الـــربا
قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ " (النساء 29) . فى هذه الآية الكريمة يبين الخالق معالم الاقتصاد فى الإسلام ؛
تأكيدا لمفهوم هذه الآية الكريمة حرم الله الربا " وَحَرَّمَ الرِّبَا " (البقرة 275) ، ومعنى الربا فى الاصطلاح الشرعي هو " أخذ مال من غير عوض " ، فقد أورد المفسّرون لتحريم الرّبا حكماً تشريعيّةً ، منها أنّ الرّبا يقتضي أخذ مال الإنسان من غير عوضٍ .
أولا : الربا فى السلع
من الطبيعي أن تتقلب أسعار السلع بحسب تقلب تكاليفها والعرض والطلب عليها ، فزيادة سعر السلعة بسبب ارتفاع تكاليف النقل يضيف قيمة للسلعة تعادل قيمة إحضار السلعة إلى محل البيع ، فالعوض هو ما دفعه البائع وتم توفيره على المشترى من كلفة لذهابه للمصنع لشرائها ، وكذلك الحال إذا ارتفعت أسعار المواد أو العمالة .
وكما أحل الله البيع النقدي ، فقد أحل الله الزيادة فى البيع الآجل (نسيئة) بقوله تعالى : " وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ " (البقرة 275) ، ذلك أن سعرالبيع بالآجل يزيد على سعر البيع النقدي ، والزيادة مشروعة ، فهي زيادة بعوض يمثله انتفاع المشترى بالسلعة فى الفترة بين شراء السلعة وتسديد كامل ثمنها .
ولكن الزيادات التالية لا تمثل عوضا رغم أنها تدفع من قبل البائع ، لأنه لم ينتج عنها قيمة مضافة للسلعة تمثل عوضا للمشترى ، وإنما نشأ عنها التضخم ، والتضخم هو زيادة الأسعار من غير عوض .
وقد حرم الله الضرائب بقوله تعالى : " وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ " (البقرة 188) .
وقد حرم الله الفساد بقوله تعالى : " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ (12) " (البقرة) .
وقد حرم الله الفوائد بقوله تعالى : " وَحَرَّمَ الرِّبَا " (البقرة 275) .
ثانيا : الربا فى النقود
النقود ليست سلعة ، وإنما شيء يستخدم وسيطا لتبادل السلع والخدمات ، وقياس قيمتها . ومستلزمات القياس ثبات قيمة المقاس مهما اختلفت مواصفاته .
حرم الله الزيادة على رأس المال فى المال المقترض " فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ " (البقرة 279) .
ولأن النقود ليست سلعة ، وإنما وسيط تبادل ومقياس للقيمة ، فقد حرم الرسول صلى الله عليه وسلم النسيئة (التبادل الآجل) فى النقود إذ ثبت في الصحيحين أن البراء ابن عازب وزيد ابن أرقم سألا النبي صلى الله عليه وسلم عن الصرف فقال : " إن كان يدا بيد فلا بأس وإن كان نساء فلا يصح " .
ذلك يجعل القوة الشرائية للنقود ثابتة ، كبقية المقاييس ، لتحفظ حق حاملها فى الحصول فى أي وقت على سلع وخدمات بنفس القيمة التى كان يمكنه دفعها يوم حصوله على النقود ، وليحفظ حق الدائن فى الحصول بتاريخ السداد على سلع بنفس القيمة التى كان يمكنه الحصول عليها بتاريخ الاستدانة .
يترتب على الربا خفض القوة الشرائية للنقود بسبب زيادة كمية النقود المتداولة على القيمة الحقيقية للسلع والخدمات " وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ " (هود 85) ، فينشأ التضخم الذى يترتب عليه أكل مال الناس لصالح الأغنياء منهم " كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ " (الحشر 7) ، بالإضافة إلى ارتفاع الدين العام فتفقد الدولة سيادتها .
إن الحكمة الرئيسية من تحريم الربا تتمثل فيما تخلقه الربا من تضخم يضر المجتمع باسره فهو السبب الرئيسي لجميع المشاكل الاقتصادية. قال الله تعالى : " فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ " (البقرة 279) .