---حلقة (١) من ثلاث حلقات
هذا شاعر من شعراء الاندلس، إمتاز شعره بالرقة وجزالة العبارة، وفي شعره لطف وظرف ودعابة محببة. ولد إبن شُهَيّد ومات في مدينة قرطبة، حاضرة الأندلس أيام حكمها المسلمون، وهي المدينة التي كان بها ابن زيدون وكانت ولادة ابنة المستكفي بالله، والتي قال فيها ابن زيدون خريدته ونونيته المشهورة: [أضحي التنائي بديلً عن تدانينا **** وناب عن طيب لقيانا تجافينا] ، ومنها هذه الابيات:
لم نَعتَقِدْ بعدَكُمْ الا الوفاءَ لَكُمْ رأياً ٠٠٠ ولمْ نَتَقَلَدْ غيرهُ دينا
ما حقنا ان تٰقِروا عينَ ذِي حَسَدٍ بِنا ٠٠٠ او تسروا كاشحاً فينا
كنا نري اليأسَ تسلينا عوارضهُ وقد ٠٠٠ يئسنا فما للياسِ يغرينا
بنا وبنتم فما ابتلت جوانحنا شوقاً ٠٠٠ اليكم ولا جفت ماقينا
نكادُ حين تناديكم ضمائرنا يقضي ٠٠٠ علينا الأسي لولا تأسينا
حالت لفقدكم ايامنا فغدت سوداً ٠٠٠ وكانت بِكُمْ بيضاً ليالينا
وهي القصيدة التي جاراها شيخ الشعراء وشاعر الرافدين، محمد مهدي الجواهري بنونيته، أم عوّف، ذلك رغم إنه أنكر أن يكون قد حاول مجاراة ابن زيدون بقصيدته، فكل من يقرأ القصيدتين يحس بنفس واحد يسري بينهما، يشتمل علي الوزن والبحر والقافية وبيت الروّي، فهما يمتحان من ذات النبع.
جاءت قصيدة أُم عوّف لا تقل جمالاً عن نونية ابن زيدون، بل لعلها تتفوّق عليها بما فيها من الحكمة، وبعدها عن الغزل المكشوف، ولعلني اطلعكم علي القصيدتين في مقال قادم، إما الي أن يحين ذلك فاليكم هذه الأبيات من قصيدة الجواهري عليه رحمة الله:
قال:
يا أُم عوّفٍ أدال الدهرُ دولَتنا ٠٠٠ وعادَ غمزاً بِنا ما كانَ يزهونا
خبا مِنَ العُمرِ نوءٌ كانَ يرزِمُنا ٠٠٠ وغابَ نجمُ شبابٍ كانَ يهدينا
وغاضَ نبعُ صفاءٍ كُنا نَلوذُ بِهِ ٠٠٠ في الهاجراتِ فيروينا ويُصفينا
ثم هذه الشكوي الحري مما حال اليه حاله وأحاله اليه الزمن:
يا أُم عوفٍ وقدْ طالَ العناءُ بنِا ٠٠٠ آهٍ علي حِقبَةٍ كانتْ تُعانينا
آهٍ علي أيمنٍ مِنْ رَبعِ صَبوتِنا ٠٠٠ كُنا نَجولُ بهِ غُراً ميامينا
كانت تَجِدُ لنا الأيامُ حاشيةً ٠٠٠ مذهوبةً كُلما قُصتْ حواشينا
كُنا نقولُ إذا ما فاتنا سَحَرٌ ٠٠٠ لا بدَّ مِنْ سحرٍ ثانٍ يواتينا
لا بُدَّ مِنْ مَطلَعٍ لِلشَمسِ يُفرِحُنا ٠٠٠ ومِنْ أصيلٍ علي مَهلٍ يواتينا
واليومَ نرقَبُ في أسحارِنا أجلاً ٠٠٠ تقومُ مِن بَعدِه عَجلي نواعينا
فهل نحن حقاً نرفب في آجالنا فجراً تقوم من بعده عجلي نواعينا، أم تري الله يريد لنا إن نعيش ونري الصبح الجديد يشرق عل وطننا وقد انجلي البلاء وانهد كتف المقصلة،،، الله نسأل أن يطيل من آجالنا حتي نري الوطن وقد استعاد حريته وعافيته، وزال عنه ما ران عليه من الكذب والظلم والخداع، وما استشري فيه من فساد موتي الضمير فطوحوا باماني اهله وبددوا طموحات شبابه حتي نفروا منه فراراً في اصقاع الدنيا، وجنبات الارض، يبتغون فضلاً من الله ورضوانا، وهم لا يسألون عن أكثر من قوتٍ يقيم الإود، ومسكنٍ كريم يحفظ الشرف والكرامة بعد إن استحال ذلك عليهم في وطنهم، وقد حلت الغربان باعشاش النسور، فكأن حالهم حال النسر وقد:
وقف النسر جائعاً يتلوي ٠٠٠ فوق شلوٍ من الرمالِ نثير
وبغاثُ الطيورِ تدفعهُ ٠٠٠ بالمخلبِ الغضِ والجناحِ الكسير
الا يحق لنا أن نسأل، ونتساءل، ماذا حل بنسور وطننا من رجالات القوات المسلحة والشرطة، وهم يرون الرئيس وبموافقة البرلمان يجردهم من سلطاتهم ويضعها في أيدي من لا يعرفون قانوناً ولا عهداً ولا حُرمة، وما ذلك الا لحماية نفسه واهله وسدنته بعد أن نهبوا البلد، ولكن الي متي؟
الي متي يسيطر الخوف علي قلوب الرجال، والي متي تبقي الرٰكب سائحة سائخة لا تقوي علي المشي، بل تعجز عن النهوض، ورفع الصوت ومقاومة الظلم وردع الظالم،، فالظالم يا قومي نمرُ من ورق، والذين حوله ثلةٌ من فراش لا يلبث أن يتبدد ويحترق مع اول هبة لهب!!!
اعود الي مقالي، فاقول: وابن شُهَيّد الي هذا ليس من مشاهير الشعراء، وجدت هذا الذي أكتبه عنه بمحض الصدفة، وإنا أقلب في الجزء الاول من البداية والنهاية، لابن خلكان، واعجبتني الابيات الغزلية التي قالها، فلهذا قررت الكتابة عنه، عليه رحمة الله، ثم أفلت مني القلم كعادته في ليالي الجمع والسبت، فراح يجري بي يمنة ويسرى، يبحث في القديم وفي الجديد ينتقي خرائد من الشعر ودرر، فكان هذا المقال بما فيه من خلط بين الشعر والسياسة، وهل من مجال يخلو من سياسة في زمننا هذا.:
إسمه عامر أحمد بن أبي مروان بن عبد الملك بن شهيد الأشجعي الأندلسي القرطبي؛ هو مخزومي من ولد الوضاح بن رزاح الذي كان مع الضحاك بن قيس الفهري يوم موقعة مرج راهط، التي انتصر فيها مروان بن الحكم، وبها انتقل الملك من البيت السفياني الأموي إلي البيت المرواني الأموي.
أرخ له ابن بسام في كتاب الذخيرة، وبالغ في الثناء عليه، وأورد له طرفًا وافرًا من الرسائل والنظم والوقائع. وكان من أعلم أهل الأندلس، متفننًا بارعاً في فنونه، وكانت بينه وبين ابن حزم الظاهري مكاتبات ومداعبات، و عدد من التصانيف الغريبة البديعة، منها كتاب [ كآشف الدك وإيضاح الشك] ومنها [التوابع والزوابع]، ومنها [حانوت عطار]، وغير ذلك. وكان فيه مع هذه الفضائل كرم مفرط، وله في ذلك حكايات ونوادر
ومن محاسن شعره من جملة قصيده:
وتدري سباع الطير أن آماته *** إذا لقيت صيد الكماة سبـاع تطير جياعًا فوقه وتـردهـا *** ظباه إلى الأوار وهي شباع
وإن كان هذا معنى مطروقًا، سبقه إليه جماعة من الشعراء في الجاهلية والإسلام، لكنه أحسن في سبكه وتلطف في أخذه.
ومن رقيق شعره وظريفه قوله هذه السينية، وهي ما اعجبني ودفعني لاشراككم معي::
[ ولما تملأَ مـن سـكُرِه *** ونامَ ونامت عيونُ العسسْ
دنوتُ اليهِ علي بعدهِ *** دنوّ رفيقٍ دري ما التمسْ
أدُبُ اليهِ دبيبَ الكري *** وأسمو إليهِ سموُ النفسْ
وبتُ بهِ ليلتي ناعماً *** إلي أن تَبَسَمَ ثغر الغلسْ
أقبلُ منهُ بياضَ الطُلي *** وأرشفُ منهُ سوادَ اللعسْ
فانظر الي هذا النغم، والي اختيار الشاعر لحرف السين حرفاً للروي، وفيها كل معاني الهدوء والسكون والحذر والهمس ،،، فهنا هما نديمان يسكران، رجل وإمرأة، وهي تسري فيها الخمر قبله، وليس هو مثل صاحبنا الذي سكر اولاً، فهذي، ثم إعتذر عن هذيانه وضلال رشده إذ سكر قبل فتاته ونديمته، فقال معتذراً عما قد يكون بدر عنه من قوّل إو تصرفٍ:
[ إذا هذيت فصبرُ أو ضلّ رشدي فعذرُ **** فإنما بِكَ سُكْرٌ فردٌ وبي سُكرانِ ]. فهنا عاشق كانت نديمته حسناء لعلها معشوقته، فلعبت برأسه خمران، خمرٌ حسنها وجمالها التي أسكرته دون أن يرتشف منها، فهي من نوع السُكر الذي وصفه العقاد عليه رحمة الله ببيتيه من قصيدته الفارهة 'شذي زهرٌ' وقد لحنها وغناها الاستاذ الكابلي فاجاد وأبدع. وخمر آخر كان سيد من كتبوا فيه أبو نواس، وآخرون من شعراء الجاهلية والاسلام، وكتب فيه حافظ وشوقي، وابو محجن الثقفي.
قال العملاق العقاد في السكر الذي يحل بك بدون شراب، وغني الاستاذ:
وبي سُكرٌ تملكني *** وأعجَبُ كيف بي سُكْرُ
رددتُ الخمر عن شفتي *** لعل جمالك الخمرُ
أما الأُخري فهي الخمر التي أحِلَت لنا ثم نُهينا عنها، ووصِفت بأنها رِجس من عمل الشيطان، وأُمِرنا بإجتنابها لعلنا نفلح، فمنا من إجتنبها وأفلح، ومنا من قارفها فهو يرجو رحمة الله وغفرانه، هذهرهي الخمر التي قال فيها حافظ ابراهيم عليه رحمة الله، وقد عاد من السودان الي مصر مشتاقاً الي اصحابه وندمائه، والى جوّ مصر بعد أن ملّ من السودان وجفافه وقساوة حرارته:
قال شاعر النيل مخاطباً الساقي:
واسقنا يا غلام حتي ترانا ٠٠٠ لا نطيق الحديث إلا بهمسِ -خمرةً قيلَ أنهم عصروها ٠٠٠ من خدود الحِسانِ في يومِ عُرسِ -مذ رآها فتي العزيزِ مناماً ٠٠٠ وهو في السجنِ بين همٍ وحبس -أبدلته السرور من بعد همٍ ٠٠٠ وكسته السعود من بعدِ نحسِ
ثم، مستفسراً، مستنكراً، محتجاً ومعترضاً أن تكون الخمرُ رجسٌ من عمل الشيطان، وهي تفعل ما تفعل بالارواح، فتسمو بها وتزيل ما بها من هموم:
قال: [ يا نديمي بالله قُل لي لماذا ٠٠٠ هذه الخندريسُ تُدْعي بِرِجسِ ]
أما أمير الشعراء فلا يكاد يصبر علي فراقها وقد إنتهي شهر رمضان وحل صباح العيد، فنراه يقول شوقي:
رمضان ولي هاتها يا ساقي ٠٠٠ مشتاقةٌ تسعل إلي مُشتاقِ. -ما كان أطوله علي عُشاقِها ٠٠٠ وأقله في طاعة الخلاق -الله غفارُ الذنوبِ جميعها ٠٠٠ إن كان من ثم الذنوبِ بواقِ -بالأمس قد كونا سجيني طاعةً واليوم مَنَّ العيدُ بالإطلاقِ ]
وهذا ابو محجن الثقفي، بطل من ابطال القادسية، يوصي ابنه بأن يدفنه الي جنب كرمة من كروم العنب حتي يجاور خمراً في مماته كما جاورها في حياته:
إذا مِتُ فادفني إلي جنب كرمةٍ ٠٠٠ تروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنني بالعراءِ فإنني ٠٠٠ أخاف إذا ما مِتُ أن لا أذوقها
فقائل البيت الذي يعتذر عن هذيانه وضلال رشده سكران بخمر الكروم والعنب التي ذكرها الشعراء اعلاه، وشاركته نديمته سُكره، لكنه سكران بخمر أخري، تلك ضالتي ذكرها العقاد، أفاضها عليه الحُسن والجمال الذي ينادمه، ومعه كل ما يحف بالانثي من حلاوة الصوت واللفظ، والعطر والجمال، ويا لهما من خمران.
سرت الخمر في فتاة إبن شُهَيّد ونديمته، فاسكرتها ونامت، ونامت معها أعين الحراس والعسس،، دنا إليها الشاعر رغم بعدها منه، ولعل كل الأمر كان خيال شاعر نادم معشوقته بخياله وقد استصحب صورتها، أو لعلها ذهبت الي حجرتها حيث نامت ومن ثم كان دنو الشاعر منها.
كان الدنوّ حبواً، وباللمس، فلا بد أن الاضواء كانت قد أُطفئت، لكنه لمس من يدري كنه الذي يلمسه ويتحسسه، فهي لا يمكن أن تكون المرة الاولي التي سعي فيها الي الغرفة المعنية،،، فكان يدُب دبيباً كما يدُب النعاس الي الاجفان ويتسلطن النوم علي الأعين فلا يقاوم،، وسما الشاعر في دبيبه الي أعلي، حيث الحجرة المرجوّة، سما سمواً أشبه بالهواء والانفاس في نزولها ثم صعودها،، ووصل الي حيث بغيته ومراده، فإذا هو إلي الجوار المرتجي، ، علي سريرها وبجانبها،،، لكنه، وما ألطفه مقارنة بما وصف به عمر بن ابي ربيعة وامرؤ القيس ليلتيهما، هذا في هودج عُنيزة وذاك داخل الخيمة. أقول هذا وأنا لا اصدق أن أي من الشاعرين الجاهلي أو الأموي قد هتك ستر إمرأة أو إعتدي علي حرمة بيت، فالأمر لا يعدو أن يكون خيال شاعر، وياله من خيال ذلك الذي يدرك النائي القصيا، بل ويرتاد الثريا كما وصفه شاعرنا صديق مدثر.
إكتفي ابن شُهَيّد بالتقبيل، وما التقبيل بالشئ القليل، والقبلة رسول القلب للقلب كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام. بات شاعرنا هانئاً سعيداً، ناعماً متنعماً إلي أن تنفس الصُبح، وافتر ثغر الفجر عن ابتسامته الوضيئة البراقة، الموحية،، والشاعر قد قضي ليلته لا يفعل شيئاً سوي إن يقبل بياض الطُلي، ويرشف سواد اللعس وقد غمره عطر الأنفاس.
قارن ابيات إبن شُهيّد بابيات امرئ القيس، ، وهي ابيات أقل مجوناً من بقية شعر ذي القروح، فأنا لم إختر لك ما قاله وقد دخل مع عُنيزة في هودجها:
قال إمرؤ القيس:
فلما تلاقينا وجدتُ بنانها **** مخضبةً تحكي الشواعلَ بالشعلْ
ولا عبتها الشطرنج خيلي ترادفت **** ورخي عليها دار بالشاه بالعجل
فقالت وما هذا شطارةُ لاعبٍ **** ولكن قتل الشاه بالفيل هو الأجل
فناصبتها منصوب بالفيل عاجلا **** من اثنين في تسع بسرع فلم امل
يتبع
From:
kamilsi...@hotmail.com