرجال الذي كانت تجري فيه المعاملات على
أيديهم في أغلب الأحيان ،ولذلك فإننا نرى أن الآية المباركة (أن تضل
إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) لا تدل على وجود هذا الإحتمال من خلال
التكوين لخلقة المرأة وإنّما هو احتمال وَّلدته الظروف التي كانت تعيشها
المرأة.
ولو كان اعتبار تعدُّد المرأة في الشهادة ناشئاً من نقص في التكوين لدى
المرأة وجاء التعدد لسد هذه الثغرة للزم من ذلك إعتبار التعدد حتى في
الموارد التي اكتفت الشريعة بشهادة المرأة الواحدة كما في الشهادة على
الولادة وغيرها من الأمور التي لا يطّلع عليها الرجال.
وهذا يكشف لنا أن التعدد ليس لنقص ذاتي في المرأة بل كان لوضع طارىء كانت
تعيشه المرأة وبلحاظ هذا الواقع لا يكون في اعتبار التعدد إنتقاص من
الوضع الحقوقي للمرأة..
وعلى هذا الأساس الذي ذكرناه يمكن للفقيه أن يعتمد على الآيات القرآنية
الآمرة بالمحاكمة العادلة وينفي آلية اشتراط التَّعدد فيما تشهد عليه
المرأة إذا تغيرت الظروف التي فرضت التعدد في شهادة المرأة وأمكن الوصول
إلى العدالة المطلوبة )). (18)
***
عادات وليس عبادات:
(( إن هذه الأمور التي تمارس في إحياء مراسم عاشوراء تندرج تحت عناوين
العادات والتقاليد التي تراكمت عبر مئات السنين وليس لها في معظمها أساس
من الشرع وقد تترسخ بعض العادات إلى درجة يصعب معها الإقلاع عنها لأنها
أصبحت في نظر القائمين بها جزءاً من الشعائر الدينية التي يعتقد أصحابها
أنهم ينالون الأجر والثواب عليها وهنا يأتي دور العلماء الذين يجب أن
يُظهروا الحقيقة للناس وعندما كنا في العراق كان رأي جملة من العلماء
يخالف تلك المظاهر ولكنهم كانوا لا يجرؤون على التصريح بذلك خوفاً من
جمهور الناس الذين اعتادوا على تلك الأعمال وقد أفتى بعض العلماء بحرمة
إدماء الرؤوس والأجساد وبعض المظاهر الأخرى وقد تعرّض هذا البعض إلى
حملات واسعة من التشهير وصلت إلى حد التكفير كما جرى ذلك للمرحوم السيد
محسن الأمين الذي حرَّم تلك المظاهر قبل منتصف القرن الماضي وألف كتاباً
لتهذيب السيرة الحُسينية ولتصحيح أداء خطباء المنبر الحسيني•
وعلى كل حال فإنّ الشيعة مدعوون إلى أن يرجعوا إلى أئمتهم من أهل البيت
الذين لم يمارسوا مثل هذه العادات والتقاليد في عاشورا مع أنهم أنفسهم هم
أصحاب المصيبة بأبيهم وجدهم الإمام الحسين وأهل بيته سلام الله عليهم
أجمعين))• (19)
***


الهوامش:
1 - جريدة الجريدة- العدد 399 - 02/09/2008.
2 - خطاب العلامة المجتهد السيد علي الأمين - جامعة هلسنكي –
فنلندا-1999م.
3 - كلمة العلامة المجتهد السيد علي الأمين في مؤتمر العودة الى القرآن :
مرجعية القرآن بين الماضي و الحاضر – 15/5/ 2009 .
4 - خطاب العلامة المجتهد السيد علي الأمين - جامعة هلسنكي –
فنلندا-1999م.
5 - بحث العلامة المجتهد السيد علي الأمين- في مؤسسة الإمام الخوئي –
لندن- في25/10/1999.
6 – المصدر السابق.
7 - جريدة الجريدة- العدد 399 - 02/09/2008
8 - في حوار عام وشامل تناول مختلف القضايا مع جريدة اللواء – ج2 -
12/8/2008.
9 – المصدر السابق.
10 - بحث العلامة المجتهد السيد علي الأمين- في مؤسسة الإمام الخوئي –
لندن- في25/10/1999.
11 - صحيفة الوطن – البحرين – 5/3/2008 .
12 - بحث العلامة المجتهد السيد علي الأمين- في مؤسسة الإمام الخوئي –
لندن- في25/10/1999-
13 - حديث لـ”nowlebanon.com - 20 / 11 / 2008.
14 - العلامة السيد علي الأمين في مقابلة مع التلفزيون المصر ي حول
الاحداث الأخيرة التي تجري على الساحة العربية – 10/4/2009 .
15 - في حوار عام وشامل تناول مختلف القضايا مع جريدة اللواء- ج3 -
12/8/2008.
16 المصدر السابق.
17 - المصدر السابق.
18 - القضاء بين الثّابت والمتغيّر - 11/10/2003 .
19 - في حوار عام وشامل تناول مختلف القضايا مع جريدة اللواء –ج3-
12/8/2008.
– يقول المفكر الاسلامي احمد الكاتب وهو يتحدث عن السيد محمد الشيرازي في
كتابه : الشيرازي في مواجهة التحديات الحضارية : ((وأيد مختلف انواع
الشعائر بما فيها اللطم وضرب السلاسل والتطبير ووطء الجمر اللاهب يوم
عاشوراء.
حتى انه قاد بنفسه مواكب للتطبير ( ضرب الرؤوس بالسيوف) باسم الحوزة
الدينية في كر بلاء في أواخر الستينات ، لحسم الجدل الدائر حولها . ودفع
أخاه السيد حسن الشيرازي في سنة 1385/1965إلى تأليف كتاب باسم (الشعائر
الحسينية) شن فيه هجوما عنيفا على الذين ينتقدون الشعائر ووصفهم بالعملاء
للمستعمرين والعداوة للتشيع ، وهو ما أدى إلى انقسام الناس في كر بلاء ،
وانحياز جماعة من أصدقاء الشيرازي السابقين وخاصة أعضاء (الجمعية الخيرية
الإسلامية) إلى الصف المطالب بإصلاح الشعائر والوقوف امام التطرف في
ممارستها ، ثم أدى إلى قيام بعض أنصار الشيرازي بالهجوم على مركز الجمعية
الخيرية وتحطيمه سنة 1966 مما ترك شرخا في صفوف الحركة الإسلامية في
كربلاء والعراق.
كان الشيرازي ينظر إلى (الشعائر الحسينية) كوسيلة مهمة لنشر الإسلام
والتشيع وتعزيز قوة المرجعية أمام الدولة العراقية ، ويرى في محاولات
ضربها أو تحجيمها من قبل السلطات الظالمة محاولة للسيطرة على الأجواء .
وكان انحيازه الى جانب المؤيدين الى اقامة الشعائر الحسينية بمختلف
أنواعها ، يحقق له ضمنا شعبية واسعة في صفوف عامة الناس بالرغم من انه
كان يبعد عنه النخبة المثقفة التي كانت تستنكر التطرف في ممارستها كدخول
النار او التطبير والضرب بالسلاسل )).


المصدر الرئيس :
الموقع الالكتروني لسماحة السيد علي الامين.

الشيخ حسين المؤيد


((إنا اغلـّب المصلحة الوطنية التي لا تنفصل عن المصلحة الدينية
والمذهبية)).
الامام الشيخ المؤيد


مقدمة:
ان الحديث عن سماحة الامام الشيخ حسين المؤيد هو حديث عن العراق لما بعد
الغزو والاحتلال الامريكيين ، وما جاء به على مستوى السياسة والاجتماع .
والتصحيح والتجديد الذي نعنيه في الفكر الشيعي عند سماحة الشيخ الامام
حسين المؤيد يتوضح من خلال :
- دراسته لما في كتب الحديث الشيعية المعتبرة من احاديث وروايات – متنا
وسندا – من خلال مدى تطابقها مع القرآن الكريم، والعقل السوي (او ما يسمى
بالمعقول) والمنطق، او تعارض اجزاء متنها مع بعضها، او تعارضها مع غيرها.
- دراسة احوال رجال السند اعتمادا على كتب الرجال الشيعية خاصة .
- رد بعض الايات القرآنية الى مواضعها الحقيقية في التفسير ، لا كما
اولها البعض لاضفاء الصحة على ما يرووه من احاديث غالية.
- تحديد ما دخل المذهب ، او تلك الاحاديث والروايات ، من معتقدات اخرى–
من شتى الاديان والمعتقدات والشعوب - عبر مر العصور ، فاصبحت تلك
المعتقدات هي الواجهة الامامية للمذهب ، مع العلم ان الكثير منها تتلبس
بلباس الاسطورة والخرافة ، وهذه التجديدات اعتمدت ايضا ميزان القرآن
والعقل والمنطق.
- اعادة العمل بالاجتهاد الشيعي الفعال بعد ان توقف لاسباب شتى، فأصبح
المتأخر يكرر ما قاله المتقدم في الكثير من المسائل الفقهية(1) التي تبنى
– عند المتقدمين – على ما خالف القرآن والسنة الصحيحة بسبب لافتة غير
صحيحة مرفوعة عندهم ان ( ما خالف العامة فخذوا به) (2)، ولاسباب سياسية ،
ولتأثيرات عنصرية من الخارج.
- القبول بالرأي الاخر – من المذاهب الاخرى – (3) طالما يعتمد القرآن
والسنة الصحيحة ، واعتماده دليلا في الكثير من الاراء( الفتاوي ).
- الدعوة النظرية والعملية الى التقارب بين المذاهب ، حتى وصل الحال
بسماحة الشيخ الامام الى تقديم مشروعه للفقه التقريبي ، أي الفقه الذي
يعتمد الصحيح في المذاهب كافة، وهو ما زال عليه في مرجعيته، على اعتبار
ان تلك المذاهب ما هي الا مذاهب فقهية نختلف معها في المسائل الفرعية
التي يمكن تحصيلها بالاجتهاد اعتمادا على القرآن والسنة النبوية
الصحيحة .
ان الدراسة هذه ، وغيرها من الدراسات القادمة ، تأتي للكشف – بصورة علمية
موضوعية محايدة- عن المشروع التجديدي والاصلاحي الذي حمل لواءه سماحة
الشيخ الامام حسين المؤيد في وقت وصل فيه الفكر الشيعي الاثني عشري عند
البعض الى الجمود ، والاسطورة والخرافة.
***
الإمام الشيخ حسين عبد القادر عبد اللطيف المؤيد : (4)
ولد سماحة الامام الشيخ حسين المؤيد في بغداد في 10-1-1965 م و نشأ في
أحضان أسرة عريقة معروفة من أعيان الكاظمية ببغداد .
***
دراسته العلمية:
عرف بنبوغه المبكر و استطاع في دراسته الدينية أن يصل الى مرحلة الاجتهاد
المطلق في سن الحادية و العشرين . و منذ ذلك السن كان له كرسي تدريس ما
يصطلح عليه في الحوزة العلمية " البحث الخارج " .
***
نهجه اللاطائفي والوحدوي:
ان سماحته مرجع إسلامي كبير ينتهج نهجاً وحدوياً بعيداً عن الطائفية و
المذهبية و قد عُرف بمنهجه الوحدوي و تميز به فانفتحت عليه المحاور
الدينية المتنوعة في العالم العربي و الإسلامي , لذا فسماحته شخصية تحظى
باحترام كبير في العالم العربي و الإسلامي و لها علاقات مهمة على الأصعدة
الرسمية و الشعبية .
يعتبر سماحته من الشخصيات المحورية البارزة و الفعالة في العراق .
لأفكار سماحته الدينية و السياسية وزن و تأثير لدى النخب المثقفة في
العراق و العالم العربي .
***
مؤلفاته:
طبع لسماحة آية الله الشيخ المؤيد العديد من المؤلفات التخصصية هي:
1 - دراسات في العروة الوثقى .
2 - مسائل من الفقه الاستدلالي صدرت منه ثلاث حلقات .
3 - علم الدراية .
4 - مباني القضاء والشهادات .
5 - بحوث استدلالية في فقه الأحوال الشخصية .
6 - بحث حول مقدار دية الذمي.
7 - معالم الحضارة الإسلامية .
ولساحته مؤلفات مهمة لم تطبع لحد الآن منها:
1 - منهاج الاستنباط في أصول الفقه.
2 - بحوث استدلالية في فقه الحج والعمرة .
3 - حاشية على العروة الوثقى لم تتم بعد
4 - حاشية على وسيلة النجاة ة لم تتم بعد
5 - حصيلة الفكر في أصول الفقه
6 - تعاليق وحواشي وبحوث متفرقة في علم الرجا ل.
7 - تعليقة على مناهج الأصول لم تتم بعد .
8 - مجموعة من المحاضرات العامة التي ألقاها على جماهير الأمة .
9 - بحث فقهي استدلالي حول صلاة الجمعة .
10 - الجز السابع من دراسات في العـروة الوثقى .
11 - أجوبة الاستفتاءات القضائية .
12 - إتحاف السائل وهو كتاب جامع لأجوبة المسائل المختلفة التي استفتي
فيها سماحته
13 - الآفاق المستقبلية للوضع في العراق
14 - الآفاق المستقبلية للمشروع النهضوي عربيا وإسلاميا"
15 - عقبات حركة النهضة الإسلامية
16 - حوار الأديـان
17 - دور النهضة الإسلامية بعد عصر الحداثة
18 - الإنسان بين المدرسة الربانية والمدرسة الوضعية
19 - الإشراف الرباني على المسيرة البشرية
20 - نشوء الدولة في المجتمع البشري
21 - المنظومة الفكرية
22 - دور الدين في صنع الحضارة
23 - مقارنة بين مشروع الحداثة الأوروبية ومشروع النهضة العربية
الإسلامية
***
معالم بارزة في منهج الإمام الشيخ حسين المؤيد:
1 – الوسطية الدينية والوطنية السياسية.
2 - الوحدة الإسلامية والتقريب بين المذاهب الإسلامية.
3 - الموضوعية والصراحة.
4 - الحوار البناء لاسيما بين الأديان والثقافات.
5 - الإسهام في المشروع النهضوي للأمة .
***
من اقواله:
- نحن نقول لابد من ان يتخلص الشعب العراقي من دوامة الفعل ورد الفعل
الطائفي وان يتمسك بالخيار الوطني العراقي لانه الخيار الوحيد الذي يمكن
ان ينهي هذه الازمة.
- فادعو الشعب العراقي إلى أن يتمسك بالثوابت المشتركة الثوابت الدينية
والوطنية ، أن يأخذ بالمشروع الوطني وان يفشل المؤامرات وان لا يفكر
بعقلية ضيقة وان يبقى يفكر بعقلية منفتحة.
- نحن نعمل بجد على تأصيل ثقافة الوحدة .
- نحن ضد الطائفية السياسية وضد الطائفية المذهبية .
- البديل هو المشروع الوطني العراقي الذي يعتمد الثوابت الوطنية
العراقية.
- ليست التعددية السياسية ، وعدد الاحزاب هما جوهر الديمقراطية.وإنما
جوهرالديمقراطية هو المشاركة في الحياة السياسية، في صنع القرار.
- النظام الإيراني ليس له مشروع إسلامي عام وليس له مشروع شيعي عام ولكن
له مشروع إيراني قومي يتخذ من الإسلام والتشيع أدوات بسط النفوذ
والهيمنة.
- التعايش بين السنة والشيعة في العراق نموذج فريد وقديم ولا يمكن لهذا
الظرف الطارئ ان يقضي على هذا النموذج.
***
مواقفه السياسية:
1 - أسس سماحته سنة 2007 نواة تنظيم سياسي في العراق ليساهم في إيجاد
طبقة سياسية عراقية وطنية منظمة و اسمه " التيار الوطني العراقي " و هو
رئيسه حالياً .
2 - تميز سماحته في العراق بمواقف سياسية منذ البداية فهو من الرافضين
للاحتلال و الرافضين للطائفية السياسية و للمحاصصة , و من الداعين الى
وحدة العراق و قد رفض تقسيم العراق الى أقاليم و أكد على ضرورة وحدة
العراق شكلاً و مضموناً و دعا الى تصحيح مسار العملية السياسية في
العراق .
3 - قدّم سماحته طروحات هامة جداً لحل الأزمة العراقية كمشروع الميثاق
الوطني العراقي و مشروع اللقاء الوطني العراقي و مشروع المجلس الوطني
الموحد للمعارضة العراقية , و مشروع تسوية سياسية قدّم إلى الجامعة
العربية . و غير ذلك من الطروحات .
***
أطروحاته ومشاريعه النهضوية :
وفيما يلي نذكر مجموعة من الأفاق التي نشط فيها سماحته ولا يزال :
1 - يتبنى آية الله الشيخ المؤيد المشروع النهضوي للأمة .
2 - يبدي سماحته انفتاحاَ ذهنياَ كبيراَ تجاه مسالة التجديد والاجتهاد في
سبيل الوصول إلى تفعيل الفكر الديني , وتقديم الفقه بصورة عصرية ناضجة مع
حفظ أصالته بحيث تجعله يلبي حاجات الأمة ويواجه التحديات التي تفرض
عليها .
3 - يدعو سماحته إلى العقلانية و الموضوعية وتجاوز الذات كأساس لبناء
العقل العربي والإسلامي .
4 - يدعو سماحته الى مراجعة شاملة للتراث بعقل منفتح وفهم عميق للواقع
المعاصر لتقديم الصورة الإسلامية الأصيلة التي يسترشد بها الإنسان في
حياته .
5 - يعتقد سماحته بضرورة قيام التيارات السياسية الفاعلة في الشارع
والواقع – وعلى رأسها التياران الإسلامي والقومي – بعملية مراجعة ونقد
ذاتي , كما يعتقد بضرورة الحوار وتلاقح الأفكار كيلا لا يصاب الفكر
بالرتابة والركود والتراجع .
6 - ويؤمن بان القطيعة بين التيارين القومي والإسلامي في الحقبة الفائتة
كانت أمرا بعيداَ كل البعد عن المنطق والعقلانية والموضوعية وان من
الضروري البحث عن المشتركات , وهي ذات مساحة واسعة , ويعتقد أن فرض
الوصول إلى التلاحم متوفرة وموجودة .
7 - يقف سماحته إلى طليعة الداعين إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية
وله مشروع علمي اسماه بالفقه التقريبي من خلال فتح باب الاجتهاد للوصول
الى نتائج فقهية موحدة مع حفظ الخصوصيات المذهبية .
8 - يؤمن سماحته بحوار الأديان , ويوليه أهمية كبيرة , ويؤكد على الدور
المشترك الذي يمكن لن تلعبه الأديان السماوية في المجتمع البشري لاسيما
في العصر الحاضر.
9 - يؤمن سماحته بحوار الثقافات .
10 - يؤمن سماحته بضرورة الحوار العربي الإسلامي الغربي .
11 - ينفتح سماحته على المجتمع البشري
***
الحوزة والمرجعية:
شغلت الحوزة العلمية ومؤسسة المرجعية الدينية حيزاَ كبيراَ من اهتمامات
سماحته وفكره , ولذا فإن لسماحته رؤى عميقة بشأن تطوير الوضع الحوزوي
والمناهج الدراسية وتطوير مؤسسة المرجعية الدينية بما يضمن موقعها ودورها
الريادي لا في الطائفة الشيعية فحسب بل وحتى على صعيد العالم الإسلامي
كله وعلى الساحة الدولية.
وقد ناقشنا رأيه الفكري والشرعي في دراستنا المطولة : ( التصحيح والتجديد
في الفكر العربي الاسلامي - عند المرجع الديني سماحة اية الله الامام
الشيخ حسين المؤيد).
***
مفهوم السنة النبوية عند الشيعة
من منظور الشيخ الامام المؤيد

عن كتب الحديث المعتمدة عند الشيعة الامامية ، يوضح سماحته منهجيته في
اعتماد ما جاء في تلك الكتب من احاديث ومرويات ، ومن ثم استنباط الحكم
الشرعي ،يقول:
(( ان مصطلح السنة عند الشيعة الامامية يطلق على قول المعصوم وفعله
وتقريره , ويقصدون بالمعصوم الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم
وابنته فاطمة الزهراء عليها السلام والأئمة الاثنى عشر ,وبالتالي فالسنة
التي هي احد المصادر الاصلية للاحكام الشرعية والمفاهيم الاسلامية، تعم
كل ذلك عندهم .
وقد كان الصدر الاول من الشيعة سباقين الى تدوين السنة لا سيما
الاحاديث . وعند الرجوع الى المؤلفات التي فهرست لرجال الاحاديث والاصول
والكتب والمدونات الحديثية نجد ان قدماء الشيعة كانت لهم المؤلفات
الكثيرة المتصلة بنقل الاحاديث عن الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم
وعن امير المؤمنين علي والحسن والحسين وزين العابدين عليهم السلام .
وقد كانت هذه الكتب والمدونات مدار النقل والتحديث والسماع , وفي كل طبقة
اضيف الى تلكم المدونات الاحاديث التي تروى عن الأئمة التالين حسب كل
طبقة , وبهذا تكونت ثروة حديثية واسعة . الا ان النسبة الاكبر من هذه
المدونات لم تصلنا خاصة بعد ان تم اختزال كل ذلك التراث عبر المجاميع
الحديثية التي عبر عنها بالكتب الاربعة وذلك في القرنين الثالث والرابع
الهجري , وصارت هذه الكتب مدار النقل والاستدلال . على ان هناك كتبا
كثيرة في مواضيع معرفية شتى نقلت الاحاديث لكنها لم تخل من عملية
الاختزال التي اشرنا اليها .ومن الملفت للنظر ان عملية اختزال هذا التراث
تكاد تكون اقتصرت من حيث الممارسة والنتيجة على المرويات عن الامامين
الباقر والصادق ومن بعدهما من الائمة ولم تنقل من مدونات الحديث التي
انتجها الصدر الاول والتي اكتظت باحاديث الرسول صلى الله عليه واله وسلم
واهل بيته الاولين عليهم السلام الا النزر القليل الامر الذي ادى الى
فقدان الشيعة لثروة حديثية ضخمة. والذي اعتقده ان هناك عوامل لا يتسم
بعضها بالايجابية ادت الى هذه النتيجة الوخيمة التي اثرت على بلورة الفكر
الشيعي بالطريقة التي عمقت شرخ الخلاف بينه وبين فكر المدارس الاسلامية
الاخرى، بعض هذه العوامل عقيدي وبعضها اجتهادي , فانت اليوم لا تجد في
المرويات ما ينقل عن امير المؤمنين علي وعن الحسن والحسين وزين العابدين
عليهم السلام الا النزر اليسير فضلا عن المرويات عن رسول الله صلى الله
عليه واله وسلم , بينما حين ترجع الى مصادر الشيعه الزيدية تجد ان اهم
مصادرهم هو مسند الامام زيد عليه السلام وهو يحتوي على الاحاديث التي
يرويها زيد عن ابيه السجاد عن الامام الحسين عن علي عن رسول الله صلى
الله عليه واله وسلم فتستطيع ان تحظى بكم من الاحاديث عن الرسول صلى الله
عليه واله وسلم واهل بيته الاولين الامر الذي لا تجد نظيره في الكتب
الاربعة . وحتى الكتب الاربعة تتضمن عددا غير قليل من الاحاديث التي تتصف
بسند معتبر لا يمكن نسبتها الى الأئمة عليهم السلام ولا تتصف بالحجية لان
متونها تحتوي على خلل فاضح يشي بان هذه الاحاديث اما ان تكون مدسوسة ووضع
لها سند معتبر او مكذوبة يمكن ان يكون بعض رجال سندها ممن تم توثيقه بحسب
الظاهر غير ثقة بالواقع قام بافتعالها اوالزياة والنقصان فيها الامر الذي
سبب في نظري مشكلة كبيرة في اتجاه عملية الاستنباط في المسار الصحيح .
ومن هنا فانني اخذ كل هذه الامور بنظر الاعتبار في استنباط الاحكام وقد
قمت بتاصيل قواعد في هذا المجال بحيث لا تكتفي عملية الاستنباط بالمصادر
الموجودة وانما تعتمد منهج المقارنة والدراسة التحليلية وتتبع مسار
الاحكام منذ خيوطها الاولى, كما لا تكتفي بالنظر الى اعتبار السند وانما
تدقق في المتن وتدرس جو النصوص وتنفتح على كل القرائن التي يمكن ان تلعب
دورا في تقييم النص)) .
اما عن رأيه بما ضمه كتاب نهج البلاغة من خطب وكلمات ورسائل الامام علي
بن ابي طالب ، فيقول :
(( واما كتاب نهج البلاغة فقد اخطا من ادعى انه من تاليف الشريف الرضي
وانما الصحيح ان الشريف الرضي قام بجمع هذه الخطب والكلمات المنسوبة الى
امير المؤمنين علي عليه السلام من الكتب والمصادر والمنقولات والمدونات.
ولا بد من اتباع منهج التدقيق في المنقول في هذا الكتاب حسب السند والمتن
فما تم له سند معتبر ولم يكن في متنه خلل يمكن حينئذ نسبته الى امير
المؤمنين عليه السلام ويترك ما عداه . فالناس وقعوا في قضية نهج البلاغة
بين تفريط وافراط , فالتفريط نسبة الكتاب الى الرضي نفسه ,والافراط هو
القول بنسبة كل ما في الكتاب الى امير المؤمنين عليه السلام , والمنهج
الوسط هو ان الكتاب ليس للشريف الرضي وانما هو مجموع ما نسب الى امير
المؤمنين علي عليه السلام من خطب وكلمات , ويحكم بصحة ما كان له سند
معتبر ولم يكن في متنه خلل وما لا ينافي الاعتبار)) .
و رأيه في كتاب : (مستطرفات السرائر)، فيقول الشيخ الامام:
((و أما مستطرفات السرائر فحيث أن ابن ادريس لم يذكر طرقه الى الكتب التي
نقل منها تلكم الروايات فلذا لا تتصف روايات مستطرفاته بالحجية . و قد
حاول البعض علاج هذه الثغرة بمعالجات غير صحيحة . فالصحيح أن مستطرفات
ابن ادريس غير واجدة لمعايير الاعتبار)) .
من اعلاه ، يمكننا القول ان المشروع الاصلاحي النهضوي في الفكر- ومن ثم
في المذهب - تصحيحا وتجديدا، قائم على اسس متينة ،ويمكن التبشير به ،
للافادة منه ، من حيث اعتماده – على مستوى السنة – على احاديث ومرويات
مدقق في سندها ومتنها وعدم معارضتها للقرآن الكريم والعقل السوي.
ان المشروع الاصلاحي التجديدي لسماحة الشيخ الامام المؤيد انفتح على عدة
ابواب ، تحدثت عن الكثير منها في دراساتنا السابقة، وسنقدم بعضا منها في
هذه الدراسة.
***
تعامله مع الاحاديث والروايات:
دراسة الاحاديث النبوية علم واسع وكبير ، ويقوم هذا العلم الذي اخترعه
ووضع اسسه ومقوماته المسلمون الاوائل ، على دراسة متن الحديث واسانيده ،
وقد برع الكثير من العلماء فيه قديما وحديثا ، اذ قاموا ايضا بوضع
تقسيمات محددة وبينة الحدود والسمات للاحاديث تلك .
وصنفت - خدمة لهذا العلم - المصنفات العديدة لدراسة رجال السند ، سميت
بكتب الرجال عند الشيعة والسنة.
واذا كان سماحة الشيخ الامام قد اعتمد على ما قدمه الاولون في هذا العلم
فإنه – ومن خلال مشروعه الاصلاحي والتجديدي - لم ينس دوره في ابداء رأيه
الفقهي(فتواه) في احاديث كثيرة عرضت عليه من خلال:
1 - الاحاديث المرسلة.
2 - عدم وثوقية الراوي.
3 - عدم صحة السند والمتن.
4 - صحة السند وغرابة المتن.
5 – معارضتها للقرآن الكريم.
***
محاربة الغلو في العقيدة

الغلو في اللغة : كما جاء في كتاب العين - الخليل الفراهيدي - ج 4 - ص
446:
((غلا الناس في الامر ، أي : جاوزوا حده ، كغلو اليهود في دينها)) .
وقد رافق الغلو البشرية منذ بدء الخليقة الى يومنا هذا ، ولم يخلص أي دين
او معتقد– سماوي او وضعي – او فكر انساني، منه ، وفي الاسلام رافق الغلو
المسلمين واصبحت هناك فرق غالية كثيرة ، ووضعت المصنفات فيها ، وحبرت
الصفحات في الرد عليها او مناقشتها وغير ذلك.
اما في المذهب الشيعي الاثني عشري ، فقد وجد الغلو له مساحة واسعة في
فكره ، ان كان هذا الغلو في الاشخاص – ليس الائمة وحدهم – ام في
المعتقدات ، او الافكار.
وقد وردت احاديث غالية كثيرة ، منها ما رد وقتها ، ومنها ما ظل الى
ايامنا هذه، او زيد عليها ، فأصبحت من ضروريات المذهب عند البعض .
وقد قام سماحة الشيخ الامام المؤيد من خلال تصديه للمرجعية ، ومن خلال
مشروعه الاصلاحي – على المستويين الديني والسياسي- بمحاربة الغلو في
الفكر الاسلامي عامة، و في الفكر الشيعي الاثني عشري خاصة، و سنعرض هنا
بعض صور هذه المحاربة .
وكأمثلة لمحاربة سماحته للغلو في العقيدة ، رده لجميع الاحاديث والمرويات
عن الائمة والتي فيها غلو يعارض ما جاء في القرآن الكريم ، والسنة
الصحيحة القطعية ، والعقل السوي من مثل:
- علم الغيب عند الائمة.
- ولادة الائمة قبل خلق آدم.
- تقديس الائمة ، ووضعهم موضع الانبياء او تطاولهم لمقام النبوة.
***
من اين نأخذ العقيدة؟

سؤال مهم وكثيرا ما تردد بين سطور اجابات سماحة الشيخ الامام ،بصورة غير
منظورة ، الا انه يستشف من خلال تلك الاجابات .
ان مسألة المهدي المنتظر، مسألة اشكالية في الفكر الانساني ، وقد بينت
الدراسات التاريخية والحفريات الاثارية ، ان اغلب الامم والديانات - خاصة
السابقة للاديان السماوية – قد اعتقدت بمهدي خاص بها ، ولم تستثنى منها
الديانات السماوية ، كاليهودية والمسيحية من وجود مهدي خاص بها .
وفي الفكر الاسلامي ، منذ نشأت الفرق والمذاهب والمدارس، اخذت هذه
المسألة مساحة واسعة في اعتقاد تلك الفرق والمذاهب والمدارس .
و الفكر الشيعي ، بشر بمهديه المنتظر، حتى اصبح لكل مدرسة في المذهب
الشيعي مهديا خاصا به ، فاصبح للزيدية مهديها، وللاسماعيلية مهديها ،
وللاثني عشرية مهديها،...الخ ، وكذلك عند المذاهب السنية ، والصوفية ، مع
الاختلاف.
والشيعة الامامية لها مهديها المنتظر الذي كتبت عنه الكثير من الدراسات ،
هو الامام الثاني عشر، محمد بن الحسن العسكري.
وقد حاولت بعض الدراسات المكتوبة من قبل خريجي الحوزات العلمية الشيعية ،
ان تنفي وجود المهدي عند الشيعة الاثني عشرية وللاسباب التي ساقتها تلك
الدراسات ، على اساس ان مقولة المهدي هي مقولة فلسفية .(5)
ولما كانت دراستنا هذه غير معنية بتلك الدراسات ، فسنترك مناقشتها ،
لنبحث بعض الاعتقادات الخاطئة التي بنيت على هذه المسألة.
فقد رد سماحته روايات اللقاء بالامام المهدي، إذ يعتقد الكثير من عامة
الشيعة، وبتأثير من خطباء المنبر الحسيني وعلماء الشيعة على درجاتهم
كافة ، ان بإمكانهم اللقاء بالامام المهدي المنتظر ، مع العلم ان هناك
اكثر من حديث ينفي قيام مثل ذلك اللقاء ، والسائل – هنا – يطلب من سماحة
الشيخ الامام بيان صحة الحديث (الرواية ) التي تخبر عن هذا اللقاء.
ومن هذا الباب ، رد سماحته – بأدلته الشرعية – روايات ذكرت في الكثير من
المصادر ، كالرواية المذكورة في ( الفوائد المدنية والشواهد المكية -
محمد أمين الإسترآبادي ، السيد نور الدين العاملي - ص 86 )
فكان سماحة الشيخ الامام مدركا جدا الى ما يقف خلف هذه الرواية من امور
خطيرة على العقيدة ، إذ يعرف جيدا انه من خلال تلك الروايات ينبني داخل
عقل الشيعي – العامي خاصة - عقيدة ضالة مضلة ، لهذا نراه يجيب:
(( إن المسائل المرتبطة بالعقيدة (أي عقيدة الاعتقاد بالمهدي - المؤلف)
لا تثبت بهذه القصص و أمثالها . على انها تنافي ما ورد من ان من ادعى
المشاهدة فكذبوه ، كما ان قصة ابن طاووس غير واضحة في ان المكاشفة قد
حصلت مع المهدي نفسه ، و قصة عبد المحسن هذا غريبة جداً و من غرائبها
قوله الوقت دنا و تفسير ذلك بدنو وقت الظهور و قد مضى على تلك القصة حدود
ثمانمئة عام . ثمّ لا ندري ما السبب في انقطاع هذه القصص في زماننا و
لماذا لم تتكرر مثل هذه القصص كما لا ندري لماذا هذا الكم الكبير من
القصص في تلكم الأزمان و ما السبب الذي يدعو المهدي الى تكرار اتصالاته
في ذلك الزمان دون زماننا هذا مثلاً ، و لماذا يتصل لأسباب لا تبدو وجيهة
في كثير من هذه القصص . ان الضابط الصحيح الشرعي لثبوت مسائل العقيدة هو
الكتاب و السنة الصحيحة و ما عدا ذلك ليس بحجة)) .
اذن ، يريد الشيخ الامام ان يثقف عامة الشيعة – وفي الوقت نفسه الخاصة –
الى عدم الاخذ بمثل هذه الروايات التي تدعي اللقاء والمشاهدة، لا لانها
تناقض ما جاء في عموم القرآن الكريم، وانما هناك احاديث كثيرة تنفي مثل
هذا اللقاء.
***
رفض البدعة

يعرف الفراهيدي البدعة بـ : (إحداث شئ لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا
معرفة ). (6).
اما في الدين خاصة فيعرفها الجواهري :( الحدث في الدين بعد الاكمال) .
(7).
ويقسم المختصون البدعة الى قسمين : البدعة الحسنة والبدعة المذمومة، ولا
بدعة في ما فيه دليل من القرآن والسنة.
وقد ابتلى الفكر الاسلامي الشيعي الامامي بالبدع المذمومة التي هي مدار
دراستنا هذه . ومنها على سبيل المثال:
- بدعة الشهادة الثالثة.(8)
- بدعة عيد الغدير.
- بدعة الدعاء لغير الله.
- بدعة ما يسمى بالشعائر الحسينية.
- بدعة فرحة الزهراء.
وقد ذكرنا ذلك في دراستنا المطولة بكتبها الخمسة عن فكر سماحته ، فليراجع
من يريد الزيادة في المعلومات.
***
عدم رفض المخالفين لعقيدة الشيعة

من اكثر المسائل التي شغلت فكر سماحته ، هي مسالة فرقة الامة الاسلامية
في عصرنا الحاضر خاصة ، فراح ينادي بالوحدة الاسلامية ويعمل من اجل ذلك ،
من خلال برنامجه الفقهي (فقه التقريب) ، ومن خلال آرائه الفقهية في عدم
رفض الاخر المخالف للعقيدة الشيعية الامامية.
ذكر الكليني في الكافي ص 67 عن الامام ابي عبد الله – حسب اسناده - :
(( ... قال : ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ
به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة ، قلت : جعلت فداك
أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة ووجدنا أحد الخبرين
موافقا للعامة والآخر مخالفا لهم بأي الخبرين يؤخذ ؟ قال : ما خالف
العامة ففيه الرشاد)).
والعامة عند الشيعة هم السنة، أي ان ما خالفهم على الرغم من صحته ففيه
الرشاد والاخذ به.
ناقشنا هذا الامر في كتابنا (وقفات مع الكليني في الكافي) وبينا عدم صحة
هذا الحديث ، الا ان رجال الدين الشيعة يأخذون به في امور كثيرة.
وسماحة الشيخ الامام المؤيد لا يأخذ بهذا الحديث ، بل اساس بناء فتواه
يعتمد الدليل من القرآن والسنة النبوية الصحيحة سندا ومتنا.
ومن امثلة التقارب بين السنة والشيعة، يرى سماحته:
- صحة الصلاة مع السنة.
- وصحة صلاة التراويح.
- صحة التكتف في الصلاة.
- المؤمنون والمسلمون.
- رفضه المطلق المستند على اقوال الائمة سب الصحابة وازواج النبي (ص).
- صحة الزواج بالمرأة السنية، وبالعكس.
- قول بفضيلة الصحبة لابي بكر الصديق في الغار.
- قوله عدالة الصحابة.
- صحة تقليد الشيعي لمجتهد سني.
***
الشعائر الحسينية

يمارس بعض العامة من الشيعة دون الخاصة من رجال الدين بعض الممارسات
التعذيبية ، كاللطم وضرب الرؤوس بالسيوف والقامات ، وضرب الظهر
بالزناجير ، وقد افتى الكثير من مجتهدي الشيعة بحرمتها ، وسكت البعض
عنها ، لانها اعمال مستحبة برأيهم الفقهي ، اما الذين حرموها فلم تنشر
فتاويهم بين عامة الشيعة ، وهذا يعني قبول فعلها من باب الاستحباب ،عدا
السيد محسن الامين في رسالته، الا ان سماحة الشيخ الامام له رأي صريح بها
كغيره ممن حرمها، والحرمة هذه منشورة على موقعه الالكتروني.
افتى سماحته بما يلي:
((لا يجوز التطبير و ضرب الزناجيل ، وقال انها اعمال محرمة , و ليس ذلك
من الشعائر الحسينية , و اذا أتى الشخص به على أنه من الشعائر يكون
مبتدعاً و يأثم إثمين إثماً لحرمة العمل نفسه , و إثماً للابتداع )).
***
القصص في القرآن

ضم القرآن الكريم سورا وايات جاءت بشكل قصصي تروي لنا حياة الانبياء
والرسل السابقين لنبينا محمد (ص) ، وكذلك قصص عن الاقوام السالفة عن عصر
البعثة النبوية ، وقصص اخرى في مواضيع شتى ، وان المراد من تلك القصص كما
قال الله سبحانه عدة وظائف لم تكن الوظيفة التاريخية احداها: (9)
(تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ
جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا
بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ
الْكَافِرِينَ) (لأعراف:101) (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ
أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ
الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود:120) (كَذَلِكَ
نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ
لَدُنَّا ذِكْراً) (طـه:99) (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا
نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ
بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً) (الفرقان:32) اذن وظيفتها
هي : ( تثبيت فؤاد النبي ، موعظة وذكرى للمؤمنين ).
وقد درس المسلمون قديما وحديثا ، هذه القصص وبينوا وظيفتها وسبب ورودها
في كتاب الهي، وانقسم المسلمون فيها الى قسمين : قسم قال انها حدثت
حقيقة في الواقع ، اما القسم الثاني ، فمنهم من قال ان قصص القرآن اخذت
الاطار العام لما حدث واقعا ولم تفصّل ، ومنهم من قال : انها جاءت
للتمثيل ولم تقع حقيقة ، او ان لها اصلا حقيقيا الا انها جاءت على سبيل
التمثيل.
فالقرآن الكريم – كما يقول سماحته:
- ليس كتابا تاريخا أو جغرافيا و لا كتاباً لبيان حقائق الفيزياء أو
الكيمياء أو ما شاكل ذلك.
- وانما هو كتاب هداية و دستور عمل و سفر عقيدة و ايمان .
- والهدف منه ليس الا استخلاص الدروس و العبر التي تتصل بالعقيدة و
السلوك الايماني
- وعدم التعويل على الأحاديث المروية في تفسير هذه الآيات مما لا ينسجم و
حدود هذه الآيات و معطياتها أو لا ينسجم مع الواقع القطعي لان كثيراً من
هذه الأحاديث ضعيف أو موضوع أو مدسوس من الإسرائيليات .
***
في السياسة

الفهم الواقعي للعلاقة مع ايران:
ان بعض الساسة العرب والكتاب وضعوا جميع شيعة العراق في الجانب
الايراني ، اذ صنفوهم على اساس مذهبي ، أي تابعين الى ايران في كل شيء
(المذهب والسياسة)، فتدخلت السياسة في المذهبية ، واذا كان بعض ما قالوه
ينطبق الى حد ما على البعض من شيعة العراق وهم اقلية جدا ، الا ان اغلبية
الشيعة في العراق ينظرون الى ايران نظرة غير مذهبية ، وانما نظرة سياسية
بحت ، تنبع من المصلحة وشروط السيادة الوطنية.
قال سماحته عن هذه المسألة:
(( أن النظام الايراني له مشروع قومي ايراني يوظف الاسلام و المذهب
كأدوات لتسويق هذا المشروع و بسط الهيمنة و النفوذ لمصالح ايرانية لا
تنسجم مع المصلحة الاسلامية الرسالية , و قد جاءت هذه المقارنة بلحاظ أن
الستراتيجية الاسرائيلية واضحة في عدائيتها للعرب و المسلمين و لا يمكن
ان تنطلي عليهم بينما تتستر الستراتيجية الإيرانية ببرقع الدين و المذهب
فتنطلي على كثير من الناس فهي أخطر من هذه الناحية)) .
***
الهوامش:
1 - ليس معنى هذا ان يأتي المجتهد المتأخر بغير ما اتى به المتقدم ،
وانما معناه ان يفحص اجتهاد المتقدم الذي قيل تحت تأثيرات ايديولوجية او
سياسية او غيرهما ليقول كلمته هو فيه .
2 - حديث مروي عن الامام الصادق ، وهو براء منه ،كما بينا في دراسة
سابقة.
3 - يعتمد الشيخ الامام في تقديم ادلته على ما جاء من صحيح عنده في
المذاهب الاخرى ، مثل اعتماده الصحاحات واقوال ابن تيمية على سبيل
المثال.
وابن تيمية هذا من الد اعداء متطرفي رجال الدين الشيعة في وقتنا الحاضر
لاسبابهم الفكرية الشخصية.
- لمعرفة المزيد عن فكر سماحته ، الرجوع الى الدراسة المطولة التي كتبتها
عن فكره ، والتي امتدت على خمسة كتب ، هي :
آ - التصحيح والتجديد في الفكر العربي الاسلامي - الفكر الاجتهادي الشيعي
نموذجا - الكتاب الاول - التصحيح والتجديد الاجتهادي في المذهب الشيعي-
عند المرجع الديني سماحة اية الله الامام الشيخ حسين المؤيد.
ب - التصحيح والتجديد في الفكر العربي الاسلامي - عند المرجع الديني
سماحة اية الله الامام الشيخ حسين المؤيد -الكتاب الثاني- نحو مشروع وطني
وقومي واسلامي معاصر.
ج - التصحيح والتجديد في الفكر العربي الاسلامي - الفكر الاجتهادي الشيعي
نموذجا - الكتاب الثالث - مقارنة بين الفكرالاجتهادي للامام الشيخ حسين
المؤيد وبين الفكر الاجتهادي الاتباعي.
د - التصحيح والتجديد في الفكر العربي الاسلامي - الكتاب الرابع -
المرجعية الرشيدة - قراءة في مرجعية الامام الشيخ حسين المؤيد.
هـ - التصحيح والتجديد في الفكر العربي الاسلامي - عند سماحة الامام
الشيخ حسين المؤيد - الكتاب الخامس – المستدرك.
4 – كل المعلومات الواردة عن سماحته مأخوذة من موقعه الالكتروني.
5 - كأحمد الكاتب مثلا وكتابه : تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى
ولاية الفقيه.
6 - كتاب العين – ج 2.
7 - الصحاح : الجواهري – ج 3.
8 – للامام الشيخ المؤيد رأي فقهي بذلك ذكرناها في الكتابين الاول
والثالث من دراستنا المطولة عن فكره التصحيحي ، المذكورة في الهامش / 3 ،
اعلاه .
وللفائدة اذكر بعضا من الاراء الفقهية للكثير من رجال الدين الشيعة
الامامية على مختلف عناوينهم :
كثر الحديث عن الشهادة الثالثة منذ ان وضعت في الاذان الى يومنا
هذا ،وقد انكر رفعها مع الاذان التوقيفي جل – ان لم نقل كل – علماء
المذهب ، الا المفوضة الذين ابدعوها، وجردة بسيطة لاقوالهم يمكن الخروج
بهذه النتيجة .
فالشيخ الطوسي – على سبيل المثال - يعدها من رواة شواذ الاخبار ، ويؤكد
علة ان من عمل بها كان مخطئاً( - النهاية:ص69
ويقول عنها في كتابه المبسوط :ليس من فضيلة الأذان ولا كمال فصوله ) .
( - المبسوط - ج1 ص99.
اما في : (اللمعة الدمشقية– ص28 ) فيقول مؤلفه الشهيد الاول محمد بن
جمال الدين مكي العاملي 734 - 786 هـ:
(( ولا يجوز اعتقاد شرعية غير هذه في الاذان والاقامة كالتشهد بالولاية
وان محمدا واله خير البرية)) .
وقد تابعهم علماء وفقهاء ومراجع اخرين في القول ، او من قال بإستحبابها
وايرادها كأمر مستقل عن الاذان، او لم يذكرها عند ذكر فقرات الاذان ، من
مثل:
- الشيخ الحر العاملي .
- الشيخ جعفر آل كاشف الغطاء :
- الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر.
- الشيخ كاظم اليزدي الطبطبائي .
-الشيخ محمد مهدي الخالصي .
- الشيخ محمد جواد مغنية.
- السيد أحمد كاشف الغطاء .
- السيد محمد باقر الصدر
- السيد الخوئي.
- محمد حسين فضل الله .
- السيد محمد محمد صادق الصدر .
- الشيخ حسين المؤيد.
- السيد علي الامين.
- ... وغيرهم .
والخلاصة في هذا الامر هو : ان ايراد الشهادة الثالثة في الاذان هو من
عمل المفوضة لعنهم الله ومن شواذ الاخبار .
الا ان السؤال المهم والهام هو هل ان الذين قالوا بهذا القول ، وقولهم
فتوى ملزمة ، حثوا مقلديهم ووكلاءهم في المحافظات والمدن الشيعية على
السير على هديها.
ان الواقع يقول عكس هذا .
فما زالت المساجد والجوامع والحسينيات ، بل المصلين ايضا ، يذكرون هذه
البدعة التي جاء بها المفوضة ، يذكرونها على المآذن وفي الصلاة.
ومنهم من يقول ان الشهادة الثالثة اصبحت شعارا للشيعة الامامة ( - كما
يقول الميلاني في كتابه : الشهادة بالولاية في الأذان - ص 43 - 44)
ولا نعرف شعارا يفرق وحدة المسلمين ، أي بين ان ترفع الاذان التوقيفي منذ
ان رفع اول مرة في حياة الرسول (ص) الى هذا اليوم، وسيستمر الى يوم
يبعثون ، وبين من يضيف اليه هذه الاضافة، مثل هذا الشعار.
9 - اقصد بالوظيفة التاريخية هو سرد لاحداث تاريخية وقعت حقيقة.
المصدر الرئيس :
الموقع الالكتروني لسماحة الامام الشيخ المؤيد.

المفكر الاسلامي أحمد الكاتب


((وفي مقابل "التشيع السياسي" الذي كان معروفا في القرون الأولى، ولد
نوع آخر من التشيع "الديني" الذي لم يكن يكتفي بالولاء والحب والتبعية
لأئمة أهل البيت، وإنما كان يضفي عليهم صفات روحية عقدية، وكان ذلك تطورا
جديدا.)).
(( أحدثت نظرية "الإمامة الإلهية لأهل البيت" تطورا كبيرا في بنية
الحركة الشيعية، التي تحولت من حزب سياسي سابق يلتف حول أئمة أهل البيت
منذ أيام الإمام علي والحسن والحسين، ويعمل من أجل الإصلاح في الأمة
الإسلامية ونشر الحق والعدالة لعموم المسلمين، إلى طائفة منغلقة على
نفسها، ومنفصلة عن بقية المسلمين)).
(( قد يحلو للبعض تصوير الخلاف الشيعي السني وكأنه خلاف عقدي جذري وخالد
لا يمكن معالجته الى يوم القيامة، ولكني اعتقد انه بالدرجة الأولى خلاف
سياسي تجاوزه الزمن، وهو ان كان يتضمن معنى من معاني الخلاف السياسي في
التاريخ السحيق، فانه قد فقد مبرر وجوده اليوم بعد حدوث تطورات هائلة في
حياة المسلمين. ولم تبق منه سوى بعض الرواسب والمخلفات البسيطة التي لا
تشكل مادة جدية للخلاف فضلا عن التناحر بين المسلمين)).
أحمد الكاتب

مقدمة:
في الدراسات التعريفية السابقة تناولنا فيها الفقهاء والمراجع الذين
طالبوا او قاموا بالاصلاح والتجديد ان على مستوى الحوزة، وان على مستوى
المذهب (الاصول والفروع).
و هذه الدراسة خصصت لرجل من رجال الفكر الاسلامي، وخاصة الفكر الشيعي
الامامي الاثني عشري (1) وهو خريج الحوزة العلمية، الا انه لم يصل الى
درجة الاجتهاد .
احمد الكاتب الذي تحول من الدراسة الحوزوية التقليدية ، الى ان يكون
واحدا من مفكري الشيعة الامامية الاثني عشرية فاصبح مفكرا اشكاليا ، ليس
داخل المذهب الذي ينتمي اليه ، بل ايضا عند المذاهب الاخرى.
فالكثير من رجال الدين من مذهبه قد اتهموه بشتى التهم ، منها العمالة
لاسرائيل والدوائر الاستخبارية التي تريد ان تقوض المذهب ، وهناك من
اتهمه بتأثره بالفكرالسلفي الوهابي ، وراح البعض – كذلك – يروج الى انه
قد اشتري من اعداء اهل البيت ومذهبهم لتقويض المذهب من داخله، وهم بهذه
التهم يتهمون مذهبهم نفسه بأنه هش وعرضة للتقويض ، دون ان يردوا عليه
الحجة بالحجة ، والدليل بالدليل .
اما البعض من ابناء السنة فقد اتهموه بالتقية ، هذا المعتقد الاسلامي
الذي اسيء استخدامه كثيرا من قبل رجال المذهب، إذ اتهموه بأنه يقول عكس
ما يضمر من اعتقاد .
ان المفكر الاسلامي احمد الكاتب قال بما لم يقله الاوائل من رجال
المذهب ، الا انه اعتمد اقوال اغلب اؤلئك الرجال – خاصة المؤسسين للمذهب
– واتى بالادلة على ما قاله من كتبهم ، وكل ما قاله – والحقيقة تقال –
انه يهدم المذهب من الاساس .
فقد قال بالفرضية الفلسفية للاعتقاد بمحمد بن الحسن العسكري مهديا، ونفى
وجوده واقعا لانه – حسب طروحاته - غير مولود اصلا .
هذا الامر زلزل الفكر الشيعي الامامي الاثني عشري الذي بني اصلا على وجود
الائمة الاثني عشر ، وبنفيه وجود الامام الثاني عشر ، سقط عمود من اعمدة
هذا الفكر، وهو نظرية الامامة الالهية (بالنص)، ، وكذلك ما تبعه من
اعتقادات اخرى ترتبت على ذلك ، كسفراء الامام ، ونوابه ، و نظرية التقية
والانتظار ، ونظرية ولاية الفقيه ، وجمع الخمس بإسمه .
***
يقول احمد الكاتب وهو يشرح البرنامج الذي هداه لان يعتقد بالفرضية
الفلسفية لوجود المهدي المنتظر (محمد بن الحسن العسكري) ، ابتداء من
دراسته لنظرية (ولاية الفقيه):
(( كانت تجربة الحكم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، تشكل بالنسبة
لنا نحن الشيعة العراقيين (2) نموذجا صالحا للتطبيق في العراق ، وكنا في
منظمة العمل الإسلامي أقرب ما نكون الى نظرية (ولاية الفقيه) التي قام
على أساسها النظام الإيراني ، حيث كنا ندعو الى نفس النظرية في العراق.
ولكن النظرية لم تكن واضحة لدى الجميع بالتفصيل ومنذ البداية ، ولذلك
قررت منذ السنوات الأولى لوصولي الى طهران دراسة التجربة الإيرانية بدقة.
قررت القيام بدراسة اجتهادية دقيقة لموضوع (ولاية الفقيه) من مصادرها
الأصولية والفقهية القديمة. واشتغلت سنة كاملة على هذا الموضوع. و درَّست
الموضوع في مائة درس في حوزة القائم. وحصلت لي بعض الملاحظات البسيطة
التي اختلفت فيها عن رأي الإمام الخميني.
وقبل أن أكتب الموضوع بصورته النهائية ، فكرت بعمل مقدمة تاريخية له،
تستعرض آراء ومواقف علماء الشيعة خلال ألف عام ، زمن (الغيبة الكبرى) من
موضوع نظرية (ولاية الفقيه). وأثناء بحث موضوع المقدمة ، الذي كنت اشتغل
فيه سنة 1990 ،
ولشد ما كانت دهشتي عندما وجدت نظريتين متميزتين ، الأولى : نظرية التقية
والانتظار للامام المهدي المنتظر الغائب ، والثاني: نظرية ولاية الفقيه.
ووجدت أن هذه النظرية تطورت منذ حوالي المائتي عام ، على أساس نظرية
(نيابة الفقهاء عن الامام المهدي) التي ولدت كجنين صغير في ظل (غيبة
الامام) تم تطورت وتطورت الى أن أصبحت تشمل قضايا سياسية قريبة من
الدولة، كإعطاء الفقهاء الإجازة للملوك للحكم نيابة عنهم ، باعتبارهم
مصدر الشرعية الدستورية في عصر الغيبة ، لأنهم نواب الامام المهدي . وأول
من طبق هذه النظرية كان المحقق الشيخ علي عبد العالي الكركي ، عندما منح
الشاه الصفوي (طهماسب) الإجازة للحكم باسمه. أما قبل ذلك التاريخ فقد
كانت تخيم على الشيعة نظرية التقية والانتظار ، التي كانت تحرم إقامة
الدولة في عصر الغيبة ، الا عند ظهور الامام المهدي ، وذلك تبعا لنظرية
الإمامة الإلهية التي كانت تشترط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية
في الامام. ومن هنا وجدت تناقضا كبيرا بين النظريتين ، وأن النظرية
الثانية (ولاية الفقيه) تعتبر انقلابا على نظرية التقية والانتظار. خلافا
لما كنت اعتقد حتى ذلك الوقت من أن نظرية ولاية الفقيه (أو المرجعية
الدينية) هي امتداد لنظرية الإمامة ، وقد أوصى بها الامام المهدي لدى
غيبته كنظام سياسي للشيعة في ظل (الغيبة الكبرى). وقلت إذا كان ذلك صحيحا
فلماذا لم يعرفه جميع علماء الشيعة الأقدمون الذين كانوا يلتزمون بنظرية
التقية والانتظار؟
ولإكمال الصورة كان علي أن أبحث فترة (الغيبة الصغرى) التي امتدت
حوالي سبعين عاما بعد وفاة الامام الحسن العسكري سنة 260 هـ ، والتي يقال
إن ولده (محمد المهدي المنتظر) كان يتصل فيها بمجموعة وكلاء أو نواب
خاصين ، الى أن انقطعت النيابة الخاصة بوفاة النائب الرابع محمد بن علي
الصيمري سنة 329 هـ. وذلك لأرى ما هي النظرية السياسية التي كان يلتزم
بها أولئك "النواب الخاصون"؟ وهذا ما جرني الى بحث موضوع فترة الغيبة
الصغرى. وهنا بدأت أتعرف لأول مرة على مسألة وجود (الامام محمد بن الحسن
العسكري) وما كان يلفها من غموض وتساؤلات. (3).
وكانت صدمتي الكبرى عندما وجدت مشايخ الفرقة الاثني عشرية كالشيخ
المفيد والسيد المرتضى والنعماني والطوسي ، يصرحون ويلوحون بعدم وجود
دليل علمي تاريخي لديهم على وجود وولادة (ابن) للامام الحسن العسكري ،
وانهم مضطرون لافتراض وجود ولد له لكي ينقذوا نظرية (الإمامة الإلهية )
من الانهيار. ويقولون: نحن بالخيار بين الإيمان بذلك الولد المفترض ،
وبين رفض نظرية الإمامة ، فإذا كانت نظرية الإمامة صحيحة وقوية وثابتة ،
علينا أن نسلم بوجود ولد في السر ، حتى لو لم تكن توجد عليه أدلة شرعية
كافية ، وإذا لم نقتنع بوجود ذلك الولد ، فعلينا التراجع عن نظرية
الإمامة، وهذا أمر غير ممكن، فإذن علينا التسليم والقبول بوجود ولد في
السر سوف يظهر في المستقبل ، وأنه المهدي المنتظر.
وكان إيماني حتى ذلك التاريخ بنظرية (الإمامة الإلهية) قويا لا يتزعزع
ولا يقبل الشك ، الا أني وجدت نفسي أمام تحد داخلي رهيب ، فاما أن تكون
نظرية الإمامة صحيحة أو لا تكون. وبما أنى لم اقتنع بوجود (الامام الثاني
عشر) فقد كان لزاما عليّ أن أبحث موضوع الإمامة لكي أرى مدى صحته. وتركت
موضوع الامام المهدي جانبا ، ورحت أقرأ ما يتعلق بموضوع الإمامة من مصادر
كتب الشيعة القديمة التي لم أقرأها من قبل ، ولا توجد ضمن البرنامج
الدراسي للحوزة ، ما عدا كراس صغير للشيخ نصير الدين الطبرسي ، يعرف باسم
(الباب الحادي عشر) فقرأت (الشافي) للسيد المرتضى ، و(تلخيص الشافي)
للشيخ الطوسي ، وكتب الشيخ المفيد المتعددة وكذلك ما توفر من كتب حول
الموضوع في مكتبات مدينة قم وطهران ومشهد.
وكانت مفاجأتي الثانية أو الثالثة عندما اكتشفت أن نظرية (الإمامة
الإلهية) الطافية على سطح التاريخ والفكر السياسي الشيعي ما هي الا من
صنع (المتكلمين) ولا علاقة لها بأهل البيت . وذلك لأنها تتعارض مع
أقوالهم وسيرتهم ، ولا يمكن تفسيرها الا تحت ستار (التقية) التي كان يقول
بها (الباطنيون) الذين كانوا ينسبون الى أئمة أهل البيت ما يشاءون من
نظريات وأقوال تتنافى مع مواقفهم الرسمية ، بحجة الخوف من الحكام ومن
إبداء رأيهم بصراحة.
ووجدت أن نظرية أهل البيت السياسية ترتكز على مبدأ (الشورى) في حين أن
(الإمامة الإلهية) تقوم على تأويلات تعسفية للقرآن الكريم وعلى أحاديث
مشكوك بصحتها ، وأنها لا تمتلك أي سند تاريخي ، ولذلك قال (المتكلمون
الباطنيون) بأن الإمامة تقوم على علم الأئمة بالغيب وعمل المعاجز ، وهذا
ما يصعب إثباته في التاريخ الشيعي وما كان يرفضه أهل البيت أنفسهم ، فضلا
عن العقل والشرع. إضافة الى تعرض نظرية الإمامة التي كان يقول بها فريق
صغير باطني من الشيعة في القرنين الثاني والثالث الهجريين ، الى
امتحانات عسيرة تتعلق بمسألة عمر الأئمة الصغير مثل الامام الجواد
والهادي والإمام الثاني عشر المفترض ، حيث كان كل واحد منهم لا يتجاوز
السابعة.
وأدركت عندها أن نظرية الإمامة المفتعلة والمنسوبة الى أهل البيت كذبا
و زورا ، وصلت الى طريق مسدود بوفاة الامام الحسن العسكري دون خلف من
بعده ، وأن بعض أعوانه الانتهازيين ادعوا وجود ولد له في السر وخلافا
لقانون الأحوال الشخصية الإسلامي ، من أجل إنقاذ نظريتهم الباطلة من
الأساس. وهكذا أسسوا الفرقة (الاثني عشرية) في غيبة من وجود أحد من أئمة
أهل البيت .
نظرت الى نتائج بحثي من زاويتين ، الأولى: هي زوال الخلافات
التاريخية العقيمة بين الشيعة والسنة عن "أحقية" أهل البيت بالخلافة
بالنص من الله تعالى و "اغتصاب" الآخرين لها. وإعادة توحيد الأمة
الإسلامية ، والثانية : هي الموقف من نظرية ولاية الفقيه والمرجعية
الدينية والنيابة العامة للفقهاء في عصر الغيبة ، والعودة الى الشورى
وحق الأمة في اختيار الحكام وتحديد صلاحياتهم . وكان التوصل الى هاذين
الموضوعين يشكل نقطة تحول جذرية في حياتي ومسيرتي وعلاقاتي. وبما أنى كنت
أعيش في إيران في ظل نظام ولاية الفقيه ، فلم يكن من السهل البوح بهذه
النتائج الا لدوائر ضيقة جدا من الأصدقاء والزملاء والأساتذة)). (4)
إذن، تدرجت عنده الدراسة شيئا فشيئا من خلال :
1 - دراسة نظرية ولاية الفقيه.
2 – سحبته دراسته هذه الى دراسة فترة الغيبة الصغرى.
3 - ومن ثم لدراسة نظرية (الإمامة الإلهية).
وبد ذلك توصل الى النتائج التالية:
1 - يجب زوال الخلافات التاريخية العقيمة بين الشيعة والسنة عن "أحقية"
أهل البيت بالخلافة بالنص من الله تعالى و "اغتصاب" الآخرين لها. وإعادة
توحيد الأمة الإسلامية .
2 - نفي نظرية الامامة ، وعدم وجود الامام المهدي ،وعدم صحة نظرية ولاية
الفقيه، وكذلك المرجعية الدينية، والنيابة العامة للفقهاء في عصر
الغيبة ، والعودة الى الشورى وحق الأمة في اختيار الحكام وتحديد
صلاحياتهم.
يقول:
(( ولأن هذه النظرية كانت مثالية ولا تستند الى دليل علمي أو قرآني
صريح، فقد رفضها أهل البيت وعامة الشيعة في الصدر الأول، وكان يقدر لها
ان تنتهي بعد وفاة الامام الحسن العسكري سنة 260 هجرية دون أن يخلف ولداً
من بعده، بعد حوالي مائة عام من نشوء النظرية (الإمامية) في الكوفة في
بداية القرن الثاني، الا انها وبينما كانت تحتضر ولدت نظرية أسطورية أخرى
هي "وجود ولد مستور غائب" للامام العسكري، هو "المهدي المنتظر". وهو ما
أدى الى بقاء نظرية الإمامة في أذهان كثير من المسلمين (الشيعة) الى
يومنا هذا. ورغم أن هذه النظرية وبنتها: فرضية وجود الامام الغائب، قد
فقدت مدلولها السياسي وأصبحت نظرية "ذهنية" لا وجود لها إلا في الخيال،
الا انها ولدت نظرية أسطورية جديدة هي نظرية "النيابة العامة للفقهاء عن
الامام الغائب (المهدي المنتظر) أو ولاية الفقيه". وهي النظرية التي تحكم
اليوم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتهيمن على كثير من الشيعة عبر
"المرجعية الدينية"
واذا كانت نظرية الإمامة تعطي للإمام "المعصوم" المنزلة الإلهية فوق
الأمة، فان "المراجع" غير المعصومين قد أخذوا يلعبون هذا الدور، ويحتلون
منصب "الإمام" الروحي الكبير، وهو ما أحدث خللا كبيرا في العلاقة بين
الأمة والإمام، وسمح بإقامة أنظمة سياسية استبدادية تتبرقع باسم الدين)).
( 5)
يقول عن عمله الذي قدمه في مجموعة من الكتب :
(( وقد كان منطلقي لتلك الدعوة هو دراسة الفكر السياسي الشيعي وتصفيته
مما دخل فيه من أفكار وفرضيات ونظريات منحرفة ووهمية، والعودة به الى فكر
أهل البيت (ع) الصافي السليم. وذلك كجزء من مشروع أكبر لدراسة الفكر
السياسي الإسلامي العام وتصفيته مما لحق به من تحريفات أموية وعباسية
وغيرها، الذي ابتعد عن منهج الشورى ومال الى نظرية القوة والغلبة
العسكرية وقام على مبدأ الوراثة العائلية، ألغى حق الأمة في الترشيح
والانتخاب والنقد والمحاسبة والمشاركة السياسية)). (6)
انه طرح جريء ، الا ان هذه الجرأة لم تكن جرأة فوضوية غير مسؤولة ، بل
انها جرأة مسؤولة لانها ناقشت الموضوع تاريخيا ومن كل جوانبه، واتت
بالادلة ، الا ان من رد عليه ، راح يتخبط امام قوة حجته ، ودون ان يأتي
بالدليل ، حتى ان اغلب الردود التي جاءت من رجال دين وفقهاء تحاول إثبات
وجوده عن طريق الاستدلال النظري أو ما يسمى بالدليل العقلي، وعلى
الاحتمالات وتفتقر الى الأدلة العلمية التاريخية. ( 7)
***
احمد الكاتب:
هو: عبد الرسول عبد الزهراء بن عبد الأمير بن الحاج حبيب الأسدي. (8)
ولادته:
ولد صباح يوم 13 حزيران 1953 في مدينة كربلاء في العراق ،وفي سن
(الخامسة) علمته والدته الأبجدية وقراءة القرآن ،وعندما بلغت السابعة
أخذه والده الى مدرسة أهلية إسلامية حديثة هي (مدرسة الأمام الصادق) .
(9)
في سن السابعة ، التحق بمدرسة أخرى هي (مدرسة حفاظ القرآن الكريم) التي
وهي مدرسة دينية بحتة وتدرس برامج في القرآن والتفسير والتاريخ الإسلامي
والأخلاق والفقه والحساب
وعندما بلغ الرابعة عشرة ارتدى العمامة والجبة ، زي رجال .
وفي بداية الثمانينات من القرن إكمل دراساته الحوزوية التي أهملها .
***
مولفاته:
1 - الحسين كفاح في سبيل العدل والحرية .
2 - تجربتان في المقاومة – 1971- تحدث فيه عن ثورة التنباك في إيران
وثورة العشرين في العراق.
3 - الإمام الصادق معلم الإنسان. ركز فيه أيضا على دور القيادة الإسلامية
والإمامة الإلهية لأهل البيت وقيادة الفقهاء المراجع التي تشكل امتدادا
لها.
4 - عشرة – واحد = صفر. يدور حول موضوع الإمامة لأهل البيت، التي
اعتبرتها جزءا مهما من الإسلام ، والذي إذا أسقطنا منه موضوع الإمامة فلن
يبقى منه شيء .
5 - السنة والشيعة - وحـــدة الــــدين - خلاف السياسة والتاريخ –
لندن - 2006.
6 - التشيع السياسي والتشيع "الديني"– لندن - 2006.
7 - سيرتي الفكرية والسياسية ، من نظرية الإمامة .. إلى الشورى– مذكرات
احمد الكاتب.
8 - تطور الفكر السياسي السني نحو خلافة ديمقراطية"-الصادر عن دار
الإنتشار العربي .
9 - تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه.
10 - الإمام المهدي "محمد بن الحسن العسكري" - حقيقة تاريخية؟ أم فرضية
فلسفية؟
11- نقد الأحاديث السنية و الشيعية الواردة حول الإثني عشرية.
12 - المرجعية الدينية و آفاق التطور - الإمام محمد الشيرازي نموذجا..
13 - جذور الإستبداد - في الفكر السياسي الوهابي - قراءة تحليلية.
14 - آلية الوحدة في الاسلام .
15 - حوارات أحمد الكاتب مع العلماء والمراجع والمفكرين حول وجود الإمام
الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري) وطبعته سنة 2007
- و مجموعة من الكتب باللغتين الانكليزية والفارسية.
***
بعض افكاره في اقوال:
- الديموقراطية الحقيقية.. الدواء الناجع للفتنة "الطائفية"!
- حديث الغدير أداة لتحقيق الإجماع والوحدة بين المسلمين، وليس مناسبة
للتفرقة والاختلاف.
- نظرية ولاية الفقيه تشكل ثورة في الفكر الشيعي على الفكر الإمامي.
- ولاية الفقيه ديكتاتورية والخلافة القديمة تراث قومي وقبلي للمسلمين.
- "المرجعية الدينية» نظرية شبه سياسية برزت الى الوجود في أيام الفراغ
السياسي أو «عصر غيبة الإمام المهدي».
- التشيع السياسي هو الولاء لأئمة أهل البيت.
- البيان الشيعي الجديد" ليس نقدا وانما محاولة لتطوير الفكر السياسي.
***
بعد ان تعرفنا عن كيفية وصول الكاتب الى نتيجة نفيه ولادة الامام المهدي،
ونظرية ولاية الفقيه ( 10 ) ،نحاول في هذه الدراسة التعريفية لفكره
الاصلاحي والتجديدي الاقتراب من طروحاته في:
- مسألة وجود او عدم وجود الامام المهدي.
- البيان الشيعي الجديد.
- نقده المناهج الشيعية في السيرة والتاريخ والحديث.
- الشعائر الحسينية - بدعة؟ أم ضرورة من ضروريات الدين؟
- التقارب الشيعي السني.
- تحريف القرآن.
- التقية.
- المتعة.
- الهجوم على بيت الزهراء.
***
المرجعية في فكر الكاتب:
يقول الكاتب:
(( إذ أن من المعروف وجود كثير من الأساتذة والفقهاء في الحوزات العلمية،
ولكن ليس كل واحد منهم يصبح مرجعا دينيا ، حيث يموت الكثير منهم دون ان
يسمع به أحد.. وذلك لأن المرجعية تشبه الزعامة السياسية لا يصل اليها من
لا يسلك طريقها ويمتلك أدواتها – عادة – وفيها نوع من التنافس والصراع
الذي يحتدم أحيانا ويخف أحيانا أخرى ، وكل أستاذ او فقيه يفكر بأن يصبح
مرجعا أو مرجعا أعلى لا بد ان يؤسس مدارس ويجمع طلبة خاصين ويؤلف حاشية
من المريدين ويوزع رواتب شهرية ، وهذا يقتضي منه أن يحصل على أموال من
الناس ، والناس لا يعطون المال الا بصعوبة ولمن ينسجم معهم ومع أفكارهم ،
وهذا يتطلب من المرجع الديني أو الساعي من اجل المرجعية أن ينسجم مع
الناس ويتماهى معهم، ويتخلى عن أية أفكار إصلاحية ويتجنب توجيه النقد
الحاد لأفكارهم وممارساتهم و "عقائدهم" وعاداتهم والخرافات الشائعة
بينهم ، الا بالقدر الذي يجلب له المصلحة والشعبية والمال.
وكلما تقدم الأستاذ في طريق المرجعية وأصبحت له حاشية ووكلاء وطلبة ،
وخدم وحشم ومنافسون ألداء ، كلما تخلى (الأستاذ – المرجع) عن أفكاره
الإصلاحية وآرائه الخاصة وتجنب لغة الحق والباطل والصواب والخطأ ، ليتحدث
بلغة المصلحة العامة والممكن وغير الممكن، و " مالا يدرك كله لا يترك
جله"... الى ان يصبح تابعا ومقلدا لعوام الناس في أساطيرهم وحكاياتهم
الشعبية وخرافاتهم المغلفة باسم الدين، ولا يجرؤ على محاربة بدعة أو نقد
أي انحراف في الامة ، مع انه من المفترض أن يكون المسؤول الأول عن هداية
الناس وتعليمهم أحكام الله)). (11) ***
الامام المهدي:
تحدثنا في المقدمة عن منهجية الكاتب التي اوصلته الى امور عديدة اهمها
رفضه للقول بولادة الامام المهدي ، واعتبار وجوده فرضية فلسفية .
وها هو يقول عن هذا الموضوع :
(( ولعل من المثير للسخرية أن تتم هذه العملية في القرن الثالث أو القرن
الرابع، بعد غياب أو فقدان أئمة أهل البيت، ووصول النظرية السياسية
الإمامية الى طريق مسدود. في دلالة بارزة على غياب العقل الاسلامي
وانحدار الحضارة الاسلامية.
واذا ما عدنا الى أواسط القرن الثالث الهجري، فانا سوف نواجه ما
يسمى بـ:"الحيرة" التي ضربت الشيعة الإمامية بعد وفاة الامام الحسن
العسكري (الإمام الحادي عشر) سنة 260 هـ دون خلف ظاهر معروف، وهو ما أدخل
شيعته في أزمة حادة أدت الى تفرقهم الى أكثر من أربع عشرة فرقة، وافتراض
يعضهم (وهم الأثنا عشرية) وجود ولد مستور له، قالوا انه غائب وسوف يظهر
في المستقبل.
ومن ذلك الحين لم يظهر الامام المفترض الغائب "محمد بن الحسن العسكري"
مما أدى الى ان تصبح النظرية الإمامية نظرية تاريخية وهمية غير قابلة
للتطبيق . ومع ذلك فان أنصار النظرية ظلوا يتحمسون لتأييد نظريتهم ونقد
نظرية الشورى والاختيار، ويحاولون قراءة التاريخ بشكل مغاير لسلوك أهل
البيت والامام علي، وكتابته من جديد. ومن أجل ذلك تشبثوا بحكاية تهديد
عمر بحرق بيت فاطمة الزهراء، وحولوا التهديد المفترض الى واقع تاريخي
ثابت، وأضافوا على الحادث كثيرا من الرتوش الأخرى مثل ضرب الزهراء وعصرها
وراء الباب وكسر ضلعها وإسقاط جنينها "محسن" ووفاتها على إثر ذلك. )) .
(12)
***
البيان الشيعي الجديد:
بتاريخ 29/12/2008اصدر الكاتب بيانا اسماه (البيان الشيعي الجديد ) وضح
فيه معالم فكره الشيعي ، واعتقاداته ، ونظرته للاخر ، واكد فيه - بعد
العودة للقرآن الكريم والسنة النبوية والعقل السليم – على انه محاولة
( لصياغة فكر شيعي جديد معتدل وإصلاحي وأقرب إلى فكر أهل البيت الحقيقي)
(13) من خلال مناقشته للامور التالية:
1 - مسألة وحدة الامة الاسلامية.
2 – نهوض الامة لبناء حاضرهم ومستقبلهم على أسس جديدة من العدل والشورى
والعلم والإيمان.
3 – التحرر من الماضي.
وطالب في بيانه العمل على :
1 - إعادة النظر في التراث الطائفي والقيام بنقده وتهذيبه وتشذيبه ، خاصة
الشيعي.
2 – التأكيد على إن الخلاف الطائفي (الشيعي السني) هو خلاف سياسي
تاريخي، تحول الى خلاف فقهي ديني وعاطفي، وان هذا الخلاف ليس خلافا عقديا
جذريا ولا خالدا إلى يوم القيامة ولا يتعلق بمبادئ الدين الثابتة، أو
ضروريات الإسلام.
3 - أن ما دخل على المذهب من نظريات باطلة هي ليس من صلب مذهب أهل البيت،
وأنها أصبحت من الثوابت والضرورات والمسلمات، وهي ليست كذلك، و قد انعكست
تلك النظريات المغالية الباطلة على علاقة الشيعة الداخلية والخارجية.
بعد ذلك يؤكد على مايعتقد به من عقيدة اسلامية ، في :
1 - الشهادة بالله، وبرسوله.
2- الايمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين جميعا.
3 - الالتزام بالإسلام عقيدة ومنهاجا وقيما وعبادات وأحكاما وأخلاقا.
4- الايمان بخاتمية نبوة النبي محمد (ص) وأن الرسالة الإسلامية قد ختمت
بمحمد (ص)، كما أن الوحي قد انقطع من بعده، وأن الناس مكلفون باتباع
القرآن والسنة الصحيحة والعقل السليم.
5 - التأكيد على سلامة القرآن الكريم من التحريف والتلاعب والزيادة
والنقصان، وأن الله تعالى قد تكفل بحفظه.
6 – احترامه واجلاله لصحابة رسول الله الطيبين من المهاجرين والأنصار،
وأهل البيت، والترضى على الصالحين منهم، دون الاعتقاد بعصمتهم، وتحريم
الإساءة إليهم أو سبهم، وخصوصا الإساءة إلى السيدة عائشة أم المؤمنين،
والايمان ببراءتها من قضية الإفك لأن الله برأها في ذلك.
7 - الاعتقاد بأن الإسلام دين يوجه الحياة السياسية والاقتصادية
والاجتماعية، على أسس أخلاقية سليمة، ولكنه لا ينص على نظام سياسي معين،
فقد أوصى بمبدأ الشورى، وترك للمسلمين حرية اختيار نظامهم السياسي حسب
الظروف الزمانية والمكانية. ولذلك لم ينص الرسول الأعظم (ص) على خليفة من
بعده.
8- عدم الاعتقاد بأن الإمامة جزء ملحق بالنبوة أو أنها تشكل امتدادا لها،
ولا نعتبرها أصلا من أصول الدين، ولا ركنا من أركانه، لأن القرآن الكريم
لم يتحدث عنها، ولكنها مسألة فرعية قد تدخل في باب الفقه السياسي. إذ
أنها تقوم على أساس بعض الروايات القابلة للنقاش، والتأويلات الظنية
البعيدة للقرآن الكريم.
9- عدم الاعتقاد بضرورة وجوب كون الإمام (أي رئيس الدولة) معصوما
كالأنبياء، أو أنه يتلقى الوحي من الله مثلهم، أو أن له الحق بالتصرف في
الناس. أو أن أوامره كأوامر الرسول ونواهيه. ولا نعتقد بأن الأمة
الإسلامية بحاجة دائمة إلى رئيس معين من الله تعالى، أو أن الأرض لا يمكن
أن تخلو من حجة، وإلا لساخت.
10- الاعتقاد بأن أهل البيت كانوا يؤمنون بنظام الشورى، ولم يعرفوا نظرية
"الإمامة الإلهية" القائمة على الوراثة العمودية في سلالة معينة، ولم
يدعوا العصمة لأنفسهم، ولا العلم بالغيب. وأنهم كانوا علماء ورواة للحديث
النبوي، وليسوا معينين ولا منصوبين من الله تعالى، ولا يعلمون الغيب،
وليست لهم أية ولاية تشريعية أو تكوينية، كما يدعي الغلاة.
11- ان القول بوجود النص الجلي على الإمام علي بالخلافة من رسول الله (ص)
نشأ في القرن الثاني الهجري، ولم يكن له وجود سابقا، وأن الجدل حوله عقيم
لا يقدم ولا يؤخر، ولا يعيد عقارب الساعة إلى الوراء. وأما فضل الإمام
علي فهو أمر لا ينكر.
12- أن الإمام علي ترك الأمر شورى بعده، كما فعل رسول الله (ص)، ولم يعين
ابنه الحسن وليا للعهد، وإنما اختاره المسلمون طواعية إماماً لهم. وهكذا
فعل أهل الكوفة مع الإمام الحسين، وأن بقية الأئمة من أبناء الحسين لم
يوصوا ولم يعينوا أحدا من أبنائهم أو يفرضوه على المسلمين.
13- الايمان بأن الإمام الحسن العسكري توفي سنة 260 للهجرة دون ولد، ودون
أن يوصي إلى أحد من بعده بالإمامة، أو يشير إلى وجود ولد مخفي لديه، كما
هو الظاهر من حياته.
14- عدم الاعتقاد بوجود "إمام ثاني عشر" غائب اسمه (محمد بن الحسن
العسكري) وعمره اليوم أكثر من ألف ومائة وخمسين عاما، لأن هذا قول وهمي
لم يقم عليه دليل شرعي أو تاريخي. وإنما هو أمر افترضه فريق من الإماميين
الذين وصلوا إلى طريق مسدود بوفاة العسكري دون ولد.
15- عدم الايمان بالحكومة العالمية للمؤمنين، فالدنيا دار عينها الله
تعالى مستقرا ومتاعا للمؤمنين والكفار على سواء، ولا دليلَ قطعياً على
ظهور "إمام مهدي" في المستقبل.
16- عدم الايمان بالنيابة الخاصة (للسفراء الأربعة) ولا النيابة العامة
(للفقهاء) عن "الإمام المهدي الغائب" الذي لم يولد أبدا حتى يغيب. ونعتقد
أنها فرضيات ظنية ادعاها بعض الناس بلا دليل شرعي، وفي محاولة من أجل حل
بعض الإشكاليات التي كانوا يعيشونها نتيجة الفراغ القيادي، بسبب إيمانهم
بوجود الإمام الثاني عشر وغيبته.
17- عدم الايمان بأن في الإسلام مؤسسات دينية "مرجعية" تشبه الكنيسة، بل
علماء يرجع إليهم عند الضرورة، ولذلك لا نؤمن بوجوب التقليد للفقهاء مدى
الحياة، أو الاقتصار على فقيه واحد في كل شيء. بل نعتقد بحرمة التقليد
ونعتقد بأنه بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، وندعو جميع المكلفين
القادرين، للاجتهاد والتفكير والنظر في الأصول والفروع، كما كان يقول بعض
العلماء مثل الشيخ الطوسي الذي كان يحض على دراسة الآراء المختلفة
واختيار الرأي الصائب من بينها.
18- دعوة "المجتهدين" الى عدم الاقتصار في دراساتهم على الفقه والأصول،
بل دراسة العقيدة الإسلامية والتاريخ وخاصة نظرية "الإمامة الإلهية". وما
تفرع منها من كفرضية وجود "الإمام الثاني عشر".
19- الاعتقاد بضرورة مراقبة "العلماء" ومحاسبتهم ونقدهم، فليس كل ما
يفتون به صحيح ومطابق للشرع دائما. فكثيرا ما يقع "العلماء" في الشبهات
والأهواء فيحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل (كقولهم بوجوب الخمس، وعدم
وجوب صلاة الجمعة عينا).
20- يرى أن فتاوى "العلماء" غير ملزمة شرعا ولا قانونا، إلا إذا اتخذت
صبغة دستورية مجمع عليها في مجالس الشورى المنتخبة من الأمة.
21- يقدر "المدرسة الأصولية" التي فتحت باب الاجتهاد، وأعادت إلى التشيع
توازنه واعتداله، ورفضت الكثير من خرافات الأخباريين وأساطيرهم، ونطالب
الفقهاء بممارسة مزيد من الاجتهاد في الأصول والفروع والرجال والحديث،
ومكافحة الغلاة "المفوضة" الذين ينسبون إلى أئمة أهل البيت صفات
الربوبية ويغالون فيهم ويدعون لهم مقامات عليا، وأدوارا فوق مستوى البشر،
ومهمات من أعمال الله تعالى، كإدارة الكون أو الخلق والرزق وما إلى ذلك،
تحت غطاء نظرية (الولاية التكوينية).
22- يدعو الى مواصلة البحث والتحقيق فيما تبقى منه من أحاديث، وإعادة
النظر في كثير ممن يوثقهم السابقون، فإن مشكلة الحديث عند الأخباريين
تنبع من توثيق بعض الغلاة الذين نجحوا في دس أنفسهم في صفوف الرواة،
وتقبل رواياتهم بالتصديق. وهذا ما يدفعنا الى التشكيك بصحة تسعة وتسعين
بالمائة من أحاديث الكليني في "الكافي". واعتبارها سببا من أسباب استمرار
الخلاف بين المسلمين.
23- عدم الايمان بحكومة "رجال الدين" ولا بنظرية "ولاية الفقيه" القائمة
على فرضية "النيابة العامة عن الإمام المهدي الغائب"
24- الايمان بالانفتاح على المذاهب الإسلامية الأخرى، واحترام
اجتهاداتها، وندعو الى مزيد من عمليات الاجتهاد المشتركة بين السنة
والشيعة، والعودة إلى القرآن الكريم، واعتباره المصدر التشريعي الأول
والأعلى من جميع المصادر التشريعية الأخرى.
25- احترام جميع المصادر الحديثية للشيعة والسنة، ولكن نطالب بتنقية
المصادر من الأحاديث الضعيفة المنسوبة للنبي الأكرم وخاصة المخالفة
للقرآن والعقل والعلم.
26- يدعو إلى دمج المعاهد الدينية والحوزات العلمية السنية والشيعية، من
ناحية البرامج والطلاب والأساتذة، وخلق بيئة وحدوية للحوار والمقارنة
والتفكير الحر.
27- يدعو إلى الانفتاح الثقافي على الآخر وتوفير الحرية الإعلامية
للجميع، وعدم فرض الرقابة على أي منتج ثقافي مخالف.
28- الايمان بوحدة العالم الإسلامي، ورفض التمييز الطائفي، والعمل من أجل
تعزيز الوحدة الوطنية الداخلية في كل بلد، والمشاركة السياسية بين جميع
الطوائف، على أساس المواطنة والحرية والعدالة والمساواة.
29- الايمان بأن حل المشكلة الطائفية جذريا يكمن في قيام المؤسسات
الدستورية والأنظمة الديموقراطية والتداول السلمي للسلطة، والتي نعتقد
أنها تحول دون انفجار الصراع بشكل عنيف، ولا تسمح باستيلاء العسكريين على
السلطة بالقوة.
30- يدعو إلى وقف الجدل الطائفي العقيم، والامتناع عن القيام باستفزاز
الآخرين من خلال التهجم على رموزهم ، وخاصة من الصحابة وأهل البيت، وأئمة
المذاهب.
31- يحيي في هذه المناسبة "مؤتمر النجف الأشرف" التاريخي الذي عقد في
شوال من عام 1156هـ الموافق لكانون الأول عام 1743م، وضم مجموعة من كبار
العلماء الشيعة والسنة من العرب والفرس والترك والأفغان.
32- يعتقد: أن النقد والسب واللعن والتكفير والاتهام بالردة والنفاق، كان
- مع الأسف الشديد - إفرازا من إفرازات الفتنة الكبرى التي عصفت
بالمسلمين. ولا بد من إغلاق ذلك الملف، إذ لا يعقل أن يبقى ذلك التاريخ
السيئ جرحا مفتوحا إلى يوم القيامة.
33- يدعو الى طي صفحة الماضي، وعدم الغوص كثيراً في أحداث التاريخ السحيق
إلا من أجل أخذ العبرة فقط.
34- يعتقد أن التشيع يحمل مبادئ إيجابية كثيرة كمبدأ العدل، وروح الدفاع
عن الإسلام والعمل في سبيل الله والثورة على الظالمين، وهي أمور يحتاجها
المسلمون اليوم للنهوض بأنفسهم والتحرر من الطغاة والمحتلين الأجانب،
ولكنا نرفض الجدل حول نظرية "الإمامة الإلهية" ودعوى النص على الأئمة من
الله، لأنه بحث عقيم وبلا فائدة عملية، ويضر أكثر مما ينفع، ويجر إلى ما
لا تحمد عقباه، وقد يثير مشاعر الآخرين ويؤلب المسلمين بعضهم ضد بعض.
35- يعتقد بوجوب الزكاة، ويدعو إلى العمل بها، وإلى عدم التفريق بين
السني والشيعي في دفع الزكاة لأن الله تعالى لم يحدد دفعها لأهل دين معين
بل فرضها لصالح الفقراء من البشر.
36- عدم الاعتقاد بوجوب الخمس الذي لم يرد إلا في غنائم الحرب.
37- يدعو إلى تنظيم التبرعات المالية في جمعيات خيرية، تغطي المشاريع
الاجتماعية والثقافية ومنها رعاية المساجد والمدارس الدينية وعلماء
الدين، وتخضع للمحاسبة والرقابة وتلتزم بالشفافية ونشر كشوف تفصيلية
بحساباتها وميزانياتها.
38ا الايمان بوجوب صلاة الجمعة عينا على كل قادر تتوفر فيه الشروط.
39- يرفض زيادة ما يسمى بالشهادة الثالثة في الأذان ويرى أن هذه الزيادة
من فعل الغلاة "المفوضة".
40- يرفض ممارسة التقية بتلك الصورة المشوهة التي وصلت اليها.
41- عدم الايمان بكثير من الأدعية والزيارات الموضوعة من قبل الغلاة
والمتطرفين، وندعو "العلماء" إلى تنقيحها وتهذيبها. ونرفض "الزيارات"
المنسوبة لأئمة أهل البيت، مثل "الزيارة الجامعة" و"زيارة عاشوراء"
و"حديث الكساء" وغيرها من الزيارات والأدعية التي تحتوي على مواقف سلبية
من الصحابة، وأفكارا مغالية بعيدة عن روح الإسلام ومذهب أهل البيت، والتي
اختلقها الغلاة كذبا ونسبوها للأئمة.
42- عدم الايمان بشفاعة الأئمة يوم القيامة، التي تقف وراء الكثير من
الطقوس والعادات الدخيلة، كزيارة قبور الأئمة، والبكاء على الحسين
والتطبير واللطم على الصدور، بل نعتقد بما كان يقول الإمام جعفر الصادق
عن الأئمة:" أنهم موقوفون ومحاسبون ومسئولون".
43- يرفض الاستغاثة بالأئمة أو دعاءهم، أو النذر لهم، لان ذلك نوعا من
الشرك بالله تعالى. وهو على أي حال عمل لا يقوم به إلا الجهلة والبسطاء
من الناس، وأما عامة الشيعة فهم يزورون قبور الأئمة والأولياء ليستغفروا
الله لهم ويترحموا عليهم أو يستلهموا العبر من حياتهم وكفاحهم في سبيل
الدعوة إلى الله.
44- يدعو إلى عدم التطرف في مراسم عاشوراء وتجنب الطقوس المبتدعة التي
تشوه صورة الشيعة في العالم والتي لم ينزل بها من الله سلطان.
45- يرفض بشدة أقوال الغلاة الذين زعموا بأن الله تعالى خلق الكون من أجل
الخمسة "أصحاب الكساء". وإنما خلق الخلق ليرحمهم ويبلوهم.
46- يدعو الجميع إلى عدم تضخيم الخلافات الجزئية التي حدثت في التاريخ
بين الصحابة، مثل موضوع الخلاف بين السيدة فاطمة الزهراء والخليفة أبي
بكر حول "فدك" التي استرجعها منها باعتبارها من الأموال العامة، وقالت
الزهراء أن النبي أعطاها لها منحة، فقد كان خلافا شخصيا جزئيا محدودا،
ولا نستطيع أن نفعل نحن إزاء ذلك شيئا.
47- يدعو إلى رفض أسطورة الهجوم على بيت السيدة فاطمة الزهراء، وما يقال
عن "كبس بيت الإمام علي من قبل عمر من أجل إجباره على بيعة أبي بكر، وما
رافق ذلك من تهديد بحرق بيت فاطمة على من فيه، أو قيامه بحرق باب البيت
وضرب الزهراء وعصرها وراء الباب، وإسقاط جنينها (محسن) والتسبب في
وفاتها" أو إثارة تلك القصة كل عام، وإقامة مجالس العزاء واللطم والبكاء،
وما يرافقها من اللعن والسب والانفعالات العاطفية. إذ أنها قصة أسطورية
لم تثبت في التاريخ، ولا يعقل حدوثها، وهي تسيء إلى شخصية الإمام علي قبل
أن تسيء إلى الخليفة عمر بن الخطاب.
48- يدعو الى الصلاة في جميع المساجد دون استثناء، ورفض الفتاوى الطائفية
الضيقة التي تحرم الصلاة خلف المذاهب الأخرى.
49- يدعو إلى كسر الطائفية والتفرقة بين المسلمين بإشاعة الزواج المختلط
بين الطوائف، وإلغاء الفتاوى غير الشرعية القاضية بتحريم الزواج المختلط
بين المسلمين.
50- يدعو أهل السنة وسائر الطوائف الإسلامية إلى الانفتاح على إخوانهم
الشيعة، والتعرف عليهم أكثر، والتمييز بين المعتدلين منهم (وهم عامة
الشيعة) والغلاة والمتطرفين، وعدم الحكم عليهم بناء على أقوال الشواذ
والسابقين، والنظر إلى واقعهم الجديد، وملاحظة التطورات الجذرية الفكرية
والسياسية التي حصلت وتحصل في صفوفهم، وتأييد النشاطات الإيجابية
والتضحيات الجسيمة التي قدموها ويقدمونها في سبيل تحرير بلدانهم من نير
المستعمرين والمحتلين.
***
نقد المناهج الشيعية في السيرة والتاريخ والحديث: (14)
في هذا البحث يرى الكاتب ان منهج الشيعة الإمامية في الحديث والروايات،
يعاني من بعض المشاكل والتحديات، من مثل:
1 – الشفوية والتلاعب بالكتب.
2 – تأثير الأخبارية و الحشوية .
3 - الافتراض الوهمي.
فطالب بنقد الأحاديث والروايات التاريخية التي ادعاها الشيعة الإمامية
الاثني عشرية، أو نسبوها الى النبي الأكرم محمد (ص) حول الامامة الإلهية
لأهل البيت، ومن ذلك الرواية الشيعية لبعض أسباب النزول المتعلقة بموضوع
الامامة والنص ، والروايات والأحاديث التي تؤكد ولادة الامام المهدي
السرية وغيبته ومهدويته، والتبشير بخروجه في المستقبل.
وطالب كذلك بدراسة ونقد رؤيتهم الخاصة للسيرة النبوية وتاريخ الاسلام ولا
سيما تاريخ أهل البيت، إذ كان بعض الإمامية يتبع منهج المخالفة، بدلا من
التأكد من رواة الحديث عند عامة المسلمين ودراسة رجالهم بصورة موضوعية
محايدة، فإن كانوا كذابين أو مشبوهين تترك رواياتهم، وإن كانوا صادقين
يؤخذ بها.
كما كان بعض الإمامية يتبع منهج المخالفة حتى بالنسبة للأحاديث التي
يرويها الشيعة عن الأئمة أنفسهم، بغض النظر عن سندها.
إذ لعبت – كما يرى الكاتب - هذه الروايات دورا سلبيا كبيرا في ابتعاد
الفقه الإمامي عن الفقه العام لبقية المسلمين .
ويرى الكاتب – كذلك - ان التقية قد لعبت دورا كبيرا في عملية نقل الحديث
عند الشيعة الإمامية، وأدت الى اختلاف الفقه الإمامي عن الفقه الإسلامي
العام.
إذن، - وكما يرى الكاتب - فقد قامت نظرية "الإمامة الإلهية لأهل البيت"
بتأسيس مصدر أخباري خاص محصور في أئمة أهل البيت، لا يقبل الجدل والنقاش،
ولا يسمح بالتساؤل عن السند بين "الإمام" والنبي، باعتباره "معصوما" لا
يكذب ولا يتوهم ولا ينسى، وعبر هذا المصدر، قام الشيعة بنقل روايات
خاصة عن أسباب نزول القرآن، والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، وتاريخ
الإمامة.
وانتقد الكاتب عصمة الائمة، واعتبر ذلك ثغرة كبيرة في فكر هذا المذهب.
***
"الشعائر الحسينية" بدعة؟ أم ضرورة من ضروريات الدين؟
يقول الكاتب في بحثه عما اذا كانت الشعائر الحسينية بدعة ام ضرورة دينية:
(( كلما كثرت البدع والتأويلات الخاطئة للدين والإضافات فيه، كلما أدرك
العلماء ضرورة التجديد وإعادة النظر والعودة إلى أصول الدين ومنابعه
الأولى الموجودة في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. وقد قام
الفقهاء المسلمون خلال المائة سنة الأخيرة بعمليات تجديد كثيرة ولا
يزالون يقومون،(15) ولكنهم وقفوا عاجزين أمام بعض الأمور التي يصعب عليهم
الاقتراب منها أو إبداء أي رأي فيها، وذلك لما احتلت من شعبية لدى الناس
وإجماع عليها من قبل العامة بحيث أصبحت عادة يحسبها الناس من ضروريات
الدين وهي ليست كذلك. فاضطر "العلماء" الى مجاراة الناس وتأييدهم فيما
يفعلون إما خوفا من الناس أو طمعا لما في أيديهم، وإما جهلا من "العلماء"
أنفسهم بكون تلك البدع مما أضيف الى الدين، وذهب بعض "العلماء" الى تغطية
تلك البدع بأحاديث مفتعلة أو تأويلات تعسفية لآيات من القرآن الكريم، أو
تبريرها بأي صورة وتقديمها للناس كضرورة حيوية من ضروريات الدين)). (16)
***
السنة والشيعة:
يؤكد الكاتب في كتبه ودراساته وبحوثه ومحاضراته ولقاءاته الصحفية كافة
على مجموعة من الامور في موضوعة الصراع السني الشيعي المبني على السياسة
ابتداء، فيتناوله من جوانب عدة ، منها :
- الخلاف الطائفي.
- سب الصحابة.
- رد الكثير من تهم السنة لاراء ومعتقدات بعض رجال الشيعة الامامية
الاثني عشرية والتي تخالف العقيدة الاسلامية في القرآن والسنة النبوية
الصحيحة، كتهمة تحريف القرآن الكريم ،والتقية ، والهجوم على بيت الزهراء.
***
الخلاف الطائفي:
يقول الكاتب:
(( ان الخلاف الطائفي الشيعي – السني، اذا كان يحمل في نشأته اي معنى،
فان جماهير المسلمين من الطائفتين لا يدركون اليوم له اي معنى أو مضمون،
وآن له ان يدفن في مقابر التاريخ.
وفي الحقيقة لا يوجد اليوم مذهب شيعي أو سني متكامل أو نسخة واحدة رسمية
لأي مذهب ، وانما المذاهب عرضة للزيادة والنقصان والآراء الفردية، ولا
يوجد أحد ملزم بتبني جميع الآراء التي كتبها الرجال السابقون بالجملة في
مختلف الأبواب العقدية والفقهية والتاريخية، وانما هو حر بانتقاء ما
يجتهد فيه، وطبع نسخة خاصة به، قد لا تكون متطابقة مع أية نسخة أخرى، لان
الانسان المسلم يلتزم بالعقيدة الاسلامية الواردة في القرآن الكريم،
وفيما عدا ذلك فان كل شيء مظنون واجتهادي وخاص ومختلف فيه، ولذلك لا يجوز
تكوين صورة كلية عن الطوائف والمذاهب وتطبيقها على أي انسان، وانما يجب
التعرف على آراء كل شخص بصورة ذاتية. خاصة وان المجتمعات تتطور وتتغير
ولا تبقى على حال واحدة)).(17)
ويرى: (( ان المتفق عليه في العقائد بين السنة والشيعة، هو التوحيد
والنبوة والمعاد، اما المختلف عليه فيها ، فهو عقيدة الإمامة الالهية)).
(18)
ويرى كذلك : (( ان الغلاة والمفوضة هم الذين وسعوا شقة الخلاف بين
المسلمين في طرح قضايا لم تكن من الاسلام بشيء ،فأختلط الفكر الامامي
الاصيل بفكر هؤلاء إذ الغلاة الغلاة والمفوضة ، من مثل:
- رفع أئمة أهل البيت من المستوى الانساني العادي، الى مستوى النبوة
والألوهية.
- اثبتوا الولاية التكوينية لهم ، والدعوة لبعضهم بالربوبية.
- قولهم العلم بالغيب أو نزول الوحي أو إتيان المعاجزللائمة.
- قولهم باستمرار نزول الوحي بشكل أو بآخر، على الأئمة)). (19)
و اذا كان هذا اعتقاد الغلاة السابقين ، فالمعاصرون لهم قولهم ايضا.
يقول الكاتب:
(( ويمكننا أن نأخذ أمثلة على ظاهرة الغلو الجديدة بعدد من المشايخ من
أمثال: الشيخ محمد حسين الوحيد الخراساني، مدرس علم الأصول في قم، والذي
يقول بصراحة بتفويض الله تعالى للأئمة الخلق و الرزق وما الى ذلك من
أعمال الله تعالى ، وان الأئمة هم وسائط فعاليات مخلوقاته ، ويدعي أن هذا
تفويض صحيح لا ينافي الايمان بالله تعالى(...) والسيد محمد الشيرازي،
الذي يعتقد بتفويض الله للنبي وللأئمة من أهل البيت الولاية التشريعية
والولاية التكوينية، وذلك بمعنى ان زمام العالم بأيديهم فلهم التصرف فيه
إيجادا وإعداما ، كما ان زمام الاماتة بيد عزرائيل ، وانهم الوسائط في
خلق العالم والعلة الغائية له ، كما انهم سبب لطف الله تعالى وإفاضته على
العالم واستمرار قيام العالم بهم (...) والامام الخميني تحت عنوان (مصباح
الهداية الى الولاية والخلافة) و كتاب (الحكومة الاسلامية) ، و الشيخ
مرتضى المطهري، في كتابه (الامامة)...)).(20)
***
سب الصحابة:
يقول الكاتب :
(( واذا كان السب مرفوضا لأي انسان يختلف معنا في الرأي، فان من الطبيعي
ان يكون سب أو لعن أي صحابي جليل، مهما كان، مرفوضا بشدة، ولكن ذلك لا
يمنع من قراءة التاريخ بأمانة وتحليل الأحداث التي وقعت بين الصحابة وأخذ
العبرة منها، وتعظيم الانجازات الرائعة والبطولات الباهرة التي قام بها
الصحابة الكرام، وتجنب الأخطاء التي وقع فيها البعض منهم، فنحن مأمورون
باتباع الدين الاسلامي والعمل الصالح والاقتداء بسنة سيد المرسلين ومن
يتبعه بإحسان الى يوم الدين. )) .(21)
***
تحريف القرآن:
يقل الكاتب عن هذه التهمة التي تناولناها في الدراسات السابقة:
(( حكاية تحريف القرآن حكاية أسطورية دسها البعض في روايات أهل البيت
القديمة في القرن الثاني الهجري ولكن الشيعة تبرؤوا منها عبر التاريخ .
وأعلنوا تمسكم بسلامة القرآن الكريم من التحريف . ولكن بعض الحشويين
الأخباريين يقوم بين الفينة والأخرى باستعادة تلك الحكاية الأسطورية ،
كما أن بعض خصوم الشيعة يقوم بالتهريج عليهم بصورة عامة ويأخذ الأبرياء
والرافضين لتلك الأسطورة بجريرة الأخباريين الحشويين من أجل إقصائهم عن
الحياة وتشويه سمعتهم والفصل بينهم وبين بقية المسلمين ن وإلا فما الذي
يدفع ملايين المسلمين الذين يشهدون أن لا اله إلا الله محمد رسول الله
للإيمان بتحريف هذا الكتاب خلافا لما جاء فيه من حفظ الله لكتابه
المجيد ؟ ولماذا لم يكفروا بهذا الدين إذن ؟
إن من يراجع المصاحف المطبوعة والمخطوطة بواسطة الشيعة عبر التاريخ لا
يجد نسخة واحدة تحتوي على تحريف آية واحدة من القرآن أو حتى حرف واحد ،
وقد رأيت مصحفا يضم صفحات مختلفة من حوالي ألف مصحف مخطوط أو مطبوع في
إيران ولم يكن يوجد فيها مصحف واحد محرف ، وهذا ما يؤكد إجماع الشيعة على
سلامة القرآن ونفي التحريف عنه ،ولكن الحملات الإعلامية المغرضة التي
تحاول التفريق بين المسلمين وتضخم أو تفتعل الاختلافات بينهم يهمها إلقاء
التهم وتشويه سمعة المسلمين حتى تمزقهم وتصرف بعضهم عن بعض)) . (22)
ويقول كذلك: (( ولا اعتقد ان دعوى قول الشيعة بتحريف القرآن، تستحق
التوقف عندها، بعد نفي الشيعة عبر التاريخ لها ، واصرارهم على القول
بسلامة القرآن وحفظه من قبل الله تعالى. وهكذا يمكن القول بقوة: إن جميع
المسلمين والحمد لله ومن جميع الطوائف يشتركون بالالتزام بعقيدة واحدة
ثابتة لا خلاف بينهم حولها.)).(23)
***
التقية:
يقول الكاتب :
(( ان من الخطأ الكبير تحميل جماهير الشيعة بمختلف تياراتهم وأحزابهم
وطوائفهم مسئولية وجود حديث مزور وغير مفهوم عن "التقية" في كتب الحديث
الغابرة، واعتبار ذلك مبدءا أساسيا وجزء من عقيدتهم، والنظر اليهم بشك
وريبة الى يوم القيامة، وإغفال التطورات الهائلة والجذرية التي حدثت
وتحدث في صفوفهم، وعدم تصديقهم في التخلي عن مبدأ التقية أو ممارسته)).
(24)
***
الهجوم على بيت الزهراء:
يقول الكاتب عن هذا الموضوع الذي يمكن تناوله من جانب تاريخي لا عقدي
كما يفعل الكثير من رجال الشيعة الامامية الاثنية عشرية:
(( ان حدثاً جزئياً كموضوع كشف بيت فاطمة الزهراء، وإخراج من تحصن فيه من
الصحابة، وإجبارهم على البيعة لأبي بكر، لو ثبت ذلك، كان يمكن أن يطوى مع
التاريخ، ويذهب مع الزمان، في خضم الأحداث والتطورات الكبرى الإيجابية
والسلبية التي أعقبت ذلك، ولم يكن ليستوقف الأجيال اللاحقة على مدار
الزمن، لو كان المسلمون ينظرون الى تلك الحقبة ورجالها نظرة شخصية، ولم
يضفوا عليها مسحة دينية إيجابية وسلبية، إيجابية من طرف ما عرف بأهل
السنة، وسلبية من طرف ما عرف بالشيعة، وذلك بعد أن حاول أهل السنة اعتبار
تجربة الصحابة مقدسة ومصدرا من مصادر التشريع في الاسلام، ورووا عن
الرسول الأعظم (ص) قوله:"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر". في الوقت
الذي حاول الشيعة إضفاء هالة من القدسية على أئمة أهل البيت واعتبروهم
مصدرا ملحقا بمصادر التشريع الى جانب القرآن الكريم والسنة النبوية
المطهرة، وخاصة بعدما قال الإماميون بنظرية النص في الخلافة وكونها
امتدادا للنبوة.
ولقد كان الإماميون بحاجة ماسة الى رواية من ذلك القبيل، حتى يبنوا
نظريتهم السياسية حول (الإمامة الإلهية لأهل البيت)، (...) ولكي تتم
الصورة، لا بأس بأن تروى قصة التهديد بحرق الدار عن حفيد عمر بن الخطاب
عن ابن مولاه زيد بن أسلم. كما في رواية ابن أبي شيبة. وإذا لم تنهض
الروايات "السنية" بتشكيل الصورة "التاريخية" فلا بأس أيضا بأن تنسج
روايات خاصة "شيعية" حول الموضوع ، ويضاف اليها الكثير الكثير)).( 25 )
***


الهوامش:
1 - صحيح ان الكاتب لا يؤمن بوجود الامام الثاني عشر ، ولهذا تنتفي عنه
صفة تمذهبه بالمذهب الشيعي الامامي الاثني عشري ، الا اني ادرجتة كواحد
من مفكري هذا المذهب لانه كان واحدا منهم حتى تصحيح اعتقاداته .
2 - ارى ان الكاتب قد عمم هذا الحكم ، اذ ان مراجع التقليد وقتذاك وما
زالوا في العراق لا يعتقدون بهذه النظرية ، وكان عليه ان يخصص الحكم.
3 – يقول الكاتب في مذكراته : (( وإذا كان الإمام الحسين قد قتل قبل
حوالي أربعة عشر قرنا ، فان ثمة معركة قادمة وإمام منتظر هو الإمام
الثاني عشر الغائب (محمد بن الحسن العسكري) الذي كانت أمي تعدّني لأن
أكون جنديا في صفوفه و "واحدا من أنصاره الثلاثمائة والثلاثة عشر
المخلصين ، الذين يشكلون شرطا لظهوره"
كانت والدتي تحكي لي قصصا عن لقاء الإمام المهدي بالشيعة المخلصين من
ذوي الأخلاق العالية والالتزام الديني الدقيق)).
وعن اللقاء بالمهدي ، فقد فند سماحة الامام الشيخ المؤيد الروايات التي
تقول بذلك.
4 - يقول الكاتب في مذكراته : (( أبرز من ذهبت اليه للحوار معه ، المرجع
السيد محمد الشيرازي ، وكان قد سمع بعض الشيء عني ، فطرح أثناء زيارته
في مكتبه في قم ، موضوع المصير البائس الذي يتعرض له من ينكر حقوق أهل
البيت . وضرب لذلك مثلا بالشيخ المنتظري الذي أنكر حق السيدة فاطمة
الزهراء في (فدك) فأصابه ما أصابه من العزل والحصار والضغط ، وفهمت ما
كان يقصد .
وتجرأت فسألته فيما إذا كان قد بحث موضوع الامام المهدي بصورة مفصلة
اجتهادية؟ فاعترف بصراحة أذهلتني قائلا: لا . وكان من المفترض به كمجتهد
ومرجع قبل أن يبحث في القضايا الفقهية الفرعية أن يبحث ويجتهد في أساس
العقيدة الشيعية الامامية الاثني عشرية التي يبني عليها بقية الأمور ،
وسألته سؤالا آخر: هل قرأت حول الموضوع؟ قال: نعم. ولم تكن أمامنا فرصة
للحوار ، فقلت له: إذن سوف أبعث لك بدراستي لكي تلقي عليها نظرة وتعطيني
رأيك حول الموضوع.
وفاتحت أستاذي السيد محمد تقي المدرسي، زعيم منظمة العمل الإسلامي ومؤسس
الحوزة القائمية ، وطلبت منه أن يشرح لي كيف يؤمن بوجود الامام المهدي ،
وأن يقدم لي أية أدلة يملكها ولم اطلع عليها حول الموضوع. فقال لي: بان
هذا الموضوع من أمور الغيب. قلت له: نحن المسلمين نؤمن بالغيب كالملائكة
والجن والجنة والنار لأنا نؤمن بالقرآن الكريم ، ولا يمكن أن نقبل بأي
أمر آخر لا يوجد في القرآن ، ولم يثبت من خلال السنة ولا من أحاديث أهل
البيت. وإذا كان مشايخ الشيعة يقولون إن الإيمان بوجود ولد للامام
العسكري هو افتراض فلسفي لا دليل عليه ، فكيف يمكن اعتبار ذلك من أمور
الغيب؟
قال لي وهو ينظر الى ساعته : أرجو ان ترجئ الكتابة حول الموضوع حتى تبذل
مزيدا من الوقت في البحث والتمحيص ، ولا تستعجل)).
5 - مقدمة كتاب حوارات أحمد الكاتب مع العلماء والمراجع والمفكرين حول
وجود الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري- طبعة سنة 2007.
6 – المصدر السابق.
7 - يقول الشيخ محمد باقر الإيرواني في كتابه : (( الإمام المهدي (عليه
السلام) بين التواتر و حساب الإحتمال - الطبعة الاولى سنة ١٤٢٠ هـ)) :
(( عوامل نشوء اليقين بولادة الامام المهدي :
العامل الاول:
الاحاديث الكثيرة المسّلمة بين الفريقين الامامية وغيرهم ، والتي تدلّ
على ولادة الامام سلام الله عليه، ولكن من دون أن ترد في خصوص الامام
المهدي وبعنوانه، فهي تدلّ على ولادة الامام من دون أن تنصب على هذا
الاتجاه، وأذكر لكم في هذا المجال ثلاثة أحاديث:
فإذا لم يكن الامام المهدي(عليه السلام)مولودًا الان، فهذا معناه نحن لا
نعرف إمام زماننا، فميتتنا ميتة جاهلية.
العامل الثاني: إخبار النبي والائمة صلوات الله عليهم بأّنه سوف يولد
للامام العسكري ولد يملا الارض قسطًا وعد ً لا ويغيب، ويلزم على كلّ مسلم
أن يؤمن بذلك.
العامل الثالث: رؤية بعض الشيعة للامام المهدي )عليه السلام).
العامل الرابع: وضوح فكرة ولادة الامام المهدي )عليه السلام( بين الشيعة.
العامل الخامس: ان قضية السفراء الاربعة وخروج التوقيعات بواسطتهم قضيته
واضحة في تاريخ الشيعة.
العامل السادس: تصرف السلطة قرينة واضحة على أ ن مسألة الولادة ثابتة، وإ
ّ لا فهذا التصرف لا داعي إليه.
العامل السابع: ان كلمات المؤ رخين وأصحاب التاريخ والنسب من غير الشيعة
واضحة في ولادة الامام المهدي.
العامل الثامن: تبني الشيعة واتفاقهم من زمان الكليني ووالد الشيخ الصدوق
وإلى يومنا هذا على فكرة الامام المهدي ( عليه السلام) وغيبته، وفي كل
طبقات الشيعة لم نجد من شكك في ولادة الامام وفي غيبته، وهذا من أصول
الشيعة وأصول مذهبهم.
حساب الاحتمال:
هذه عوامل ثمانية لنشوء اليقين، وقبل أن أختم محاضرتي أقول:
نحن اما أن نسّلم بكثرة الاخبار وتواترها ووضوح دلالتها على الغيبة، ومعه
فلا يمكن لاحد أن يجتهد في مقابلها ، لاّنه اجتهاد في مقابل النص.
أو لا نسّلم التواتر، ولكن بضميمة سائر العوامل إلى هذه الاخبار التي
منها: تباني الشيعة، وكلمات المؤرخين، ووضوح فكرة الامام المهدي وولادته
بين طبقات الشيعة من ذلك التاريخ السابق، وتصرف السلطة،ومسألة السفارة
والتوقيعات، وغير ذلك من العوامل يحصل اليقين بحقانية القضية .
إذن نحن بين أمرين:
ا ما التواتر ، على تقدير التسليم بكثرة الاخبار وتواترها .
أو اليقين، من خلال ضم القرائن على طريقة حساب الاحتمال)).
8 - لمن اتهمه بالنسب كدأب الكثير من الكتاب الشيعة المتعصبين فيرمون من
لا يعجبهم طرحه المذهبي ، ذكر الكاتب على موقعه شجرة نسبه وهي كالاتي:
عبد الرسول بن عبد الزهراء بن عبد الأمير بن حبيب بن جاسم بن مهدي بن
أحمد بن عبد الله ابن جاسم بن محمد بن شيخ عمران من آل مراد من آل شيخ من
بني أسد.
9 – يقول الكاتب في مذكراته: (( أن بعض المتدينين ، وأبي منهم ، كانوا لا
يزالون يلتزمون بقرار المقاطعة الذي أصدره مراجع الدين في بداية تأسيس
العراق الحديث ، ضد المدارس الحكومية التي رأوا فيها وسيلة لإفساد الشباب
وإبعادهم عن الدين وعن سلطة المراجع الدينية في آخر الأمر. إضافة الى
قرار مقاطعة الدولة العراقية ودوائرها ووظائفها. ورغم أن تلك المدرسة كان
معترفا بها من قبل وزارة المعارف وتطبق المنهاج الدراسي الحديث إلا انها
كانت تنطوي على برامج دينية مكثفة وتحت إشراف وادارة رجال الدين)).
10 - يمكن الرجوع الى كتابه .
11 - مقدمة كتاب حوارات أحمد الكاتب مع العلماء والمراجع والمفكرين حول
وجود الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري-طبعة سنة 2007.
12 - السنة والشيعة - وحـــدة الــــدين - خلاف السياسة والتاريخ -
لندن، حزيران 2006.
13 - حوار مع صحيفة الوطن.
14 - الندوة الدولية الثالثة حول الإرث الروحي للإسلام : التأريخ المبكر
للإسلام - نقد وإعادة بناء 5 – 7 نوفمبر 2009 - جامعة جوته فرانكفورت
على نهر الراين.
15 - راجع الدراسات السابقة.
16 – يقول الكاتب عن السيد محمد الشيرازي في كتابه : الشيرازي في مواجهة
التحديات الحضارية : ((وأيد مختلف انواع الشعائر بما فيها اللطم وضرب
السلاسل والتطبير ووطء الجمر اللاهب يوم عاشوراء.
حتى انه قاد بنفسه مواكب للتطبير ( ضرب الرؤوس بالسيوف) باسم الحوزة
الدينية في كر بلاء في أواخر الستينات ، لحسم الجدل الدائر حولها . ودفع
أخاه السيد حسن الشيرازي في سنة 1385/1965إلى تأليف كتاب باسم (الشعائر
الحسينية) شن فيه هجوما عنيفا على الذين ينتقدون الشعائر ووصفهم بالعملاء
للمستعمرين والعداوة للتشيع ، وهو ما أدى إلى انقسام الناس في كر بلاء ،
وانحياز جماعة من أصدقاء الشيرازي السابقين وخاصة أعضاء (الجمعية الخيرية
الإسلامية) إلى الصف المطالب بإصلاح الشعائر والوقوف امام التطرف في
ممارستها ، ثم أدى إلى قيام بعض أنصار الشيرازي بالهجوم على مركز الجمعية
الخيرية وتحطيمه سنة 1966 مما ترك شرخا في صفوف الحركة الإسلامية في
كربلاء والعراق.
كان الشيرازي ينظر إلى (الشعائر الحسينية) كوسيلة مهمة لنشر الإسلام
والتشيع وتعزيز قوة المرجعية أمام الدولة العراقية ، ويرى في محاولات
ضربها أو تحجيمها من قبل السلطات الظالمة محاولة للسيطرة على الأجواء .
وكان انحيازه الى جانب المؤيدين الى اقامة الشعائر الحسينية بمختلف
أنواعها ، يحقق له ضمنا شعبية واسعة في صفوف عامة الناس بالرغم من انه
كان يبعد عنه النخبة المثقفة التي كانت تستنكر التطرف في ممارستها كدخول
النار او التطبير والضرب بالسلاسل )).
17 - السنة والشيعة - وحـــدة الــــدين - خلاف السياسة والتاريخ -
لندن، حزيران 2006.
18 – المصدر السابق.
19 - المصدر السابق.
20 - المصدر السابق.
21 - المصدر السابق.
22 - المصدر السابق.
23 - المصدر السابق.
24 - المصدر السابق.
25 - المصدر السابق.
المصدر الرئيس :
الموقع الالكتروني للكاتب.
‏04‏/10‏/2010


الخلاصة:
مما قدمناه في السطور السابقة ، يمكن استنتاج الاتي:
اولا:
- ان اول تشكل للشيعة كان في عهد النبي (ص) ، وكان تشكلا روحيا ، حيث
وثّق بعض الصحابة صداقته وصحابته وتقيمه العالي للامام علي بن ابي طالب.
بعد رحيل النبي (ص) الى الرفيق الاعلى ، وبعد واقعة السقيفة تحول هذا
التشكل الى تشكلا سياسيا ، من خلال نظرية الافضلية ، أي افضلية الامام
علي بن ابي طالب بخلافة النبي (ص) مع المحافظة على التشكل الروحي.
قلت من خلال نظرية الافضلية ، ولم اقل بنظرية النص، كون المصادر
التاريخية لم تذكر لنا على لسان اؤلئك الصحبة انهم قالوا بها.
بعد وفاة الامام الباقر ، انقسم الشيعة الى قسمين ، احدهما تمسك بالتشيع
الروحي تحت ظل امامة الامام الصادق وسموا بالجعفرية ، والاخر التف حول
زيد بن علي الذي تمسك بالتشيع السياسي وقاد ثورة ضد الامويين كجده الامام
الحسين ، حتى صلب شهيدا، وتابع ابنه يحيى هذا الامر.
ظل تشيع الجعفريين تشيعا روحيا ، فقهيا ، دون ان يتدخل بالسياسة الى
يومنا هذا بالرغم من الانقسامات التي حدثت له عبر التاريخ، وتحوله بعد
الغيبة الى مذهب شيعي امامي اثني عشري .
- ان حيوية هذا المذهب تتأتى اولا واخيرا من الاجتهاد الفقهي فيه ، حيث
ظل باب الاجتهاد مفتوحا فيه ، وفي الوقت نفسه ، ان الاجتهاد هذا قسّم
المذهب الى عدة مدارس اجتهادية ، على المستوى الروحي والسياسي .
فعلى المستوى الروحي تعددت الاجتهادات مما اصاب بعضها الامراض التي جاءته
من خارجه ، كالغلو والقول بالتفويض ، وقبول الروايات والاحاديث غير
الصحيحة ، وغير الموثقة سندا و متنا .
اما على المستوى السياسي فقد ظهرت نظريات حول هذا الجانب في فترة
الغيبة ، وانقسم الشيعة الامامية الاثني عشرية الى قسمين ، قسم جمّد كل
الامور – مهما كان عنوانها فقهيا او سياسيا – حتى خروج المهدي ، بوجود
المراجع ، ومنها من جاء بنظرية ولاية الفقيه .
- من خلال هذه الحيوية التي يتمتع بها هذا المذهب ، وما داخله من امور ،
كان لزاما ان يبرز مجموعة من رجاله ، فقهاء ومراجع ومفكرين ، ليصححوا فيه
ويجددوا ليعيدوه الى صفائه الاول مذهبا جعفريا بروحية وسياسة ما كان عليه
عند الامام علي وصحبه (شيعته) ما بعد السقيفة.
ما تقدم ملخصا تاريخيا لما اصاب التشيع الاول الذي انقسم منذ اكثر من
خمسمئةعام الى تشيع علوي وتشيع صفوي .
ثانيا:
- ان اختيارنا لبعض الرجال و تقديم دراسات تعريفية عن دورهم الاصلاحي ،
لا يعني هذا انهم هم الذين قاموا بذلك فقط ، فقد حفل تاريخ التشيع
بالكثير منهم، وان عدم دراستهم للاسباب التي ذكرناها في المقدمة لا يعني
نفي وجودهم.
- تناولنا في دراساتنا التعريفية مجموعة من المواضيع الفقهية والعقيدية
والتاريخية والسياسية التي اصابها التصحيح والتجديد ، ومن خلال تلك
الدراسات يمكن الخروج بالنتائج التالية:
* تكرار الموضوعات في الكثير من دراسات هذا الكتاب.
* ان بعض الدراسات لم يذكر فيها موضوعا ما سبق تكراره في اكثر من دراسة،
والسبب هو ان بعض رجال الاصلاح في هذه الدراسات اما ظل على رأي الاولين ،
او ان الدارس لم يجد فائدة من ذكر تصحيحه او تجديده لعدم شيوعه.
* ان التجديد والتصحيح طال موضوعات شتى – كما ذكرت – وقد وجدنا ان بعضها
قد تكرر عند اغلب رجال الاصلاح المدروسين في هذا الكتاب ،مثلا:
- المطالبة بالوحدة الاسلامية وخاصة بين السنة والشيعة ، والتقريب بين
المذاهب.
- مناقشة موضوعة الحوزة العلمية ومطالبة اصلاحها.
- مناقشة قضية تاريخية وهي قضية الهجوم على بيت الزهراء.
- القول بحرمة الشعائر الحسينية ، كالتطبير وضرب السلاسل.
- الرد على اتهام الشيعة بالقول بتحريف القرآن الكريم.
- نفي علم الغيب عند الائمة.
- نفي الولاية التكوينية للائمة.
- مناقشة التقية ونفي وجود مفهومها غير الصحيح الوارد في اغلب كتب الحديث
الشيعية.
- مناقشة وابداء الرأي الشرعي والتاريخي بنظرية ولاية الفقيه.
- تقديم الفهم الصحيح لمسألة الامامة.
- وغير ذلك من الفتاوى التي صححت او جددت فتاو اخرى قالها الاولون تحت
تأثير ظروف سياسية وايديولوجية.
***
آمل ان اكون قد وفقت في هذه الدراسات ، وهي مفتوحة للمناقشة ، ومن الله
التوفيق والسداد.

المؤلف في سطور:
داود سلمان الشويلي
1952
دبلوم هندسة كهربائية .
دبلوم عالي في العلوم الاسلامية .
***
صدر للمؤلف :
1 – القصص الشعبي العراقي من خلال المنهج المورفولوجي – دراسة – بغداد –
دار الشؤون الثقافية العامة -1986 .
2 – ابابيل – رواية – بغداد – دار الشؤون الثقافية العامة- 1988 .
3 – طائر العنقاء – قصص قصيرة – بغداد – دار الشؤون الثقافية العامة-
1988 .
4 – طريق الشمس – رواية – بغداد – دار الشؤون الثقافية العامة -2001 .
5 – الف ليلة وليلة وسحر السردية العربية – دراسات – اتحاد الكتاب العرب
– دمشق – 2000 .
6 – الذئب والخراف المهضومة – دراسات في التناص الابداعي – بغداد – دار
الشؤون الثقافية العامة- 2001.
7 – النهر يجري دائما ً – نصوص ابداعية فائزة في المسايقة الابداعية
لوزارة الثقافة لعام 2000 – مع مجموعة من الادباء - بغداد – دار الشؤون
الثقافية العامة –2000.
***
كتب جاهزة للطبع :
1 – القصص الشعبي العراقي – دراسات وتحليل .
2 – قضية الجنس في الرواية العراقية – دراسات.
3 – الطبيعة في شعر ابي تمام . بحث لنيل شهادة الدبلوم العالي .
4– ميتا القصيدة – قراءات في القصيدة العربية القديمة – دراسات.
5– رشيد مجيد ... انسانا وشاعرا. دراسات منشورة في الصحف والمجلات
العراقية– دراسات .
6 – اشكاليات الخطاب النقدي الأدبي العربي المعاصر- دراسات ادبية- نشر
على موقع اصدقاء القصة السورية الالكتروني.
7– تجليات الاسطورة - قصة يوسف بين النص الاسطوري والنص الديني - نشر على
موقع اصدقاء القصة السورية الالكتروني، وموقع الذاكرة الالكتروني.
8- المرآة المقعرة - قراءة في ثلاثية عبد الرحمن مجيد الربيعي – دراسات.
9 – الرحلة الممتعة – عرض وتقديم الكتب– دراسات منشورة في الصحف والمجلات
العراقية - دراسات .
10- شاهد من الشعر العامي العراقي. دراسات منشورة في المجلات العراقية.
11 – احلام المغني الصغير – مجموعة قصص قصيرة .
12 – اوراق من مفكرة رجل مهموم – مجموعة قصص قصيرة .
13 – التشابيه – رواية- نشرت على موقع اصدقاء القصة السورية الالكتروني-
و موقع دهشة الالكتروني.
14 – حب في زمن النت – رواية نشرت على موقع النخلة والجيران الالكتروني،
و موقع اصدقاء القصة السورية الالكتروني- و موقع دهشة الالكتروني.
15- اوراق المجهول – رواية نشرت على موقع النخلة والجيران الالكتروني، و
موقع اصدقاء القصة السورية الالكتروني- و موقع دهشة الالكتروني.
16- ايام لا تنسى – ما يشبه الذكريات .
17- ادب الرسائل- المأساة- نشر على موقع اسواق المربد- و موقع دهشة
الالكتروني، وموقع الرابطة.
18- تفسيرابن زيد - المستل من تفسير الطبري.اخراج وتعليق وتوثيق مصادره.
19- وقفات مع الكليني.
20- وقفات مع البخاري في صحيحه.
21- واقعة كربلاء بين الواقع والتصورات- نشر على موقع دهشة الالكتروني.
22 – القول الصريح- قراءة في احاديث السيدة عائشة - نشر على موقع دهشة
الالكتروني .
23 - وحدة المصدر - دراسات في الآيات القرآنية التي فيها خلاف.
24 – العلمانية المؤمنة - ودراسات اخرى في الفكر الاسلامي.
25– المحنة - دراسة حول الاعتقاد الديني للكاتب.
26 - اكبر الجرائم في التاريخ العربي والاسلامي – نشر على موقع دهشة
الالكتروني.
27 – التصحيح والتجديد في الفكر الاسلامي - الفكر الاجتهادي الشيعي
نموذجا - الكتاب الاول- التصحيح والتجديد في المذهب الشيعي - عند المرجع
الديني سماحة اية الله الامام الشيخ حسين المؤيد.
28 - التصحيح والتجديد في الفكر الاسلامي - عند المرجع الديني سماحة اية
الله الامام الشيخ حسين المؤيد - الكتاب الثاني - نحو مشروع وطني وقومي
واسلامي معاصر.
29 - التصحيح والتجديد في الفكر الاسلامي - الفكر الاجتهادي الشيعي
نموذجا- الكتاب الثالث- مقارنة بين الفكرالاجتهادي للامام الشيخ حسين
المؤيد - وبين الفكر الاجتهادي الاتباعي.
30 - التصحيح والتجديد في الفكر الاسلامي - الفكر الاجتهادي الشيعي
نموذجا- الكتاب الرابع - المرجعية الرشيدة - قراءة في مرجعية الامام
الشيخ حسين المؤيد.
31 – التصحيح والتجديد في الفكر العربي الاسلامي - عند سماحة الامام
الشيخ حسين المؤيد - الكتاب الخامس – المستدرك.
32 - الجنس في المجتمع العربي الاسلامي –
دراسات.
***
/ عضو الاتحاد العام للادباء والكتاب العرب .
/ عضو الاتحاد العام للادباء والكتاب العراقيين .
/ عضو مؤسس لفرع الاتحاد في محافظة ذي قار- وعضو هيئة ادارية .
/عضوجمعية الشعراء الشعبين فرع ذي قار ، وعضوهيئة ادارية فيها لدورة
واحدة .
***
/ شارك في اغلب دورات مهرجان المربد الشعري .
/ شارك في ندوات ادبية داخل المحافظة وخارجها ( في الحلة والبصرة والموصل
وبغداد) .
***
- نشر دراساته في المجلات الادبية العراقية والعربية ( الاقلام ، الموقف
الثقافي ، افاق عربية ، ومجلة افكار الاردنية ، والهدف وغيرها ) وفي اكثر
المواقع الالكترونية ذات الاختصاص.
- نشر اغلب الكتب على المواقع الالكترونية الاتية:
- مجموعة :كتابات داود سلمان الشويلي – ضمن مجاميع كوكل.
- مجموعة : مكتبة داود سلمان الشويلي – ضمن مجاميع كوكل.
- موقع جيران – (http://dawood52.jeeran.com).
- موقع اصدقاء القصة السورية – (http://www.syrianstory.com/
amis-5-36.htm) .
- موقع النخلة والجيران –
(http://www.alnakhlahwaaljeeran.com/dawood%20salman- ) .
- موقع دهشة – (http://www.dahsha.com/viewarticle.php?id=33809).
- موقع الذاكرة.
http://www.4shared.com/account/home.jsp;jsessionid=C9E6ABEE4391C413E852ACBDCB95E28A.dc214
- موقع اسواق المربد.
- موقع الخيمة.
- موقع الرابطة.
- موقع العلمانيين العرب.
***
- الجائزة التقديرية عن قصة ( الموت حياة ) في المسابقة الابداعية لعام
1992.
- الجائزة الاولى عن قصة ( النهر يجري دائما ً) في المسابقة الابداعية
لعام 2000 .
- الجائزة الثالثة عن رواية ( طريق الشمس ) في مسابقة الرواية لعام
2001 .

Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages