الاهداء :
الى روح ابني الشهيد البطل النقيب حسام الذي اغتالته يد الارهاب
غيلة... اهدي مؤلفي هذا وادعو الله ان يتغمدة فسيح جناته.
صمم الغلاف ذو الفقار داود الشويلي – مكتب الحسام للتصميم والطباعة
والاستنساخ
داود سلمان الشويلي
الفكر الاجتهادي الشيعي نموذجا
الكتاب الاول
عند المرجع الديني سماحة اية الله الامام الشيخ حسين المؤيد
2010
"العلم المستقر هو الجهل المستقر"
النِفَّري
المحتويات:
1 - المقدمات:
- مقدمة/1.
- مقدمة/2.
- مقدمة/3.
2 - مفهوم السنة النبوية عند الشيعة من منظور الامام الشيخ المؤيد.
3 - من اين نأخذ العقيدة؟
4 - ما يخالف القرآن من احاديث.
5 - صحة الاحاديث.
6 - احاديث اسطورية غالية.
7 - الغلو في العقيدة.
8 - اجتهادات .
9 - رفض البدع.
10- التقريب مع المخالفين لعقيدة الشيعة.
11 – المرأة بين الحقوق والواجبات في فكر الامام الشيخ.
12 - الشفاعة في فكر الامام الشيخ.
13 - المشروع الاصلاحي والتجديدي في قضية الخمس عند الامام الشيخ.
14 - القصص في القرآن.
15 - الشعائر الحسينية.
16 - في السياسة.
17 – الملاحق.
1 – ملحق خطبة الشقشقية.
2 - ملحق مفهوم الرجعة في المذهب الشيعي الامامي.
3 – ملحق صلاة الجمعة.
4 - ملحق صلاة التراويح.
5 - ملحق الخمس.
6 - ملحق يأجوج ومأجوج، بين القرآن والتوراة.
7 - ملحق الاحاديث الصحفية والتلفازية.
1
المقدمات
مقدمة - 1:
يحتوي عنوان هذه الدراسة لفظين اشكاليين ، هما : تصحيح ، وتجديد،
ويكمن اشكالهما بين المعنيين القاموسي و الاصطلاحي، وبين الموضوع الذي
يضاف اليهما.
فما صح ان يقال – حسب الدليل – هو ما نعنيه بمصطلح (تصحيح) ، بدلا من
قول عكسه.
والدليل هنا هو مدار هذا التصحيح ، أي ان القول يدور حيثما دار
الدليل ،وفي التشريع الاسلامي يكون الدليل الاول والرئيس هو (القرآن
الكريم ) .
اما من يقول ان السنة النبوية تعد الدليل الثاني بعد القرآن
الكريم ، ففيه اشكال ايضا، وهذا الاشكال متأت من كون ما وصلنا من هذه
السنة مختلفا فيه ، ليس بين علماء الاسلام فحسب ، وانما بين علماء
المذهب الواحد ايضا ، فضلا عن اختلافهم بمن يؤخذ منه (رجال السند)،
ولهذا تعددت كتب الحديث ، الا ان الصحيح (سندا ومتنا) من تلك السنة –
وبإجماعهم – يجب الا يتعارض مع القرآن الكريم ، اضافة الى الاحتكام الى
العقل السليم والمنطق السوي في غير ذلك .
اما التجديد، فمعناه برأي هذه الدراسة: اعادة العمل بالصحيح المتروك
من المعتقد، أي معرفة المؤثرات الخارجية – سياسية وايدولوجية واجتماعية
وثقافية و جغرافية حتى - التي اثرت في الفكر الاسلامي ، فتغير ذاك
المعتقد الى شيء اخر ليس فيه من الاصل الا العنوان.
فالموضوع الذي نناقش فيه مسألة التصحيح والتجديد ، هو الفكر الديني
عامة ، والفكر الشيعي الاثني عشري خاصة ، و الاخذ بمبدأ تأثير الواقع ،
أي ما يسمى بفقه الواقع(1) دون نسيان الاصول في العقيدة،حيث ان شرع الله
الذي جاء به القرآن الكريم يصلح لكل زمان ومكان.
ولا نريد في هذه السطور تقديم بحثا تاريخيا عن نشأت المذهب، وما فيه
من اعتقادات صحيحة او ما اصاب بعضها بما يخرجه من الصحة ، او عما في
مسيرته التاريخية من محطات كان التصحيح والتجديد فيها علامة بارزة من
علامات تلك المسيرة ، او ان نؤرخ لما فيه من محطات مظلمة سادت لاسبابها
المعروفة، وانما ستكون هذه السطور وقفة لدراسة المشروع النهضوي و
الاصلاحي - تصحيحي وتجديدي - لواحد من علماء المذهب المعاصرين ،الذي حصل
على درجة الاجتهاد - حسب التسلسل التعليمي في الحوزات العلمية الشيعية
-،هذا الرجل هو سماحة الامام الشيخ حسين المؤيد .
ونحن نكتب هذه الدراسة لا ننسى ان هناك مجموعة من رجال الدين الشيعة
من هم بدرجته او اقل ، قد قدموا ايضا مشاريعهم ، او طروحاتهم التجديدية
والتصحيحية بنسب متفاوتة ، وان بعض هؤلاء – ربما - صححوا او جددوا قضية
ما، او مسألة ما ، دون ان يكون قد حمل لواء التجديد والتصحيح بمساحة
واسعة ، كما فعل سماحة الامام الشيخ حسين المؤيد .
والتصحيح والتجديد الذي نعنيه في الفكر الشيعي عند سماحته يتوضح من
خلال :
- دراسته لما في كتب الحديث الشيعية المعتبرة من احاديث وروايات – متنا
- من خلال مدى تطابقها مع القرآن الكريم، والعقل السليم (او ما يسمى
بالمعقول) والمنطق السوي، او تعارض اجزاء متنها مع بعضها، او تعارضها مع
غيرها.
يقول سماحة الامام في احدى اجاباته عن امر يتعلق بسند ومتن حديث
(2):
((إنّ اعتبار الحديث – أي حديث – و حجيته لا ترتبط بسلامة سنده و
حسب , و انما لا بد في صلاحية الحديث للأخذ به و إعتباره حجة مضافاً الى
سلامة السند من سلامة المتن و عدم مخالفته للقطعي من النقل و العقل، فلو
أن متن الحديث كان مخالفاً لمضمون قرآني قطعي الدلالة , فان الحديث يسقط
عن الحجية حتى لو كان سنده صحيحاً اذ تكشف مخالفته للقرآن الكريم عن ثغرة
فيه تمنع من الإحتجاج به , لانه لا يمكن أن يصدر من رسول الله صلى الله
عليه و على آله و سلم ما ينافي القرآن الكريم )).
- دراسة احوال رجال السند اعتمادا على كتب الرجال الشيعية خاصة .
- رد بعض الايات القرآنية الى مواضعها الحقيقية في التفسير ، لا كما
اولها البعض لاضفاء الصحة على ما يروى من احاديث غالية.
- تحديد ما دخل المذهب ، او تلك الاحاديث والروايات ، من معتقدات اخرى–
من شتى الاديان والمعتقدات والشعوب - عبر مر العصور ، فاصبحت تلك
المعتقدات هي الواجهة الامامية للمذهب ، مع العلم ان الكثير منها تتلبس
بلباس الاسطورة والخرافة ، وهذه التحديدات اعتمدت ايضا ميزان القرآن
الكريم ،والعقل السليم والمنطق السوي.
- اعادة العمل بالاجتهاد الشيعي الفعال بعد ان توقف لاسباب شتى عند
البعض، فأصبح المتأخر يكرر ما قاله المتقدم في الكثير من المسائل الفقهية
(3) التي تبنى – عند بعض المتقدمين – على ما يتضارب مع القرآن الكريم
والسنة النبوية الصحيحة بسبب لافتة غير صحيحة مرفوعة عندهم ان ( ما خالف
العامة فخذوا به) (4)، ولاسباب سياسية - ايديولوجية، ولتأثيرات خارجية.
- في توثيقه للحديث كدليل شرعي يبني عليه رأيه الفقهي وفتواه ، فأنه يأخذ
بنظر الاعتبار الواقع المتحرك.
يقول سماحته في اجابته السابقة :
((و كذلك اذا كان متن الحديث مما يكذبه الواقع الخارجي فانه يسقط عن
الإعتبار أيضاً , لان حديث الرسول عليه أفضل الصلاة و السلام لا يتطرق
اليه الكذب بحال فلا يمكن ان يكذبه الواقع , فما يكذبه الواقع لا يكون
منتسباً الى رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم)).
- القبول بالرأي الاخر – من المذاهب الاخرى – (5) طالما يعتمد القرآن
الكريم والسنة الصحيحة ، واعتماد الدليل في الاراء( الفتاوي ).(6)
- الدعوة النظرية والعملية الى التقارب بين المذاهب ، حتى وصل الحال
بسماحة الامام الشيخ الى تقديم مشروع الفقه التقريبي (7) ، أي الفقه الذي
يعتمد الصحيح في المذاهب كافة، وهو ما زال سائرا عليه في مرجعيته، على
اعتبار ان تلك المذاهب ما هي الا مذاهب فقهية تختلف فيما بينها في
المسائل الفرعية التي يمكن تحصيلها بالاجتهاد اعتمادا على القرآن الكريم
والسنة النبوية الصحيحة .
ان الدراسة هذه ، تأتي للكشف – بصورة علمية موضوعية محايدة- عن
المشروع الاصلاحي - تجديد وتصحيح - الذي حمل لواءه سماحة الامام الشيخ
حسين المؤيد في وقت وصل فيه الفكر الشيعي الاثني عشري عند البعض الى
الجمود ، ودخلته الاسطورة والخرافة ، بل امتزجا في الكثير من المواضع حتى
بات فرزهما عسيرا ، ووقف امام هذا المد بقلمه وافاق تفكيره الواسعة،
وحجته العلمية الصارمة ، فضلا عن وقوفه بوجه الدعوات التي تريد زرع
الفتنة داخل الجسد الاسلامي ، وكانت مواقفه واجتهاداته وفتاوبه السيف
القاطع لتلك الفتنة .
ان موقف سماحته النقدي لما اعتور المذهب (الشيعي الجعفري خاصة) كان
صلبا ، ولا يهادن ، ولا تتلبسه عاطفة ما ، مهما كان منشأها.
كنت اتمنى ان يعطي سماحة الامام الشيخ الامام جل وقته لمشروعه
النهضوي – على مستوى المذهب الجعفري الاساس – دون الاخلال في الجانب
الاخر من هذا المشروع ، وهو الجانب السياسي الوطني خاصة - لاننا بحاجة
كبيرة الى رجال دين منفتحين على الواقع وعلى المذاهب الاسلامية الاخرى
وعلى الانسانية - دون نسيان الاصول- ، ولم نكن بحاجة الى مفكري سياسة ،
اذ تصحيح المذهب يحتاجه العامة من الشيعة في وقتنا الحاضر اكثرمن أي وقت
اخر.
***
مقدمة - 2:
مر الاجتهاد الشيعي الامامي الاثني عشري بعد ان انفصل عن اساسه
الجعفري- ضمن المنظومة الفقهية الاسلامية - بمراحل عدة ، فضلا عن تعدد
المدارس الفقهية الشيعية الاثني عشرية (من اصوليين واخباريين) وتعدد
المجتهدين والمراجع الذين يتبعهم العامة من الشيعة ، واختلافهم ، ابتداء
من سبعينات القرن الماضي (بعد وفاة مرجع المذهب السيد محسن الطباطبائي
الحكيم) بصورة علنية .
الامام الشيخ حسين المؤيد ( 1965 ) مرجع ديني ، من عائلة عراقية
عربية، علمية ، كان والده طبيبا من جهة ، ومن جهة اخرى ينحدر من عائلة
دينية، شاهدت له حوارا تلفازيا على قناة الشرقية نهاية العام 2009 ، وهو
شخصية معتدلة منفتحة على الواقع ، وصاحب استقلالية، و له مشروع نهضوي ،
ان كان ذلك في الحياة العامة او في الفقه.
ادهشتني الكثير من ارائه (فتاويه) الدينية في الكثير من الامور ، وقد
اختلف – في بعضها - مع جل علماء الاسلام من كافة المذاهب دون ان ينسى
الاصول،لا لانها – تلك الاراء /الفتاوي - انطلقت من مبدأ فقه الواقع
(8)، بل لانها تأتي من مرجعية بحثية علمية موضوعية دقيقة بعيدا عما هو
سائد من بعض الاراء الفقهية السابقة غير الصحيحة وذات الطابع الخرافي
والاسطوري، مما اعطى تلك الاراء / الفتاوى سمة الاجتهاد الذي ما زال بابه
مفتوحا في الفقه الشيعي (9)على عكس غلقه في المذاهب الاسلامية الاخرى
(كما يدعي البعض) .
فابتداء من تعريفه للاسلام على انه : برنامج دنيوي، وهدف اخروي ،
كما جاء في حواره لقناة الشرقية، فإن الكثير من طروحاته وارائه / فتاويه
تعتبر ثورة تصحيحية في الاجتهاد الشيعي الامامي الاثني عشري. (10)
ففي الحوار ذاك، قال الكثير من الاراء الجديدة في الكثير من المسائل
والامور التي افتى بها من سبقه ، فعن كيد النساء ، وما جاء في المأثور
الاسلامي عن النبي (ص) او الامام علي بن ابي طالب في قضية الكيد،(اعتمادا
على ما جاء في سورة يوسف على لسان العزيز عن زوجته او على لسان الفرعون )
نفى الامام الشيخ ان تكون النساء مختصات به ، بل هو فعل مشترك مع
الرجال.
اما عن مفهومه للقوامة (الرجال قوامون على النساء – النساء: 34)،
فكان رأيه ان : القوامة: ادارة الاسرة، ولا تعني التحكم بمزاجية ،وقيام
الزوج بادارة الاسرة مشروط فقهيا بالانفاق، وإلا تسقط القوامة بعدم
الكفاءة .(11)
اما عن الحديث النبوي الذي يؤكد على نقص في عقول النساء فقال عنه:
حديث ضعيف ويصطدم مع حقائق الشرع ويضرب به عرض الجدار وهو دخيل على
الاسلام.
هذه الاراء الجديدة - والثورية اذا صحت التسمية – وغيرها – عن حلية
سماع الموسيقى مثلا - دفعتني الى ان اطلع اكثر على ارائه / فتاويه
وطروحاته من خلال موقعه الالكتروني، والوقوف على منظومته الفكرية الفقهية
ضمن منظومة الفقه الشيعي الامامي الاثني عشري.
واذ نحن نقدم هذه الدراسة عن فكر هذا الامام الشيخ المجتهد في المذهب
الشيعي لا ننسى المجتهدين وعلماء الشيعة الاخرين الذين سبقوه او جايلوه
والذين كانت لهم اراء منفتحة - الى حد ما - دون ان تخل بالاساس الاصولي ،
والتي جاهروا بها ، كالمرجع الديني العربي محمد حسين فضل الله (12)
والسيد محسن الامين، والسيد علي الامين ،و الشيخ الدكتور احمد
الوائلي(الى حد ما)، على مستوى خطباء المنبر الحسينس - ،على سبيل المثال
لا الحصر.
واخيرا، يتصف مشروع الامام الشيخ المؤيد النهضوي بـ : (13)
- انفتاحه الذهني تجاه مسألة التجديد والاجتهاد الصحيح توثيقا .
- تفعيل الفكر الديني علميا وموضوعيا وعقلانيا.
- المراجعة النقدية الشاملة والعلمية والعقلانية للتراث الاسلامي ، وخاصة
الشيعي منه ، ذلك التراث الذي قال عنه سماحة الامام الشيخ في رد على سؤال
وجه له: (و ما نجده في التراث من غث دسته يد الغلاة أو غيرهم من المغرضين
لا يعبر عن المفاهيم الصحيحة المتطابقة مع نصوص القرآن الكريم و روحه)
للوصول الى التقارب المذهبي خدمة لفكر اسلام قرآني صحيح.
- واهم نقطة في مشروع سماحته ، دعوته الى الوحدة الاسلامية في زمن تكالبت
فيه اعداء الاسلام على هذا الدين الحنيف .
ومن ابرز مقومات الوحدة الاسلامية (من الداخل)، هو وقف السب والشتم
وانتقاص الصحابة من قبل بعض رجال الدين الذين ظنوا – وبعض الظن اثم –
انهم سيعيدون التاريخ الى ما قبل الف واربعمائة سنة بهذا السب او يغيروه،
وهذا ما كان يؤكد عليه سماحته في فتاويه وخطاباته ومحاضراته .
***
مقدمة – 3:
تعتمد دراستي هذه على الفتاوي والاجابات والمحاضرا ت واللقاءات
الصحفية والتلفازية لسماحة الامام الشيخ المنشورة على موقعه الالكتروني
فقط.
وانبه القاريء اللبيب ان منهجيتي في توزيع الموضوعات في هذه الدراسة
على عنوانات تحمل اسماء محددة ، يشوبه بعض الخلط ، اقول : ان الموضوع هو
الذي يحدد اين يكون هذا الحديث من خلال قرينة تؤخذ من متنه ، فنجد مثلا
ان موضوعا ما يمكن ان نضعه تحت عناوين كثيرة،الا اننا اخترنا من بين تلك
العناوين عنوانا واحدا يضمه بسبب ان متنه هو الذي يحدد ذلك ، فنجد ان
موضوعا ما يتحدث عن خلل في المتن وخلل في السند ، فنضعه تحت عنوان الخلل
في السند لان مدار الموضوع الرئيسي يدور حول ذلك.
ارجو ان اكون قد وفقت في دراساتي هذه ومن الله الموفقية والسداد.
***
الهوامش:
1 - خير دليل على فقه الواقع من القديم هو تغيّر فقه الامام الشافعي ،
بين الذي بناه عندما كان في العرق، وبين الذي بناه في مصر ، اما من واقع
العصر الحالي فهناك اصوات عديدة تدعو اليه ، دون ان يصيب العقيدة الاساس
شيئا.
2 – جواب عن سؤال حول حديث (النساء ناقصات عقل و دين) الذي ورد على صفحة
الاستفتاءات.
3 - ليس معنى هذا ان يأتي المجتهد المتأخر بغير ما اتى به المتقدم ،
وانما معناه ان يفحص اجتهاد المتقدم الذي قيل بتأثيرات ايديولوجية او
سياسية او غيرهما ليقول كلمته هو فيه .
4 - حديث مروي عن الامام الصادق ، وهو براء منه ،كما بينا في دراسة
سابقة.
5 - يعتمد الامام الشيخ في تقديم ادلته على ما جاء من صحيح عنده في
المذاهب الاخرى ، مثل اعتماده الصحاحات والمساند والمصادر الاخرى في
المذاهب السنية والزيدية وغيرها التي تثبت صحتها عنده.
6 - عندما استخدم مصطلح (رأي) فانني لا اقصد ان صاحبه من مدرسة الرأي ،
كأصحاب ابي حنيقة، وانما اقصد الرأي الاجتهادي المبني على الادلة الشرعية
التي يعتمدها الشيعة للوصول الى الحكم الشرعي ، أي الفتوى.
و الفتوى هي رأي المجتهد في مسألة ما ، وهذا الرأي يتحصل عليه ببذل
الجهد اعتمادا على القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة (حسب رأي
المجتهد)، اضافة لامور اخرى يعتمدها كل مذهب من مذاهب الاسلام العديدة ،
كالعقل والاجماع والاستحسان و ...الخ.
7 – عن الفقه التقريبي ، راجع مقالة صبحي مجاهد في موقع (إسلام أون لاين)
في 21/12/2006.
8 – يقول الامام الشيخ : ((الإسلام لايريد ان يركن المعرفة البشرية
جانبا)). راجع : ندوة" الآفاق المستقبلية للمشروع النهضوي عربيا
وإسلاميا" لسماحة آية الله العلامة الفقيه الشيخ حسين المؤيد (دام ظله)
26/ رمضان – المنشورة على الموقع الالكتروني لسماحة الامام الشيخ.
9 – على مر تاريخ المرجعيات الشيعية الامامية الاثني عشرية، قلما تجد
المرجع يستخدم آلية الاجتهاد ، وانما تأتي ارائه / فتاويه ضمن سياق ما
جاء به سابقيه من المراجع ، الا ما ندر ، كالمرجع الديني العربي محمد
حسين فضل الله في لبنان ،و الامام الشيخ المؤيد ، على سبيل المثال لا
الحصر، حتى بات البعض منهم لا تكون له رسالة علمية عملية لانه متبع لمرجع
سبقه في كل شيء.
10 – لا اقصد ان تلك الطروحات والاراء / الفتاوي بعيدة عن الشرع ، بل
انها تنطلق من فهم صحيح ودقيق للقرآن الكريم والاحاديث النبوية الصحيحة
والموثقة سندا ومتنا وعدم تضاربها مع القرآن الكريم والعقل السليم
والمنطق السوي.
11 – والعجيب ان محمد حسين الطباطبائي في كتابه (قضايا المجتمع والاسرة )
ص 123 ، يفهم (بعضهم على بعض - الاية) على انها بمعنى زيادة في العقل
والقوة على الشدائد ، وبهذا ينكر ما افرزه الواقع ،عبر تاريخ الانسانية،
من نساء كثيرات وصلن الى سدة الحكم، والقيادة العسكرية ،
ومقاتلات ،وعالمات، وطبيبات، وكاهنات ، و... و...و ...الخ.
((والمراد بما فضل الله بعضهم على بعض هو ما يفضل ويزيد فيه الرجال بحسب
الطبع على النساء ، وهو زيادة قوة التعقل فيهم ، وما يتفرع عليه من شدة
البأس والقوة والطاقة على الشدائد في الأعمال ونحوها فإن حياة النساء
حياة عاطفية مبنية على الرقة واللطافة ، والمراد بما أنفقوا من أموالهم
ما انفقوه في مهورهن ونفقاتهن . وعموم هذه العلة يعطي أن الحكم المبني
عليها أعني قوله : ( الرجال قوامون على النساء ) غير مقصور على الأزواج
بأن يختص القوامية بالرجل على زوجته بل الحكم مجعول لقبيل الرجال على
قبيل النساء في الجهات العامة التي ترتبط بها حياة القبيلين جميعا
فالجهات العامة الاجتماعية التي ترتبط بفضل الرجال كجهتي الحكومة والقضاء
مثلا الذين يتوقف عليهما حياة المجتمع ، وإنما يقومان بالتعقل الذي هو في
الرجال بالطبع أزيد منه في النساء ، وكذا الدفاع الحربي الذي يرتبط
بالشدة وقوة التعقل كل ذلك مما يقوم به الرجال على النساء)) .
12- خير مثال على ذلك: ما طرحه من اراء تاريخية جديدة ، وتفنيده لاكثر
الاراء الاسطورية التي جاء بها علماء الشيعة اب عن جد دون تمحيص وتدقيق
علميين ، فكان الرد عليه تكفيره من قبل اكثر من عشرين مجتهدا شيعيا من
اصل فارسي ( اؤكد على هذه النقطة ) ، فضلا عن مطالبة البعض من علماء
الشيعة (اقل من درجة الاجتهاد) بأن يبقي الامر سرا ، او على اقل تقدير
ضمن حدود المجالس الخاصة، دون ان تتوسع دائرة ما يطرحه من افكار وطروحات
جدية على العامة من الناس.
جاء في كتاب (( لهذا كانت المواجهة - الشيخ جلال الصغير- ص 13 ))
عن المرجع الديني اللبناني محمد حسين فضل الله:
(( ...بحيث جعلت أكثر من ( 21 ) مرجعا دينيا يتخذون مواقف الرفض
بصورة أو أخرى ، فضلا عن مئات المجتهدين والعلماء ، وفيما صرح أغلبهم
بضلاله وإضلاله ، تراوحت مواقف بعضهم بين التحفظ في تثبيت الموقف على
الورق رغم وضوح موقفه العملي ، وبين من بلغ به درجة الفساد والإفساد
وأدخله في دائرة الكفر ، ولعلنا في حالة كهذه لم نحصل على إجماع كهذا بين
كل هذا العدد من المراجع والآيات العظام رغم اختلاف بعضهم المعروف في بعض
التوجهات الاجتماعية والفقهية والأماكن ، ونذكر من بين أسمائهم الشريفة
ما يلي :
1 - السيد علي السيستاني . 2 - المرحوم السيد محمد الروحاني ( أستاذ فضل
الله ) . 3 - السيد محمد سعيد الحكيم . 4 - الشيخ الوحيد الخراساني . 5 –
الشيخ جواد التبريزي . 6 - السيد تقي القمي . 7 – الشيخ محمد تقي
البهجة . 8 - السيد محمد الحسيني الشاهرودي . 9 - السيد مهدي الحسيني
المرعشي . 10 - السيد محمد الحسيني الوحيدي التبريزي . 11 – الشيخ بشير
النجفي . 12 – الشيخ نوري الهمداني . 13 – الشيخ إسحاق فياض . 14 – الشيخ
الفاضل اللنكراني . 15 - الشهيد الشيخ علي الغروي . 16 - الشهيد الشيخ
مرتضى البروجردي )).
ويؤكد هذا الكاتب قائلا: (( ولهذا اتهموا المرجعية في النجف وقم
بالتمييز العنصري بدعوى أنهم من الفرس وهو من العرب ، ومن ثم ليعزفوا على
أوتار النغمة العنصرية الممجوجة)) .
اقول: كأن الصغير يقول: هذا هو الواقع، وهذه هي الحقيقة .
وقد نشرت كتب كثيرة ردا على الاجابة التاريخية للسيد فضل الله من
مثل كتاب: حوار مع فضل الله حول الزهراء (س) - السيد هاشم الهاشمي -
الطبعةالثانية - 1422 ه / قم - دار الهدى، وكذلك : - مظلومية الزهراء
عليها السلام – السيد علي الميلاني - الذي راح يشرح حوادث إحراق البيت
وإسقاط الجنين ،متهما كتـّاب الصحاح بعدم ذكر الحادثة لانهم منعوا من
تدوينها ولم يذكر دليله على هذا المنع مما يوحي للقاريء ان ادعاءه كان
باطلا.
يقول : ((إن إحراق بيت الزهراء من الأمور المسلمة القطعية في أحاديثنا
وكتبنا ، وعليه إجماع علمائنا ورواتنا ومؤلفينا ، ومن أنكر هذا أو شك فيه
فسيخرج عن دائرة علمائنا ، وسيخرج عن دائرة أبناء طائفتنا كائنا من كان .
أما في كتب أهل السنة ، فقد جاءت القضية على أشكال ، وأنا قد رتبت
القضايا والروايات والأخبار في المسألة ترتيبا ، حتى لا يضيع عليكم الأمر
ولا يختلط ، وحتى تكونوا على يقظة مما يفعلون في نقل مثل هذه القضايا
والحوادث فإن القدر الذي ينقلونه أيضا يتلاعبون به ، أما الذي لم
ينقلوه ، أما الذي منعوا عنه ، أما الذي تركوه عمدا ، فذاك أمر آخر ،
فالذي نقلوه كيف نقلوه ؟ ))
ان تكفير السيد فضل الله ، جاء لتكذيبه لحادثة كسر ضلع الزهراء
الفرية التاريخية التي يتناقلها بعض علماء الشيعة ، والتي كذبها ايضا
الامام الشيخ المؤيد ، إذ كان رده عن الصحة التاريخية لهذه الحادثة ،
بالقول :
((لم يثبت ذلك عندي ... وقد ذكرنا أن حادثة كسر ضلع الزهراء عليها
السلام غير ثابتة، بل القرائن المنطقية تدلل على أنها غير صحيحة ولم تكن
هذه الحادثة سببا لوفاتها عليها السلام . وإنما المستفاد من النقول
التاريخية أنها مرضت ووافاها الأجل سلام الله عليها . وكان رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم قد أخبرها بأنها أول أهل بيته لحوقا به.)).
وقال كذلك : (( إثبات وقوع هذه الحادثة هو الذي يحتاج إلى دليل
والأدلة التي ذكرت لإثبات هذه القضية إما ضعيفة سندا أو متضاربة ومتعارضة
أو مخالفة لمنطق طبيعة الأشياء وللقرائن التي لا بد من تحكيمها عند تقييم
مضامين الأخبار والنقول وتفصيل ذلك موكول إلى مجاله التخصصي الأوسع)).
و من المعروف شرعا وعرفا وقانونا ان البيت – الدار و العائلة - يسمى
بإسم الرجل ، هذا بيت فلان ، ولم نسمع مرة ان كان ذلك في الواقع الاني
او في ما قرأناه في كتب التاريخ والفقه ان بيتا ما سمي ببيت الزوجة الا
في هذه الحادثة ، اذ سميت بحادثة الهجوم على( بيت الزهراء) ونسي انه في
الاصل بيت الامام علي بن ابي طالب ، فلماذا يحاول الكتبة ورجال الدين
القول بذلك ؟ اليس في ذلك دس اريد منه التأثير على العامة من الشيعة
وايغال في بث الضغينة بين المسلمين؟
13 – ضم مشروعه النهضوي الاصلاحي كل ما يرتبط بالوحدة الإسلامية والتقريب
ما بين المذاهب و الحوار بين الأديان و الثقافات و المشروع النهضوي
العربي من خلال مراجعة وغربلة وتنقية التراث بكل اتجاهاته العقدية
والمذهبية، راجع موقعه الالكتروني على شبكة الانترنيت.
2
مفهوم السنة النبوية عند الشيعة الامامية
من منظور الامام الشيخ المؤيد
عن كتب الحديث المعتمدة عند الشيعة الاثني عشرية ، يبين سماحة الامام
الشيخ منهجيته في اعتماد ما جاء في تلك الكتب من احاديث ومرويات ، ومن ثم
استنباط الحكم الشرعي.
يقول:
(( ان مصطلح السنة عند الشيعة الامامية يطلق على قول المعصوم وفعله
وتقريره ، ويقصدون بالمعصوم الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم
وابنته فاطمة الزهراء عليها السلام والأئمة الاثنى عشر ،وبالتالي فالسنة
التي هي احد المصادر الاصلية للاحكام الشرعية والمفاهيم الاسلامية، تعم
كل ذلك عندهم .
وقد كان الصدر الاول من الشيعة سباقين الى تدوين السنة لا سيما
الاحاديث . وعند الرجوع الى المؤلفات التي فهرست لرجال الاحاديث والاصول
والكتب والمدونات الحديثية نجد ان قدماء الشيعة كانت لهم المؤلفات
الكثيرة المتصلة بنقل الاحاديث عن الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم
وعن امير المؤمنين علي والحسن والحسين وزين العابدين عليهم السلام .
وقد كانت هذه الكتب والمدونات مدار النقل والتحديث والسماع ، وفي كل
طبقة اضيف الى تلكم المدونات الاحاديث التي تروى عن الأئمة التالين حسب
كل طبقة ، وبهذا تكونت ثروة حديثية واسعة . الا ان النسبة الاكبر من هذه
المدونات لم تصلنا خاصة بعد ان تم اختزال كل ذلك التراث عبر المجاميع
الحديثية التي عبر عنها بالكتب الاربعة وذلك في القرنين الثالث والرابع
الهجري ، وصارت هذه الكتب مدار النقل والاستدلال . على ان هناك كتبا
كثيرة في مواضيع معرفية شتى نقلت الاحاديث لكنها لم تخل من عملية
الاختزال التي اشرنا اليها .ومن الملفت للنظر ان عملية اختزال هذا التراث
تكاد تكون اقتصرت من حيث الممارسة والنتيجة على المرويات عن الامامين
الباقر والصادق ومن بعدهما من الائمة ولم تنقل من مدونات الحديث التي
انتجها الصدر الاول والتي اكتظت باحاديث الرسول صلى الله عليه واله وسلم
واهل بيته الاولين عليهم السلام الا النزر القليل الامر الذي ادى الى
فقدان الشيعة لثروة حديثية ضخمة. والذي اعتقده ان هناك عوامل لا يتسم
بعضها بالايجابية ادت الى هذه النتيجة الوخيمة التي اثرت على بلورة الفكر
الشيعي بالطريقة التي عمقت شرخ الخلاف بينه وبين فكر المدارس الاسلامية
الاخرى، بعض هذه العوامل عقيدي وبعضها اجتهادي ، فانت اليوم لا تجد في
المرويات ما ينقل عن امير المؤمنين علي وعن الحسن والحسين وزين العابدين
عليهم السلام الا النزر اليسير فضلا عن المرويات عن رسول الله صلى الله
عليه واله وسلم ، بينما حين ترجع الى مصادر الشيعه الزيدية تجد ان اهم
مصادرهم هو مسند الامام زيد عليه السلام وهو يحتوي على الاحاديث التي
يرويها زيد عن ابيه السجاد عن الامام الحسين عن علي عن رسول الله صلى
الله عليه واله وسلم فتستطيع ان تحظى بكم من الاحاديث عن الرسول صلى الله
عليه واله وسلم واهل بيته الاولين الامر الذي لا تجد نظيره في الكتب
الاربعة . وحتى الكتب الاربعة تتضمن عددا غير قليل من الاحاديث التي تتصف
بسند معتبر لا يمكن نسبتها الى الأئمة عليهم السلام ولا تتصف بالحجية لان
متونها تحتوي على خلل فاضح يشي بان هذه الاحاديث اما ان تكون مدسوسة ووضع
لها سند معتبر او مكذوبة يمكن ان يكون بعض رجال سندها ممن تم توثيقه بحسب
الظاهر غير ثقة بالواقع قام بافتعالها اوالزياة والنقصان فيها الامر الذي
سبب في نظري مشكلة كبيرة في اتجاه عملية الاستنباط في المسار الصحيح .
ومن هنا فانني اخذ كل هذه الامور بنظر الاعتبار في استنباط الاحكام وقد
قمت بتاصيل قواعد في هذا المجال بحيث لا تكتفي عملية الاستنباط بالمصادر
الموجودة وانما تعتمد منهج المقارنة والدراسة التحليلية وتتبع مسار
الاحكام منذ خيوطها الاولى، كما لا تكتفي بالنظر الى اعتبار السند وانما
تدقق في المتن وتدرس جو النصوص وتنفتح على كل القرائن التي يمكن ان تلعب
دورا في تقييم النص )).
***
اما عن رأيه بما ضمه كتاب نهج البلاغة من خطب وكلمات ورسائل الامام
علي بن ابي طالب ، فيقول سماحته:
(( واما كتاب نهج البلاغة فقد اخطأ من ادعى انه من تاليف الشريف الرضي
وانما الصحيح ان الشريف الرضي قام بجمع هذه الخطب والكلمات المنسوبة الى
امير المؤمنين علي عليه السلام من الكتب والمصادر والمنقولات والمدونات.
ولا بد من اتباع منهج التدقيق في المنقول في هذا الكتاب حسب السند والمتن
فما تم له سند معتبر ولم يكن في متنه خلل يمكن حينئذ نسبته الى امير
المؤمنين عليه السلام ويترك ما عداه . فالناس وقعوا في قضية نهج البلاغة
بين تفريط وافراط ، فالتفريط نسبة الكتاب الى الرضي نفسه ،والافراط هو
القول بنسبة كل ما في الكتاب الى امير المؤمنين عليه السلام ، والمنهج
الوسط هو ان الكتاب ليس للشريف الرضي وانما هو مجموع ما نسب الى امير
المؤمنين علي عليه السلام من خطب وكلمات ، ويحكم بصحة ما كان له سند
معتبر ولم يكن في متنه خلل وما لا ينافي الاعتبار)).
يقول الامام الشيخ عن سند خطبة الشقشقية : ((هذا السند غير معتبر في ضوء
معطيات علم الرجال عند الإمامية لوجود عكرمة فيه , لأنه غير موثق عندهم ,
و يذهب رجاليون امامية الى انه مجروح() . (انظر ملحق خطبة الشقشقية).
وعن خطبتي البيان و التطنجية فيقول عنهما انهما غير صحيحتين:
(( فكل منهما ساقط سندا مضافا إلى اشتمال المتن في كليهما على فقرات
باطلة من أكثر من جهة بحيث لو كان سند كل منهما صحيحا لسقط عن الحجية
والاعتبار بسقوط المتن ولدخلت روايات الخطبتين تحت قاعدة الروايات التي
تكذب متونُها أسانيدَها .
ومن هنا يتضح ضعف المحاولات الرامية إلى إضفاء نوع من الاعتبار عليهما
بحجة أن سنديهما وإن كانا ضعيفين إلا أن المضمون قد ورد في روايات أخرى
تتصف بصحة السند أو تتعاضد . وهذا تبرير واه لأن المضمون إذا كان باطلا
لمخالفته للقرآن الكريم أو للأمور القطعية فإن الرواية تسقط عن الاعتبار
حتى لو كان سندها صحيحا . وكذلك يضعف التبرير لإشكال بعض فقرات المتن
بتأويل مضامين الخطبتين في الفقرات المشكلة . ويرده أن التأويل في هذه
المضامين غير نافع مضافا إلى أنه في أي منها هو تأويل خاطئ أو تحكمي .
ومن هنا لا يصح التعويل على هاتين الخطبتين بل لا تجوز روايتهما
وترويجهما)).
***
وعن رأيه في كتاب : (مستطرفات السرائر)،(حسب ما جاء في سؤال احد
السائلين) يقول الامام الشيخ:
((و أما مستطرفات السرائر فحيث أن ابن ادريس لم يذكر طرقه الى الكتب التي
نقل منها تلكم الروايات فلذا لا تتصف روايات مستطرفاته بالحجية . و قد
حاول البعض علاج هذه الثغرة بمعالجات غير صحيحة . فالصحيح أن مستطرفات
ابن ادريس غير واجدة لمعايير الاعتبار)).
***
وقد وضح سماحته رأيه الفقهي في الكثير من الروايات الناقلة للادعية – على
سبيل المثال – من خلال اجاباته العلمية والموضوعية المتجردة من كل
عاطفة ، فعن دعاء الندبة ، يقول سماحته :
(( وأما دعاء الندبة فقد أورده السيد علي ابن طاووس في كتابه مصباح
الزائر قال: ذكر بعض أصحابنا قال قال محمد بن علي بن أبي قرة :نقلت من
كتاب محمد بن الحسين بن سفيان البزوفري (رض) دعاء الندبة . وهذا سند مشكل
غير نقي اذ يلاحظ عليه :-
أولا :- أن الفاصل الزمني بين السيد ابن طاووس ومحمد بن علي بن أبي قرة
فاصل كبير فان السيد ابن طاووس توفي سنة 664هـ ,بينما محمد بن علي بن أبي
قرة هو من مشايخ النجاشي المتوفى سنة 450هـ , وعليه لابد أن تكون هناك
أكثر من واسطة وهي مجهولة .
ثانيا:-ان سند محمد بن الحسين بن سفيان البزوفري الى الدعاء غير مذكور
فهوَ سند مجهول أيضا. ومن هنا لايصح ماذكره المجلسي في زاد المعاد من أن
دعاء الندبة مروي بسند معتبر عن الامام الصادق عليه السلام , اذ لم يذكر
لهذا الدعاء سند متصل معتبر.هذا وقد اورد الشيخ محمد بن جعفر بن المشهدي
في مزاره الكبير دعاء الندبة وذكر في سنده نحو ماذكره السيد ابن طاووس
والاشكال هو الاشكال .
هذا مضافا الى أن هذا الدعاء لم يذكر في كتب الادعية المتقدمة على ابن
طاووس كمصباح المتهجد للشيخ الطوسي وهذا مايضع علامة استفهام , لان هذا
الدعاء اعتبر من أعمال يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم الأضحى ويوم الغدير
ومضامينه مهمة في زمان الغيبة فان كان له سند معتبر واضح , أو كان دعاء
معروفا فما هو الوجه في إهماله في كتب الدعاء المعتبرة , بل ان السيد ابن
طاووس نفسه لم يذكره في سائر كتبه المعدة لبيان الأعمال والأدعية. أضف
الى ذلك أن في متن الدعاء بعض الفقرات التي لايمكن صدورها من الأئمة
لأنها اما مخالفة للواقع أو مخالفة لحقائق الدين والقرآن المبين مما يدلل
اما على كون الدعاء موضوعا مختلقا أو على انه قد دس فيه ماليس منه الأمر
الذي يوجب خللا في اعتبار المتن .
ومن هذه الفقرات:-
1- "والأمة مصرة على مقته مجتمعة على قطيعة رحمه واقصاء ولده الا القليل
ممن وفى لرعاية الحق فيهم " والمقت لغة هو أشد البغض , يقال مقته مقتا أي
أبغضه أشد البغض . وفي لسان العرب قال: قال الليث : المقت بغض عن أمر
قبيح ركبه فهو مقيت . وهذه الفقرة تنسب هذا المعنى الى جمهور المسلمين في
حق علي بن أبي طالب عليه السلام ,أو في حق رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم بحسب أحد الوجهين المحتملين في هذه الجملة . وعلى كلا التقديرين
فهذه النسبة كاذبة ومخالفة للواقع فان جمهور المسلمين لم يكن عندهم هذا
البغض لعلي عليه السلام لافي زمان حياته ولا بعد موته ,وانما المبغضون له
أشد البغض هم الأقلية في الأمة , ومجرد عدم قبولهم به خليفة بعد النبي
(ص) لايستلزم هذا النوع من البغض , والشواهد التاريخية كثيرة في الدلالة
على أن جمهور الامة لم يكونوا من الماقتين ,وفي أيام خلافته كانت
الاكثرية معه عليه السلام وقاتلوا تحت رايته في كل حروبه , وبعد شهادته
ازدادت محبته في النفوس خاصة كرد فعل على ماقام به الامويون ضده من السب
واللعن والطعن , فالماقتون له عليه السلام كانوا الأقلية في الامة .
وتفصيل الكلام على هذه القضية خارج عن هذا المجال . فهذه الفقرة مخالفة
للواقع ولا يمكن صدورها من أحد من الأئمة عليهم السلام .واذا كان الضمير
راجعا الى رسول الله فالأمر أوضح وتكون نسبة المقت الى جمهور المسلمين
بهتانا عظيما يجلّ عنه الأئمة (ع).
2- "أودعته -أي الرسول-علم ماكان وما يكون الى انقضاء خلقك" ومفاد هذه
الفقرة أن النبي (ص) كان يعلم علم ماكان وما يكون جميعا .ولا شك أن هذا
يصطدم مع آيات الكتاب المبين كقوله تعالى :"قل لا أقول لكم عندي خزائن
الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك ان أتبع الا مايوحى اليّ"
وقوله تعالى" قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا الا ماشاء الله ولو كنت أعلم
الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ان أنا الا نذير وبشير لقوم
يؤمنون".فانه كيف يمكن أن يؤمر النبي (ص) بان ينفي للناس علمه بالغيب في
حال ان الله تعالى قد علّمه علم ماكان وما يكون الى انقضاء خلقه.
3- "وجعلت له ولهم أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ".
فان هذه الفقرة تتحدث عن أن البيت الحرام جعل للرسول (ص)وأهله وفي السياق
ظهور في كون ذلك من مميزاتهم عليهم السلام . والحال أن الكعبة كقبلة هي
للمسلمين جميعا , وكمحج هي للمسلمين جميعا والذي اختصه الله تعالى برفع
القواعد من البيت هو ابراهيم واسماعيل عليهما السلام , فما هو هذا الجعل
الذي تعلق بالبيت نفسه ,وإن كان المقصود أن الله تعالى جعل البيت الحرام
مباركا للرسول وأهله عليه وعليهم الصلاة والسلام , فهذا ليس من مختصاتهم
عليهم السلام وانما البيت الحرام مبارك لكل المسلمين.فهذه فقرة غريبة في
الدعاء . وهكذا نصل الى أن دعاء الندبة غير معتبر ,وقراءته بعنوان
الاستحباب غير مشروعة ,كما ان قراءته برجاء المطلوبية بما يشتمل عليه من
تلكم الفقرات غير مشروعة ايضا)) .
***
من اعلاه ، يمكننا القول ان المشروع الاصلاحي النهضوي في الفكر الاسلامي،
ومن ثم في فكر المذهب الشيعي الامامي الاثني عشري عند سماحة الامام الشيخ
المؤيد – تصحيحا وتجديدا – قائم على اسس متينة ، ويمكن التبشير به ،
للافادة منه ، من حيث اعتماده – على مستوى السنة – على احاديث ومرويات
مدقق في سندها ومتنها وعدم معارضتها للقرآن الكريم والعقل السليم
والمنطق السوي.
***
3
من اين نأخذ العقيدة؟
سؤال مهم، وكثيرا ما تردد بين سطور اجابات سماحة الامام الشيخ ،
بصورة غير معلنة ، الا انه يمكن استشفافه من خلال اجاباته .
ان مسألة المهدي المنتظر- مثلا - ، مسألة اشكالية في الفكر
الانساني ، وقد بينت الدراسات التاريخية والحفريات الاثارية ، ان اغلب
الامم والديانات - السابقة للاديان السماوية – قد اعتقدت بمهدي خاص بها ،
ولم تستثن الديانات السماوية ، كاليهودية والمسيحية من وجود مهدي خاص
بها .
وفي الفكر الاسلامي ، منذ نشأت الفرق والمذاهب والمدارس، اخذت هذه
المسألة مساحة واسعة في اعتقاد تلك الفرق والمذاهب والمدارس .
و الفكر الشيعي الامامي ، وهو فكر انساني ايضا ،بشر بمهديه المنتظر،
حتى اصبح لكل مدرسة في المذهب الشيعي مهدي خاص بها ، فاصبح للزيدية
مهديها، وللاسماعيلية مهديها ، وللاثني عشرية مهديها،...الخ .
ومهدي الشيعة الامامية الاثني عشرية (الامام الثاني عشر، محمد بن
الحسن العسكري) الذي كتبت عنه الكثير من الدراسات.
وقد حاولت بعض الدراسات المكتوبة من قبل خريجي الحوزات العلمية
الشيعية الامامية خاصة ، ان تنفي وجود المهدي عند الشيعة الامامية الاثني
عشرية (الامام الثاني عشر) وللاسباب التي ساقتها ، على اساس ان مقولة
المهدي هي مقولة فلسفية .(1)
ولما كانت دراستنا هذه غير معنية بتلك الدراسات ، فسنترك مناقشتها ،
لنبحث بعض الاعتقادات الخاطئة التي بنيت على هذه المسألة.
***
اللقاء بالامام المهدي:
يعتقد الكثير من عامة الشيعة الامامية، وبتأثير من خطباء المنبر
الحسيني وعلماء الشيعة على درجاتهم كافة ، ان بإمكانهم اللقاء بالامام
المهدي المنتظر ، مع العلم ان هناك اكثر من حديث ينفي قيام مثل ذلك
اللقاء (من ادعى المشاهدة فكذبوه- الحديث)، والسائل – هنا – يطلب من
سماحة الامام الشيخ بيان صحة الحديث (الرواية ) التي تخبر عن هذا اللقاء.
1 - (( قال السيد الجليل صاحب المقامات الباهرة والكرامات الظاهرة رضي
الدين علي بن طاووس في كتاب غياث سلطان الورى على ما نقله عنه المحدث
الاسترابادي في الفوائد المدنية في نسختين كانت إحداهما بخط الفاضل
الهندي ما لفظه: يقول علي بن موسى بن جعفر بن طاوس: كنت قد توجهت أنا
وأخي الصالح محمد بن محمد بن محمد القاضي الآوي ضاعف الله سعادته، وشرف
خاتمته من الحلة إلى مشهد مولانا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه،
في يوم الثلاثاء سابع عشر شهر جمادي الاخرى سنة إحدى وأربعين وستمائة،
فاختار الله لنا المبيت بالقرية التي تسمى دورة بن سنجار، وبات أصحابنا
ودوابنا في القرية، وتوجهنا منها أوائل نهار يوم الأربعاء ثامن عشر الشهر
المذكور )).
تنتهي الرواية المذكورة في السؤال هنا على موقع سماحة الامام الشيخ،
وعندما رجعت الى المصدر المذكور وجدت الرواية فيه،واكملتها من قوله :
(( فوصلنا إلى مشهد مولانا علي ( عليه السلام ) قبل ظهر يوم الأربعاء
المذكور فزرنا وجاء الليل في ليلة الخميس تاسع عشر جمادى الآخرة
المذكورة ، فوجدت من نفسي إقبالا على الله وحضورا وخيرا كثيرا وشاهدت ما
يدل على القبول والعناية والرأفة وبلوغ المأمول والضيافة فحدثني أخي
الصالح محمد بن محمد بن محمد الآوي - ضاعف الله سعادته - أنه رأى تلك
الليلة في منامه كأن في يدي لقمة وأنا أقول له : هذه من فم مولانا المهدي
صلوات الله عليه - وقد أعطيته بعضها ، فلما كان سحر تلك الليلة كنت على
ما تفضل الله به من نافلة الليل ، فلما أصبحنا نهار الخميس المذكور دخلت
الحضرة - حضرة مولانا علي ( عليه السلام ) - على عادتي ، فورد علي من فضل
الله وإقباله والمكاشفة ما كدت أن أسقط إلى الأرض ورجفت أعضائي وأقدامي
وارتعدت رعدة هائلة على عوائد فضله عندي وعنايته إلي وما أراني من بره لي
ورفدي وأشرفت على الفناد ومفارقة دار العناد والانتقال إلى دار البقاء ،
حتى حضر الجمال محمد بن كتيلة وأنا في تلك الحال ، فسلم علي فعجزت عن
مشاهدته وعن النظر إليه وإلى غيره وما تحققته بل سألت عنه بعد ذلك
فعرفوني به تحقيقا ، وتجددت في تلك الزيارة مكاشفات جليلة وبشارات
جميلة . وحدثني أخي الصالح محمد بن محمد بن محمد الآوي - ضاعف الله
سعادته - بعدة بشارات رآها لي : منها : أنه رأى كأن شخصا يقص عليه في
المنام مناما ويقول له : قد رأيت كأن فلانا - عني [ كذا ] وكأنني كنت
حاضرا لما كان المنام يقص عليه - راكب فرسا ، وأنت ( يعني أخي الصالح
الآوي ) وفارسان آخران وقد صعدتم جميعا إلى السماء ، قال : قلت له : أنت
تدري أحد الفارسين من هو ؟ فقال صاحب المنام في حال النوم : لا أدري ،
فقلت : أنت ، يعني ذلك مولانا المهدي - صلوات الله عليه - وتوجهنا من
هناك لزيارة أول رجب بالحلة ، فوصلنا ليلة الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة
بحسب الاستخارة ، فعرفني حسن بن البقلي يوم الجمعة المذكورة أن شخصا فيه
صلاح يقال له : عبد المحسن من أهل السواد قد حضر بالحلة ، وذكر أنه قد
لقيه مولانا المهدي - صلوات الله عليه - ظاهرا في اليقظة ، وقد أرسله إلى
عندي برسالة ، فنفذت قاصدا وهو " محفوظ بن قراء " فحضرا ليلة السبت ثامن
عشر من جمادى الآخرة المقدم ذكرها ، فخلوت بهذا الشيخ عبد المحسن فعرفته
وهو رجل صالح لا تشك النفس في حديثه ومستغن عنا ، وسألته فذكر أن أصله من
حصن بشر وأ نه انتقل إلى الدولاب الذي بحذاء المحولة المعروفة
بالمجاهدية ، ويعرف الدولاب بابن أبي الحسن ، وأ نه مقيم هناك وليس له
عمل بالدولاب ولا زرع ولكنه تاجر في شراء غلات وغيرها ، وأ نه كان قد
ابتاع غلة من ديوان أبي السرايا وجاء ليقبضها وبات عند المعيدية في
الموضع المعروف بالمحر فلما كان وقت السحر كره استعمال ماء المعيدية فخرج
بقصد النهر والنهر في جهة المشرق فما أحس بنفسه إلا وهو عند تل السلام في
طريق مشهد الحسين ( عليه السلام ) في جهة المغرب ، وكان ذلك ليلة الخميس
تاسع عشر جمادى الآخرة من سنة احدى وأربعين وستمائة - التي تقدم شرح بعض
ما تفضل الله علي فيها وفي نهارها في خدمة مولانا أمير المؤمنين ( عليه
السلام ) قال : فجلست أريق ماء وإذا فارس عندي ما سمعت له حسا ولا وجدت
لفرسه حركة ولا صوتا وكان القمر طالعا ولكن كان الضباب كثيرا ، فسألته عن
الفارس وفرسه ، فقال : كان لون فرسه صديا وعليه ثياب بيض وهو متحنك
بعمامته ومتقلد بسيفه ، فقال الفارس لهذا الشيخ عبد المحسن : كيف وقت
الناس ؟ قال عبد المحسن فظننت أنه يسأل عن ذلك الوقت ، قال ، فقلت :
الدنيا عليها ضباب وغبرة فقال : ما سألتك عن هذا أنا سألتك عن حال
الناس ، قال ، فقلت : الناس طيبون مرخصون آمنون في أوطانهم وعلى
أموالهم ، فقال : تمضي إلى ابن طاوس وتقول له كذا وكذا ، وذكر لي ما قال
له - صلوات الله وسلامه عليه - ثم قال عنه ( عليه السلام ) : فالوقت قد
دنا فالوقت قد دنا ، قال عبد المحسن : فوقع في قلبي وعرفت نفسي أنه
مولانا صاحب الزمان ، فوقعت على وجهي وبقيت كذلك مغشيا علي إلى أن طلع
الصبح . قلت له : فمن أين عرفت أنه قصد ابن طاوس عني ؟ فقال : ما أعرف من
بني طاوس إلا أنت وما وقع في قلبي إلا أنه قصد بالرسالة إليك ، قلت : فأي
شيء فهمت بقوله صلوات الله عليه : " فالوقت قد دنا " هل قصد وفاتي قد دنت
أم قد دنا وقت ظهوره صلوات الله عليه ؟ فقال : بل قد دنا وقت ظهوره صلوات
الله عليه ، قال : فتوجهت ذلك اليوم إلى مشهد الحسين ( عليه السلام )
وعزمت أنني ألزم بيتي مدة حياتي أعبد الله تعالى ، وندمت كيف ما سألته
( عليه السلام ) عن أشياء كنت أشتهي أن أسأله عنها . قلت له : هل عرفت
بذلك أحدا ؟ قال : نعم عرفت بعض من كان عرف بخروجي من عند المعيدية ،
وتوهموا أ ني قد ضللت وهلكت لتأخري عنهم واشتغالي بالغشية التي وجدتها ،
ولأنهم كانوا يروني طول ذلك النهار - يوم الخميس - في أثر الغشية التي
لقيتها من خوفي منه ( عليه السلام ) فوصيته أن لا يقول ذلك لأحد أبدا ،
وعرضت عليه شيئا ، فقال : أنا مستغن عن الناس وبخير كثير ، فقمت أنا
وهو ، فلما قام عني نفذت له غطاء وبات عندنا في المجلس على باب الدار
التي هي مسكني الآن بالحلة ، فقمت وكنت أنا وهو في الروشن في خلوة ،
فنزلت لأنام ، فسألت الله زيادة كشف في المنام تلك الليلة أراه أنا ،
فرأيت كأن مولانا الصادق ( عليه السلام ) قد جاءني بهدية عظيمة وهي عندي
وكأنني ما أعرف قدرها ، فاستيقظت وحمدت الله وصعدت الروشن لصلاة نافلة
الليل في تلك الليلة - وهي ليلة السبت ثامن عشر جمادى الآخرة - فأصعد فتح
الإبريق إلى عندي فمددت يدي فلزمت عروته لأفرغ على كفي فأمسك ماسك فم
الإبريق وأداره عني ومنعني من استعمال الماء في طهارة الصلاة ، فقلت :
لعل الماء نجس فأراد الله أن يصونني عنه ، فإن لله جل جلاله علي عوائد
كثيرة ، أحدها مثل هذا وأعرفها ، فناديت : إلي فتح ! وقلت له من أين ملأت
الإبريق ؟ قال : من المسيبة ، فقلت : هذا لعله نجس فاقلبه واشطفه واملأه
من الشط ، فمضى وقلبه وأنا أسمع صوت الإبريق وشطفه وملأه من الشط فجاء
به ، فلزمت عروته وشرعت أقلب منه على كفي فأمسك ماسك فم الإبريق وأداره
عني ومنعني منه ، فعدت صبرت ودعوت بدعوات وعاودت الإبريق فجرى مثل ذلك ،
فعرفت أن هذا منع لي من صلاة الليل في تلك الليلة وقلت في خاطري : لعل
الله يريد أن يجري علي حكما وابتلاء غدا ولا يريد أن أدعو الليلة في
السلامة من ذلك وجلست لا يخطر بقلبي غير ذلك ، فنمت وأنا جالس وإذا برجل
يقول لي : هذا - يعني عبد المحسن الذي جاء بالرسالة - كان ينبغي أن تمشي
بين يديه ، فاستيقظت ووقع في خاطري أنني قد قصرت في احترامه وإكرامه ،
فتبت إلى الله جل جلاله واعتمدت ما يعتمد التائب من مثل ذلك ، وشرعت في
الطهارة فلم يمسك أحد الإبريق وتركت على عادتي فتطهرت وصليت ركعتين فطلع
الفجر فقضيت نافلة الليل وفهمت أنني ما قمت بحق هذه الرسالة . فنزلت إلى
الشيخ عبد المحسن وتلقيته وأكرمته وأخذت له من خاصتي ست دنانير ومن غير
خاصتي خمسة عشر دينارا مما كنت أحكم فيه كما لي وخلوت به في الروشن وعرضت
ذلك عليه واعتذرت إليه ، فامتنع قبول شيء أصلا وقال : إن معي نحو مائة
دينار وما آخذ شيئا ، أعطه لمن هو فقير ، وامتنع غاية الامتناع ، فقلت
له : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يعطي لأجل الإكرام لمن أرسله
( صلى الله عليه وآله ) لا لأجل فقره وغناه ، فامتنع فقلت له : مبارك ،
أما الخمسة عشر دينارا فهي من غير خاصتي فلا أكرهك على قبولها ، وأما هذه
الستة دنانير فهي من خاصتي ولابد أن تقبلها مني ، فكاد أن يؤيسني من
قبولها ، فألزمته فأخذها وعاد تركها فألزمته فأخذها وتغديت أنا وهو ،
ومشيت بين يديه كما أمرت في المنام إلى ظاهر الدار وأوصيته بالكتمان .
والحمد لله ، وصلى الله على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين . ومن عجيب
زيادة بيان هذه الحال انني توجهت في ذلك الأسبوع - يوم الاثنين الثلاثين
من جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين وستمائة - إلى مشهد الحسين ( عليه
السلام ) لزيارة أول رجب أنا وأخي الصالح محمد بن محمد بن محمد - ضاعف
الله سعادته - فحضر عندي سحر ليلة الثلاثاء أول رجب المبارك سنة إحدى
وأربعين وستمائة المقرئ محمد بن سويد في بغداد ، وذكر ابتداء من نفسه أنه
رأى ليلة السبت ثامن عشر من جمادى الآخرة - المتقدم ذكرها - كأنني في دار
وقد جاء رسول إليك وقالوا هو من عند الصاحب ، قال محمد بن سويد : فظن بعض
الجماعة أنه من عند أستاد الدار قد جاء إليك برسالة ، قال محمد بن سويد :
وأنا عرفت أنه من عند صاحب الزمان ( عليه السلام ) قال : فغسل محمد بن
سويد يديه وطهرهما وقام إلى رسول مولانا المهدي ( عليه السلام ) فوجده قد
أحضر معه كتابا من مولانا المهدي - صلوات الله عليه - إلى عندي ، وعلى
الكتاب المذكور ثلاثة ختوم . قال المقرئ محمد بن سويد : فتسلمت الكتاب من
رسول مولانا المهدي ( عليه السلام ) بيديه المشطوفة ، قال : وسلمه إليك -
يعني عني - قال : وكان أخي الصالح محمد بن محمد بن محمد الآوي - ضاعف
الله سعادته - حاضرا فقال : ما هذا ؟ فقلت : هو يقول لك . يقول علي بن
موسى بن طاوس : فتعجبت من أن هذا محمد بن سويد قد رأى المنام في الليلة
التي حضر عندي فيها الرسول المذكور وما كان عنده خبر من هذه الأمور .
والحمد لله كما هو أهله . وسمعت ممن لا أسميه مواصلة بينه وبين مولانا
( عليه السلام ) لو تهيأ ذكرها كانت عدة كراريس دالة على وجوده وحياته
ومعجزاته صلوات الله عليه . وصلى الله على سيدنا سيد المرسلين محمد النبي
وآله الطاهرين . انتهى قراءة هذا الكتاب علي في ليلة الأربعاء ثامن عشر
شهر ربيع الآخر سنة إحدى وستين وستمائة )).(2)
فكان سماحة الامام الشيخ مدركا جدا الى ما وراء هذه الرواية من امور
خطيرة على العقيدة ، إذ يعرف جيدا انه من خلال تلك الروايات ينبني داخل
عقل الشيعي الامامي – العامي خاصة - عقيدة ضالة مضلة ، لهذا نراه يجيب:
جواب الامام الشيخ:
(( إن المسائل المرتبطة بالعقيدة لا تثبت بهذه القصص و أمثالها . على
انها تنافي ما ورد من ان من ادعى المشاهدة فكذبوه ، كما ان قصة ابن طاووس
غير واضحة في ان المكاشفة قد حصلت مع المهدي نفسه ، و قصة عبد المحسن هذا
غريبة جداً و من غرائبها قوله الوقت دنا و تفسير ذلك بدنو وقت الظهور و
قد مضى على تلك القصة حدود ثمانمئة عام . ثمّ لا ندري ما السبب في انقطاع
هذه القصص في زماننا و لماذا لم تتكرر مثل هذه القصص كما لا ندري لماذا
هذا الكم الكبير من القصص في تلكم الأزمان و ما السبب الذي يدعو المهدي
الى تكرار اتصالاته في ذلك الزمان دون زماننا هذا مثلاً ، و لماذا يتصل
لأسباب لا تبدو وجيهة في كثير من هذه القصص . ان الضابط الصحيح الشرعي
لثبوت مسائل العقيدة هو الكتاب و السنة الصحيحة و ما عدا ذلك ليس
بحجة)) .
اذن ، يريد الامام الشيخ ان يثقف عامة الشيعة الامامية – وفي الوقت
نفسه الخاصة – الى عدم الاخذ بمثل هذه الروايات التي تدعي اللقاء
والمشاهدة، لا لانها تناقض ما جاء في عموم القرآن الكريم، وانما هناك
احاديث كثيرة تنفي مثل هذا اللقاء.(3)
***
يعرف جيدا سماحة الامام الشيخ ان العقيدة تأخذ من القرآن الكريم
والسنة النبوية الصحيحة (المفسرة والمبينة)،وهو من ضمن المختصين بذلك،
لذا نرى ان الامور ذات الشأن الكبير في مشروعه الاصلاحي على المستوى
الديني – داخل المذهب الشيعي الامامي الاثني عشري – هو النظر الى متن
الحديث او الرواية ، ولا يكتفي بصحة السند، إذ كثيرا ما يتناقض هذا المتن
من الداخل ، والمثال الاتي خير دليل :
2 - (( هل صحيح روايات مقابلة إسماعيل بن الحسن الهرقلي للإمام المهدي؟
وأنا اذكر من ذلك قصتين قريب عهدهما من زماني وحدثني بهما جماعه من ثقات
اخواني، كان في بلاد الحلة شخص يقال له اسماعيل بن الحسن الهرقلي من قرية
يقال لها هرقل مات في زماني وما رأيته، حكى لي ولده شمس الدين، قال حكى
لي والدي أنه خرجت - وهو شباب - على فخذه الايسر توثه مقدار قبضه الانسان
وكانت في كل ربيع تتشقق ويخرج منها دم وقيح ويقطعه المها عن الكثير من
اشغاله وكان مقيما بهرقل فحضر الحلة يوما ودخل إلى مجلس السعيد رضى الدين
على بن طاوس رحمه الله وشكا إليه ما يجده منها )).
وينتهي نقل الرواية على الموقع الالكتروني لسماحة الامام الشيخ،
فبحثت عنها و وجدتها في بحار الانوار نقلا عن كشف الغمة : (4)
((... وقال : أريد أن أداويها فأحضر له أطباء الحلة وأراهم الموضع ،
فقالوا : هذه التوثة فوق العرق الأكحل ، وعلاجها خطر ومتى قطعت خيف أن
ينقطع العرق فيموت . فقال له السعيد رضي الدين قدس الله روحه : أنا متوجه
إلى بغداد وربما كان أطباؤها أعرف وأحذق من هؤلاء ، فأصحبني فأصعد معه
وأحضر الأطباء فقالوا كما قال أولئك فضاق صدره ، فقال له السعيد : إن
الشرع قد فسح لك في الصلاة في هذه الثياب ، وعليك الاجتهاد في الاحتراس ،
ولا تغرر بنفسك ، فالله تعالى قد نهى عن ذلك ورسوله . فقال له والدي :
إذا كان الامر هكذا وقد حصلت في بغداد فأتوجه إلى زيارة المشهد الشريف
بسر من رأى على مشرفه السلام ثم أنحدر إلى أهلي فحسن له ذلك ، فترك ثيابه
ونفقته عند السعيد رضي الدين وتوجه . قال : فلما دخلت المشهد وزرت الأئمة
عليهم السلام نزلت السرداب واستغثت بالله تعالى وبالامام عليه السلام
وقطعت بعض الليل في السرداب وبقيت في المشهد إلى الخميس ثم مضيت إلى
دجلة ، واغتسلت ولبست ثوبا نظيفا وملأت إبريقا كان معي وصعدت أريد المشهد
فرأيت أربعة فرسان خارجين من باب السور وكان حول المشهد قوم من الشرفاء
يرعون أغنامهم ، فحسبتهم منهم ، فالتقينا فرأيت شابين أحدهما عبد مخطوط
وكل واحد منهم متقلد بسيف وشيخا منقبا بيده رمح والآخر متقلد بسيف وعليه
فرجية ملونة فوق السيف ، وهو متحنك بعذبته . فوقف الشيخ صاحب الرمح يمين
الطريق ، ووضع كعب رمحه في الأرض ووقف الشابان عن يسار الطريق وبقي صاحب
الفرجية على الطريق مقابل والدي ثم سلموا عليه فرد عليهم السلام ، فقال
له صاحب الفرجية : أنت غدا تروح إلى أهلك ؟ فقال له : نعم فقال له : تقدم
حتى أبصر ما يوجعك ؟ قال : فكرهت ملامستهم وقلت : أهل البادية ما يكادون
يحترزون من النجاسة وأنا قد خرجت من الماء وقميصي مبلول . ثم إني مع ذلك
تقدمت إليه فلزمني بيدي ومدني إليه وجعل يلمس جانبي من كتفي إلى أن أصابت
يده التوثة فعصرها بيده فأوجعني ثم استوى في سرج فرسه كما كان ، فقال لي
الامام: أفلحت يا إسماعيل ! فتعجبت من معرفته باسمي فقلت : أفلحنا
وأفلحتم إنشاء الله . قال : فقال : هذا هو الإمام قال : فتقدمت إليه
فاحتضنته وقبلت فخذه ثم إنه ساق وأنا أمشي معه محتضنه فقال : ارجع فقلت :
لا أفارقك أبدا فقال : المصلحة رجوعك فأعدت عليه مثل القول الأول فقال
الامام: يا إسماعيل ما تستحيي ؟ يقول لك الامام مرتين : ارجع وتخالفه
فجهني بهذا القول فوقفت فتقدم خطوات والتفت إلي وقال : إذا وصلت ببغداد
فلا بد أن يطلبك أبو جعفر يعني الخليفة المستنصر فإذا حضرت عنده وأعطاك
شيئا فلا تأخذه وقل لولدنا الرضي ليكتب لك إلى علي بن عوض فإنني أوصيه
يعطيك الذي تريد . ثم سار وأصحابه معه فلم أزل قائما أبصرهم حتى بعدوا
وحصل عندي أسف لمفارقته ، فقعدت إلى الأرض ساعة ثم مشيت إلى المشهد
فاجتمع القوام حولي وقالوا نرى وجهك متغيرا أوجعك شئ ؟ قلت : لا ،
قالوا : خاصمك أحد ؟ قلت : لا ليس عندي مما تقولون خبر ، لكن أسألكم هل
عرفتم الفرسان الذين كانوا عندكم ؟ فقالوا : هم من الشرفاء أرباب الغنم ،
فقلت : بل هو الإمام عليه السلام فقالوا : الامام هو الامام أو صاحب
الفرجية ؟ فقلت هو صاحب الفرجية ، فقالوا : أريته المرض الذي فيك ، فقلت
هو قبضه بيده ، وأوجعني . ثم كشفت رجلي فلم أر لذلك المرض أثرا فتداخلني
الشك من الدهش فأخرجت رجلي الأخرى فلم أر شيئا فانطبق الناس علي ومزقوا
قميصي فأدخلني القوام خزانة ومنعوا الناس عني ، وكان ناظر بين النهرين
بالمشهد فسمع الضجة وسأل عن الخبر فعرفوه فجاء إلى الخزانة وسألني عن
اسمي وسألني : منذ كم خرجت من بغداد ؟ فعرفته أني خرجت في أول الأسبوع
فمشى عني وبت في المشهد وصليت الصبح وخرجت وخرج الناس معي إلى أن بعدت عن
المشهد ورجعوا عني . ووصلت إلى أواني فبت بها وبكرت منها أريد بغداد
فرأيت الناس مزدحمين على القنطرة العتيقة يسألون كل من ورد عليهم عن اسمه
ونسبه وأين كان ؟ فسألوني عن اسمي ومن أين جئت فعرفتهم فاجتمعوا علي
ومزقوا ثيابي ولم يبق لي في روحي حكم . وكان ناظر بين النهرين كتب إلى
بغداد وعرفهم الحال ثم حملوني إلى بغداد ، وازدحم الناس علي وكادوا
يقتلونني من كثرة الزحام ، وكان الوزير القمي قد طلب السعيد رضي الدين
وتقدم أن يعرفه صحة هذا الخبر . قال : فخرج رضي الدين ومعه جماعة فوافينا
باب النوبي فرد أصحابه الناس عني فلما رآني قال : أعنك يقولون ؟ قلت :
نعم ، فنزل عن دابته وكشف فخذي فلم ير شيئا فغشي عليه ساعة وأخذ بيدي
وأدخلني على الوزير ، وهو يبكي ويقول يا مولانا هذا أخي وأقرب الناس إلى
قلبي . فسألني الوزير عن القصة فحكيت له فأحضر الأطباء الذين أشرفوا
عليها وأمرهم بمداواتها ، فقالوا ما دواؤها إلا القطع بالحديد ومتى قطعها
مات ، فقال لهم الوزير : فبتقدير أن يقطع ولا يموت في كم تبرأ ؟ فقالوا :
في شهرين ويبقى في مكانها حفيرة بيضاء لا ينبت فيها شعر فسألهم الوزير
متى رأيتموه قالوا : منذ عشرة أيام فكشف الوزير عن الفخذ الذي كان فيه
الألم وهي مثل أختها ليس فيها أثر أصلا . فصاح أحد الحكماء : هذا عمل
المسيح فقال الوزير : حيث لم يكن عملكم فنحن نعرف من عملها . ثم إنه احضر
عند الخليفة المستنصر فسأله عن القصة فعرفه بها كما جرى فتقدم له بألف
دينار فلما حضرت قال : خذ هذه فأنفقها فقال : ما أجسر آخذ منه حبة
واحدة ، فقال الخليفة : ممن تخاف ؟ فقال : من الذي فعل معي هذا ؟ قال :
لا تأخذ من أبي جعفر شيئا فبكى الخليفة ، وتكدر وخرج من عنده ولم يأخذ
شيئا . قال علي بن عيسى عفى الله عنه : كنت في بعض الأيام أحكي هذه القصة
لجماعة عندي وكان هذا شمس الدين محمد ولده عندي وأنا لا أعرفه فلما انقضت
الحكاية قال : أنا ولده لصلبه فعجبت من هذا الاتفاق وقلت له : هل رأيت
فخذه وهي مريضة ؟ فقال : لا لأني أصبو عن ذلك ولكني رأيتها بعد ما صلحت
ولا أثر فيها وقد نبت في موضعها شعر . وسألت السيد صفي الدين محمد بن
محمد بن بشير العلوي الموسوي ، ونجم الدين حيدر بن الأيسر رحمهما الله
تعالى وكانا من أعيان الناس وسراتهم وذوي الهيئات منهم وكانا صديقين لي
وعزيزين عندي فأخبراني بصحة القصة وأنهما رأياها في حال مرضها وحال
صحتها . وحكى لي ولده هذا أنه كان بعد ذلك شديد الحزن لفراقه عليه السلام
حتى أنه جاء إلى بغداد وأقام بها في فصل الشتاء وكان كل أيام يزور سامرا
ويعود إلي بغداد فزارها في تلك السنة أربعين مرة طمعا أن يعود له الوقت
الذي مضى ، أو يقضى له الحظ بما قضى ، ومن الذي أعطاه دهره الرضا ، أو
ساعده بمطالبه صرف القضا ، فمات رحمه الله بحسرته وانتقل إلى الآخرة
بغصته والله يتولاه وإيانا برحمته بمنه وكرامته)) .
جواب سماحة الامام الشيخ:
(( لا يمكنني الحكم بصحة هذه القصة لما فيها من ثغرات توجب بمجموعها
التوقف فيها ، منها :-
إن السيد رضي الدين ابن طاووس لم ينقل هذه القصة في أي من كتبه مع انه
شاهد عيان عليها ، و انفرد الأربلي بروايتها و رواها عن غير ابن طاووس مع
ان ابن طاووس من مشايخه .
إن إسماعيل الهرقلي شخص لم يوثق و القصة أساساً منقولة عنه و ما جرى له
ينفرد هو بروايته ، بمعنى انه هو الذي ينسب ما جرى له الى المهدي و يروي
قصة ذلك .
ان الوزير مؤيد الدين القمّي المذكور في القصة لم يكن من الشيعة
الإمامية ، بينما تظهره القصة انه ممن يعتقد بوجود المهدي و غيبته .
ان القصة تقول بان المهدي نهى إسماعيل الهرقلي عن أخذ مال من المستنصر
بالله ، و أحاله الى شخص اسمه علي بن عوض على أن يكتب اليه ابن طاووس ، و
ان المهدي يوصيه بان يعطيه الذي يريد ثمَّ لا تذكر القصة شيئاً من ذلك لا
من حيث الطلب من ابن طاووس أن يكتب الى علي بن عوض ، و لا من حيث استلام
اسماعيل الهرقلي شيئاً من علي بن عوض ، و لم يعرف من هو علي بن عوض هذا ،
و لماذا يحيل اليه المهدي .
ورد في القصة ان الهرقلي خرج من بغداد يوم السبت قاصداً سامراء و انه كان
في الاسبوع نفسه في سامراء ، و بقي فيها الى يوم الخميس حيث جرت له قصة
اللقاء ثم خرج يوم الجمعة فبات في منطقة اوانا و خرج منها يوم السبت
قاصداً بغداد . ثم ذكر انه بعد أن وصل بغداد و عرف الوزير بخبره و أحضر
الأطباء الذين كشفوا عنه قبل مغادرته بغداد الى سامراء و أخبروه بتعذر
علاج التوثة ثم لما أحضرهم الوزير سألهم متى كشفوا عنه قالوا قبل عشرة
أيام و هذا يعني أن مجموع ما استغرقه سفر الهرقلي من بغداد الى سامراء
ذهاباً و من سامراء الى بغداد اياباً هو يومان يوم ذهاباً و يوم إيابا ،
مع أن المسافة بين بغداد و سامراء لا تقل عن ثلاثة و عشرين فرسخاً و من
المستبعد جداً ان تقطع هذه المسافة على خيل في يوم واحد ذهاباً و يوم
واحد اياباً ، بل يحتاج المسافر في الظروف العادية الى ما لا يقل مجموعه
عن خمسة أيام ذهاباً و إياباً ، حيث لا بد من إراحة الخيل في الطريق و
التوقف للصلاة و الأكل و الاستراحة خاصة لشخص مبتلى بهذه الغدّة .
السرعة المذهلة في اطلاع الناس على القضية و انتظارهم على أبواب المدينة
لرؤية الهرقلي دون موعد مسبق سواء في أوانا أو في بغداد و بالطريقة التي
يذكرها الهرقلي ، و انفاذ من أسماه الناظر لكتاب الى بغداد بهذا الشأن و
وصول الكتاب و تأثيره بهذه السرعة . مضافاً الى انّ المفروض حسب القصة
اشتهار هذه القصة على المستوى الشعبي العام و انها حظيت باهتمام واسع
بحيث استحقت متابعة الوزير ثم الخليفة مع أن هذه القصة لم تنقل الا من
خلال الأربلي و لم يرد لها ذكر في أي كتاب آخر .
كل هذه النقاط اذا أخذت بعين الاعتبار أوجبت التوقف في صحة هذه
القصة)) .
وهكذا اثبت سماحة الامام الشيخ عدم صحة هذه الروايات ، ومن ثم عدم
اثبات اللقاء بالمهدي ، واللقاء هذا يعد من العقائد الهامة عند بعض
الشيعة الامامية ، عامة وخاصة.
***
اللقاء بالمهدي والسفارة الكاذبة له:
وفي سؤال لاحد المؤمنين عن واقعة حدثت في البحرين (اللقاء بالمهدي)،
وهي تحدث في كل مكان وزمان – كما اشرنا قبل قليل - ، ما دام بعض رجال
الدين الشيعة يغذونها في كل حين على الرغم من انها لا يعقلها عقل سليم ،
وهي ، كما يرويها السائل . (5)
السؤال:
(( في بلدنا البحرين هناك جمعية تسمى بجمعية التجديد الثقافية تنتمي إلى
رجل يدعي انه يلتقي بالإمام المهدي عجل الله فرجه ويأخذ تعاليم وتوجيهات
منه سلام الله عليه إلى الشيعة وقد أفتى كبار مراجع الشيعة سابقا بوجوب
مقاطعة الرجل ومقاطعة جماعته بل وصل الأمر ببعض الفقهاء إلى إهدار دمه
ودم جماعته درءا للفتنة . وانطلاقا من أمره عليه السلام بالرجوع إلى
الفقهاء في الحوادث الوقعة( وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة
حديثنا فإنهم حجتي عليكم ) نرجو من سماحتكم الإجابة على هذه
الاستفسارات :
السؤال الأول : فما هو واجبنا الآن تجاه هذا الرجل وتجاه جمعيته وجماعته
وهل تسري عليهم أحكام المقاطعة السابقة علما بأن الجمعية أصبحت تستقطب
الكثير من الشباب نتيجة الكثير من الأفكار التي تنتجها والمخالفة للمألوف
من الفكر الإسلامي ؟
السؤال الثاني :وما هو تكليفنا تجاه من ينتمي إلى الجمعية أو ينضم في
عضويتها؟
السؤال الثالث:وما هو تكليفنا تجاه من يتعاطف معهم ؟
السؤال الرابع : هل يجب على الشيعة التبرء منهم ولعنهم بعد كل صلاة كما
كان ديدنهم مع كل من ادعى السفارة عن الامام عليه السلام ؟
السؤال الخامس : ما هي وظيفة علماء وخطباء البحرين تجاه هذا الأمر ؟)).
اجابة سماحة الامام الشيخ:
(( ما نقلتموه في مفروض السؤال قضية خارجية لا اطلاع لنا عليها , لكنها
كحالة يمكن تركيز الجواب عن أسئلتكم عنها مع ملاحظات أخرى في النقاط
التالية :-
1- إن الدعاوى التي نقلتموها عن هذا الشخص ما هي إلا دعاوى باطلة وتخرصات
زائفة ولا يمكن أن يكون لها أدنى نصيب من الصحة , ومدّعيها لا يعدو أن
يكون معتوها يَـهجُـر , أو منحرفا يدخله انحرافه في سلك الضالين المضلين
الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
2- إن مثل هذه الدعاوى الباطلة لا تشق طريقها إلا في ظل وجود فراغ فكري
وتربوي وانخفاض في منسوب الوعي والثقافة الدينية الصحيحة , وتغلغل
الأفكار التي لا تمت إلى التشيع العلوي الصحيح بصلة . وتتحمل المؤسسة
الدينية سواء في هرمها المرجعي أو قاعدتها العلمائية قسطا كبيرا من
المسؤولية كونها المسؤولة عن تغذية المجتمع المسلم بالمفاهيم الدينية
الصحيحة وسد الفراغ المعرفي فيه وإشباع حاجاته من الثقافة الإسلامية وبث
الوعي الديني بما يوجد تيارا واسعا في الأمة يسد المنافذ التي قد تتسرب
منها الأفكار المنحرفة والدعاوى الزائفة .
3-يجب العمل بالطرق المنهجية على إيضاح الصورة الصحيحة وتوعية الناس إلى
بطلان مثل هذه الدعاوى و انحراف مثل هذه الأفكار و مجانبتها لأدبيات
الإسلام والتشيع الصحيحة .
4- اتخاذ آليات تطويق هذه الحالة التي تندرج مواجهتها في عنوانين
رئيسين :-
الأول :- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الثاني:- صد الباطل ومحاربة البدع والضلالات .
وتدخل تحت هذين العنوانين الطرق الناجعة من المقاطعة والإرشاد والتوعية
في المجالس والمحافل العامة والخاصة وخلق جو رافض لهذه الحالة , والحوار
البناء وغير ذلك بما يتناسب والحالة وما يكون أبلغ في التأثير وأقل سلبية
في المفاسد والانعكاسات)) .
***
الهوامش:
1 - كأحمد الكاتب مثلا وكتابه : تطور الفكر السياسي الشيعي.
- راجع كذلك كتاب: الملل والنحل للشهرستاني عن مهدوية محمد بن
الحنفية ، وكيف ان شيعته اول من ابتدء القول بالمهدوية :
((قال كثير فيه:
ألا أن الأئمة من قريش ... ولاة الحق: أربعة سواء:
علي، والثلاثة من بينه ... هم الأسباط، ليس بهم خفاء
سبط: سبط الإيمان وبر ... وسبط: غيبته كربلاء
ز سبط: لا يذوق الموت حتى ... يقود الخيل يقدمه اللواء
تغيب لا يرى فيهم زماناً ... برضوى، عنده عسل وماء
وكان السيد الحميري أيضاً يعتقد فيه: أنه لم يمت، وأنه في جبل: رضوى؛ بين
أسد ونمر يحفظانه، وعنده عينان نضاختان؛ تجريان بماء وعسل، وأنه يعود بعد
الغيبة؛ فيملأ الأرض عدلاً؛ كما ملئت جوراً. وهذا هو أول حكم بالغيبة
والعودة بعد الغيبة حكم به الشيعة. وجرى ذلك في بعض الجماعة؛ حتى
اعتقدوه: ديناً، وركناً من أركان التشيع)).
2 - راجع : الفوائد المدنية والشواهد المكية - محمد أمين الإسترآبادي ،
السيد نور الدين العاملي - ص 86 وما بعدها.
3 - من طريف ما اذكره من رواية من اثق بصدق قوله، انه بعد الاحتلال
الامريكي للعراق ، جاء احد المصلين خلف رجل الدين المرحوم السيد محمد
حسين السيد راضي ، وقال له : لقد التقيت يوم امس بالامام المهدي ، فما
كان من السيد الا بادره بقوله : اذا التقيت به مرة ثانية قل له انه مدعو
لتناول الغداء معي ، فبهت الرجل ولم يعرف كيف يرد على السيد، فابتسم
السيد وذهب عنه.(سمعت هذه الرواية بعد عام 2005 والعهدة على الراوي).
4 - راجع : بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 52 - ص 61 وما بعدها.
5 – في اكثر من موضع في هذه الدراسات يجدني القارئ اللبيب انقل السؤال ،
و اجابة سماحة الامام كاملين، والسبب الذي يدفعني الى ذلك هو انني اريد
ان اضع القارئ اللبيب في صلب الموضوع من كافة جوانبه ، لادفع بعقله ومن
ثم تفكيره الى ان يعملا لتحصل النتيجة المرجوة من هذه الدراسات التي درست
تصحيحات وتجديدات سماحة الامام الشيخ المؤيد في الفقه الشرعي وضمن الاصول
الاسلامية المتعارف عليها.
4
ما يخالف القرآن من احاديث
الولاية التكوينية:
طالعت اكثر كتب علماء الدين الشيعة الامامية – مراجع ورجال دين –
فوجدتها تؤكد هذا المبدأ ،وقد نشر السيد علي عاشور كتاب : الولاية
التكوينية لآل محمد (ع) (راجع القرص المدمج : مكتبة أهل البيت (ع) -
الإصدار الأول). وكذلك كتاب : الولاية التكوينية ، الحق الطبيعي للمعصوم
(ص) – الشيخ جلال الصغير – ط الثانية - مزيدة ومنقحة-1419 - 1998 م - دار
الأعراف للدراسات - بيروت .(القرص السابق) ، فبعد ان يؤكد الصغير الولاية
الشمولية للرسول حسب تفسيره للاية ( إنما وليكم الله ورسوله والذين
أمنوا )، يقول (ص203): (( ولهذا يمكن القول أن ولاية الرسول ( ص ) على
هذا الكون هي ولاية مطلقة ، ومن ولايته نستنج تماثل ولاية أهل البيت
( عليه السلام ) مع ولايته ( ص ) بناء على دلالات الآية الكريمة : "
أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم "...)).
الا انه على ص 95يذكر :
((ولا بد في البدء من الإشارة إلى أننا لسنا في قبالة نص شرعي يحدد
الاسم ، وإنما جاء الاسم ليشير - وبإشارة موفقة - إلى مفهوم شرعي تضمنته
العديد من النصوص الشرعية ، وبكلمة أخرى أن اسم الولاية التكوينية لم يرد
لا في آية قرآنية ولا في سنة شريفة ، فالنص الشريف يخلو من هذه التسمية ،
ولكن هذه التسمية استخدمت في وقت متأخر لتشير إلى مفهوم تداولته العديد
من الآيات القرآنية ، والنصوص الشريفة ، وبقدر عدم أهمية الاهتمام بمن
وضع هذه التسمية من علماء الكلام من علمائنا الأبرار - قدس الله أنوارهم
- إلا أننا نجد أن من الحق الإشارة إلى أن من وضع التسمية قد وفق أيما
توفيق في الوصف الدقيق للمفهوم )).
السؤال الموجه لسماحة الامام الشيخ:
(( س - هل الولاية التكوينية للائمة عليهم السلام مطلقة؟)).
يجيب سماحة الامام الشيخ المؤيد:
((ليست مطلقة وإنما هي محدودة جدا في حالات ضيقة كالكرامات التي تكون من
الله تعالى وبإرادته وتمكينه عز وجل في خصوص تلك الحالات ، وهي تنسب إلى
الله تعالى بالذات والحقيقة لا إليهم عليهم السلام ، وبهذا الاعتبار يمكن
إنكار الولاية التكوينية لهم على الإطلاق فإنها تنتسب بالذات والحقيقة
إلى الله عز وجل.)).
***
الذي سنقرأه في الرواية الاتية ، يمثل عقيدة ما زال الكثير من الشيعة
الامامية الاثني عشرية يعتقدون بها ، مع العلم انها مخالفة للقرآن
الكريم ، وكان على رجال الدين الشيعة ، و المفسرين التي اوردوها في
تفاسيرهم ان يعرفوا انها تناقض القرآن الكريم ، فلا يأخذوا بها.
1 – (( يروى أن كميلاً جالساً مع أمير المؤمنين (ع) في مسجد البصرة ،
ومعه جماعة من أصحابه ، فقال بعضهم : ما معنى قوله عز وجل : " فيها يفرق
كل أمر حكيم " قال عليه السلام : ليلة النصف من شعبان ، والذي نفس علي
بيده أنه ما من عبد إلا وجميع ما يجري عليه من خير وشر مقسوم له في ليلة
النصف من شعبان إلى آخر السنة ، في مثل تلك الليلة المقبلة ، وما من عبدٍ
يحييها ، ويدعو بدعاء الخضر (ع) إلا أجيب له ...
* ما الفرق بين هذه الرواية وبين هذه الآية " فيها يفرق كل أمر حكيم "
الذي أجمع العلماء بأنها المقصود بها ليلة القدر في شهر رمضان ؟
* ما هو تأويل أن ليلة النصف من شعبان يقسم الآجال والأرزاق ، وقد تظافرت
الروايات أن تقسيم الآجال والأرزاق ليلة القدر في شهر رمضان المبارك ؟)).
جواب سماحة الامام الشيخ:
ولان منهجية سماحة الامام الشيخ تعتمد فحص السند والمتن فحصا نقديا
موضوعيا ،وعرض الرواية على القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة عنده ،
يجيب قائلا:
(( هذه الرواية رواية شاذة لا يؤخذ بها لمخالفتها لما ورد في القرآن
الكريم بشأن ليلة القدر . و آيات القرآن تفسر بعضها بعضاً قال تعالى :
{ إنا أنزلناه في ليلة القدر } وهي واضحة الدلالة في أن إنزال القرآن
الكريم كان في ليلة القدر . وقال تعالى في سورة الدخان : { إنا أنزلناه
في ليلة مباركة أنا كنّا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم } وهي تعني بقرينة
ما ورد في سورة القدر أن الليلة المباركة التي يفرق فيها كل أمر حكيم هي
ليلة القدر وهي الليلة التي أنزل فيها الكتاب المبين وهو القرآن الكريم .
ومن البعيد جداً أن يكون المقصود بالكتاب في سورة الدخان هو الكتاب الذي
يسجل فيه ما يقسم للناس من أرزاق وآجال ، وذلك لقوله تعالى : { إنا كنا
منذرين } حيث تضفي هذه العبارة ظهوراً في أن المراد بالكتاب هو كتاب
الهداية والإرشاد الذي أنزل على محمد صلى الله عليه واله وسلم ليخرج
الناس من الظلمات إلى النور وهو القرآن الكريم . مضافاً إلى أن هذه
الرواية ليست نقية السند )).
***
2 – (( هذا الحديث من مختصر بصائر الدرجات : أحمد بن محمد بن عيسى ومحمد
بن الحسين بن أبي الخطاب عن أحمد بن محمد بن أبى نصر عن حماد بن عثمان عن
محمد بن مسلم قال سمعت حمران بن اعين وابا الخطاب يحدثان جميعا قبل ان
يحدث أبو الخطاب ما احدث انهما سمعا أبا عبد الله " ع " يقول اول من تنشق
الارض عنه ويرجع إلى الدنيا الحسين بن علي عليهما السلام وان الرجعة ليست
بعامة وهي خاصة لا يرجع الامن محض الايمان محضا أو محض الشرك محضا .
هل هذا الحديث صحيح سنداً ؟
هل طريق مختصر البصائر معتبر؟ )).
جواب سماحة الامام الشيخ:
(( السند المذكور للرواية في مفروض السؤال سند معتبر تام الاّ أنّ هذه
الرواية ساقطة عن الحجية و ان كان لها بحسب الظاهر سند معتبر لمنافاتها
للقرآن الكريم و كل ما ينافي القرآن الكريم فانه ساقط عن الحجية و لا
إعتبار به .
و من وجوه منافاتها للقرآن انّ الله تعالى قال عن المشركين :{ حتى اذا
جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلَي أعمل صالحاً فيما تركت كلا انها
كلمة هو قائلها و من ورائهم برزخ الى يوم يبعثون } ، و هذه الآية الكريمة
تدلل بوضوح على أن المشرك بموته اذ ينتقل الى البرزخ فانه يبقى في البرزخ
الى حين البعث و هذا ينافي دعوى رجعته للحياة الدنيا لان لازم رجعته انّ
مكوثه في البرزخ ليس مكوثاً مستمراً الى يوم البعث و انما تتخلله العودة
الى الحياة الدنيا قبل البعث . اذن مضمون الرواية ينافي هذه الآية . و
كذلك ينافي قوله تعالى عن المتقين :{ لا يذوقون فيها الموت الا الموتة
الأولى } وَ من محض الإيمان هو من جملة المتقين و على رأسهم و الآية بهذا
المضمون آبية عن التقييد ، فالرواية في مضمونها تتنافى مع مضمون هذه
الآية فالرواية في مضمونها تنافي هاتين الآيتين ، مضافاً الى أنها بما
تتضمنه من قضية الرجعة مغايرة للثقافة القرآنية التي لا وجود فيها لقضية
الرجعة بالمعنى الذي تطرحه روايات الرجعة ، فإن المستفاد من مجموع الآيات
القرآنية الكريمة التي تتحدث عن الموت و ما بعده أن الخط العام للبشرية
هو انها تنتقل بالموت الى عالم ما بعده و تسلك مراحله نحو الآخرة دون
عودة للدنيا .
{ قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم الى يوم القيامة لا ريب فيه و لكن
أكثر الناس لا يعلمون } الجاثية 26 .
{ كيف تكفرون بالله و كنتم أمواتاً فاحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم اليه
ترجعون } البقرة 28 .
{ و هو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ان الانسان لكفور } الحج 66 .
{ كل نفس ذائقة الموت و انما توفون أجوركم يوم القيامة } آل عمران 185 .
{ الله يتوفى الأنفس حين موتها و التي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى
عليها الموت و يرسل الأخرى الى أجل مسمى } الزمر 42.
{ ثم أماته فأقبره ثم اذا شاء أنشره } عبس .
{ و جائت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد و نفخ في الصور ذلك يوم
الوعيد } ق .
{ أفما نحن بميتين الا موتتنا الاولى و ما نحن بمعذبين ان هذا لهو الفوز
العظيم . لمثل هذا فليعمل العاملون } الصافات 58-60 .
{ انك ميت و انهم ميتون ثم انكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } .
فالمتحصل أن القول بالرجعة بالمعنى الذي تطرحه روايات الرجعة بعيد كل
البعد عن الثقافة القرآنية . ولو كانت الرجعة ثابتة لذكر القرآن ذلك
ببيان لا لبس فيه خاصة فيما يتصل بالوعد و الوعيد و إقتصاص المظلومين من
الظالمين و إنتقام المؤمنين من الكافرين و لكان لذلك أثر في تحقيق أهداف
الرجعة مع أنه ليس في القرآن الكريم شيء واضح في ذلك . و قد إستدل
القائلون بالرجعة ببعض الآيات التي لا دلالة لها على ذلك أصلاً و تفصيل
الكلام عن ذلك موكول الى محل آخر إن شاء الله تعالى و منه نستمد السداد و
به الإعتصام)) .
نستفاد من جواب سماحة الامام الشيخ ان لا رجعة للميت مرة اخرى الى
الحياة الدنيا اعتمادا على ما جاء في القرآن الكريم ، الا ان الرجعة عند
كل رجال الدين الشيعة الامامية هي عقيدة ، ويمكن مراجعة المضان المعتبرة
عندهم لنرى مصداق هذا الاعتقاد ، وهو – حسب اجابة الامام الشيخ– اعتقاد
خاطئ يناقض القرآن الكريم.(1)
***
الهوامش:
1 - راجع الملحق (1): مفهوم الرجعة في المذهب الشيعي الامامي الاثني
عشري.وضعت مجموعة من الملاحق لموضوعات متناولة في دراسات هذا الكتاب لما
رأيته من حاجة تلك الموضوعات الى انارة واسعة له من خارج فكر سماحة
الامام الشيخ.
5
صحة الاحاديث
دراسة الاحاديث النبوية علم واسع وكبير ، ويقوم هذا العلم الذي
اخترعه ووضع اسسه ومقوماته المسلمون الاوائل ، على دراسة متن الحديث
واسانيده ، وقد برع الكثير من العلماء فيه قديما وحديثا ، اذ قاموا ايضا
بوضع تقسيمات بينة الحدود والسمات للاحاديث تلك .
وصنفت - خدمة لهذا العلم - العديدة من المصنفات لدراسة رجال السند ،
سميت بكتب الرجال عند الشيعة والسنة.
واذا كان سماحة الامام الشيخ قد اعتمد على ما قدمه الاولون في هذا
العلم فإنه – ومن خلال مشروعه الاصلاحي والتجديدي - لم ينس دوره في ابداء
رأيه في احاديث كثيرة عرضت عليه، وهنا ستقدم هذه الدراسة بعضا مما قاله
في بعض الاحاديث.
***
1 - الاحاديث المرسلة:
الاحاديث المرسلة نوع من انواع الحديث النبوي حسب تقسيمات علماء
الحديث ، والحديث المرسل هو : ((الذي يرويه المحدث بأسانيد متصلة إلى
التابعي فيقول التابعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم)).(1)
وسماحة الامام الشيخ يرى : (( القاعدة العامة في المرسلات هي أنها
ساقطة عن الحجية)).
ومن اطرف ما قرأت عن الاحاديث المرسلة عند بعض علماء الدين الشيعة
الامامية قول البعض : (( ولا يلزم من عدم ذكر اسم المنقول عنه في هذا
المسلك أن يكون من المرسل . لما تقرر في الأصول أن الراوي إذا علم من
حاله أنه لا يروي إلا عن الثقات كان إرساله اسنادا)). (2)
السؤال :
(( هذا الحديث من الصدوق - الخصال : حدثنا أبي رضي الله عنه قال:
حدثنا سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن - يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن غير
واحد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: السبت لنا، والاحد لشيعتنا،
والاثنين لاعدائنا، والثلثاء لبني امية، والاربعاء يوم شرب الدواء،
والخميس تقضى فيه الحوائج، والجمعة للتنظف والتطيب، وهو عيد المسلمين وهو
أفضل من الفطر والاضحى، ويوم الغدير أفضل الاعياد، وهو ثامن عشر من ذي
الحجة وكان يوم الجمعة، ويخرج قائمنا أهل البيت يوم الجمعة، ويقوم
القيامة يوم الجمعة، وما من عمل يوم الجمعة أفضل من الصلاة على محمد
وآله
هل هذا الحديث صحيح سنداً او مرسل ؟ )).
جواب سماحة الامام الشيخ:
(( هذه الرواية مرسلة و القاعدة العامة في المرسلات هي أنها ساقطة عن
الحجية ، الاَّ أنّ المرسِل في هذه الرواية هو محمد بن أبي عمير و قد
إختلف علماء الدراية و الرجال من الإمامية في مرسلات ابن أبي عمير فمن لا
يرى اعتبارها و يرى أنها لا تخرج عن القاعدة العامة في المرسلات فان هذه
الرواية ستكون عنده ضعيفة سنداً و ساقطة عن الحجية . و من يرى اعتبار
مرسلات ابن أبي عمير بلحاظ انه ممن شهد له بانه لا يروي و لا يرسل الا عن
ثقة فهذه الرواية ستكون من ناحية السند معتبرة سنداً . الاّ أنّ هذه
الرواية و ان كان لها بحسب الظاهر سند معتبر الاَّ انها ساقطة عن الحجية
لما يشتمل عليه متنها من أوجه الخلل مما لا يمكن أن يكون صادراً من
المعصوم بحسب مباني الإمامية فتكون الرواية حينئذ من الروايات التي تكذب
متونها أسانيدها فلا يؤخذ بها و لا يعول عليها .
و أما أوجه الخلل فمنها :-
أولاً :- ما ورد فيها من خصوصيات أيام الأسبوع فهو من التشويش و الإضطراب
بمكان ، و أول ما يتبادر الى الذهن هو السؤال عن سنخ الاضافة المذكورة
لأيام الاسبوع فهل هي اضافة في عالم التكوين أو هي اضافة في عالم التشريع
أو هي إضافة خارجية في ما تقتضيه طبيعة الظروف و الحياة ؟ و على كل
التقادير في الإضافة خلل و هي غير متسقة . مضافاً الى أن إضافة الجمعة
الى التنظف و التطيب فتكون السمة البارزة ليوم الجمعة انه يوم تنظف و
تطيب لا ينسجم مع الفضل العظيم المذكور ليوم الجمعة في الرواية و انه
أفضل من الفطر و الأضحى و انه يوم خروج قائم أهل البيت و اليوم الذي تقوم
فيه القيامة ، فهل من المنطقي أن يوسم مثل هذا اليوم الذي له كل هذه
الخصوصيات بانه يوم التنظف و التطيب و يجعل في سياق إضافة ايام أخر منها
ما يضاف الى آل البيت عليهم السلام و منها ما يضاف الى شيعتهم ؟
و مما يثير التساؤل و الإستغراب و الدهشة أن لا يضاف يوم الجمعة مع ما له
من الفضل حسب الرواية الى آل البيت أو شيعتهم و يضاف لآل البيت يوم السبت
و هو يوم اليهود و يضاف الى شيعتهم يوم الأحد و هو يوم النصارى .
ثانياً :- ان ما ورد فيها من أن يوم الغدير كان يوم الجمعة مخالف
للواقع ، إذ برد التاريخ الهجري الى الميلادي يظهر أن يوم الثامن عشر من
ذي الحجة لسنة عشر للهجرة يصادف يوم الخميس 15-3-632 م .
ثالثاً :- ما ذكر فيها من أفضلية يوم الجمعة على عيدي الفطر و الأضحى هو
أمر غريب لا ينسجم مع الإرتكازات المتشرعية و لا مع نصوص أخرى .
رابعاً :- إن جعل يوم الغدير أفضل الأعياد يستبطن اسباغ صفة العيد الشرعي
على يوم الغدير لكي يتحقق محل للمفاضلة مع أنه ليس في الإسلام عيد شرعي
سوى عيدي الفطر و الأضحى فكيف تقوم المفاضلة بين ما ليس بعيد شرعي و ما
هو عيد شرعي ؟
و هكذا يتضح ان هذه الرواية ليس لها إعتبار و لا يصح الأخذ بها )).
يتوضح من اجابة الامام الشيخ:
- لا صحة للاحاديث المرسلة .
- ليوم الجمعة افضلية غير الافضلية التي يخصصها له الحديث.
- ان يوم الغدير ليس عيدا شرعيا.(وستأتي الاجابة في موضعها عن يوم
الغدير).
***
2 - عدم وثوقية الراوي:
أ - (( هل هذا الحديث صحيح؟
محمد بن إدريس في آخر ( السرائر ) نقلا من كتاب (مسائل الرجال ) : عن
محمد بن أحمد بن زياد وموسى بن محمد بن علي بن عيسى قال : كتبت إليه ـ
يعني : علي بن محمد ( عليه السلام ) ـ أسأله عن الناصب ، هل أحتاج في
امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاد إمامتهما ؟ فرجع
الجواب : من كان على هذا فهو ناصب)) .
جواب سماحة الامام الشيخ:
(( هذه الرواية راويها هو محمد بن علي بن عيسى وهو غير ثابت
الوثاقة ، و مجرد تعبير النجاشي عنه بأنه كان وجهاً في قم لا يدل على
الوثاقة . مضافاً الى ان ابن ادريس لم يذكر طريقه الى محمد بن علي بن
عيسى فلا يمكن الحكم بتمامية سند الرواية .
أضف الى ذلك أن تطبيق عنوان الناصب على الشخص لمجرد تقديمه لأبي بكر
و عمر رضي الله عنهما و إعتقاده إمامتهما مناف لمفهوم الناصب لغةً و
عرفاً ، كما انه لا يتمشى مع الواقع أصلاً ، كيف و قد قاتل مع الإمام علي
عليه السلام في الحروب التي خاضها أيام خلافته جمع غفير ممن كانوا يقدمون
أبا بكر و عمر و يعتقدون امامتهما فكيف يحكم بنصبهم و قد قاتلوا مع علي و
تحت رايته و يعدّ المقتول منهم معه شهيداً بإجماع الإمامية .على أن تطبيق
عنوان الناصب بهذا النحو ينافي ما هو المعلوم و المعروف من سيرة أهل
البيت عليهم السلام ومسلكهم .
فالحقيقة انّ هذه الرواية لا تتصف بالحجية و يجب الإعراض عنها ، وقد أعرض
عنها الكثير من فقهاء الإمامية و محققيهم و أكثر من أخذ بها هم من
الأخبارية الذين لا وزن لمنهجهم لدى العلماء المحققين")) .
***
ب – راو غير موثوق و معنى الناصب:
اتخذ مصطلح الناصب معان عدة، منذ ظهوره الى يومنا هذا ، وقد وضع هذا
المصطلح لمن نصب العداء لال البيت من ذرية علي بن ابي طالب والسيدة فاطمة
الزهراء ، وبالمقابل وضع مقابله مصطلح الرافضي المراد به من رفض خلافة
الخلفاء الراشدين الثلاث الاول ، ابو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ،
وعثمان بن عفان ، وبقي المصطلحان متداولين ، على الرغم من انه لا يوجد
بين المسلمين من ينصب العداء الى ال البيت في وقتنا الحاضر خاصة، الا ان
الذي يوجد هو من يرفض خلافة المذكورين اعلاه من بين علماء الشيعة او من
عوام الشيعة - وهم اقلية - .
والسؤال المطروح على سماحة الامام الشيخ عن معنى الناصبي الذي اخذ
يتداول في القنوات الاعلامية في السنوات الاخيرة على لسان متطرفي الشيعة
الامامية في زماننا الحاضر ، فكانت اجابة سماحته ، انه:
جواب الامام الشيخ:
(( هذه الرواية راويها هو محمد بن علي بن عيسى وهو غير ثابت
الوثاقة ، و مجرد تعبير النجاشي عنه بأنه كان وجهاً في قم لا يدل على
الوثاقة . مضافاً الى ان ابن ادريس لم يذكر طريقه الى محمد بن علي بن
عيسى فلا يمكن الحكم بتمامية سند الرواية .
أضف الى ذلك أن تطبيق عنوان الناصب على الشخص لمجرد تقديمه لأبي بكر
و عمر رضي الله عنهما و إعتقاده إمامتهما مناف لمفهوم الناصب لغةً و
عرفاً ، كما انه لا يتمشى مع الواقع أصلاً ، كيف و قد قاتل مع الإمام علي
عليه السلام في الحروب التي خاضها أيام خلافته جمع غفير ممن كانوا يقدمون
أبا بكر و عمر و يعتقدون امامتهما فكيف يحكم بنصبهم و قد قاتلوا مع علي و
تحت رايته و يعدّ المقتول منهم معه شهيداً بإجماع الإمامية .على أن تطبيق
عنوان الناصب بهذا النحو ينافي ما هو المعلوم و المعروف من سيرة أهل
البيت عليهم السلام ومسلكهم .
فالحقيقة انّ هذه الرواية لا تتصف بالحجية و يجب الإعراض عنها ، وقد
أعرض عنها الكثير من فقهاء الإمامية و محققيهم و أكثر من أخذ بها هم من
الأخبارية الذين لا وزن لمنهجهم لدى العلماء المحققين)) .
***
3 - عدم صحة السند والمتن:
(( هل هذا الحديث صحيح؟ (3)
حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل - رضي الله عنه - قال: حدثنا عبد الله
بن جعفر الحميري، عن يعقوب بن يزيد، قال: حدثنا الحسن بن علي بن فضال، عن
عبد الرحمن بن الحجاج، عن سدير الصيرفي، عن الصادق جعفر بن محمد، عن
أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: خلق
نور فاطمة عليها السلام قبل أن تخلق الارض والسماء. فقال بعض الناس: يا
نبي الله فليست هي إنسية ؟ فقال صلى الله عليه وآله: فاطمة حوراء إنسية
قال: يا نبي الله وكيف هي حوراء إنسية ؟ قال: خلقها الله عزوجل من نوره
قبل أن يخلق آدم إذ كانت الارواح فلما خلق الله عزوجل آدم عرضت على آدم.
قيل: يا نبي الله وأين كانت فاطمة ؟ قال: كانت في حقة تحت ساق العرش،
قالوا: يا نبي الله فما كان طعامها ؟ قال: التسبيح، والتهليل، والتحميد.
فلما خلق الله عزوجل آدم و أخرجني من صلبه أحب الله عزوجل أن يخرجها من
صلبي جعلها تفاحة في الجنة و أتاني بها جبرئيل عليه السلام فقال لي:
السلام عليك ورحمة الله وبركاته يا محمد، قلت: وعليك السلام ورحمة الله
حبيبي جبرئيل. فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام. قلت: منه السلام وإليه
يعود السلام. قال: يا محمد إن هذه تفاحة أهداها الله عزوجل إليك من الجنة
فأخذتها وضممتها إلى صدري. قال: يا محمد يقول الله جل جلاله: كلها.
ففلقتها فرأيت نورا ساطعا ففزعت منه فقال: يا محمد مالك لا تأكل ؟ كلها
ولا تخف، فإن ذلك النور المنصورة في السماء وهي في الارض فاطمة، قلت:
حبيبي جبرئيل، ولم سميت في السماء " المنصورة " وفي الارض " فاطمة " ؟
قال: سميت في الارض " فاطمة " لانها فطمت شيعتها من النار وفطم أعداءها
عن حبها، وهي في السماء " المنصورة " وذلك قول الله عزوجل: " يومئذ يفرح
المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء " يعني نصر فاطمة لمحبيها)).
جواب سماحة الامام الشيخ:
(( هذه الرواية غير صحيحة سنداً و متناً ، أما السند فان راويها سدير
ممن لم تثبت وثاقته ، فلم يرد فيه توثيق ، ودعوى وروده في أسانيد كامل
الزيارات أو تفسير علي بن إبراهيم هي دعوى غير تامة لبطلان المبنى ، كما
ان دعوى ابن شهراشوب ان سديراً كان من خواص أصحاب الصادق عليه السلام غير
مقبولة فقد تفرد بها ابن شهراشوب وهو متأخر دون أساطين علم الرجال من
المتقدمين و لعله استفادها من روايات اما ان يكون راويها سدير نفسه أو من
روايات مادحة لسدير مطعون في سندها .
مضافاً الى ان العلامة الحلي نقل عن علي بن احمد العقيقي قوله في
سدير انه كان مخلطاً و هذا يعني ان له روايات منكرة .
و اما متنها فقد ورد في ذيل الرواية الإستشهاد بقوله تعالى { و يومئذ
يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء } و تفسير الآية الكريمة بان
المقصود فيها نصر فاطمة لمحبيها مع ان الآية الكريمة لا علاقة لها بهذا
الأمر لا من قريب ولا من بعيد ، وهي غير قابلة للتطبيق عليه ، فان الآية
الكريمة تتحدث عن غلبة الروم لفارس بعد أن كانت فارس قد غلبتهم و قوله
تعالى { يومئذ } أي يوم تغلب الروم فارس ، كما أن المقصود بنصر الله
تعالى الذي يفرح به المؤمنون هو نصر الله المسلمين على المشركين أو نصر
الله تعالى الروم على فارس . و كل ذلك لا علاقة له بما ذكر في الرواية .
فان قيل ان ذلك من باب التأويل و هو ما له علاقة ببطون القرآن
الكريم .قلنا ان التفسير بالتأويل بما له علاقة ببطون القرآن الكريم لا
يكون هكذا ، و انما لا بد من وجود سنخ مناسبة بين الظاهر القرآني و
المعنى المؤول ، و من الواضح انه لا مناسبة لظاهر الآية الكريمة بالمعنى
المشار اليه في الرواية .
ثم أن الرواية بعد ان ذكرت ان فاطمة عليها السلام سميت في السماء
بالمنصورة فانها ذكرت أن الآية تشير الى ذلك ، وفسرت نصر الله بانه نصر
فاطمة لمحبيها ، و هنا تكون فاطمة عليها السلام ناصرة فكيف ينسجم ذلك مع
تلقيبها بالمنصورة ؟ فان كان الوجه في ذلك هوَ ان الله تعالى نصرها حيث
مكنها أن تنصر محبيها فكانت منصورة من حيث انها ناصرة ، كان الأجدر أن
يطبق نصر الله تعالى على ذلك بان يكون المراد به نصر الله تعالى لفاطمة
لأن ذلك هو الذي ينسجم مع تلقيبها بالمنصورة و لأن نصرها لمحبيها انما
يرجع بالأساس الى نصر الله تعالى لها . وهكذا يتضح أن في متن الرواية
فقرات غريبة تسقطها عن الحجية .
والحقيقة أن هذه الرواية التي رواها سدير مما يشهد لقول العقيقي فيه
انه كان مخلطاً حيث يروي مرويات منكرة و هذه الرواية من شواهد ذلك )).
***
4 - صحة السند وغرابة المتن:
(( حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال حدثنا
محمد بن الحسن الصفار عن يعقوب بن يزيد عن محمد بن أبي عمير عن أبان بن
عثمان عن أبان بن تغلب قال قال أبو عبد الله ع دمان في الإسلام حلال من
الله عز و جل لا يقضي فيهما أحد بحكم الله حتى يبعث الله عز و جل القائم
من أهل البيت ع فيحكم فيهما بحكم الله عز و جل لا يريد على ذلك بينة
الزاني المحصن يرجمه و مانع الزكاة يضرب رقبته ، هل هذا الحديث صحيح
سنداً ؟ )).
جواب سماحة الامام الشيخ:
(( سند الرواية حسب مباني الإمامية في علم الرجال معتبر . و لكن متنه
غريب :-
ما ورد من أن أحداً لا يقضي في الدمين المذكورين بحكم الله تعالى .
فهذا المضمون غريب جداً على تنوع المحتملات المتصورة في القضية و هي :-
المحتمل الأول :- عدم تحقق الجرم الموجب لهذه العقوبة الا بعد خروج
القائم .
و هذا المحتمل باطل لتحقق الجرم .
المحتمل الثاني :- عدم ثبوت الجرم قضائياً أو عند الحاكم و هو محتمل باطل
لتحقق ذلك تاريخياً .
المحتمل الثالث :- عدم قضاء أحد بحكم الله في هذا الجرم قبل خروج
القائم .
و هذا المحتمل باطل ايضاً و قد ورد أن رسول الله صلى الله عليه و آله و
سلم أقام حد الرجم على الزاني المحصن و الزانية المحصنة و وردت روايات في
أن أميرالمؤمنين علياً عليه السلام أقام هذا الحد و أقيم في زمن خلافته .
فهذا المضمون غريب .
التعبير في الرواية " يبعث الله عز و جل القائم " فهذا التعبير غريب لان
البعث انما يستعمل في ارسال الرسل و بعث الانبياء و القائم ليس منهم
جزماً فاستعمال هذا التعبير لبيان خروج القائم في غير محله .
ما ورد في متن الحديث من أن القائم لا يريد البينة للحكم على الزاني
المحصن بالرجم و على مانع الزكاة بالقتل .
فان كان المقصود بذلك انه يقضي بعلمه كحاكم فهو يندرج في جواز قضاء
القاضي بعلمه كقاضي لكن التعميم المذكور في الرواية غير صحيح لامكان ان
لا يحصل له كقاضي العلم بالجرم فيحتاج الى البينة . و ان كان المقصود به
انه يحكم بعلم الغيب فهذا مضافاً الى استناده الى مبنى باطل ، فانّ
القائم عليه أن يقيم شرع الله تعالى و يحكّم موازين القضاء الشرعية في
مؤسساته القضائية و من هذه الموازين الرئيسة الأخذ بالبينة مضافاً الى أن
المهدي حسب الروايات يحكم العالم كله و من غير المنطقي ان يتصدى للقضاء
في كل ما يجري في العالم بنفسه فيحتاج الى مؤسسات قضائية و هي لا بد أن
تستند الى موازين القضاء المتعارفة .
فهذه الرواية و ان كان لها بحسب الظاهر سند معتبر لكن غرابة متنها يوجب
ردها )).
***
الهوامش:
1 - معرفة علوم الحديث - الحاكم النيسابوري - ص 25 .
2 - راجع : هامش ص302 من -عوالي اللئالي - ابن أبي جمهور الأحسائي - ج 1
- ص 302.
3 - يمكن ان نضع الحديث هذا تحت عنوان : الغلو في العقيدة.
6
احاديث اسطورية غالية
من الامور الهامة التي يدين بها عامة الشيعة الامامية – خطأ - و
يغذيها بعض رجال الدين على المنابر وفي بعض الكتب، والتي تعتبر – حسب
رأيهم - من المقدسات- بل هي عقائد في ظنهم وبعض الظن اثم - الكثير من
الاحاديث النبوية التي يعيد انتاجها الكثير من رجال الدين الشيعة –
المراجع والاقل منهم درجة – فتصل الى العامة من الشيعة كأمر مقدس واجب
التطبيق ،ومن ثم احقية الدفاع عنها من قبلهم ، طالما هي من قول الامام او
من نقوله عن اجداده عن الرسول ، والكثير من تلك الاحاديث التي نقلتها
الكتب الحديثية الاربعة المهمة في المذهب الشيعي الامامي او غيرها ،
تحتاج الى وثوقية صحتها، ان كانت الوثوقية تلك للسند او للمتن او تضاربها
الفكري مع القرآن الكريم ،وفيما يلي بعض الاحاديث التي سئل عنها الامام
الشيخ المؤيد و تناولتها منظومته الاجتهادية بالمراجعة والتصحيح.
***
1 - حديث خلق الائمة :
((... محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن
بكير بن أعين قال: كان أبو جعفر عليه السلام يقول: إن الله أخذ ميثاق
شيعتنا بالولاية لنا وهم ذر، يوم أخذ الميثاق على الذر، بالاقرار له
بالربوبية ولمحمد صلى الله عليه وآله بالنبوة وعرض الله عزوجل على محمد
صلى الله عليه وآله امته في الطين وهم أظلة وخلقهم من الطينة التي خلق
منها آدم وخلق الله أرواح شيعتنا قبل أبدانهم بألفي عام وعرضهم عليه
وعرفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وعرفهم عليا ونحن نعرفهم في لحن
القول– كما جاء في الكافي حسب الموقع -)).
جواب سماحة الامام الشيخ:
(( هذا الحديث و ان كان له بحسب الظاهر سند معتبرلوثاقة كل رجال
سنده ، الاّ أن اللازم ان يضرب به عرض الجدار فهو زخرف باطل و لا يمكن أن
يقبله عقل سليم و لا يأخذ به الا أبله أو مجنون ذلك أن متنه مليء بالخلل
من جهات كثيرة منها :-
أولاً :- إن نظرية أخذ الميثاق من الذر نظرية غير صحيحة و تبطلها دلائل
عقلية كثيرة و لا دلالة للآية الكريمة اليها و لا يصح تفسيرها على
أساسها . و عليه اذا سقطت فكرة أخذ الميثاق من الذر سقط الحديث من
أساسه .
ثانياً :- لو فرض صحة نظرية أخذ الميثاق من الذر فاننا اذا رجعنا الى
الآية الكريمة لوجدنا أن مساقها مختلف تماماً عن مساق المتن المذكور في
الرواية ، قال تعالى ( و اذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و
أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة انا
كنا عن هذا غافلين . أو تقولوا انما أشرك آباؤنا من قبل و كنا ذرية من
بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون) . فمساق الآية الكريمة واضح في أن
الهدف من أخذ الميثاق هو إقامة الحجة و سد باب التنصل و الإعتذار عن
الإلتزام بالعقيدة الحقة بمبررات معينة ، بينما الرواية تتحدث عن أن
الميثاق بالولاية انما أخذ من الشيعة ، مع انه لو أريد الانسجام مع مساق
الآية الكريمة لكان اللازم أن يؤخذ الميثاق من غيرهم لسد باب التنصل و
الإعتذار عن التمسك بالولاية. و من الناحية المنهجية تبقى علامة إستفهام
كبيرة ترتسم امام هذه الرواية فلماذا يأخذ الله تعالى الميثاق على
الربوبية من جميع البشر بينما يأخذ الميثاق بالولاية من الشيعة فقط ؟ ان
هذا الاستفهام يبقى شاهداً على الخلل في مضمون الرواية .
ثالثاً :- انّ الرواية تتحدث عن أن الميثاق أخذ على الذر للأقرار لله
تعالى بالربوبية و لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة ، مع أن الآية
الكريمة لا تتحدث الا عن أخذ الميثاق بالربوبية ، وهذا هو المعقول و أما
الميثاق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فبلحاظ أنّ أصل الميثاق قد
أخذ من الذر جميعاً أي من البشرية كلها منذ آدم عليه السلام و بلحاظ أنّ
البشرية الى زمان بعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن مكلفة أصلاً
بالإقرار بنبوته و لا بمعرفته فما الوجه في أخذ الميثاق منهم بذلك ؟
رابعاً :- تقول الرواية أنّ الله تعالى خلق أرواح الشيعة قبل أبدانهم
بألفي عام و عرضها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . و هذا كلام
باطل بأي وجه صوّر فان كان النظر فيه الى عالم الذر فمن الواضح أن عالم
الذر كان قبل الفي عام من خلق أبدان الشيعة ، و إن كان النظر الى غير
عالم الذر فبما أن أبدان الشيعة لم تخلق دفعة واحدة و انما خلق الأبدان
تدريجي بتدرج الأزمنة و الأعصار فلا يلتئم ذلك مع تحديد الألفي عام كوقت
لخلق الأرواح قبل الأبدان .
و الحقيقة ان هذه االرواية من مصاديق قاعدة الروايات التي تكذب متونها
أسانيدها .
انّ هذه الرواية و أمثالها من تفاهات الغلاة و محاولاتهم في نسج العقائد
الباطلة حول الإمامة و ان أهل البيت عليهم السلام براء من مثل هذه
التفاهات و التخرصات و من اللازم تطهير الثقافة الشيعية منها .)).
***
2 – الميلاد الاسطوري للسيدة فاطمة:
(( حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل - رضي الله عنه - قال: حدثنا عبد
الله بن جعفر الحميري، عن يعقوب بن يزيد، قال: حدثنا الحسن بن علي بن
فضال، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن سدير الصيرفي، عن الصادق جعفر بن
محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه
واله: خلق نور فاطمة عليها السلام قبل أن تخلق الارض والسماء. فقال بعض
الناس: يا نبي الله فليست هي إنسية ؟ فقال صلى الله عليه وآله: فاطمة
حوراء إنسية قال: يا نبي الله وكيف هي حوراء إنسية ؟ قال: خلقها الله
عزوجل من نوره قبل أن يخلق آدم إذ كانت الارواح فلما خلق الله عزوجل آدم
عرضت على آدم. قيل: يا نبي الله وأين كانت فاطمة ؟ قال: كانت في حقة تحت
ساق العرش، قالوا: يا نبي الله فما كان طعامها ؟ قال: التسبيح، والتهليل،
والتحميد. فلما خلق الله عزوجل آدم و أخرجني من صلبه أحب الله عزوجل أن
يخرجها من صلبي جعلها تفاحة في الجنة و أتاني بها جبرئيل عليه السلام
فقال لي: السلام عليك ورحمة الله وبركاته يا محمد، قلت: وعليك السلام
ورحمة الله حبيبي جبرئيل. فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام. قلت: منه
السلام وإليه يعود السلام. قال: يا محمد إن هذه تفاحة أهداها الله عزوجل
إليك من الجنة فأخذتها وضممتها إلى صدري. قال: يا محمد يقول الله جل
جلاله: كلها. ففلقتها فرأيت نورا ساطعا ففزعت منه فقال: يا محمد مالك لا
تأكل ؟ كلها ولا تخف، فإن ذلك النور المنصورة في السماء وهي في الارض
فاطمة، قلت: حبيبي جبرئيل، ولم سميت في السماء " المنصورة " وفي الارض "
فاطمة " ؟ قال: سميت في الارض " فاطمة " لانها فطمت شيعتها من النار وفطم
أعداءها عن حبها، وهي في السماء " المنصورة " وذلك قول الله عزوجل: "
يومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء " يعني نصر فاطمة
لمحبيها.)).
جواب سماحة الامام الشيخ:
(( هذه الرواية غير صحيحة سنداً و متناً ، أما السند فان راويها سدير
ممن لم تثبت وثاقته ، فلم يرد فيه توثيق ، ودعوى وروده في أسانيد كامل
الزيارات أو تفسير علي بن إبراهيم هي دعوى غير تامة لبطلان المبنى ، كما
ان دعوى ابن شهراشوب ان سديراً كان من خواص أصحاب الصادق عليه السلام غير
مقبولة فقد تفرد بها ابن شهراشوب وهو متأخر دون أساطين علم الرجال من
المتقدمين و لعله استفادها من روايات اما ان يكون راويها سدير نفسه أو من
روايات مادحة لسدير مطعون في سندها .
مضافاً الى ان العلامة الحلي نقل عن علي بن احمد العقيقي قوله في سدير
انه كان مخلطاً و هذا يعني ان له روايات منكرة .
و اما متنها فقد ورد في ذيل الرواية الإستشهاد بقوله تعالى { و يومئذ
يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء } و تفسير الآية الكريمة بان
المقصود فيها نصر فاطمة لمحبيها مع ان الآية الكريمة لا علاقة لها بهذا
الأمر لا من قريب ولا من بعيد ، وهي غير قابلة للتطبيق عليه ، فان الآية
الكريمة تتحدث عن غلبة الروم لفارس بعد أن كانت فارس قد غلبتهم و قوله
تعالى { يومئذ } أي يوم تغلب الروم فارس ، كما أن المقصود بنصر الله
تعالى الذي يفرح به المؤمنون هو نصر الله المسلمين على المشركين أو نصر
الله تعالى الروم على فارس . و كل ذلك لا علاقة له بما ذكر في الرواية .
فان قيل ان ذلك من باب التأويل و هو ما له علاقة ببطون القرآن
الكريم .قلنا ان التفسير بالتأويل بما له علاقة ببطون القرآن الكريم لا
يكون هكذا ، و انما لا بد من وجود سنخ مناسبة بين الظاهر القرآني و
المعنى المؤول ، و من الواضح انه لا مناسبة لظاهر الآية الكريمة بالمعنى
المشار اليه في الرواية .
ثم أن الرواية بعد ان ذكرت ان فاطمة عليها السلام سميت في السماء
بالمنصورة فانها ذكرت أن الآية تشير الى ذلك ، وفسرت نصر الله بانه نصر
فاطمة لمحبيها ، و هنا تكون فاطمة عليها السلام ناصرة فكيف ينسجم ذلك مع
تلقيبها بالمنصورة ؟ فان كان الوجه في ذلك هوَ ان الله تعالى نصرها حيث
مكنها أن تنصر محبيها فكانت منصورة من حيث انها ناصرة ، كان الأجدر أن
يطبق نصر الله تعالى على ذلك بان يكون المراد به نصر الله تعالى لفاطمة
لأن ذلك هو الذي ينسجم مع تلقيبها بالمنصورة و لأن نصرها لمحبيها انما
يرجع بالأساس الى نصر الله تعالى لها . وهكذا يتضح أن في متن الرواية
فقرات غريبة تسقطها عن الحجية .
والحقيقة أن هذه الرواية التي رواها سدير مما يشهد لقول العقيقي فيه انه
كان مخلطاً حيث يروي مرويات منكرة و هذه الرواية من شواهد ذلك . )).
***
3 – اسطورة خلق الائمة ولولاهم ما عـُبد الله:
(( مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ الْعَمْرَكِيِّ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ
عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام )
قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ( عليه السلام ) إِنَّ اللَّهَ عَزَّ
وَ جَلَّ خَلَقَنَا فَأَحْسَنَ خَلْقَنَا وَ صَوَّرَنَا فَأَحْسَنَ
صُوَرَنَا وَ جَعَلَنَا خُزَّانَهُ فِي سَمَائِهِ وَ أَرْضِهِ وَ لَنَا
نَطَقَتِ الشَّجَرَةُ وَ بِعِبَادَتِنَا عُبِدَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ
وَ لَوْلَانَا مَا عُبِدَ اللَّهُ .
بَابُ أَنَّ الْأَئِمَّةَ ( عليهم السلام ) وُلَاةُ أَمْرِ اللَّهِ وَ
خَزَنَةُ عِلْمِهِ – المصدر الكافي)).
جواب سماحة الامام الشيخ :
(( هذه الرواية و ان كان لها بحسب الظاهر سند معتبر ، الا أن الخلل
في مضمونها يسقطها عن الحجية ، و يكفي في سقوط مضمونها ما ورد في ذيلها "
و بعبادتنا عبد الله عز و جل و لولانا ما عبد الله " فان في هذه الفقرة
من الغلو و البعد عن الواقع و عن روح القرآن الكريم و مضامينه ما يوجب
ضرب هذه الرواية عرض الجدار .
ان عبادة الله عز وجل قائمة قبل خلق البشر عبدته الملائكة و عبده الجن ،
و عبادته عز وجل قائمة قبل خلق أهل البيت عليهم السلام فقد عبد الله
تعالى على الأرض منذ فجر الخليقة و سيظل يعبد الى أن يرث الله الأرض و من
عليها . و هل من المعقول أن لا يعبد الله تعالى لولاهم مع وجود مئة و
أربعة و عشرين ألف نبي توالوا على مر التاريخ عبدوا الله تعالى و دعوا
الى عبادته و ربوا الناس عليها ، و هل أن الناس الذين دخلوا في دين
الإسلام و حداناً وزرافات و أفواجاً على يد رسول الله صلى الله عليه وآله
و سلم لم يقيموا عبادة الله تعالى ؟ ذلك ان عبادة هؤلاء لله عز و جل لم
تكن مستندة الا الى شرع الله و دعوة رسوله صلى الله عليه و آله و سلم و
كل ما عداه هو فرع له لا أصل ، فكيف ينسب الشيء الى فرعه دون أصله .
و ان كان المقصود أنه لولاهم ما خلق الله تعالى الخلق فيعبدونه ،
فهذا أمر مخالف لروح القرآن الكريم و مضمونه و لأدبيات الإسلام بشكل عام
قال تعالى :{ و ما خلقت الجن و الإنس الا ليعبدون } و ناهيك ما في هذه
الآية الكريمة من الحصر و من شمولها لجميع الإنس بمن فيهم أهل البيت
عليهم السلام . و في الحديث القدسي { كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف
فخلقت الخلق لكي أعرف } ان من يطلع على ثقافة القرآن يدرك بوضوح أن
الاساس في حركة البشرية و خلقتها هو معرفة الله تعالى و الكدح اليه و
تجسيد خلافته على الأرض و السير الى الكمال و السعادة الأبدية ، و أن
المحور الذي تنشد اليه البشرية جمعاء هو الخالق المطلق ، و أن الأنبياء
ما هم الا سفراء الله في أرضه يربطون الناس بالله عز وجل و ليسوا سوى
عباد مكرمين فضلاً عن غيرهم . و قد خلق الله تعالى الحياة و مقوماتها من
أجل الانسان بما هو انسان ليوطيء له معرفته عز وجل و عبادته سبحانه . هذه
هي ثقافة القرآن الكريم و كل ما عدا ذلك باطل لا يتفق مع عقل سليم و لا
نقل صحيح . و لو كان شيء من هذه المضامين الغريبة صحيحاً لنطق بها القرآن
الكريم و لكانت جزء من ثقافته مع انه ليس في ثقافة القرآن الكريم عين من
ذلك و لا أثر حتى فيما يتصل بشخص رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و
هو خير البرية فكيف بغيره . و انما هذه المضامين الشاذة هي مسحة من أفكار
الغلاة الأمر الذي يشهد على أن هذه الرواية و أمثالها من موضوعاتهم
الباطلة و تزييفاتهم المفضوحة . و مع أن رسول الله صلى الله عليه و آله و
سلم قال يوم بدر : " اللهم ان تهلك هذه العصابة فلن تعبد " و هو بشير
بذلك الى أصحابه لم يجرأ أحد أن يقول انه لولاهم ما عبد الله عز و جل و
ما ذاك الا لأنّ هذه المضامين غريبة على ثقافة الإسلام و أدبياته . )).
***
4 - اسطورية ايام الاسبوع:
((حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن -
يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن غير واحد، عن أبي عبد الله عليه السلام
قال: السبت لنا، والاحد لشيعتنا، والاثنين لاعدائنا، والثلثاء لبني امية،
والاربعاء يوم شرب الدواء، والخميس تقضى فيه الحوائج، والجمعة للتنظف
والتطيب، وهو عيد المسلمين وهو أفضل من الفطر والاضحى، ويوم الغدير أفضل
الاعياد، وهو ثامن عشر من ذي الحجة وكان يوم الجمعة، ويخرج قائمنا أهل
البيت يوم الجمعة، ويقوم القيامة يوم الجمعة، وما من عمل يوم الجمعة أفضل
من الصلاة على محمد وآله)).
جواب سماحة الامام الشيخ :
((هذه الرواية مرسلة و القاعدة العامة في المرسلات هي أنها ساقطة عن
الحجية ، الاَّ أنّ المرسِل في هذه الرواية هو محمد بن أبي عمير و قد
إختلف علماء الدراية و الرجال من الإمامية في مرسلات ابن أبي عمير فمن لا
يرى اعتبارها و يرى أنها لا تخرج عن القاعدة العامة في المرسلات فان هذه
الرواية ستكون عنده ضعيفة سنداً و ساقطة عن الحجية . و من يرى اعتبار
مرسلات ابن أبي عمير بلحاظ انه ممن شهد له بانه لا يروي و لا يرسل الا عن
ثقة فهذه الرواية ستكون من ناحية السند معتبرة سنداً . الاّ أنّ هذه
الرواية و ان كان لها بحسب الظاهر سند معتبر الاَّ انها ساقطة عن الحجية
لما يشتمل عليه متنها من أوجه الخلل مما لا يمكن أن يكون صادراً من
المعصوم بحسب مباني الإمامية فتكون الرواية حينئذ من الروايات التي تكذب
متونها أسانيدها فلا يؤخذ بها و لا يعول عليها .
و أما أوجه الخلل فمنها :-
أولاً :- ما ورد فيها من خصوصيات أيام الأسبوع فهو من التشويش و الإضطراب
بمكان ، و أول ما يتبادر الى الذهن هو السؤال عن سنخ الاضافة المذكورة
لأيام الاسبوع فهل هي اضافة في عالم التكوين أو هي اضافة في عالم التشريع
أو هي إضافة خارجية في ما تقتضيه طبيعة الظروف و الحياة ؟ و على كل
التقادير في الإضافة خلل و هي غير متسقة . مضافاً الى أن إضافة الجمعة
الى التنظف و التطيب فتكون السمة البارزة ليوم الجمعة انه يوم تنظف و
تطيب لا ينسجم مع الفضل العظيم المذكور ليوم الجمعة في الرواية و انه
أفضل من الفطر و الأضحى و انه يوم خروج قائم أهل البيت و اليوم الذي تقوم
فيه القيامة ، فهل من المنطقي أن يوسم مثل هذا اليوم الذي له كل هذه
الخصوصيات بانه يوم التنظف و التطيب و يجعل في سياق إضافة ايام أخر منها
ما يضاف الى آل البيت عليهم السلام و منها ما يضاف الى شيعتهم ؟
و مما يثير التساؤل و الإستغراب و الدهشة أن لا يضاف يوم الجمعة مع
ما له من الفضل حسب الرواية الى آل البيت أو شيعتهم و يضاف لآل البيت يوم
السبت و هو يوم اليهود و يضاف الى شيعتهم يوم الأحد و هو يوم النصارى .
ثانياً :- ان ما ورد فيها من أن يوم الغدير كان يوم الجمعة مخالف
للواقع ، إذ برد التاريخ الهجري الى الميلادي يظهر أن يوم الثامن عشر من
ذي الحجة لسنة عشر للهجرة يصادف يوم الخميس 15-3-632 م .
ثالثاً :- ما ذكر فيها من أفضلية يوم الجمعة على عيدي الفطر و الأضحى هو
أمر غريب لا ينسجم مع الإرتكازات المتشرعية و لا مع نصوص أخرى .
رابعاً :- إن جعل يوم الغدير أفضل الأعياد يستبطن اسباغ صفة العيد الشرعي
على يوم الغدير لكي يتحقق محل للمفاضلة مع أنه ليس في الإسلام عيد شرعي
سوى عيدي الفطر و الأضحى فكيف تقوم المفاضلة بين ما ليس بعيد شرعي و ما
هو عيد شرعي ؟ و هكذا يتضح ان هذه الرواية ليس لها إعتبار و لا يصح الأخذ
بها .)).
***
5- اسطورية الدمعة التي تدخل الجنة:
((حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل قال حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري
عن أحمد وعبد الله ابني محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن العلاء ابن
رزين عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان علي بن الحسين
عليهما السلام يقول: أيما مؤمن من دمعت عيناه لقتل الحسين عليه السلام
حتى تسيل على خده بوأه الله تعالى بها في الجنة غرفا يسكنها أحقابا،
وأيما مؤمن دمعت عيناه حتى تسيل على خديه فيما مسنا من الاذى من عدونا في
الدنيا بوأه الله منزل صدق، وأيما مؤمن مسه أذى فينا فدمعت عيناه حتى
تسيل على خده من مضاضة أو أذى فينا صرف الله من وجهه الاذى وآمنه يوم
القيامة من سخط النار.)).
جواب سماحة الامام الشيخ :
(( سند هذه الرواية معتبر حسب مباني علم الرجال عند الإمامية و ليس
في متنها ما يوجب سقوطها عن الحجية ، فالثواب المذكور فيها حيث انه مما
لا يعلمه الا الله تعالى الذي أعد هذا الثواب فلا بد أن يكون علي بن
الحسين عليهما السلام حين أخبر عن هذا الثواب قد أخذه رواية تنتهي إلى
رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم . كما أن الواضح من متن الرواية أن
البكاء المذكور فيها ليس من باب الجزع على الميت و إنما هو بكاء على
مظلومية الحسين عليه السلام سيد شباب أهل الجنة و الذي قال فيه رسول الله
صلى الله عليه و آله و سلم " حسين مني و أنا من حسين " و هو عمل مشروع
منسجم مع الفطرة الإنسانية وَ لم يردع عنه الشرع و أيّ نفس انسانية لا
تهتز باكية على مظلومية الحسين عليه السلام و الأذى الذي أصابه في سبيل
الحق و العدل و تقويم الانحراف و إصلاح الأمة و الأمر بالمعروف و النهي
عن المنكر . و أما الثواب المذكور في الرواية فحاله حال سائر الأعمال
المستحبة التي أعدّ الله تعالى لمن أتى بها ثواباً و أجراً في الآخرة ،
فإن ذلك لا يعني الا استحقاق الثواب من حيث المبدأ ، و أما الإستحقاق
العملي فهو منوط بالإستقامة على شرع الله عز و جل . و من هنا ليس للإنسان
أن يتساهل في أوامر الله تعالى و نواهيه بحجة أنه سينال الجنة لمجرد
بكائه على مظلومية الإمام الحسين عليه السلام . )).
***
7
الغلو في العقيدة
((يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى
اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ))
(النساء:171)
الغلو في اللغة : كما جاء في كتاب العين - الخليل الفراهيدي - ج 4 -
ص 446:
((غلا الناس في الامر ، أي : جاوزوا حده ، كغلو اليهود في دينها)) .
وقد رافق الغلو البشرية منذ بدء الخليقة الى يومنا هذا ، ولم يتخلص
أي دين او معتقد– سماوي او وضعي – او فكر انساني، منه .
وفي الاسلام رافق الغلو المسلمين واصبحت هناك فرقا غالية كثيرة ، ووضعت
المصنفات فيها ، وحبرت الصفحات في الرد عليها او مناقشتها وغير ذلك.
اما في المذهب الشيعي الامامي الاثني عشري ، فقد وجد الغلو له مساحة
واسعة في فكر هذا المذهب ، ان كان هذا الغلو في الاشخاص – وليس الائمة
وحدهم – او في المعتقدات و الافكار.
وقد وردت احاديث غالية كثيرة ، منها ما رد وقتها ، ومنها ما ظل الى
ايامنا هذه، او زيد عليها (1)، فأصبحت من ضروريات المذهب عند البعض .
وقد قام سماحة الامام الشيخ المؤيد من خلال تصديه للمرجعية ، ومن
خلال مشروعه الاصلاحي بمحاربة الغلو في الفكر الاسلامي عامة، و في الفكر
الشيعي الامامي الاثني عشري خاصة، و سنعرض هنا بعض صور هذا التصدي.
***
1 - في سؤال مقدم لجناب الامام الشيخ عن صحة الحديث الاتي :
(( أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ
الْجَبَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ
النُّعْمَانِ عَنْ سُوَيْدٍ الْقَلَّاءِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ أَبِي
بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ( عليه السلام ) قَالَ إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ
وَ جَلَّ عِلْمَيْنِ عِلْمٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ وَ عِلْمٌ
عَلَّمَهُ مَلَائِكَتَهُ وَ رُسُلَهُ فَمَا عَلَّمَهُ مَلَائِكَتَهُ وَ
رُسُلَهُ ( عليهم السلام ) فَنَحْنُ نَعْلَمُهُ )).
يقول سماحة الامام الشيخ عن هذه الرواية:
(( هذه الرواية و إن كان لها بحسب الظاهر سند معتبر و بمضمونها وردت
روايات أخرى الاَّ أنه لا يسعنا الأخذ بمفادها ، و ذلك لما يلي :-
انّ ظاهرها ينافي القرآن الكريم قال تعالى { عالم الغيب فلا يظهر على
غيبه أحدا الا من ارتضى من رسول فانه يسلك من بين يديه و من خلفه
رصداً } . و هذه الآية واضحة الدلالة في أن علم الغيب لا يطلع الله تعالى
عليه الا من ارتضى من رسول . و معنى ذلك اختصاصه بالرسل فكيف ينتهي ما خص
الله به الرسل الى غيرهم فهذا مناف للإنحصار بالرسل .
ان لازم ما ورد في الرواية أن الأئمة أعلى رتبة من الرسل ، لان
الثابت انه ليس كل الرسل يعلمون كل ما يعلمه الملائكة بينما على هذه
الرواية فان الأئمة يعلمون ما تعلمه الملائكة فهم أعلى مرتبة من الرسل و
أعلم منهم ،و هذا غلو واضح .
ان تعليم الله تعالى للملائكة لا يأتي إعتباطاً و انما لا بد أن يكون
لحكمة و لا بد أن من العلوم التي يعلمها الملائكة ما يرتبط بما يحتاجون
اليه حسب ما يكلفون به فما الداعي الى أن ينتقل هذا العلم الى غيرهم و هم
غير مكلفين بما يكلف به الملائكة و هكذا الأمر بالنسبة للرسل فانه لا شك
أن من العلوم التي يعلمونها ما يرتبط بطبيعة وضعهم كرسل ، فما الوجه في
انتقال هذا العلم الى غيرهم ؟ و هذا يكشف أن في مضمون الرواية غلواً في
الأئمة يرفعهم الى مصاف الرسل و الملائكة مهما علت درجاتهم .
انها معارضة بروايات تدل بوضوح على أنّ الأئمة لا يعلمون أشياءً تتعلق
بالغيب مع الجزم بانها مما يعلمه قسم من الملائكة و هذا يعني انه ليس كل
ما تعلمه الملائكة منته اليهم .
و هكذا نصل الى ضرورة الإعراض عن هذه الرواية و أمثالها لانها من روايات
الغلو المرفوض )).
فمن خلال رد سماحة الامام الشيخ يمكن توضيح الامور الاتية:
- ان صحة سند الرواية او الحديث ، لا يعني صحة المتن ، وهذا قول صحيح الا
انه غاب عن الكثير من علماء الدين الاسلامي في المذاهب كافة. (2)
- وصحة المتن يقبل بصحة موافقته لما جاء في القرآن الكريم ، والعقل
السليم والمنطق السوي.
- تعارض متن هذه الرواية مع متون روايات اخرى.
اذن ، فالفكرة الغالية التي تحملها هذه الرواية – الحديث ، تتمثل في
كون الائمة يعلمون الغيب ، وقد بين سماحة الامام الشيخ عدم صحة هذا
الاعتقاد الغالي، لتضاربه مع القرآن الكريم واحاديث وروايات اخرى.
***
2 - وعن صحة الحديث المذكور في (بَابُ أَنَّ الْأَئِمَّةَ ( ع ) وُلَاةُ
أَمْرِ اللَّهِ وَ خَزَنَةُ عِلْمِهِ – الذي ورد في الكافي ) :
(( مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ الْعَمْرَكِيِّ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ
عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( ع ) قَالَ قَالَ
أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ( ع ) إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَنَا
فَأَحْسَنَ خَلْقَنَا وَ صَوَّرَنَا فَأَحْسَنَ صُوَرَنَا وَ جَعَلَنَا
خُزَّانَهُ فِي سَمَائِهِ وَ أَرْضِهِ وَ لَنَا نَطَقَتِ الشَّجَرَةُ وَ
بِعِبَادَتِنَا عُبِدَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَوْلَانَا مَا عُبِدَ
اللَّهُ )).
يجيب سماحة الامام الشيخ قائلا:
(( هذه الرواية و ان كان لها بحسب الظاهر سند معتبر ، الا أن الخلل
في مضمونها يسقطها عن الحجية ، و يكفي في سقوط مضمونها ما ورد في ذيلها "
و بعبادتنا عبد الله عز و جل و لولانا ما عبد الله " فان في هذه الفقرة
من الغلو و البعد عن الواقع و عن روح القرآن الكريم و مضامينه ما يوجب
ضرب هذه الرواية عرض الجدار .
ان عبادة الله عز وجل قائمة قبل خلق البشر عبدته الملائكة و عبده الجن ،
و عبادته عز وجل قائمة قبل خلق أهل البيت عليهم السلام فقد عبد الله
تعالى على الأرض منذ فجر الخليقة و سيظل يعبد الى أن يرث الله الأرض و من
عليها . و هل من المعقول أن لا يعبد الله تعالى لولاهم مع وجود مئة و
أربعة و عشرين ألف نبي توالوا على مر التاريخ عبدوا الله تعالى و دعوا
الى عبادته و ربوا الناس عليها ، و هل أن الناس الذين دخلوا في دين
الإسلام و حداناً وزرافات و أفواجاً على يد رسول الله صلى الله عليه وآله
و سلم لم يقيموا عبادة الله تعالى ؟ ذلك ان عبادة هؤلاء لله عز و جل لم
تكن مستندة الا الى شرع الله و دعوة رسوله صلى الله عليه و آله و سلم و
كل ما عداه هو فرع له لا أصل ، فكيف ينسب الشيء الى فرعه دون أصله .
و ان كان المقصود أنه لولاهم ما خلق الله تعالى الخلق فيعبدونه ، فهذا
أمر مخالف لروح القرآن الكريم و مضمونه و لأدبيات الإسلام بشكل عام قال
تعالى :{ و ما خلقت الجن و الإنس الا ليعبدون } و ناهيك ما في هذه الآية
الكريمة من الحصر و من شمولها لجميع الإنس بمن فيهم أهل البيت عليهم
السلام . و في الحديث القدسي { كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت
الخلق لكي أعرف } ان من يطلع على ثقافة القرآن يدرك بوضوح أن الاساس في
حركة البشرية و خلقتها هو معرفة الله تعالى و الكدح اليه و تجسيد خلافته
على الأرض و السير الى الكمال و السعادة الأبدية ، و أن المحور الذي تنشد
اليه البشرية جمعاء هو الخالق المطلق ، و أن الأنبياء ما هم الا سفراء
الله في أرضه يربطون الناس بالله عز وجل و ليسوا سوى عباد مكرمين فضلاً
عن غيرهم . و قد خلق الله تعالى الحياة و مقوماتها من أجل الانسان بما هو
انسان ليوطيء له معرفته عز وجل و عبادته سبحانه . هذه هي ثقافة القرآن
الكريم و كل ما عدا ذلك باطل لا يتفق مع عقل سليم و لا نقل صحيح . و لو
كان شيء من هذه المضامين الغريبة صحيحاً لنطق بها القرآن الكريم و لكانت
جزء من ثقافته مع انه ليس في ثقافة القرآن الكريم عين من ذلك و لا أثر
حتى فيما يتصل بشخص رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و هو خير البرية
فكيف بغيره . و انما هذه المضامين الشاذة هي مسحة من أفكار الغلاة الأمر
الذي يشهد على أن هذه الرواية و أمثالها من موضوعاتهم الباطلة و
تزييفاتهم المفضوحة . و مع أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال
يوم بدر : " اللهم ان تهلك هذه العصابة فلن تعبد " و هو بشير بذلك الى
أصحابه لم يجرأ أحد أن يقول انه لولاهم ما عبد الله عز و جل و ما ذاك الا
لأنّ هذه المضامين غريبة على ثقافة الاسلام و أدبياته)) .
فمن خلال رد سماحة الامام الشيخ، يمكن توضيح الامور الاتية:
- ان صحة سند الرواية او الحديث ، لا يعني صحة المتن خاصة اذا كان هناك
تضارب بين اول المتن واخره.
- عدم موافقة المتن لما في القرآن الكريم.
- الابتعاد عن الواقع .
- الحديث يحمل امورا غالية تخرجه عن العقل السليم والمنطق السوي.
ولاجل ما تحمله هذه الرواية – الحديث من فكرة غريبة و غالية يقرر
سماحة الامام الشيخ ضربها عرض الجدار.
***
3 - (( هل هذا الحديث صحيح سنداً ؟
محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن بكير
بن أعين قال: كان أبو جعفر عليه السلام يقول: إن الله أخذ ميثاق شيعتنا
بالولاية لنا وهم ذر، يوم أخذ الميثاق على الذر، بالاقرار له بالربوبية
ولمحمد صلى الله عليه وآله بالنبوة وعرض الله عزوجل على محمد صلى الله
عليه وآله امته في الطين وهم أظلة وخلقهم من الطينة التي خلق منها آدم
وخلق الله أرواح شيعتنا قبل أبدانهم بألفي عام وعرضهم عليه وعرفهم رسول
الله صلى الله عليه وآله وعرفهم عليا ونحن نعرفهم في لحن القول
(الكافي)...)).
جواب سماحة الامام الشيخ:
(( هذا الحديث و ان كان له بحسب الظاهر سند معتبر لوثاقة كل رجال
سنده ، الاّ أن اللازم ان يضرب به عرض الجدار فهو زخرف باطل و لا يمكن أن
يقبله عقل سليم و لا يأخذ به الا أبله أو مجنون ذلك أن متنه مليء بالخلل
من جهات كثيرة منها :- أولاً :- إن نظرية أخذ الميثاق من الذر نظرية غير
صحيحة و تبطلها دلائل عقلية كثيرة و لا دلالة للآية الكريمة اليها و لا
يصح تفسيرها على أساسها . و عليه اذا سقطت فكرة أخذ الميثاق من الذر سقط
الحديث من أساسه . ثانياً :- لو فرض صحة نظرية أخذ الميثاق من الذر فاننا
اذا رجعنا الى الآية الكريمة لوجدنا أن مساقها مختلف تماماً عن مساق
المتن المذكور في الرواية ، قال تعالى { و اذ أخذ ربك من بني آدم من
ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا
يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين . أو تقولوا انما أشرك آباؤنا من قبل
و كنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون } . فمساق الآية الكريمة
واضح في أن الهدف من أخذ الميثاق هو إقامة الحجة و سد باب التنصل و
الإعتذار عن الإلتزام بالعقيدة الحقة بمبررات معينة ، بينما الرواية
تتحدث عن أن الميثاق بالولاية انما أخذ من الشيعة ، مع انه لو أريد
الانسجام مع مساق الآية الكريمة لكان اللازم أن يؤخذ الميثاق من غيرهم
لسد باب التنصل و الإعتذار عن التمسك بالولاية . و من الناحية المنهجية
تبقى علامة إستفهام كبيرة ترتسم امام هذه الرواية فلماذا يأخذ الله تعالى
الميثاق على الربوبية من جميع البشر بينما يأخذ الميثاق بالولاية من
الشيعة فقط ؟ ان هذا الاستفهام يبقى شاهداً على الخلل في مضمون الرواية .
ثالثاً :- انّ الرواية تتحدث عن أن الميثاق أخذ على الذر للأقرار لله
تعالى بالربوبية و لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة ، مع أن الآية
الكريمة لا تتحدث الا عن أخذ الميثاق بالربوبية ، وهذا هو المعقول و أما
الميثاق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فبلحاظ أنّ أصل الميثاق قد
أخذ من الذر جميعاً أي من البشرية كلها منذ آدم عليه السلام و بلحاظ أنّ
البشرية الى زمان بعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن مكلفة أصلاً
بالإقرار بنبوته و لا بمعرفته فما الوجه في أخذ الميثاق منهم بذلك ؟ .
رابعاً :- تقول الرواية أنّ الله تعالى خلق أرواح الشيعة قبل أبدانهم
بألفي عام و عرضها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . و هذا كلام
باطل بأي وجه صوّر . فان كان النظر فيه الى عالم الذر فمن الواضح أن عالم
الذر كان قبل الفي عام من خلق أبدان الشيعة ، و إن كان النظر الى غير
عالم الذر فبما أن أبدان الشيعة لم تخلق دفعة واحدة و انما خلق الأبدان
تدريجي بتدرج الأزمنة و الأعصار فلا يلتئم ذلك مع تحديد الألفي عام كوقت
لخلق الأرواح قبل الأبدان . و الحقيقة ان هذه االرواية من مصاديق قاعدة
الروايات التي تكذب متونها أسانيدها . انّ هذه الرواية و أمثالها من
تفاهات الغلاة و محاولاتهم في نسج العقائد الباطلة حول الإمامة و ان أهل
البيت عليهم السلام براء من مثل هذه التفاهات و التخرصات و من اللازم
تطهير الثقافة الشيعية منها)) .
***
4 - ((س - هل يجوز و صف الأئمة عليهم السلام بأنهم العلل الأربع ، علة
صورية ، مادية ، غائية ، فاعلية ؟)).
جواب سماحة الامام الشيخ:
((لا يجوز ذلك مطلقا وهو غلو وانحراف في العقيدة ويترتب عليه في بعض
الفروض الكفر والخروج عن ملة الإسلام)) .
***
5 - ((س - هل دم و فضلات الأئمة عليهم السلام طاهر؟)).
جواب سماحة الامام الشيخ:
(( القول بطهارة دم وفضلات الأئمة (ع) ضعيف ذلك أن عمومات وإطلاقات
نجاسة الدم والفضلات شاملة للجميع بمن فيهم الأئمة ، مضافا إلى الروايات
المعتبرة الواردة في تطهر الأئمة من فضلاتهم وهي دالة على النجاسة وبذلك
تعارض ما قد يستدل به على الطهارة ، أضف إلى ذلك أن لازم القول بطهارة
الدم والفضلات هو طهارة بدن الإمام من الحدث أيضا وهذا اللازم باطل لما
هو المعلوم من الأحاديث والوارد في سيرتهم من أنهم كانوا يتطهرون من
الحدث أكبره وأصغره وهو دال على طرو النجاسة المعنوية الحدثية على
أبدانهم عليهم السلام . ولا ينبغي أن يعد القول بنجاسة دمهم وفضلاتهم
إنتقاصا فإن هذا الأمر من عوارض الطبيعة البشرية التي يتساوى فيها
الجميع)).
***
6 - (( س - جرى بيني وبين أحد الإخوة الذين لا أشك في إيمانهم حوار
يتضمّن البحث عن طهارة أهل البيت عليهم السلام أهي مطلقة أم مقيّدة ،
فكان مصرّا على أن أهل البيت ع كانوا يذهبون إلى بيت الخلاء ويتوضئون
ويغتسلون وهذا كلّه يدل على أن لهم ماهو غير طاهر، والحقيقة سيدنا كان
ردّي أنهم عليهم السلام حتى لو اغتسلوا هذا زيادة للتطهير وحتى لوذهبوا
إلى بيت الخلاء هذا كلّه يعتبر للتبليغ حتى يعلم الناس كيف يتصرّفوا من
قبيل كيفية الدخول وتقديم القدم اليسرى للدخول أو ماشاكل، وعلى فرض أن
لهم عليهم السلام ماللبشر من بول وغائط وماشاكل ذلك المهم هو غير نجس
بدليل إطلاق الطهارة في آية التطهير والتأكيد عليها فلم يقتنع وهو من
مقلديكم فما تتفضلون علينا ببيان الأمر ؟؟))
جواب سماحة الامام الشيخ:
(( لقد أجبنا على سؤال مماثل فراجع موقعنا الالكتروني قسم الأسئلة
العامة .
وأما الرد الذي ذكرته فهو غير صحيح ، لأنه مخالف لظاهر النصوص ،
والإستدلال بآية التطهير غير تام إذ يرد عليه :
أولا :- الظاهر يتقدم على الإطلاق ويقيده ، وبما أن في النصوص ما هو ظاهر
في طرو النجاسة الحدثية والخبثية عليهم عليهم السلام كسائر البشر فإن هذا
الظهور يقيد الإطلاق ويتقدم عليه .
ثانيا :- إن آية التطهير لا تدل على الإرادة التكوينية لتطهيرهم عليهم
السلام وإنما هي دالة على الإرادة التشريعية ، وعلى هذا الأساس فهي مؤكدة
لشمولهم بالتشريعات الواردة في مسائل الطهارة والنجاسة.
***
7 – (( س - هل عيد الغدير أفضل من عيد الفطر و الأضحى ؟ ))
جواب سماحة الامام الشيخ:
(( هذه المفاضلة ليس لها محل من حيث المبدأ لانه لا يوجد في الإسلام
عيد شرعي غير عيدي الفطر والأضحى)) .
***
الهوامش:
1 - مثل قول البعض: ان مثلث برمودا هو القاعدة العسكرية للامام المهدي ،
مع العلم ان هذا المثلث لم يكتشف الا قبل عقود من السنوات ولم يكن في
زمان الائمة معروفا.
2 - لم ينظر ابناء المذاهب السنية الى هذا المبدء عند اخذهم ما في
الصحاحات من احاديث ومرويات ، فظلت متناقضة مع القرآن الكريم، او فيما
بينها، او داخل متنها.راجع دراستنا : (وقفات مع البخاري في صحيحه).
8
اجتهادات
( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)
(البقرة:185)
هكذا يريد الله سبحانه شرعه بين المسلمين ، يسرا وليس عسرا ، واذا كان
المجتهد في المذهب الشيعي الامامي هو المنوط به استخراج الاحكام الشرعية
من مضانها ، فإولى مهامه ان يكون ذلك الحكم ممن ييسر الدين واحكامه على
المسلمين ، وايضا ان يجمع ولا يفرق .
وقد كان سماحة الامام الشيخ المؤيد وغيره من المراجع والفقهاء يبتغون وجه
الله ، ممن يستنبطون الحكم الشرعي الى عامة المسلمين ميسرا غير
معسر،وضعنا هذا الباب – مع الابواب الاخرى من هذا الكتاب - لبيان
التيسير دون الخروج من الاصول الشرعية ، وطلب الوحدة الاسلامية
المنشودة ،في فتاوى سماحته .
***
1 – يكفّر اغلب – ان لم اقل كل – علماء الدين الاسلامي سماع الموسيقى ،
والموسيقى هي غذاء الروح ، والروح تحتاج الى من يغذيها فضلا عن عدم
نسيانها للفرئض الدينية والدعاء وغيرهما ، لان طلاوتها وطراوتها
مطلوبان ، وقد افتى الامام الشيخ المؤيد بحلية السماع لها ، كما جاء في
اجابته عن سؤال حول ذلك ، فقال :
(( إن الرأي الفقهي الذي أذهب إليه هو أن الموسيقى ليست محرمة لذاتها
وإنما تحرم إذا استخدمت استخداما محرما أو إذا اقترنت بفعل محرم أو إذا
أدت إلى حرام ، وفي غير ذلك فإن الموسيقى حلال وإن أطربت .
وعليه فإن العزف على آلة البيانو لا يكون محرما إلا في الحالات التي
تحرم بها الموسيقى والتي أشرنا إليها . وأما بيع آلات الموسيقى وشراؤها
فليس محرما في حد نفسه ، ومن تلك الآلات البيانو)).
يخلص من يقرأ هذه الفتوى بأن الموسيقى وآلاتها – صناعة وبيعا – لم
تكن من المحرمات ، على ان تكون هناك شروط في التعامل معها ، منها:
- عدم الاستخدام المحرم لها ، عند العزف او السماع .
- الا تقترن بفعل محرم، او تؤدي الى فعل محرم .
- حلية صناعة وبيع واقتناء الالات الموسيقية.
***
2 – عن اللعب بالشطرنج :
من المعروف عند فقهاء الشيعة ان اللعب بوسائل اللعب اللهوية ولعب
المقامرة محرم، دون تفرقة بين ان يكون اللعب لاجل اللعب وقضاء الوقت
واعمال العقل والتفكير خاصة، وبين اللعب من اجل المقامرة التي هي حرام
شرعا وقانونا وعرفا.
يسأل احد المؤمنين سماحة الامام الشيخ قائلا: ((ما حكم اللعب بالشطرنج
حسب رأيكم الفقهي؟)) .
فيجيبه سماحته بفتوى تحلل مثل هذا اللعب الذي هو اعمال للفكر:
((الذي نراه هو أن حرمة اللعب بالشطرنج فقهيا ليست حرمة ذاتية بمعنى أن
اللعب بالشطرنج لا يحرم لذاته ومن حيث كونه لعبا بالشطرنج ، وإنما يحرم
اللعب بالشطرنج على أحد أساسين:-
الأول:- أن يكون اللعب بالرهان فيدخل في حرمة الميسر.
الثاني:- إن اللعب بالشطرنج يدخل في اللهو المحرم فيحرم بحرمة اللهو .
ونقول :- أما الأساس الأول فهو صحيح ، فإن اللعب بالشطرنج إذا كان برهان
فهو محرم لأنه من الميسر والقمار الذي لا شك في حرمته. وأما الأساس
الثاني ففيه نظر حيث لا دليل على حرمة مطلق اللهو ، وإنما يحرم اللهو في
حالات معينة لا تنطبق دائما على اللعب بالشطرنج ، كأن يشغل الإنسان عن
امتثال أحكام الله عز وجل أو يؤدي به إلى الابتعاد عن الله تعالى ، أو
يخل بالتزامه بالحقوق التي عليه إزاء نفسه أو الآخرين . وبناء على ذلك لا
نرى حرمة اللعب بالشطرنج إذا لم يكن بالرهان ولم يشغل الإنسان عن امتثال
أحكام الله عز وجل أو يؤدي به إلى الابتعاد نفسيا عن الله تعالى أو يخل
بالحقوق التي عليه إزاء نفسه أو الآخرين)).
***
3 – هناك بعض البدع التي ابتدعت عبر العصور، واصبحت من اساسيات المذهب،
او هكذا اريد لها ان تكون ولاسباب كثيرة ربما اهمها الاسباب السياسية ،
وتم نشرها بين العامة ومطالبتهم بقولها يوميا خمس مرات ، وهي ايراد
الشهادة الثالثة في الاذان والاقامة.
واذا كانت بعض المراجع الشيعية الامامية تفتي باستحباب ايرادها – في
الكتب وليس في المحاضرات او المجالس الحسينية - فإن الامام الشيخ المؤيد
يقول – كما قال بعض من سبقه من العلماء (1) – بعدم مشروعيتها :
(( نعم ، نحن نفتي بعدم مشروعية الشهادة الثالثة في الأذان
والإقامة ، فإن الأذان والإقامة عبادتان توقيفيتان شأنهما شأن العبادات
التوقيفية التي تؤخذ كيفيتها المحددة والمعينة من الشارع الأقدس.
وقد وردت الروايات البيانية المعتبرة في تحديد فصول الأذان والإقامة وليس
في أي من هذه الروايات عن أهل البيت عليهم السلام تصريح أو تلميح إلى
الشهادة الثالثة لا كفصل من فصول الأذان والإقامة ولا كزيادة خارجة عن
كونها جزء منهما لكنها تلحق بالشهادتين إستحبابا أو جوازا .
وبناءً على ذلك وبحكم عدم الدليل على الجزئية أو الإلحاق لا كجزء لا يكون
الإتيان بالشهادة الثالثة مشروعا لا على نحو الإستحباب لعدم الدليل ، ولا
على نحو الجواز ، لأن المعتبر في فصول الأذان والإقامة هو الترتيب
والموالاة في السياق ، ومن دون دليل على الجواز يكون الإتيان بالشهادة
الثالثة مخلا بذلك فلا يجوز . ولذا لا يجوز الفصل بين أي من فصول الأذان
أو فصول الإقامة من غير دليل لأنه إخلال بنظام الأذان والإقامة وهو مناف
للإرتكاز المتشرعي القطعي القائم على أن للأذان والإقامة نظما ووحدة في
السياق من حيث الترتيب والموالاة بين الفصول . إلا أن جملة من فقهاء
الإمامية مع تسليمهم بعدم كون الشهادة الثالثة جزءً من فصول الأذان
والإقامة وعدم جواز الإتيان بها على نحو الجزئية أفتوا بمشروعية الإتيان
بها إستحبابا أو برجاء المطلوبية أو جوازا . ومستندهم في ذلك إما روايات
واردة في مورد الأذان والإقامة أو روايات تحث على إتباع القول بلا إله
إلا الله محمد رسول الله بالقول ( علي أمير المؤمنين ) فاستدل بها بدعوى
إطلاقها الشامل للأذان والإقامة .
لكن هذه الفتوى ليست صحيحة لأن الروايات الواردة في مورد الأذان والإقامة
الذاكرة للشهادة الثالثة أو ما شاكلها ضعيفة سندا بل رماها أكابر أساطين
الطائفة كالصدوق والطوسي بالشذوذ والوضع وهما أقرب عصرا إلى هذه الروايات
وأكثر إطلاعا على مآخذها ، وقد جزما بأن هذه الروايات من وضع الغلاة
والمفوضة وشهدا بأنها موضوعة وشاذة ، وهذه الشهادة منهما إن لم تكن حسية
فهي قريبة من الحس ، ولا يوجد ما يضعف هذه الشهادة بل يوجد ما يؤكدها ،
وبالتالي فهذه الروايات من المقطوع به أو المطمأن به على أقل التقادير
أنها موضوعة فلا يعتنى بإحتمال صدورها عن الأئمة عليهم السلام ، وعليه
فهي لا تصلح مستندا لا للإستحباب ولا للإتيان برجاء المطلوبية . وأما
الروايات التي أُدعي أنها مطلقة إطلاقا شاملا للأذان والإقامة فهي مضافا
إلى ضعف سندها لا إطلاق لها فإطلاقها منصرف عن مثل الأذان والإقامة
كعبادة توقيفية لها نظامها وسياقها المحدد . وإلا لو صح التمسك
بالإطلاقات في مثل الأذان والإقامة للزم من ذلك إمكان إضافة كثير من
العبارات إلى الأذان والإقامة تمسكا بإطلاقات وردت في أدلة معتبرة ، فإن
الحث على الصلاة مستحب بلا شك فهل يمكن إضافة فصل للأذان أو الإقامة ولو
لم يكن بعنوان الجزئية بأن يقول المؤذن أو المقيم حي على عمود الدين ،
كما إن التذكير بالموت والآخرة مستحب بلا شك لكن هل معنى ذلك أن يسمح
للمؤذن أو المقيم بالتلفظ بكلمات ضمن أذانه أو إقامته تذكر بالموت
والآخرة بدعوى إطلاق ما دل على إستحباب التذكير بالموت والآخرة ؟
فالحقيقة إن الإرتكاز القائم على أن للأذان والإقامة نظما خاصا وسياقا
معينا يمنع من شمول الإطلاقات لمثل الأذان والإقامة.
وهكذا يتضح أن الإتيان بالشهادة الثالثة في الأذان والإقامة غير مشروع
ويعد بدعة يجب التحرز منها . ويتحمل العلماء مسؤولية كبيرة في بيان
الأحكام الصحيحة وتنقية الأفكار وعليهم الاضطلاع بذلك بشجاعة وعدم
الإكتراث بضجيج الجهلة والمغرضين ، وعلى عموم المؤمنين وعلى المثقفين
والمتنورين أن لا يسمحوا بمثل هذا الضجيج الذي يعتبر مجرد بيان الرأي
والفكر حسب القناعة العلمية جريمة تواجه بالطعن والضجيج والتهويل بدلا من
الحوار الموضوعي والنقد العلمي . إن هناك من يريد أن يتعامل مع قضية
الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة وكأنها عنصر من جوهر التشيع مع أنها
قضية ليس لها أساس في فقه أهل البيت عليهم السلام ولا في ممارساتهم وحتى
القائلون بمشروعيتها لا يرونها سوى أمر مستحب والمستحب يجوز تركه من غير
إثم ، فلماذا كل هذا التضخيم والتهويل والتشنيع على جهود المصلحين
الهادفين إلى تنقية التراث وإصلاح الأفكار والسلوك . ولعل كثيرين يتذكرون
الضجة التي أقامت الدنيا ولم تقعدها على مصلحين أجلاء لمجرد بيانهم لرأي
أدى إليه إجتهادهم وتفكيرهم العلمي كتلك الهجمة التي واجهها الشيخ محمد
الخالصي رحمه الله لمجرد أنه أفتى بعدم مشروعية الشهادة الثالثة في
الأذان والإقامة . والهجمة الشرسة التي واجهها الإمام السيد محسن الأمين
رحمه الله لمجرد أنه أفتى بلزوم تنزيه الشعائر الحسينية من الممارسات
الدخيلة . لكن الإصلاح يشق طريقه مهما كانت المصاعب جمة ولا سيما في
عصرنا عصر العلم والثقافة والرشد)).
***
4– القضية الاخرى التي افتى بها سماحة الامام الشيخ والتي تعتبر من
تصحيحاته لما في مذهب الشيعة الامامية من امور كثير تناقض القرآن
الكريم ، هي قضية الرجعة.
عرّف القاضي ابن براج الرجعة في (جواهر الفقه - ص 267 - 269) قائلا:
(( معنى الرجعة أن الله تعالى يحيي قوما ممن توفى قبل ظهور القائم عليه
السلام من مواليه وشيعته ، ليفوز بمباشرة نصرته وطاعته وقتال أعدائه ،
ولا يفوتهم ثواب هذه المنزلة الجليلة التي لم يدركها ، حتى لا يستبدل
عليهم بهذه المنزلة غيرهم ، والله تعالى قادر على احياء الموتى ، فلا
معنى لتعجب المخالفين واستبعادهم .)).
وفي رده على الاراء التي طرحها احمد امين في كتابه فجر الاسلام ،
يقول اية الله العظمى الشيخ كاشف الغطاء في - أصل الشيعة وأصولها - ص
167:
((وليس التدين بالرجعة في مذهب التشيع بلازم ، ولا إنكارها بضار ، وإن
كانت ضرورية عندهم ، ولكن لا يناط التشيع بها وجودا وعدما ، وليست هي إلا
كبعض أنباء الغيب ، وحوادث المستقبل ، وأشراط الساعة مثل : نزول عيسى من
السماء ، وظهور الدجال ، وخروج السفياني ، وأمثالها من القضايا الشائعة
عند المسلمين وما هي من الاسلام في شئ ، ليس إنكارها خروجا منه ، ولا
الاعتراف بها بذاته دخولا فيه ، وكذا حال الرجعة عند الشيعة)).
ويؤكد ص168 : ((وليس لها عندي من الاهتمام قدر قلامة ظفر)).
اما الشيخ عبدالله دشتي ، في كتابه - النفيس في بيان رزية الخميس - ص
11 :
((ولا زال هذا الاعتقاد من الأمور التي جرّت على التشيع الاتهامات
والافتراءات ، فعقيدة الرجعة التي تعني عودة جماعة من البشر إلى الدنيا
بعد موتهم وقبل قيام الساعة لا تنافي أيا من أصول الدين ليكون هذا القول
من الكفر الصريح .)).
واجابة عن سؤال قدم لسماحة الامام للشيخ عن صحة حديث الرجعة ، كانت
اجابته:
((السند المذكور للرواية في مفروض السؤال سند معتبر تام الاّ أنّ هذه
الرواية ساقطة عن الحجية و ان كان لها بحسب الظاهر سند معتبر لمنافاتها
للقرآن الكريم و كل ما ينافي القرآن الكريم فانه ساقط عن الحجية و لا
إعتبار به .
و من وجوه منافاتها للقرآن انّ الله تعالى قال عن المشركين :{ حتى
اذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلَي أعمل صالحاً فيما تركت كلا انها
كلمة هو قائلها و من ورائهم برزخ الى يوم يبعثون } ، و هذه الآية الكريمة
تدلل بوضوح على أن المشرك بموته اذ ينتقل الى البرزخ فانه يبقى في البرزخ
الى حين البعث و هذا ينافي دعوى رجعته للحياة الدنيا لان لازم رجعته انّ
مكوثه في البرزخ ليس مكوثاً مستمراً الى يوم البعث و انما تتخلله العودة
الى الحياة الدنيا قبل البعث . اذن مضمون الرواية ينافي هذه الآية . و
كذلك ينافي قوله تعالى عن المتقين :{ لا يذوقون فيها الموت الا الموتة
الأولى } وَ من محض الإيمان هو من جملة المتقين و على رأسهم و الآية بهذا
المضمون آبية عن التقييد ، فالرواية في مضمونها تتنافى مع مضمون هذه
الآية فالرواية في مضمونها تنافي هاتين الآيتين ، مضافاً الى أنها بما
تتضمنه من قضية الرجعة مغايرة للثقافة القرآنية التي لا وجود فيها لقضية
الرجعة بالمعنى الذي تطرحه روايات الرجعة ، فإن المستفاد من مجموع الآيات
القرآنية الكريمة التي تتحدث عن الموت و ما بعده أن الخط العام للبشرية
هو انها تنتقل بالموت الى عالم ما بعده و تسلك مراحله نحو الآخرة دون
عودة للدنيا (...).
فالمتحصل أن القول بالرجعة بالمعنى الذي تطرحه روايات الرجعة بعيد كل
البعد عن الثقافة القرآنية . ولو كانت الرجعة ثابتة لذكر القرآن ذلك
ببيان لا لبس فيه خاصة فيما يتصل بالوعد و الوعيد و إقتصاص المظلومين من
الظالمين و إنتقام المؤمنين من الكافرين و لكان لذلك أثر في تحقيق أهداف
الرجعة مع أنه ليس في القرآن الكريم شيء واضح في ذلك . و قد إستدل
القائلون بالرجعة ببعض الآيات التي لا دلالة لها على ذلك أصلاً و تفصيل
الكلام عن ذلك موكول الى محل آخر إن شاء الله تعالى و منه نستمد السداد و
به الإعتصام ))
وفي جواب اخر يقول سماحة الامام الشيخ: (( أن القول بالرجعة باطل و
أحاديث الرجعة مردودة لمخالفتها للقرآن الكريم و شذوذها .)).
***
5 – كثيرا ما دخلت في نقاش طويل حول نجاسة من كان من دين غير الاسلام ،
اذ يصر بعض الشيعة (2) على نجاستهم، الا ان سماحة الامام الشيخ المؤيد
يفتي بعدم النجاسة.
يقول :
(( يجوز لك تناول الشاي أو القهوة في مفروض السؤال فان المسيحيين
والصابئة غير محكومين بالنجاسة ، ويبنى على طهارة أوانيهم وما شاكل حتى
يثبت تنجسها .)).
***
قال الله تعالى :
*( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا
رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)
(البقرة:172) *( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا
طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا
يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (المائدة:87) *( كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا
رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ
يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى) (طـه:81) 6 – تربى الشيعة منذ
طفولتهم على ان اكل لحم الارنب حرام ، وربما جاء هذا التحريم من فتاوي
العلماء .
ففي الكافي يقول الكليني - ج 6 - ص 246 وما بعدها: (( محمد بن
يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن الحسن الأشعري ، عن أبي الحسن الرضا
عليه السلام قال : الفيل مسخ كان ملكا زناء ، والذئب مسخ كان أغرابيا
ديوثا ، والأرنب مسخ كانت امرأة تخون زوجها ولا تغتسل من حيضها ،
والوطواط مسخ كان يسرق تمور الناس ، والقردة والخنازير قوم من بني
إسرائيل اعتدوا في السبت ، والجريث والضب فرقة من بني إسرائيل لم يؤمنوا
حيث نزلت المائدة على عيسى ابن مريم عليه السلام فتاهوا فوقعت فرقة في
البحر وفرقة في البر ، والفارة فهي الفويسقة ، والعقرب كان نماما ، والدب
والزنبور كانت لحاما يسرق في الميزان .)).
لا اريد ان اعلق على مثل هذه الخرافات، الا ان سماحة الامام الشيخ
المؤيد يؤكد على حلية لحم الارنب ، فيقول اجابة عن سؤال حول ذلك : ((الذي
أذهب إليه هو جواز أكل لحم الأرنب على كراهية )).
***
7- من الامور التي شقت صفوف المسلمين، هو تأكيد علماء الدين الشيعة
الامامية على ان المسلمين منقسمون الى قسمين هما : المسلمون العامة – أي
غير الشيعة - والمؤمنون- الشيعة - ، اذ يعد مؤمنا من آمن بالولاية ، اما
من لا يؤمن بها فهو مسلم طالما ردد الشهادتين ...وقد طرح هذا الرأي في جل
الكتب التي ناقشت هذه القضية فضلا عن ذكرها في الفضائيات (3) .
قال الشيخ الكليني في الكافي - ج 2 - ص 51 :
((باب: فضل الايمان على الاسلام واليقين على الايمان "
1 - أبو علي الأشعري ، عن محمد بن سالم ، عن أحمد بن النضر ، عن عمرو بن
شمر ، عن جابر قال : قال لي أبو عبد الله ( عليه السلام ) : يا أخا جعف
إن الايمان أفضل من الاسلام وإن اليقين أفضل من الايمان وما من شئ أعز من
اليقين .
2 - عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، والحسين بن محمد ، عن معلى بن
محمد جميعا ، عن الوشاء ، عن أبي الحسن ( عليه السلام ) قال : سمعته
يقول : الايمان فوق الاسلام بدرجة ، والتقوى فوق الايمان بدرجة ، واليقين
فوق التقوى بدرجة ، وما قسم في الناس شئ أقل من اليقين .
3 - محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن
علي ابن رئاب ، عن حمران بن أعين قال : سمعت أبا جعفر ( عليه السلام )
يقول : إن الله فضل الايمان على الاسلام بدرجة كما فضل الكعبة على المسجد
الحرام .)).
و يقول السيد عبد الحسين شر الدين في كتابه (الفصول المهمة في تاليف
الامة) على هامش 1 ص 13 :
(( وربما بعضهم فرق بين الإسلام والإيمان بفارق اعتباري . والذي يظهر
من قوله تعالى : " قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا "
إن الإسلام عبارة عن مجرد الدخول في الدين والتسليم ؟ لسيد المرسلين وأن
الإيمان عبارة عن اليقين الثابت في قلوب المؤمنين مع الاعتراف به في
اللسان ، فيكون على هذا أخص من الإسلام ، ونحن نعتبر فيه الولاية مضافا
إلى ذلك – فافهم)) .(4)
4 - ناقش الشيخ المفيد في كتابه - المسائل العكبرية – ص61 ، قضيه تزويج
الامام علي بن ابي طالب ابنته ام كلثوم من الخليفة عمر بن
الخطاب ،وقال :
(( المسألة الخامسة عشرة:
وسأل أيضا عن تزويج أمير المؤمنين عليه السلام ابنته أم كلثوم عمر
بن الخطاب ، وقد عرف خلافه وكفره . وقول الشيعة " إنه رد أمرهاإلى العباس
" يدل على أنه كان يرى تزويجه في الشريعة ، لانه لو لم يجز لما ساغ له
التزويج والتوكيل فيه .
قال السائل : فان كان عمر مسلما فلم امتنع علي من مناكحته ثم جعل ذلك
إلى العباس رضى الله عنه ؟
والجواب - وبالله التوفيق - : أن المناكح على ظاهر الاسلام دون حقائق
الايمان . والرجل المذكور ، وإن كان بجحده النص ودفعه الحق قد خرج عن
الايمان ، فلم يخرج عن الاسلام لاقراره بالله ورسوله صلى الله عليه وآله
واعترافه بالصلاة والصيام والزكاة والحج .
وإذا كان مسلما بما ذكرناه جازت مناكحته من حكم الشريعة . وليس يمتنع
كراهة مناكحة من يجوز مناكحته ، للاجماع على جواز مناكحة الفاسقين من
أهل القبلة لفسقهم ، وإن كانت الكراهة لذلك لا تمنع من إباحته على ما
بيناه . أي ان موافقة الامام علي بهذه الزيجة لكون عمر بن الخطاب مسلما
على الرغم من انه غيرمؤمن)).
اجاب سماحة الامام الشيخ المؤيد عن هذه المسألة التي تفرق بين امة
محمد قائلا:
(( هذا التصنيف غير صحيح ونحن نذهب إلى أن كل من اعتقد بالإسلام وتبناه
دينا وامتثل أحكامه وتعاليمه بالطريق الذي تيقنه بعد التثبت فهو مسلم
مؤمن مهما كان مذهبه.)).
***
8– ان كل علماء الدين الشيعة ومجتهديهم يؤكدون على ان النذر لا ينعقد الا
اذا كان لله عز وجل (راجع الرسائل العملية للمجتهدين الشيعة الامامية) ،
الا انه ما زال العامة من الناس يعقدون نذورهم للائمة وبعض ما يسمونهم
بالاولياء التي قبورهم منتشرة على ارض العراق خاصة ، والذي يشجعهم في ذلك
بعض رجال الدين ، ان كان ذلك من خلال الاجابة بالايجاب ، او بالسكوت ، او
بعدم تثقيف مريديهم على ذلك.
السؤال : (( س – عن جواز النذر لغير الله، كالنّذر للأئمّة(ع) والسّادات
والصّالحين والأولياء؟ )).
يؤكد سماحة الامام الشيخ المؤيد على انه :
(( لا ينعقد النذر إلا إذا كان لله عز وجل و لا يجوز النذر بمعنى إلزام
النفس بشيء تقرباً أو طلباً لحاجة إلا لله عز وجل لكن الناذر ان نذر لله
نذراً يكون فيه المنذور عائداً على الأولياء بثواب فهذا جائز ولا إشكال
فيه)).
***
9 – قرأت اكثر من كتاب لمراجع دين شيعة امامية ، او رجال دين اقل درجة،
وهم يؤكدون ان صحبة الخليفة ابي بكر الصديق للرسول عند الهجرة لا افضلية
لها .
جاء في موضوع ( عقيدة الشيعة في تفضيل علي وإمامته عليه السلام ).
الذي اعده مركز المصطفى (ص) ونشر على القرص المدمج (مكتبة أهل البيت (ع)
- الإصدار الأول) :
(( وأدلتهم في ذلك الله تعالى عن نفسه بلفظ الجمع ، فقال : ( إنا
نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " . وقد قيل أيضا في هذا : أن أبا بكر
قال : يا رسول الله حزني على أخيك علي بن أبي طالب ما كان منه . فقال له
النبي : ( لا تحزن ان الله معنا ) . أي : معي ومع أخي علي ابن أبي طالب .
وأما قولك أن السكينة نزلت على أبي بكر فإنه كفر بحت )).
فيما يذكر السيد الطباطبائي – في تفسير الميزان - ج 9 - ص 295:
(( على انك قد عرفت في البيان السابق ان الآية بمقتضى المقام لا
تتعرض الا لنصر الله سبحانه وحده نبيه ص بعينه وشخصه قبال ما يفرض من عدم
نصر كافه المؤمنين له وخذلانهم إياه فدلالة الآية على أن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم يوم الغار لم ينصره الا الله سبحانه وحده دلاله قطعيه)).
ولا اريد ان اتوسع في ذكر اراء المفسرين ورجال الدين الذين ينطلقون
من خلفيات ايديولوجية انتجتها قرون ما قبلنا ، وانما اقول : ان الاية
محكمة القول في الصحبة والتي ينتج منها افضلية متحصلة من الدوافع وراء
هذه الصحبة وما رافقها من امور اخرى كما ذكرتها المصادر التي تناولتها.
و يجيب سماحة الشيح المؤيد قائلا :
(( في هذا الجواب مغالطة و قفز على الحقائق لا بد أن يترفع عنه أهل
العلم و التحقيق , فلا ينبغي التشكيك في أن صحبة ابي بكر الصّديق رضي
الله عنه للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في هجرته مضافاً الى
كونها شرفاً عظيماً فهي فضيلةٌ لا تنكر سواءً بلحاظ الآية الكريمة
الواردة في ذلك , أو بلحاظ القضية نفسها .
أما بلحاظ الآية الكريمة فيكفي في بيان هذه الفضيلة :-
أولاً :- إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد شرك معه أبا بكر رضي الله
عنه في معية الله تعالى . فقال له : ( لا تحزن إن الله معنا ) و قد ذكر
القرآن الكريم نص كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم من باب تصديق رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما قاله . و بما أن هذه المعيّة هي معيّة
حفظ و رعاية ربانية و هي لا تكون الا لمؤمن صادق الإيمان دلّت الآية على
فضل أبي بكر رضي الله عنه سواءً في تزكية ايمانه أو في نيله شرف المشاركة
في هذه المعية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , و لا يخفى على
النبيه أن صيغة التعبير ( إن الله معنا ) فيها بيان لرفعة منزلة هذا
الشريك و أنه ليسَ مجرد صاحب سفر أو طريق و انما هو رفيق درب في الرسالة
و حركتها , فلم يقل صلى الله عليه وآله وسلم " سينجينا الله " أو " ان
الله معي و سننجو " بل قال " إن الله معنا " .
ثانياً :- بناءً على أن قوله تعالى { و أيده بجنود لم تروها } هو عطف
جملة على جملة و أن المراد به الإشارة الى واقعة بدر و ليس عطفاً على نفس
واقعة الغار في مضامينها , فان الضمير في قوله تعالى { فانزل سكينته
عليه } يعود الى ابي بكر رضي الله عنه فهو الذي تقتضيه المناسبة و لا
يناسب عوده الى الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم لأن رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم كان مطمئناً غير قلق , و الذي حزن و كان قلقاً هو
ابو بكر الصّديق رضي الله عنه فأنزل الله سكينته عليه رفعاً لقلقه و
حزنه . مضافاً الى القرينة التي ذكرها الفخر الرازي " ره " و هي انه لو
كان المراد إنزال السكينة على رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم للزم
من ذلك أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قلقاً خائفاً قبل ذلك
و لو كانت هذه حال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لما أمكنه أن يهديء
روع أبي بكر رضي الله عنه و يقول له " لا تحزن " و هكذا يتضح أن السكينة
نزلت على أبي بكر رضي الله عنه . و في تعبير الآية الكريمة ما يدلل على
فضل أبي بكر رضي الله عنه من جهتين :-
الأولى :- استعمال لفظ " أنزل " و هذا يعني أنها سكينة خاصة أنزلت في
هذهِ القضية و لهذا الشأن.
الثانية :- إضافة السكينة الى الله عز وجل فهي سكينة ربانية .
و هناك فرق بين أن تقول " أسكنه " و بين أن تقول " انزل السكينة عليه "
فالأخيرة فيها فضل واضح لانها تستبطن عناية خاصة .
هذا بلحاظ الآية الكريمة , و أما بلحاظ القضية نفسها فانها تدلل على
الفضل من جهات عديدة أبرزها:-
أولاً :- إختيار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر رضي الله عنه
دون غيره من صحابته لهذا السفر التاريخي في معناه و مضمونه و بما يمثله
من نقلة نوعية في حركة الرسالة الإسلامية و ما له من دلالات حين يدخل
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة المنورة مستصحباً أمام
مستقبليه في المدينة و هو يفتح عهداً جديداً فيها .
فنحن نجد اختيارين مهمين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حادثة
الهجرة و هما إختياره لعليّ ابن ابي طالب عليه السلام لينام في فراشه و
يكون درعه الواقي و يقف في مواجهة المشركين و ما قد ينجم عن إكتشافهم
هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ردود أفعالهم ثم لينجز
وصاياهُ صلى الله عليه وآله وسلم بعدَ أن ينجيه الله تعالى من شرور
المشركين بعد مبيته و ما يتلوه , و اختياره لأبي بكر رضي الله تعالى عنه
ليكون صاحبه في هذه الهجرة التاريخية .
ثانياً :- دلالة هذا الإختيار على الدرجة العالية من الوثوق و الإنسجام و
المودة و القرب .
ثالثاً :- في هذا الإختيار ابراز لشخصية ابي بكر رضي الله تعالى عنه
والفاتٌ الى منزلته .
رابعا :- إستجابة أبي بكرٍ رضي الله عنه للرسول صلى الله عليه وآله وسلم
و مرافقته في هذه الرحلة دون أن يعتذر بأي عذر و دون أن يسوق أي مبررٍ
للتنصل و هو يعلم ما قد تنطوي عليه هذه الرحلة من مخاطر و أنه قد يكون هو
شخصياً عرضةً لهذه المخاطر يدلل على عمق إيمانه رضي الله عنه و إستعداده
للتضحية و مدى حبه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
و اعتقد أن أي دارس لهذه القضية لا يمكن إلا أن يخرج بنتيجة تدلل على أن
هذه الصحبة هي فضيلة و منزلة هامة لأبي بكر الصّديق رضي الله تعالى عنه ,
وهي لم تكن مجرد صحبة طريق إقتضتها ظروف طارئة أو ما شاكل , و انما هي
صحبة اختيرت بعناية و ان ابا بكر رضي الله تعالى عنه كان فيها رفيق درب
رسالي في حركة الدعوة الإسلامية .
و قد حاول بعض من تنكب الانصاف الاتيان بتبريرات تخرج هذه الصحبة عن
كونها منقبة و فضيلة , لكنها تبريرات سخيفة لا يقبلها المنطق السليم و لا
تنسجم مع منطق طبيعة الأشياء)).
انه الرد الحاسم على من اراد ان يشق وحدة الامة الاسلام بإخراجه
النص القرآني من دلالاته التي نزل من اجلها ، الى دلالات هو بعيد عنها .
***
10 - عدة المطلقة اليائس:
(( س - قرات في احدى اجاباتكم ان المطلقة اليائس تعتد وعدتها ثلاثة
اشهر قمرية، ومن المعلوم ان اليائس لاعدة عليها )).
جواب سماحة الامام الشيخ:
(( عدم اعتداد اليائسة هو المعروف عند فقهاء الإمامية . ولكن الذي
أفتي به وأذهب إليه هو وجوب العدة على المطلقة اليائسة و أختلف في هذا
الأمر مع ما هو المعروف عند فقهاء الإمامية فالأدلة التي استدلوا بها على
عدم وجوب العدة على اليائسة هي محل مناقشة عندي فالصحيح هو ما ذهب إليه
جمهور المسلمين من وجوب العدة على المطلقة اليائسة )).
وفي اجابة اخرى لسماحة الامام الشيخ ، يبين سماحته مقدار فترتها ،
يقول : ((عدة المطلقة ان كانت يائسةً هي ثلاثة اشهر قمرية كاملة, والفرق
بينها وبين من تحيض ان عدة من تحيض هي ثلاثة قروء اي حيضات)).
في جواب سماحته اعلاه يمكن استشفاف ما يلي :
– حسب رأيه الشرعي المبني على النص القرآني ،وجد ان المطلقة اليائس عليها
العدة. (( وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ
ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ
وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ
يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً)). (الطلاق:4)
- وهكذا يأتي تصحيح سماحة الشيخ الامام في المذهب الشيعي الامامي ، خلافا
لما يذهب اليه علماء المذهب: جاء في (الأحكام الشرعية - الشيخ
المنتظري - ص 486) :
(( مسألة 2714 : لا عدة للمرأة التي لم تبلغ تسع سنين ، ولا للمرأة
اليائس . يعني يجوز لها أن تتزوج بعد الطلاق فورا ، حتى لو كان الزوج
قاربها )).
جاء في (حواريات فقهية - السيد محمد سعيد الحكيم - ص 249) :
(( - إذا كانت بالغة مدخولا بها غير يائس ولا حامل فعدتها حيضتان
كاملتان )).
***
11 – صوم المسافر في شهر رمضان:
يتشكل التصحيح والتجديد الاجتهادي عند سماحة الامام الشيخ المؤيد من
خلال النظر في ما افتي به سابقا واخذ الكثير من مجتهدي الشيعة الامامية
يعيدون انتاجه مرة تلو الاخرى ، دون اجالة النظر في موضوع الفتوى وما
يحيط بها ودراستها دراسة منهجية علمية من جديد تعتمد الدليل ، ومقتضيات
الواقع (زمكانيا) الذي وفر امورا كثيرة للصائم لم تكن في وقت نزول الايات
تلك متوفرة من خلال التطور العلمي في وسائل المواصلات خاصة ، ولهذا نجد
سماحته قد اعاد النظر في مسألة الرخصة للصائم المسافر ، علما ان الاختلاف
في تلك الرخصة قديم جدا بين المذاهب والمدارس الفقهية .
فتوى سماحة الامام الشيخ :
(( المعروف عند جمهور المسلمين أن المسافر في شهر رمضان يخيّر بين
الإفطار والقضاء في أيام أخر وبين الصوم , وان إختلفوا في ايهما الأفضل .
فالتخيير هو ما ذهب اليه الأئمة الأربعة , وهو ما ذهب اليه فقهاء
الزيدية , وكذلك فقهاء المدرسة الجابرية المصطلح عليها بالمدرسة
الإباضية . وهذا الحكم منقول عن كثير من السلف .
بينما حكي إجماع فقهاء الإمامية على عدم مشروعية صوم شهر رمضان للمسافر
الذي حكمه القصر , وان وظيفته الفطر ثم القضاء فيما بعد عندما يكون
حاضراً , وهو ما ذهب اليه فقهاء الظاهرية أيضاً وحكي عن عدد من السلف .
والذي أذهب اليه و أفتي به هو ما ذهب اليه جمهور المسلمين من أنّ المسافر
بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر .
ولسنا في مقام الإستدلال التفصيلي على هذا الحكم و إنما نسلط الضوء على
الأدلة ونبين مؤداها الى التخيير .
و أول ما يجب على الفقيه الرجوع اليه هو كتاب الله عز وجل , قال تعالى :
{ كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياماً
معدودات فمن كان منكم مريضاً او على سفر فعدة من أيام اخر , وعلى الذين
يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيراً فهو خير له و أن تصوموا خير لكم
إن كنتم تعلمون . شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدىً للناس وبينات من
الهدى والفرقان . فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً او على سفر
فعدة من أيام اخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر و لتكملوا
العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون } .
وقد وقع الخلاف بين الفقهاء فيما يستفاد من هذه الآيات الكريمات , فذهب
بعض أكابر فقهاء الإمامية الى ان عدم مشروعية صوم رمضان في السفر , انما
تستفاد من هذه الآيات فانها دلت على وجوب الصوم لمن كان حاضراً فهو مأمور
بالصيام و الأمر ظاهر في الوجوب التعييني , ثم أشارت الآية الى المريض
والمسافر فبين الله تعالى انهما مأموران بالصيام في عدة أيام أخر اي
انهما مأموران بالقضاء , وظاهره لا سيما بمقتضى المقابلة بين الحاضر
والمسافر تعين القضاء فلا يشرع الصوم في حق المسافر فعلاً . وأخيراً
أشارت الآية الكريمة الى حكم من لا يطيق الصوم الا بمشقة و ذكرت أن
وظيفتهم الفدية تعييناً فلا صوم عليهم أداء ولا قضاء .
و أما قوله تعالى { وان تصوموا خير لكم } فالمراد منه أن تصوموا على
النهج الذي شرع في حقكم من الصيام للحاضر والقضاء للمسافر .
وعلى هذا فالآيات الكريمات تدل على عدم مشروعية الصوم في السفر و إنه
يتعين في حق المسافر الإفطار ثم القضاء .
أقول : أما وجوب الصوم على الحاضر السليم فإستفادته واضحة من تلكم الآيات
البينات سواء من قوله تعالى { كتب عليكم الصيام } أو من قوله تعالى { فمن
شهد منكم الشهر فليصمه } أو من قوله تعالى { فمن كان منكم مريضاً او على
سفر فعدة من أيام أخر } فان دلالتها على وجوب القضاء تعني أن الصوم على
الحاضر السليم فريضة والا لا معنى لتعين القضاء عليه فيما بعد اذا لم يكن
أصل الصوم في شهر رمضان فريضة .
و أما أن عدم مشروعية الصوم على المسافر مستفاد من هذه الآيات الكريمات
فهو غير صحيح من كل الوجوه المتصورة في هذه الآيات وهذه الوجوه هي :-
الوجه الأول :- أن يقال أن قوله تعالى { ومن كان منكم مريضاً أو على سفر
فعدة من أيام أخر } ليس في مقام البيان من جهة مشروعية الصوم للمسافر أو
عدم المشروعية , و انما هو في مقام بيان وجوب القضاء فحسب ذلك انه لا بد
من تقدير محذوف تتطلبه دلالة الإقتضاء , والمحذوف هوَ (( ان أفطرا ))
فيكون مفاد الآية الكريمة أن المريض والمسافر إن أفطرا فيجب عليهما
القضاء , فأخذ افطار المريض والمسافر مفروض الوجود و رتب عليه وجوب
القضاء فلا نظر للآية الكريمة الى عدم مشروعية الصوم في رمضان للمسافر
والمريض .
و ربما يقال كما قال ابن رشد في بداية المجتهد أن الجملة المذكورة في
الآية الكريمة اما أن تحمل على الحقيقة فلا يكون هناك محذوف أصلاً او
تحمل على المجاز فيقدر محذوف كما هو مقتضى لحن الخطاب , وعلى الأول تدل
الآية الكريمة على عدم مشروعية الصوم للمسافر لدلالتها على أن وظيفته
القضاء فحسب , وعلى الثاني لا دلالة للآية الكريمة على عدم المشروعية
بالبيان الذي تقدم . الا انه لما كان الاصل هو الحمل على الحقيقة حتى
تقوم قرينة على المجاز وهي غير قائمة فعليه تكون الآية دالة على عدم
مشروعية الصوم للمسافر في شهر رمضان .
وببيان علمي أن الأصل عدم التقدير فتقدير المحذوف خلاف الأصل .
ونلاحظ على ذلك أن التقدير في المقام أمر لا بد منه اذ لا يستقيم الكلام
بدونه فان كون الأصل عدم التقدير هو فيما اذا لم يكن التقدير لازماً و
أما اذا كان التقدير أمراً لا بد منه لم يجرِ هذا الأصل , فإذا كانت صحة
الكلام تتوقف على التقدير لم يصح نفي التقدير بالأصل . وفيما نحن فيه صحة
الكلام تتوقف على التقدير اذ وجوب القضاء فرع الافطار , فلا بد من تقدير
الأفطار غاية الأمر أن المحذوف المقدر يستبطن ثلاثة إحتمالات :_
الأول :- افطار المريض والمسافر كأمر واقع بمعنى أن المريض والمسافر إن
أفطرا فعليهما القضاء في أيام أخر . وحينئذ لا تدل الآية على عدم مشروعية
الصوم في السفر .
الثاني :- إفطار المريض والمسافر كأمر شرعي فيكون مفاد الآية ان المريض
والمسافر عليهما ان يفطرا ويقضيا في ايام أخر .
الإحتمال الثالث :- أن المريض والمسافر يفطران ترخيصاً وعليهما القضاء في
أيام أخر , وحينئذ تدل الآية الكريمة على مشروعية الصوم في السفر .
ولا يتعين الإحتمال الثاني وعليه لو كنا نحن والعبارة لقلنا انها مرددة
بين احتمالات فتكون مجملة ولا تدل على عدم المشروعية .
الوجه الثاني :- ان قوله تعالى { فمن كان منكم مريضاً او على سفر فعدة من
أيام أخر } ذكر مرتين وفي المرة الثانية ذيّل بقوله تعالى : { يريد الله
بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } الأمر الذي يضفي ظهوراً على الجملة في أن
الافطار رخصة وليس عزيمة فانّ المقصود في هذا الذيل هو بيان أن عدم ايجاب
الصوم على المريض والمسافر انما هو لأجل التيسير فيفيد ذلك أن الإفطار
رخصة .
وبعبارة اخرى المستفاد عرفاً من الآية الكريمة ان عدم ايجاب الصوم على
المريض والمسافر انما هو لأجل التيسير ولكي لا يقعا في العسر , فيفهم من
ذلك ان مصلحة الصوم و ملاكه ثابتة في حق المريض والمسافر الا ان مصلحة
التيسير إقتضت رفع الإيجاب و الالزام و هذا يعني أن الافطار رخصة وليس
عزيمة ولا يعطي للآية الكريمة ظهوراً في عدم مشروعية الصوم للمسافر .
فالآية بعد ان أوجبت الصيام على الحاضر أنتقلت الى بيان حكم المريض
والمسافر فأفادت بوجوب القضاء عليهما ثم ذيلت ذلك بان الله تعالى يريد
اليسر بعباده , فيفهم من ذلك ان عدم ايجاب الصوم على المريض والمسافر
ونقل فرضهما من الاداء الى القضاء انما هو لأجل التيسير وعدم ايقاعهما في
العسر , فيكون التيسير قد اقتضى رفع الالزام الذي هو ثابت في حق الحاضر
السليم فيدل ذلك على ان الافطار رخصة وليس عزيمة و ان المرفوع عن المسافر
هو الايجاب و ليس أصل الصوم . مضافاً الى ان ايجاب القضاء تعييناً على
المسافر القادر على صيام شهر رمضان في السفر يوقعه في أحايين كثيرة في
العسر وقد لا يكون فيه تيسير عليه بخلاف ما لو خيّر بين الصوم في شهر
رمضان أو القضاء خارجه .
الوجه الثالث :- ان قوله تعالى { و أن تصوموا خير لكم } اما أن يرجع الى
المريض والمسافر والذي لا يطيق الصوم أو يرجع الى خصوص من يشق عليه الصوم
وعلى الأول تكون الآية الكريمة نصاً في ان الإفطار رخصة وليس عزيمة و ان
الصوم أفضل , وعلى الثاني تدل الآية على أن الافضل لمن يشق عليه الصوم أن
يتحمل المشقة ويصوم و إن رخص له في الإفطار وحينئذ يفهم عرفاً من الآية
الكريمة أن هذا المقطع و إن كان المخاطب به ابتداء هو من يشق عليه الصوم
ولكن الحكم المذكور فيه عام للمسافر أيضاً خاصة اذا لم يشق عليه الصوم في
السفر إذ لا يحتمل فقهياً أن يكون للسفر موضوعية في الإفطار , و إنما هو
لأجل مشقة الصوم في السفر , وعليه يكون الإفطار للمسافر رخصة كما هو رخصة
لمن يشق عليهم الصوم و ان الأفضل له أن يصوم .
و أما دعوى أن المراد بهذا المقطع هو أن تصوموا على النهج الذي شرع في
حقكم من الصيام في الحضر والقضاء في السفر , فيردها الفهم العرفي السليم
الصافي فإن مثل هذا التعبير في هذا السياق أنسب في النظر الى من رخص له
في الإفطار لا في النظر الى من كتب عليه الصيام فإنه مأمور به محاسب على
تركه فلا يناسب أن يخاطب بهذا اللسان . فإن قيل : أنّ الاستشهاد بهذه
الآية غير تام لأنها منسوخة كما جائت بذلك الأخبار التي ذكرت أن الصوم
أول ما فرض كان على سبيل التخيير فالقادر على الصيام اما أن يصوم واما أن
يعطي الفدية وقد ذكرت الآية الكريمة أن الصوم أفضل من الفدية , ثم نسخت
بقوله تعالى :{ فمن شهد منكم الشهر فليصمه } . وعليه لا مجال للإستدلال
بهذه الآية لأنها منسوخة .
قلنا :- القول بالنسخ في هذه الآية غير صحيح .
أولاً :- انّ الأخبار التي ذكرت النسخ معارضة بأخبار أخرى نفته .
ثانيا:- انّ التدقيق في الآية الكريمة يفضي الى انها غير منسوخة فهي قد
بدأت ببيان فرض الصيام ووجوبه بقوله تعالى { كتب عليكم الصيام } وظاهره
الوجوب التعييني , ثم أوجبت القضاء على المفطر للمرض أو السفر وظاهره
أيضا الوجوب التعييني مضافاً الى أن إيجاب القضاء تعييناً يعني وجوب
الأداء نفسه لانه اذا لم يكن الأداء واجباً تعيينياً في نفسه فلا معنى
لايجاب القضاء تعييناً لانه فرع من ذلك الأصل , ثم ان المراد بقوله تعالى
يطيقونه هو الذين يقدرون عليه بمشقة غير اعتيادية فإن الفعل أطاق كما
يأتي بمعنى القدرة الاّ انه يأتي ايضاً بمعنى القدرة بمشقة , ففي معاجم
اللغة : الطوق : الطاقة أي أقصى غايته وهو اسم لمقدار ما يمكن ان يفعله
بمشقة منه . وهذا هو المعنى المراد في الآية الكريمة . فكيف تصح دعوى
النسخ اذن ؟
والذي يدل على ارادة هذا المعنى في الآية الكريمة هو السياق , فان جملة
( وعلى الذين يطيقونه ) جائت بعد بيان فرض الصوم و وجوب القضاء على
المفطر لمرض أو سفر فظاهر السياق أن الآية الكريمة في مقام بيان حكم آخر
بعد أن بينت وجوب الصيام تعييناً على الحاضر , و وجوب القضاء تعييناً على
المفطر لمرض أو سفر . مضافاً الى ورود الأخبار بهذا المعنى .
وهكذا نصل الى أن الآية الكريمة لا دلالة لها على عدم مشروعية الصوم
للمسافر في شهر رمضان بل هي دالة على أن الإفطار رخصة وليس عزيمة .
و أما السنة الشريفة فقد نقلت عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم
أحاديث استدل بها على وجوب الإفطار على المسافر في شهر رمضان , ويمكن
تصنيف هذه الروايات الى أربع طوائف :-
الطائفة الأولى :- ما ورد من أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أمر
الناس بالإفطار في سفره لفتح مكة . و لنستعرض أولاً ما رواه الشيعة
الإمامية من هذه الروايات ثم نقارنها بما رواه غيرهم . فقد روى الإمامية
في هذا المجال
معتبرة عيص بن القاسم عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إن رسول الله
صلى الله عليه واله وسلم خرج من المدينة الى مكة في شهر رمضان و معه
الناس وفيهم المشاة فلما انتهى الى كراع الغميم دعا بقدح من ماء فيما بين
الظهر والعصر فشربه و أفطر ثم أفطر الناس معه وتم ناس على صومهم فسماهم
العصاة .
والظاهر أنه الى هذا تشير معتبرة حريز عن ابي جعفر الباقر عليه السلام
قال : سمى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قوماً صاموا حين أفطر وقصر
عصاة ، وقال : هم العصاة الى يوم القيامة .
ولكن في مسند الإمام الربيع وهو المرجع الحديثي للمدرسة الإباضية نقل
الإمام الربيع عن ابي عبيدة عن جابر بن زيد قال : سمعت جملة من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقولون : ( خرجنا مع رسول الله صلى
الله عليه واله وسلم عام الفتح في رمضان فأمر الناس أن يفطروا قال :
تقوية على عدوكم ( تقووا لعدوكم ) فصام هو ولم يفطر قال : ولقد رأينا
رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يصب الماء على رأسه من شدة الحر أو من
العطش فقيل له يا رسول الله : إن اناساً صاموا حين صمت قال : فلما بلغ
الكديد دعا بقدح من ماء فشرب و أفطر الناس معه .
وهذه الرواية رجالها ثقات وهي صالحة للإحتجاج بها , وهي تدلل على
أمور :-
الأول :- ان الصوم في السفر مشروع لان الرسول صلى الله عليه واله وسلم قد
صام و إن كان أمر اصحابه بالإفطار , وهو إنما افطر فيما بعد لكي يفطر من
بقي على صومه .
الثاني :- أن امر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بالإفطار ليس لجهة
عدم مشروعية الصوم في السفر و إنما لجهة اظهار المسلمين على قوة أمام
عدوهم .
الثالث :- أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حين أمر بالإفطار بقي
ناس على صومهم و لم تذكر الرواية انه سماهم العصاة اذ انهم فهموا أن
الأمر بالإفطار ليس لجهة تعبدية و إنما هو لكي لا يراهم العدو ضعفاء
فلعلهم علموا من انفسهم أنهم لن يضعفوا بصومهم . ثم ان هذه الرواية تقول
ان من بقي على صومه أفطر حين أفطر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ولم
يبق أحد على صومه بعد إفطار رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , وهذا
الذي تحكيه الرواية هو الأقرب الى منطق طبيعة الأشياء بخلاف ما حكته
الرواياتان المتقدمتان خاصةً اذا التفتنا الى أن من البعيد جداً أن يكون
الأمر بالإفطار لأجل عدم مشروعية الصوم في السفر ثم يصر بعض الذين كانوا
مع الرسول عليه الصلاة والسلام على الصوم وهم يأخذون شرعهم منه صلى الله
عليه واله وسلم .
هذا وقد فسر فقهاء الزيدية تعبير رسول الله صلى الله عليه واله وسلم "
العصاة" إزاء من بقي على صومه بإعتبار أنهم خالفوا رسول الله صلى الله
عليه واله وسلم وقد أفطر وقد قال تعالى { فاتبعوه } لا لأجل عدم مشروعية
الصوم في السفر .
أقول :- مخالفة أمر النبي صلى الله عليه واله وسلم ان كانت بلحاظ انه أمر
بالافطار دل ذلك على ان الصوم غير مشروع بالسفر فتسميتهم العصاة ستكون
بإعتبار أنهم صاموا صوماً غير مشروع وقد وجب عليهم الافطار .
لكن إذا لاحظنا رواية الإمام الربيع سيظهر الوجه في هذه التسمية مع أن
الرواية لم تذكر ذلك لكن لو أردنا الحفاظ على الروايات التي ذكرت ذلك
سيكون الوجه في التسمية مع مقارنة كل الروايات برواية الإمام الربيع انها
لمجرد مخالفتهم أمر النبي صلى الله عليه واله وسلم وهو لم يكن يرتبط بعدم
مشروعية الصوم في السفر فلا يصح ان يستنتج منها عدم المشروعية .
وأقول أيضاً أن الأخذ برواية الإمام الربيع ينسجم مع ما تقدم من إستفادة
مشروعية الصوم في السفر من الآية الكريمة نفسها , بينما في ضوء الروايات
الواردة في مجاميع الحديث الإمامية سيكون هناك تضارب بين مدلول الآية
الكريمة وما تريد هذه الروايات بيانه من عدم مشروعية الصوم للمسافر ,
وعليه لا بد من إرتكاب أحد الأمور الثلاثة :-
الأول :- حمل ما تتحدث عنه هذه الروايات على النسخ بمعنى انها تدل على
نسخ الحكم بالرخصة المستفادة من الآية الكريمة .
الثاني :- حمل ما ورد عن الرسول صلى الله عليه واله وسلم في هذه الروايات
على محمل آخر غير قضية عدم مشروعية الصوم للمسافر .
الثالث :- إسقاط هذه الروايات عن الحجية لمخالفتها للكتاب .
و ربما يقال ان هناك إشارة الى النسخ في رواية رواها الإمام الربيع عن
ابي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال : ( خرج النبي صلى الله عليه
واله وسلم الى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد فأفطر فأفطر
الناس معه وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر النبي صلى الله عليه
وسلم .
ولكن هذه الرواية لا تدل بالضرورة على النسخ و إنما عبارة الأحدث فالأحدث
لعلها ذكرت بإعتبار أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قد صام ايام مسيره
من المدينة حتى بلغ الكديد ولم يفطر ثم لما بلغ الكديد أفطر فصام الناس
حين صام النبي صلى الله عليه واله وسلم وأفطروا حين أفطر .
و مما يبعد النسخ :
أولاً :- أن رواية الإمام الربيع عن جماعة من اصحاب رسول الله صلى الله
عليه واله وسلم دلت على ان الامر بالإفطار ليس نسخاً و إنما لجهة ثانية .
ثانياً :- ان الحكم المبين في الآية الكريمة لو كان قد طرأ عليه النسخ
لظهر ذلك وبان وعلم مع انه لم يذهب الى النسخ عمدة القائلين بوجوب
الإفطار على المسافر بل تجد أن بعضهم استدل على فتواه بالآية الكريمة .
بل ذكر ابن حزم في المحلى ان هذه الآية محكمة بإجماع أهل الإسلام لا
منسوخة ولا مخصوصة , مضافاً الى ان نسخ القرآن لا يثبت بخبر الواحد .
ثالثاً :- انه لكي يكون الحديث ناسخاً يجب أن لا يبتلى بالمعارض وهذا
الحديث على فرض كونه ناسخاً له معارض وتعارضه احاديث كثيرة فيسقط
بالمعارضة ولا يثبت به النسخ .
رابعاً :- لو كان الأمر بالإفطار من باب النسخ للزم أن يقوم رسول الله
صلى الله عليه واله وسلم ببيان ذلك لازالة الشبهة والإلتباس وتوضيح الحكم
الشرعي وتسليط الضوء على الآية الكريمة , مع أن كل الروايات متفقة على
انه صلى الله عليه واله وسلم لم يشر الى النسخ .
و أما حمل الحديث على محمل آخر غير قضية عدم مشروعية الإفطار فهو و إن
كان على خلاف ما سيق الحديث لأثباته في تلكم الروايات لكنه أمر لا مناص
منه وذلك لان تلكم الروايات تشير الى أن رسول الله صلى الله عليه واله
وسلم أفطر في الكديد أو في كراع الغميم وبين المدينة والكديد ثمانية أيام
وتقع الكديد بين عسفان والقديد . وكراع الغميم تقع جنوب عسفان ب 16 كيلوا
على طريق المدينة على الجادة من مكة .
وهذا يعني أن الأمر بالإفطار ليس لأجل عدم مشروعية الصوم في السفر إذ انه
صلى الله عليه واله وسلم قد صام مسيره من المدينة الى كراع الغميم ,
الأمر الذي يؤكد صحة ما ورد في رواية الإمام الربيع من انه صلى الله عليه
واله وسلم أمر بالإفطار تقوية على العدو حيث اقترب الركب من مكة , وليس
لعدم مشروعية الصوم في السفر .
وأما الأمر الثالث فلا يصار اليه الا اذا تعذر الأمران الأول والثاني ,
والأمر الأول اي الحمل على النسخ وان كان متعذراً , الا أن الثاني غير
متعذر , ولو فرض تعذره فالرواية ساقطة عن الحجية لمخالفتها للآية الكريمة
خلافاً لا مجال للتاويل معه .
هذا وقد يقال ان رواية الإمام الربيع تواجه إستفهاماً مهماً حاصله أنّ
شهر رمضان المبارك في عام الفتح يصادف نهاية الخريف وبداية الشتاء حسب
الأشهر الافرنجية فلو أخذنا تاريخ العاشر من شهر رمضان لسنة ثمانية
للهجرة فانه يصادف بالميلادية 31-11-609 م وهذا يعني أن الجو كان جواً
خريفياً شتوياً فكيف يتوائم ذلك مع ما ورد في رواية الإمام الربيع ان
رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كان يصب الماء على رأسه من شدة الحر
أوالعطش ؟ ويمكن الجواب على ذلك بأنّ العطش يمكن إفتراضه في السفر
الصحراوي نهاراً حتى أيام الخريف وليس من البعيد ان يكون مناخ تلك
المناطق حتى في مثل تلك الأيام حاراً , مضافاً الى أن عبارة ( من شدة
الحر أوالعطش ) قد تكون من الإمام جابر نفسه فلعله تصور أن رسول الله صلى
الله عليه واله وسلم انما صب الماء على رأسه لشدة الحر أو العطش , بمعنى
ان ما سمعه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم هو انه صلى الله
عليه واله وسلم صب الماء على رأسه ففسر ذلك بشدة الحر أو العطش .
هذا ومما يؤكد رواية الإمام الربيع ما أورده أحمد بن عيسى وهو من أئمة
الزيدية في أماليه بسند عن مالك بن أنس قال : خرج رسول الله صلى الله
عليه واله وسلم في غزاة فلما بلغ الكديد قال : أفطروا والفطر لعدوكم
قال : فصام قوم فسموا العصاة . وهذه الرواية واضحة في أن أمر رسول الله
صلى الله عليه واله وسلم بالإفطار انما هو ليس لعدم مشروعية الصوم في
السفر و انما ليكونوا على قوة أمام العدو , وان الوجه في تسمية من صام
العصاة هو مخالفتهم لهذا الأمر لا لعدم مشروعية الصوم في السفر .
وفي الجامع الكافي وهو من كتب الفقه الزيدي أورد خبراً مسنداً عن جابر
قال : خرجنا مع النبي صلى الله عليه واله وسلم في رمضان عام الفتح فصام
حتى بلغ كراع الغميم أو قديد أو الكديد فبلغه أن أناساً قد شق عليهم
الصيام فدعا بقدح من ماء بين الصلاتين فأمسكه بيده حتى نظر الناس اليه
فشربه و أمر الناس أن يفطروا فبلغ النبي صلى الله عليه واله وسلم أن
أناساً صاموا بعد ذلك فقال : اولئك العصاة ثلاث مرات .
وهذه الرواية لا تدل على عدم مشروعية الصوم في السفر :
أولاً :- انه بحسب الرواية لم يأمر النبي صلى الله عليه واله وسلم
بالإفطار حتى بلغه أن أناساً قد شق عليهم الصوم وعليه ليس أمره صلى الله
عليه واله وسلم بالإفطار لعدم مشروعية الصوم في السفر و انما لجهة
ثانية . و حينئذ تسمية من أفطر بالعصاة ليس الا لمخالفتهم أمر رسول الله
صلى الله عليه واله وسلم والذي عرفت عدم ارتباطه بعدم مشروعية الصوم في
السفر .
ثانياً :- انه يمكن بعد جمع هذه الرواية برواية الإمام الربيع وما نقل عن
مالك بن أنس التوصل الى أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بعد ما
بلغه أن أناساً قد شق عليهم الصوم أمر الجميع بالافطار تحسباً من أن يضعف
الناس أمام العدو والمطلوب أن يرى الأعداء قوتهم وهم يفتحون مكة
المكرمة . و مما يعزز ذلك بل يدلل عليه هو ان المسلمين يأخذون شرعهم من
النبي صلى الله عليه واله وسلم وليس من المنطقي أن يكون أمر النبي عليه
الصلاة والسلام بالإفطار لجهة عدم مشروعية الصوم في السفر ثم يخالف بعض
المسلمين هذا الأمر خاصةً وأن الموضوع من المواضيع العبادية المطلوب فيها
التعبد بالشرع والتقيد به فلا بد أن يكون الأمر بالافطار لجهة ثانية لا
ترتبط بالعبادة نفسها .
الطائفة الثانية :- حديث ( ليس من البر الصيام في السفر ) وقد رويَ هذا
الحديث بطرق عديدة وتضافر نقله . والبر بمعنى الطاعة ومفاد الحديث هو ان
الصوم في السفر لا يندرج تحت عنوان الطاعة , وهذا يعني أنه غير مشروع ,
اذ لو كان مشروعاً لكان طاعةً لله تعالى لا محالة .
وقد ناقش بعض فقهاء الزيدية في الإستدلال بالحديث بانه ناظر الى التطوع .
وهذه المناقشة ان كان النظر فيها الى مدلول الحديث نفسه مردودة بإطلاق
الحديث , وان كان النظر فيها الى الجمع بين الأدلة فقد يخرج ذلك على أساس
ان الآية الكريمة لما دلت على مشروعية صوم رمضان للمسافر فانها تقيد
اطلاق الحديث وتوجب حمله على التطوع . لكن هذا التقييد لا يوجب الحمل على
خصوص التطوع لان الخارج من الإطلاق هو صوم رمضان فحسب فيبقى ما عداه
مندرجاً في الإطلاق .
ويرد ايضاً على حمل الحديث على التطوع بان بعض روايات هذا الحديث فيها ما
يشير أن مورده هو صوم رمضان , وهي رواية جابر بن عبد الله أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم مرَّ برجلٍ في ظل يرش عليه الماء فسأل عنهُ فاخبر أنه
صائم فقال ليس من البر أن تصوموا في السفر وعليكم برخصة الله التي رخّص
لكم فاقبلوها . فان الاشارة الى الرخصة يراد بها ما ورد في قوله تعالى
{ ومن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدةٌ من أيام أخر يريد الله بكم
اليسر } ومن الواضح أن موردها صوم شهر رمضان الأمر الذي يضفي ظهوراً على
الرواية أو اشعاراً بان موردها صوم رمضان فلا يصح حملها على صوم
التطوع .
ولكن الصحيح في مناقشة الإستدلال بهذا الحديث أن يقال :
أولاً :- ان روايات هذا الحديث معارضة للآية الكريمة التي قد تقدم بوضوح
دلالتها على رخصة الصيام للمسافر . وما يعارض القرآن الكريم اذا لم يكن
قابلاً للتأويل لا يؤخذ به .
ثانياً :- ان روايات هذا الحديث معارضة ايضاً بروايات كثيرة فيها المعتبر
سنداً دلت على الرخصة للمسافر في صوم رمضان , فتقديمها على معارضيها
ترجيح بلا مرجح , كيف والمعارض لها موافق الآية الكريمة ؟ .
الطائفة الثالثة :- ما دل على أن الصيام موضوع عن المسافر . من ذلك ما
رواه عبد الرزاق في مصنفه عن رجلٍ من بني عامر أن رجلاً يقال له أنس حدثه
انه قدم المدينة فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم بحاجة فوجد النبي صلى
الله عليه وسلم يأكل فقال النبي صلى الله عليه وسلم أدن فقال الرجل اني
صائم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ان المسافر قد وضع عنه الصوم وشطر
الصلاة وعن الحامل والمرضع . وسند الحديث مخدوش بالمجهولين فيه .
ومن ذلك أيضاً رواية أبي أمية عمرو بن أبي أمية الضمري أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال له وقد دعاه الى الغداء : أخبرك عن المسافر ان الله
وضع عنه الصيام ونصف الصلاة . وسندها تام .
ومن ذلك رواية عبد الله بن الشخير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
له وقد دعاه الى الغداء : أتدري ما وضع الله عن المسافر ؟ قلت : ما وضع
الله عن المسافر ؟ قال : الصوم وشطر الصلاة . وسندها مخدوش فان هانئا
مجهول الحال ولم يذكره في ميزان الإعتدال بشئ سوى قوله ما حدث عنه الا
ابن ابي بشر جعفر .
وهذه الطائفة معارضة بما دل على الرخصة للمسافر أن يصوم , ويمكن حمل
عبارة " وضع عنه " على إرادة اسقاط الفرض والوجوب لا اسقاط أصل الصوم ,
ولو فرضنا عدم صحة هذا الحمل فإن هذه الطائفة معارضة بآية الصوم الدالة
على الرخصة ومن المحتمل أن تكون هذه الأحاديث وحديث ليس من البر الصيام
في السفر قد قيلت قبل نزول آية الصوم لكن هذا الإحتمال قد لا يتأتى في
رواية جابر المتقدمة , و ان كانت هذه الطائفة ناظرة الى آية الصوم , فبما
أن آية الصوم تدل على الرخصة كان معنى وضع الصوم هو وضع وجوبه التعييني .
الطائفة الرابعة :- ما دلّ على النهي عن ردّ رخصة الإفطار للمريض
والمسافر والتي استفيد منها أنها رخصة مفروضة .
وقد رويت هذه الروايات في مجاميع الحديث الإمامية وفي مجاميع الحديث
السنية أيضاً . أما الامامية فمنها رواية يحيى بن ابي العلاء عن ابي عبد
الله عليه السلام قال : الصائم في السفر في شهر رمضان كالمفطر فيه في
الحضر ثم قال : ان رجلاً اتى النبي صلى الله عليه واله وسلم فقال يا رسول
لله أصوم شهر رمضان في السفر ؟ فقال لا . فقال يا رسول الله انه عليّ
يسير فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : ان الله عز وجل تصدق على
مرضى امتي ومسافريها بالإفطار في شهر رمضان ايعجب أحدكم لو تصدق بصدقة ان
ترد عليه . وهي ضعيفة سنداً حيث لم تثبت وثاقة يحيى بن أبي العلاء .
ومنها رواية السكوني عن جعفر بن محمد بن أبيه عليهما السلام قال : قال
رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إن الله عز وجل أهدى اليّ والى أمتي
هدية لم يهدها الى أحد من الأمم كرامة من الله لنا قالوا : وما ذاك يا
رسول الله قال : الإفطار في السفر والتقصير في الصلاة فمن لم يفعل ذلك
فقد ردّ على الله عز وجل هديته . وهي ضعيفة سنداً بالنوفلي الذي لم تثبت
وثاقته .
ومنها مرسلة ابن ابي عمير عن بعض اصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام
قال : سمعته يقول : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : ان الله عز
وجل تصدق على مرضى امتي ومسافريها بالتقصير والإفطار أيسر أحدكم اذا تصدق
بصدقة أن ترد عليه .
وهي معتبرة سنداً بناءً على المختار من اعتبار مراسيل ابن ابي عمير حيث
انه لا يرسل الا عن ثقة .
ومن مجاميع أهل السنة تقدمت رواية جابر " وعليكم برخصة الله التي رخص لكم
فاقبلوها " وقد تقدم الكلام عنها .
وفي مصنف عبد الرزاق عن ابي بكر بن محمد عن اسماعيل بن رافع عن ابن عمر
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله رجل عن الصلاة والفطر في شهر رمضان
في السفر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفطر قال :اني أقوى على
الصوم يا رسول الله قال له النبي صلى الله عليه وسلم انت اقوى ام الله ان
الله تصدق بافطار الصائم على مرضى أمتي ومسافريهم أفيحب أحدكم أن يتصدق
على أحدكم بصدقة ثم يظل يردها عليه . والحديث ضعيف فان اسماعيل بن رافع
ضعيف متروك .
وهذه الروايات لو تمت دلالتها على أن الإفطار للمسافر رخصة مفترضة فانها
معارضة بالعديد من الروايات المعتبرة الدالة على أنها ليست رخصة مفترضة
والمرجع عند التعارض الى كتاب الله تعالى , وقد عرفت أن آية الصوم دالة
على أن الإفطار في شهر رمضان رخصة للمسافر وليس عزيمة .
هذا وهناك حديث روي بأكثر من طريق عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم
(خيار امتي الذين اذا سافروا قصروا وأفطروا ) وهو لا يدل على وجوب
الإفطار وانما أقصى ما يدل عليه حسن الإفطار و رجحانه . ويتعارض مع قوله
تعالى { و أن تصوموا خير لكم ان كنتم تعلمون }بالبيان المتقدم .
ثم ان الروايات الدالة على أن الإفطار رخصة كثيرة وفيها ما هو معتبر
سنداً وهي موافقة للآية الكريمة , فيتعين الأخذ بها .
و ببيان آخر إن آية الصوم { فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو
على سفر فعدة من أيام اخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } آية
محكمة وغير منسوخة اجماعاً وهي دالة على أن الإفطار للمسافر رخصة وليس
عزيمة . فهي المرجع عند تعارض الأخبار ويؤخذ بالأخبار الموافقة لها دون
المخالفة .
وهكذا نصل الى ان المسافر في شهر رمضان يشرع له الصوم وصومه صحيح ولا يجب
عليه ان صام رمضان في السفر القضاء فيما بعد والله هو العالم بحقائق
أحكامه ومنه نستمد وبه الإعتصام والحمد لله أولاً و آخراً)) .
***
الهوامش:
1 - من الطريف ان نذكر ،ان البدع التي افتى بعدم مشروعيتها سماحة الامام
الشيخ المؤيد ، قد افتى ايضا بعض العلماء بعدم مشروعيتها ، و ان اغلب
هؤلاء العلماء هم من اصول عربية.
2 – ليس لي علم اكيد فيما اذا كان ابناء السنة او المذاهب الاسلامية
الاخرى قد ناقشوا مثل هذه القضية، وما هو جواب علمائهم.
3 – جاء ذلك في اجابات رجل الدين الشيعي الامامي الذي شارك في برنامج
(الحوار الصريح بعد التراويح) الذي قدمته قناة المستقلة في احد رمضانات
الاعوام الماضية.
4 - الفصول المهمة في تأليف الامة - عبد الحسين شرف الدين – نشر قسم
الإعلام الخارجي لمؤسسة البعثة- الطبعة : الأولى- التوزيع : طهران ، شارع
سمية ، مؤسسة البعثة.
9
رفض البدع
يعرف الفراهيدي البدعة بـ : إحداث شئ لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر
ولا معرفة. (1).
اما في الدين فيعرفها الجواهري بـ :( الحدث في الدين بعد الاكمال) .
(2 ).
ويقسم المختصون البدعة الى قسمين : البدعة الحسنة والبدعة السيئة،
ولا بدعة في ما فيه دليل من القرآن والسنة.
وقد ابتلى الفكر الاسلامي بالبدع السيئة، وكان الفكر الشيعي الامامي
جزء من ذلك الفكر الذي دخلته الكثير من البدع والتي هي مدار دراستنا
هذه .
***
1 - عيد الغدير:
يحتفل الشيعة بمناسبة اليوم الذي خطب فيه النبي (ص) الخطبة
المشهورة ، خطبة غدير خم ، عند عودته من حجة الوداع، والتي يزعم الشيعة
ان النبي (ص) اوصى فيها لعلي بن ابي طالب بالولاية ، وحررت عشرات الكتب
فيها ، لاثباتها ، او لبيان فضلها ، اولرد من انكر الوصية الالهية
بالولاية لعلي فيها.
((س :هل عيد الغدير أفضل من عيد الفطر و الأضحى ؟ )).
جواب سماحة الامام الشيخ:
(( هذه المفاضلة ليس لها محل من حيث المبدأ لانه لا يوجد في الإسلام عيد
شرعي غير عيدي الفطر والأضحى)) .
***
2 - عن زواج المتعة:
ما زال زواج المتعة – الزواج المنقطع - يشغل المسلمين – عامة وخاصة
– (3) فمنهم من يرى حليته حسب ادلته ، ومنهم من يرى عدمها وحسب ادلته
ايضا ،وقد ازدادت ممارسة هذا الزواج – خاصة في ايران – بعد قيام الشعب
الايراني بثورته على الشاه ووصول الخميني الى الحكم .(راجع كتاب شهلة
الحائري عن زواج المتعة).
فيما المذاهب السنية والزيدية والاباضية وباقي المذاهب الاسلامية
يرون حرمته بعد ان حرمه النبي (ص) في حديث يوم خيبر، في الحديث الذي
يذكره السنة والشيعة عن تحريمه وتحريم الحمر الاهلية.
جاء في (الاستبصار - الشيخ الطوسي - ج 3 - ص 142) :
(( ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى عن أبي الجوزا عن الحسين بن علوان
عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي عليهم السلام قال : حرم
رسول الله صلى الله عليه وآله لحوم الحمر الأهلية ونكاح المتعة )).
وكذلك في تهذيب الاحكام للطوسي ج 7 ص 251:
على الرغم من قول الطوسي ان ذاك جاء تقية ، الا ان الحر العاملي في وسائل
الشيعة (آل البيت) - ج 21 - ص 12) يقول : ((حمله الشيخ وغيره على التقية
- يعني في الرواية - لان إباحة المتعة من ضروريات مذهب الإمامية ، وتقدم
ما يدل على ذلك ، ويأتي ما يدل عليه والأخير يحتمل النسخ والكراهة مع
المفسدة)) .
ومهما كان الامر ، حلالا ام حراما ، يجب ان ننظر الى زواج المتعة
نظرة واقعية من الناحية الاجتماعية والثقافية والاخلاقية، الا ان اجابة
(فتوى) سماحة الامام الشيخ ستبين ذلك .
***
السؤال :
(( هل هذا الحديث صحيح سنداً ؟ كتاب حسين بن سعيد و النوادر: ابن أبي
عمير عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (ع) قال ما تفعلها عندنا إلا
الفواجر . بحار الانوار ج/100 .هل طريقه من المجلسي لكتاب حسين بن سعيد و
النوادراحمد بن محمد بن عيسى صحيح؟ )). (4)
جواب سماحة الامام الشيخ:
(( هذه الرواية مروية في نوادر أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن أبي عمير عن
هشام بن الحكم ، و سندها في النوادر معتبر، و قد رواها صاحب الوسائل عن
النوادر و سنده الى كتاب النوادر معتبر)) .
من جواب سماحة الامام الشيخ عن صحة السند والمتن ، يمكن الوصول الى
فتوى تقول ان زواج المتعة زواجا غير شرعي، لان من تفعله هي المرأة
الفاجرة.
***
الهوامش:
1 - كتاب العين – ج 2.
2 - الصحاح : الجواهري – ج 3.
3 – استخدم في هذه الدراسة لفظي العامة والخاصة لا كما يستخدمهما الشيعة
الامامية الاثني عشرية بمعنى ان العامة هم السنة او المخالفين لعقيدة
الشيعة ، فيما الخاصة هم الشيعة الاثني عشرية ، وانما استخدمها بمعنى ان
الخاصة هم المختصين بامور الدين ، فيما العامة هم عامة المسلمين.
4 - بعد مراجعة الجزء مئة من بحار الانوار وجدت ان مدار الحديث والاحاديت
التي سبقته تدور حول زواج المتعة ، وهذا يعني ان المرأة التي تفعل هذا
الفعل هي المرأة الفاجرة.
10
التقريب مع المخالفين لعقيدة الشيعة الامامية
(السنة والشيعة)
ذكر الكليني في الكافي ص 67 عن الامام ابي عبد الله – حسب اسناده - :
(( ... قال : ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة
فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة ، قلت :
جعلت فداك أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة ووجدنا أحد
الخبرين موافقا للعامة والآخر مخالفا لهم بأي الخبرين يؤخذ ؟ قال : ما
خالف العامة ففيه الرشاد)).
والعامة عند الشيعة هم السنة، أي ان ما خالف رأيهم على الرغم من صحته
ففيه الرشاد ويجب الاخذ به.
ناقشنا هذا الامر في كتابنا (وقفات مع الكليني في الكافي) وبينا عدم
صحة هذا الحديث ، الا ان رجال الدين الشيعة يأخذون به في فتاويهم.
وسماحة الامام الشيخ المؤيد لا يأخذ بهذا الحديث ، بل اساس بناء
فتواه يعتمد الدليل من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة سندا
ومتنا.
***
1 – المؤمنون والمسلمون:
احدهم سأل سماحته قائلا: ((كيف تنظرون الى التصنيف القائل بأن
المؤمنين لقب للشيعة ، والمسلمين لقب للسنة)).
فأجابه سماحته : ((هذا التصنيف غير صحيح ونحن نذهب إلى أن كل من اعتقد
بالإسلام وتبناه دينا وامتثل أحكامه وتعاليمه بالطريق الذي تيقنه بعد
التثبت فهو مسلم مؤمن مهما كان مذهبه)).
***
2 – اوقات الصلاة:
لسماحة الامام الشيخ المؤيد رأي فقهي في اوقات الصلاة ، لايختلف عن الرأي
الفقهي لعلماء الشيعة بالعموم ، الا ان رأيهم ذاك غلبت عليه اراء بعض
علماء المذهب الذين يروجون لمبدأ المخالفة ، وكذلك للعادة وتقادمها.
ان الاوقات الخمسة للصلاة المفروضة معروفة ، الا ان الاراء الفقهية
لعلماء الشيعة الامامية جاءت بجمع كل وقتين معا ، الظهر مع العصر ،
والمغرب مع العشاء .
يقول سماحته:
((لقد شرع الله الصلوات اليومية وجعل لها أوقات معينة . وتتنوع أوقات
الصلوات إلى نوعين:-
النوع الأول : وقت الفريضة ، وهو الوقت الممتد للصلاة والذي متى ما وقعت
فيه هذه الصلاة كانت الصلاة أداء لا قضاء وهو الوقت الموسع لها . فصلاة
الظهر يبدأ وقت الفريضة فيها من زوال الشمس إلى مقدار أربع ركعات من غروب
الشمس وهو وقت ممتد موسع متى ما أقيمت فيه صلاة الظهر فإنها تكون قد وقعت
في وقتها أداء لا قضاء .
النوع الثاني : وقت الفضيلة ، وهو الوقت الخاص المميز الذي يندب أداء
الصلاة فيه ويكره تأخيرها عنه من غير عذر ، فهو الوقت المسنون لهذه
الصلاة .
ففي مثال صلاة الظهر يبدأ وقت الفضيلة من زوال الشمس وينتهي ببلوغ ظل
الشيء مثله . وإذا أدى المصلي الصلاة في وقت فضيلتها يكون قد أحرز الندب
الشرعي وعمل بالمسنون في الشرع ، وإذا أخرها عن وقت الفضيلة من غير عذر
يكون قد خالف المسنون من الشرع ، وإن كانت صلاته خارج وقت الفضيلة وفي
الوقت الممتد للفريضة صحيحة أداء لا قضاء . وبالنسبة لصلاتي الظهر والعصر
وصلاتي المغرب والعشاء هناك وقت مشترك على مستوى وقت الفريضة وليس على
مستوى وقت الفضيلة ، فإذا زالت الشمس دخل وقت صلاتي الظهر والعصر إلا أن
الظهر تتقدم على العصر ثم يبقى الوقت مشتركا إلى مقدار أربع ركعات من
غروب الشمس فيختص هذا الوقت بصلاة العصر ومعنى ذلك أنه في الوقت المشترك
يكون الإتيان بالصلاتين في هذا الوقت حسب الترتيب صحيحا ويقع أداء لا
قضاء .
وقد شرع الجمع بين الصلاتين في الوقت المشترك الذي هو خارج وقت الفضيلة
لأي منهما .وكان تشريع الجمع رخصة للتوسعة على العباد . إلا أن الجمع بين
الصلاتين من غير عذر مكروه كراهة شديدة ويعد مخالفة للمسنون من الشرع .
والمسنون هو حكم حث الشرع على المواظبة عليه حثا أكيدا وهو وإن لم يصل
إلى حد الإلزام إلا أن العمل الذي يؤدي بالنتيجة إلى تعطيل الحكم المسنون
وإفراغه من مضمونه هو عمل لا يرضى به الشرع ولا يبعد القول بحرمته. وعليه
فإن الجمع بين الصلاتين من غير عذر هو عمل مخالف للمسنون شرعا ، ولا يبعد
القول بحرمة اتخاذ الجمع بين الصلاتين عادة تفضي إلى تعطيل الحكم
المسنون ، ومن هنا كان على كل مسلم رعاية الأحكام المسنونة والحرص على
الالتزام بها والمواظبة عليها والاجتناب عن تعطيلها سواء على المستوى
الفردي أو الجماعي .
ثم إن اليوم الشرعي يبدأ بالفجر وينتهي به ولا ينتهي بمنتصف الليل ، إلا
أن منتصف الليل هو نهاية وقت فريضة العشاء على بعض الأقوال الفقهية)).
***
3 - الصلاة مع السنة:
((س - سئل مرجع شيعي لبناني عن إجزاء صلاة الجمعة مع أهل السنة فأجاب
بأنها غير مجزية عن صلاة الظهرو هو يعني كما يعرف سماحتكم عدم وقوع
الجمعة مع أهل السنة صحيحة و الا لو كانت صحيحة لأجزأت حالها حال الجمعة
خلف إمام شيعي معللاً ذلك بأن الشروط تامة غير محققة . فما هو رأي
سماحتكم ؟)).
فتوى سماحة الامام الشيخ:
(( يقع جوابنا على هذا السؤال في نقطتين :-
1- الذي أذهب اليه و أفتي به هو صحة صلاة الجمعة مع أهل السنة و إجزاؤها
عن صلاة الظهر .
2- الفتوى المشار اليها في السؤال قد صيغت صياغة ضبابية من حيث ضبابية
التعليل الوارد فيها إذ المقصود بعدم تمامية الشروط ان كان يرجع الى شروط
إمام الجمعة فهذا يعني عدم صحة صلاة الجمعة خلف إمام سني . و حينئذ هذه
الفتوى خاطئة حتى بمعايير الفقه الإمامي لأنّ ما دلّ على صحة و إجزاء
الصلاة جماعة في الصلوات اليومية خلف إمام سني يدل بنفسه على صحة صلاة
الجمعة خلفه و إجزائها و النصوص الواردة بخصوص صلاة الجمعة و المستدل بها
على عدم الإجزاء مخدوشة اما سنداً أو متناً أو دلالةً ، و إن كان المقصود
بها ما يرجع الى سائر الشروط الأخرى اذا لم تتوفر كشرط المسافة المعينة
بين جمعتين حسب الفقه الإمامي لم تصح الجمعة حتى لو كانت خلف إمام
شيعي)) .
ويكمل سماحته فتواه في اجابة لسؤال مماثل، فيقول : ((الصلاة خلف إمام
جماعة سني جائزة وصحيحة ، وكل من الإمام والمأموم يعمل بمقتضى مذهبه )).
ان لهذه الصلاة دور كبير في الوحدة الاسلامية التي ما فتأت المذاهب
الاسلامية كافة تنادي بها ، وكان سماحة الامام الشيخ المؤيد قد جسد هذه
الامنية في عصرنا من خلال مشروعه الاصلاحي التجديدي ،، بل الفريضة
الشرعية التي نص عليها القرآن الكريم ، عندما خاطب الله سبحانه المؤمنين
قائلا:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ
الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (الجمعة:9) واذا
كان اغلب علماء الشيعة الامامية يرون ان شروط تحقيق فريضة صلاة الجمعة
غير متوفرة ، خاصة اثناء غيبة الامام المنتظر(1) ،الا ان البعض منهم يرى
انها من الوجوب التخييري .(2)
جاء في (منهاج الصالحين - السيد الخوئي - ج 1 - ص 185:
((صلاة الجمعة واجبة تخييرا ، بمعنى : أن المكلف مخير يوم الجمعة بين
إقامة صلاة الجمعة إذا توفرت شرائطها الآتية وبين الاتيان بصلاة الظهر ،
فإذا أقام الجمعة مع الشرائط أجزأت عن الظهر)) .
ومن ضمن الشرائط وجود الامام ،والا فلا صلاة جمعة، كما يرى السيد
السيستاني وبعض علماء الشيعة الامامية الاثني عشرية بغيابه ، لذا نجد
الاختلاف الحاصل بين مراجع التقليد بين مقيمها في غياب الامام المعصوم،
ومن لا يرى قيامها.
وجاء في ((استفتاءات - السيد السيستاني - ص 267:
((السؤال : ورد في رسالتكم العملية أن من شرائط وجوب صلاة الجمعة أن
يكون مقيمها الإمام - عليه السلام - أو نائبه بالإطلاق ، فإن كان الحاكم
الشرعي نائبا عن الإمام ، فهل تجب الصلاة خلفه إن توافرت الشرائط
الأخرى ؟
الجواب : المراد بالنائب النائب الخاص ولا تشمل نيابة الحاكم
الشرعي)) .
ولان الدليل الشرعي واضح في الاية التاسعة من سورة الجمعة ، فإن
سماحة الامام الشيخ افتى بوجوب قيامها، وليس هذا فحسب ، بل تعدى ذلك الى
صحة صلاتها مع ابناء المذهب السني لتأكيد وحدة المسلمين.
***
4 - صلاة التراويح:
((س - إن كانت صلاة التراويح بدعة لم يقم بها النبي (ص) فهل كل مالم
يقم به النبي (ص) بدعة ، فإذا كان هناك من يصلي 100 ركعة في اليوم فهل
ذلك بدعة ،حتى وإن لم يقم بها النبي صلي الله عليه واله و سلم؟ ))
فتوى سماحة الامام الشيخ:
(( المعروف عند فقهاء الإمامية هو عدم مشروعية صلاة التراويح أي صلاة
نافلة شهر رمضان جماعة والى هذا ذهب عدد من أئمة الزيدية وفقهائهم . وَ
اعتبرها الإمامية بدعة بإعتبار أن الجماعة غير مشروعة في النوافل ، و
إنما تشرع في الفرائض اليومية وفي بعض الصلوات كصلاة الجمعة والعيدين
والإستسقاء .
والذي أذهب اليه و أفتي به هو مشروعية صلاة الجماعة في النوافل وعلى
هذا فان صلاة التراويح مشروعة وليست بدعة مضافاً الى ذلك ورد الخبر
المعتبر الدال على مشروعيتها بالخصوص فقد روى الإمام زيد بن علي في
مجموعه الحديثي عن أبيه عن جده عن علي عليهم السلام أنه أمرالذي يصلي
بالناس صلاة القيام في شهر رمضان أن يصلي بهم عشرين ركعة يسلم في كل
ركعتين ويراوح ما بين كل اربع ركعات فيرجع ذو الحاجة و يتوضأ الرجل ، وأن
يوتر بهم من آخر الليل حين الإنصراف .
ودعوى أن ذلك محمول على التقية خاطئة جداً فلم يكن علي عليه السلام
يتقي أحداً في أحكام الله عز وجل ولو كان يرى التراويح بدعة لذكر ذلك
وإستدل عليه ، وكم قضية خالف فيها كبار الصحابة وبعضهم كان على سدة
الخلافة وجهر برأيه دون تقية ، ولم يكن خلافه في الرأي موجباً لأي شائبة
عليه من ألآخرين ، وبشكل عام كان الصحابة يختلفون في الفتوى دون أن يؤدي
الإختلاف الى تباغض أو تناحر او ما شاكل . ومما يدلل على ان ذلك لم يكن
تقية هو انه أمر بصلاة عشرين ركعة ، مع ان الناس قبل ذلك كانوا يصلون أقل
من عشرين ركعة مما يدلل على ان أمره بالتراويح لم يكن مماشاة لغيره .
هذا وقد نقل العلامة محمد بن يحيى الحوثي الزيدي في كتابه المختار من
صحيح الأحاديث و الآثار عن الحسن بن يحيى وهو من أئمة الزيدية قوله :
أجمع آل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على أن التراويح ليست بسنة من
رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ولا من أمير المؤمنين عليه السلام و
أن علياً قد نهى عنها و أن الصلاة عندهم وحداناً أفضل وكذلك السنة الا
الفريضة فإن الجماعة فيها أفضل .
ونلاحظ على ذلك :-
أولاً :- كيف يتحقق الإجماع وقد روى الامام زيد الرواية المتقدمة الدالة
على مشروعية التراويح ومشروعية صلاة الوتر جماعة ، وقد رواها دون أن يبدي
أي تحفظ عليها ولا على الحكم نفسه .
ثانياً:- كيف أجمعوا على أن علياً عليه السلام نهى عنها والإمام زيد يروي
ما يدل على خلاف ذلك .
ثالثاً :- ان عدم كون التراويح سنة من النبي صلى الله عليه واله وسلم لا
يدل على انها بدعة إذ غاية الأمر ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم
لم يسن الجماعة في قيام رمضان ، لكن هذا لا يعني انها غير مشروعة اذ لا
ملازمة بين الأمرين كما هو واضح . ثم التعبير بانها وحداناً أفضل ينفي
بدعيتها .
رابعاً :- نقل عن بعض أئمة الزيدية انه كان يصلي التراويح بأهله في بيته
وهذا يعني انها ليست بدعة في نفسها .
خامساً :- قد يكون التعبير بالبدعة في بعض الكلمات يقصد به ما يقابل
السنة لا ما يقابل المشروع فلا دلالة له على عدم المشروعية .
سادساً :- لو كان علي عليه السلام ينهى عن صلاة التراويح لعرف عنه ذلك ،
ولتضافر نقله لا سيما اذا كان النهي عنه أيام خلافته عليه السلام . بينما
تضافر النقل على انه كان يأمر بالتراويح ويقيم لها أئمة . فعن ابي عبد
الرحمن السلمي وغيره أن علياً قام بهم في رمضان . وعن عرفجة أن علياً كان
يأمر الناس بقيام شهر رمضان ويجعل للرجال إماماً وللنساء إماماً . قال :-
فأمرني فأممت النساء .
وعن أبي عبد الرحمن السلمي وغيره قال : دعا علي القراء فأمر منهم
رجلاً يصلي بالناس عشرين ركعة وكان علي يوتر بهم .
سابعاً :- روى الإمام الربيع في مسنده عن ابي عبيدة عن جابر بن زيد عن
عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : صلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم في المسجد فصلى بصلاته ناس ثم صلى الليلة الثانية فكثر الناس ثم
تجمعوا في الليلة الثالثة والرابعة فلم يخرج اليهم رسول الله صلى الله
عليه وسلم فلما أصبح قال : قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج
اليكم الا أني خشيت أن يفرض عليكم . وذلك في رمضان .
وسند الرواية معتبر ، مما يدل على مشروعية التراويح ، فلم يأت عمر رضي
الله عنه ببدعة وإنما جمعهم على إمام واحد وقد نقل ان ذلك كان بتحريض من
علي عليه السلام .
ففي كنز العمال عن علي عليه السلام قال : أنا حرضت عمر على قيام شهر
رمضان و أخبرته أن فوق السماء السابعة حظيرة يقال لها حظيرة القدس يسكنها
قومٌ يقال لهم الروح فاذا كانت ليلة القدر استأذنوا ربهم تبارك وتعالى في
النزول الى الدنيا فيأذن لهم فلا يمرون بأحد يصلي أو على الطريق الا دعوا
له فأصابه منهم بركة ، فقال عمر : يا أبا الحسن فنحرض الناس على الصلاة
حتى تصيبهم البركة ؟ فأمر الناس بالقيام .
وفي مصنف ابن ابي شيبة وفي كنز العمال وفي المغني : خرج علي أول ليلة
من رمضان والقناديل تزهر وكتاب الله يتلى فقال : نور الله لك يا ابن
الخطاب في قبرك كما نورت مساجد الله تعالى بالقرآن )).
من خلال الفتوى اعلاه لسماحة الامام الشيخ المؤيد ، ولاجل التقريب
بين مذاهب الاسلام ، فإن الصلاة خلف الامام السني مجزية لصلاة الشيعي ،
اما صلاة التراويح فهي مشروعة عنده ولم تكن بدعة كما يدعي بعض علماء
الشيعة لامور سياسية.
والعجيب ان كتب علماء الشيعة القدامى والمعاصرين لم يضعوا بابا في
كتبهم لشرح هذه الصلاة (صلاة التراويح) ، مع انها صلاة جامعة للمسلمين في
الليل خاصة .
الا ان مركز المصطفى (ص) للدراسات الإسلامية (3) اعد بحثا عنها ،
وقال في ذلك البحث :انها بدعة سياسية .
ولو قرأنا بإمعان البحث ذاك (راجع ملحق صلاة التراويح) لما وجدنا اية
امور سياسية تقف خلف هذه الصلاة ، وانما يقف وراءها جمع المؤمنين لخدمة
الامة .
ومن هذا المنطلق، وجد سماحة الامام الشيخ المؤيد ان هذه الصلاة ستكون
خيرا على المسلمين .
ان صلاة الجمعة وصلاة التراويح صلاتان من شأنهما تعزيز الوحدة
الاسلامية، ليس فقط عندما يشترك ابناء السنة وابناء الشيعة في صلاة
واحدة ، وانما عندما تقام في وقت واحد يشعر المؤمن بوجود وحدة الفرائض
طالما ان فريضة الجمعة مذكورة في القرآن الكريم ، اما صلاة التراويح ،
فعلى الرغم من عدها (بدعة) من قبل الشيعة، الا انها بدعة حسنة غايتها
الوحدة وليست لغاية سباسية بغيضة.
***
5 - التكتف في الصلاة:
كفّر مراجع الاجتهاد الشيعي من يتكتف اثناء صلاته ، وعدوه تكفيرا ،
ويرون انها سنة سنها عمر ابن الخطاب تواضعا لله ، ولم يفعلها النبي (ص).
فتوى سماحة الامام الشيخ:
اما الامام الشيخ فيرى حسب ادلته صحة صلاة المتكتف ، بعد ان يفرق بين
مصطلحي التكتيف والتكفير ، اذ ان مراجع التقليد يعدون كل تكفير تكتيفا ،
والفرق كبير بين الاثنين.
يقول :
((الذي أذهب إليه و أفتي به هو مشروعية التكتف في الصلاة كحالة من
حالات الخضوع لله تعالى و الخشوع له و عدم بطلانها بذلك . هذا و ليس كل
تكتف تكفير فالتكفير اسم يختصّ بهيئة خاصة من هيئات التكتف و هو وضع إحدى
اليدين على الاخرى على الصدر فكل تكفير تكتف و لكن ليس كل تكتف تكفير)) .
***
6- سب الصحابة و الوحدة الاسلامية:
تصاعدت في الاونة الاخيرة انتشار ظاهرة سب الصحابة ، وخاصة ابي بكر
الصديق وعمر بن الخطاب ، وإذا كانت بعض المصادر التاريخية الشيعية
الامامية يرد فيها مثل هذا السب والنيل من الصحابة ، فإن البعض الاخر من
علماء المذهب الشيعي الامامي (العرب خاصة) (4) لا يرون ذلك ، ولا نريد في
هذه السطور ان نقدم بحثا تاريخيا عن هذه الظاهرة بقدر ما نريد ان نعرف
رأي سماحة الامام الشيخ المؤيد في ذلك ، علما ان مصطلح الناصب قديما ،
قد فهم - عند البعض من علماء ورجال دين شيعة - على غير حقيقته ، الا ان
ذلك المصطلح ظل متداولا بالمعنى الذي يدل على انه يعني كل من يكن العداء
للائمة من آل البيت ، وهذا غير صحيح ، واذا كان في يوم ما من ايام
التاريخ الاسلامي ظهر مثل هؤلاء واطلق عليهم هذا اللقب ، فليس معناه انه
يعني كل من قدم الخليفتين على علي بن ابي طالب.
وجواب الامام الشيخ فصّل ذلك وهو يناقش الحديث الذي ورد في سؤال احد
السائلين .(5)
ان سب الصحابة هو سب للاسلام والمسلمين ، وربما يرى البعض ان هذا
القول فيه غلو كبير في الصحابة ، ولكنني اسأل : من جمع القرآن الكريم
الذي بين ايدينا الان ؟ ومن دافع عن الاسلام، خاصة في حروب الردة ؟
فلولا الصحابة لما وصلتنا سورة واحدة من القرآن الكريم الذي بين
ايدينا نتعبد به الله سبحانه ، ولما حفظ الى يومنا هذا وتحقق قول الله
سبحانه : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ) (الحجر:9)
ومن يتابع قضية جمع القرآن الكريم ، لوجد ان من يسب على المنابر
والفضائيات هذه الايام هم انفسهم الذين أمروا بجمع القرآن الكريم، وهم :
- ابو بكر الصديق، اثناء خلافته .
- عمر بن الخطاب وتأكيداته لابي بكر بأن يجمع القرآن الكريم.
اما بالنسبة لابي بكرالصديق ، فجاء سبه لتوليه الخلافة بعد موت النبي
(ص) ، ومن حق الشيعة ان يغضبوا منه حسب فهمهم لنص خطبة غدير خم وتنصيب
على بن ابي طالب ، الا ان هناك مجموعة من الاحداث تؤكد – من وجهة نظر
بقية المسلمين – ان النبي (ص) لم يرد بخطبته الخلافة، وانما اراد الصحبة
والمحبة ، والذي يؤكد هذا المعنى – كما يرون – انه لم ترد منه – اي علي
بن ابي طالب - اية اشارة الى النص له بالامامة في كل احاديثه وخطبه
ومحاججاته والاحداث التي مرت عليه من بداية توليه الخلافة والى ان
استشهد.
اذن، فالمسألة هي اشكالية كبيرة ،وكل فريق له ادلته ، وطالما انها
قضية تاريخية ، فحلها سيكون مستحيلا في زمن الفرقة والتشتت، ولا يحلها
السب والشتم.
اما بالنسبة لعمر بن الخطاب ، فغضب الشيعة منه مركبا ، احدهما لدوره
في تولية ابي بكر الصديق للخلافة ، والاخر قومي ، بسبب اسقاط
الامبراطورية الفارسية في معركة القادسية اثناء خلافته، ولما كان اغلب
رجال الدين الشيعة الامامية – مراجع التقليد خاصة- هم من الفرس قومية او
ولادة ، او ثقافة، فما زال الحقد في نفوسهم كبيرا ، إذ ما زالت آصرة
القومية تفعل فعلها اكثر من آصرة الدين، وهذا حق ان كانت تلك القومية
تنظر الى القوميات الاخرى بلا عنصرية تخرجها من جادة الانسانية .
والذي يشاهد الفضائيات الشيعية المدعومة من ايران يجد السب والحط
منهم، فيها فقط ، اما غيرها من الفضائيات الشيعية العراقية واللبنانية
على سبيل المثال فلا وجود له.
اذن السب في ايامنا هذه خاصة ، لا يجدي نفعا مع قضايا تاريخية قد مضى
عليها الف واربعمائة عام .
ان الوحدة الاسلامية التي يدعو لها سماحة الامام الشيخ المؤيد – كما
سبقه اخرون من علماء ورجال الدين الشيعة الامامية – هي ما نحتاج اليه في
ايامنا هذه وبسبب السياسة والسياسة فقط.
وعن وجود الادلة الشرعية في الفقه الشيعي الامامي التي تنص على
احترام الخلفاء الراشدين، يقول سماحة الامام الشيخ :
(( نعم يجب احترام الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم , و يمكن أن
يستدل له بدليلين :-
الأول :- سيرة أئمة أهل البيت عليهم السلام فانّ المتتبع لسيرة أمير
المؤمنين علي عليه السلام و الحسن و الحسين عليهما السلام يقف بوضوح على
حقيقة أن أهل البيت في تعاملهم مع الخلفاء الراشدين في حال حياتهم و بعد
مماتهم –أي الخلفاء الراشدين -التزموا باحترامهم و لم يصدر منهم ما ينافي
الإحترام . و يعزز هذه السيرة كلمات أهل البيت في حق الخلفاء الراشدين
الدالة على احترامهم حتى أن الإمام زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام
ذكر انه لم يرَ في أهل البيت من يقول في أبي بكر و عمر الا خيرا . و
مواقف أهل البيت مع الخلفاء الراشدين كلها تشير الى حفظ الإحترام , و
لهذا لم يستطع خصوم أهل البيت عليهم السلام الإمساك بقول أو فعل ينافي
إحترام الخلفاء الراشدين لاستغلاله في التشهير ضدهم و الطعن فيهم و
إضعافهم أمام المسلمين و إستغلال ذلك كورقة في كسب الصراع . و هذه السيرة
تكشف عن التزام أهل البيت عليهم السلام بهذه القضية و مهما يكن تفسير ذلك
فهذا الالتزام العملي واجب الاتباع على شيعتهم . فعليهم أن يلتزموا بما
التزم به أئمتهم . و كل ما نقل من كلمات منسوبة الى أهل البيت على خلاف
ذلك فهو غير صحيح اما لضعفه سنداً أو لمنافاته للسيرة القطعية المعلومة
منهم عليهم السلام فيكون ساقطاً عن الإعتبار و عند التحقيق تجد أنه موضوع
عليهم اما من الغلاة أو من يحاول توظيف ذلك لمصالحه أو من خصوم أهل البيت
الذين يحاولون توظيف ذلك ضدهم .
الدليل الثاني :- أن الثابت بالادلة الشرعية كتاباً و سنة وجوب الحفاظ
على وحدة المسلمين و تجنب كل ما يؤدي الى الفرقة و التباغض و العداء و
الشقاق بين المسلمين . و هذا الواجب من أهم الواجبات التي تتقدم على كثير
من الأحكام . و بما أن المساس باحترام الخلفاء الراشدين يؤدي الى الفرقة
و الشقاق والبغضاء و العداوة وَ يؤدي الى فتح ثغرة يستغلها أعداء الإسلام
و المسلمين في ضرب بعضهم بالآخر و اضعافهم لذا يكون حفظ احترام الخلفاء
الراشدين واجباً على الشيعي و ان قال بإمامة أهل البيت عليهم السلام . و
لا مصلحة لمسلم في إثارة ما يؤدي الى الفرقة و التباغض بل في ذلك مفسدة
كبيرة و أكيدة)) .
***
7- الزواج بالمرأة السنية: (6)
(( س:- السلام عليكم والرحمة أود معرفة إجابة سماحتكم على السؤال وهو:
ما حكم الزواج الشيعية بزوج سني؟)).
اجاب سماحة الامام الشيخ:
(( يجوز للشيعية الزواج من السني , فالسني مسلم تجري عليه أحكام الإسلام
ومنها جواز الزواج منه)) .
وهذه الفتوى هي بعض الطريق لتوحد الامة الاسلامية ، مع الصلاة سوية ،
والتخلص من بعض عقد التاريخ السياسية ، وعدم سب الصحابة ، والنيل من عرض
النبي (ص).
***
الهوامش:
1 – يقول الشيخ الطوسي - في الاقتصاد - ص 267 :
(( صلاة الجمعة فريضة بلا خلاف ، إلا أن لها شروطا منها : حضور السلطان
العادل أو من نصبه السلطان العادل للصلاة بالناس)).
2 – انظر ملحق صلاة الجمعة.
3 – راجع : القرص المدمج مكتبة اهل البيت ،و انظر ملحق صلاة التراويح.
4 – خاصة المرجع الشيعي (اللبناني) محمد حسين فضل الله.
5 – انظر اجابة الامام الشيخ في فقرة/ 2 من: (ملحق صحة الاحاديث).
6 – جد زوجة كاتب هذه الدراسة لامها سنيا كرديا عراقيا ، وقسم من خالاتها
ما زلن على احد المذاهب السنية.
11
المرأة بين الحقوق والواجبات في فكر الامام الشيخ
المنظومة الفكرية الاسلامية من اكثر المنظومات الفكرية الدينية في
الفكر الانساني التي حاولت ان تحط من كرامة المرأة، لابسبب اساسها الديني
الالهي ، وانما بسبب ما نقل عن النبي (ص) من احاديث تدل دلالة واضحة عن
هذا الميل الى الحط منها ومن كرامتها.
ولما كانت تلك الاحاديث لم تغربل غربلة علمية موضوعية ،فظلت كما هي
منذ ان دونت في القرن الثاني الهجري تفعل فعلها في الموروث الجمعي ، وفي
الضمير الاجتماعي لعامة المسلمين ، وازداد فعلها – تلك الاحاديث - حدة
بعد ظهور الحركات الاسلامية المتطرفة التي تنادي بالاخذ بها ، وايضا
اسقاطها على ما جاء في القرآن الكريم من أي امر له علاقة بالمرأة وبصورة
عكسية تزيد من هذا الحط والامتهان، دون ان تتعب نفسها بالبحث والمناقشة
والتأصيل ومعرفة السقيم منها الذي قيل او روي وظل بهذا السقم لاسباب
كثيرة :
1 – كأن النبي (ص) قال هذه الاحاديث لاسباب انية فردية ولا يراد منها
العموم ومن ثم ان يكون شرعا نافذ التطبيق.
2 – ان متون تلك الاحاديث المنقولة عن النبي (ص) فيها اضطراب داخلي ، او
انها تناقض صريح القرآن الكريم ، او مع متون احاديث اخرى.
3 – تتضارب مع العقل السوي، والمنطق السليم.
4 – تتناقض مع الواقع الذي قيل في وقته ، او الآني (زمكانيا)، الذي يراد
التطبيق فيه .
ولاجل كل ذلك، راح بعض علماء الدين ، وكتاب ومفكرون كثر يرفعون لافتة
الاصلاح من خلال النظر في تلك الاحاديث ، ويتبعها الروايات ، ومناقشتها
مناقشة علمية موضوعية تجعل من المرأة واحدة من ابناء ادم وحواء، ولها ما
للرجل من حقوق وواجبات دون نسيان الحالة البيولوجية والفسيولوجية
والسيكلوجية والسيسيولوجية التي خلقت بها من قبل الله .
جاء في القرآن الكريم :
* (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ
مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ
هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي
وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ
وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ
ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) (آل
عمران:195) * (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ
أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا
يُظْلَمُونَ نَقِيراً) (النساء:124) * ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ
ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً
طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ) (النحل:97) *( مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلَّا
مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ
مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا
بِغَيْرِ حِسَابٍ) (غافر:40) * ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا
خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ
أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13) ايات
مباركة كثيرة قرنت الانثى بالذكر بعض من/ مع بعض، لتعلن انهما متساويان
عند الله خالقهما.
ومن خلال بلاغة القرآن الكريم، وهي بلاغة العرب ،كثيرا ما يخاطب الله
سبحانه الرجال والنساء بصيغة الجمع المذكر ،انظروا ، اعقلوا ، تعقلون،
توبوا ، ... الخ ، انهم متساوون في الخطاب الالهي ، ومن ثم بالشرع
الالهي ،حقوقا وواجبات، الا بعض الاستثناءات التي لا تخرج النساء من
كونهن متساويات مع الرجل.
حفلت الاحاديث النبوية بالكثير مما يحط من كرامة المرأة ، الا ان عرض
هذه الاحاديث على القرآن الكريم ، وعلى العقل والمنطق ، والواقع، ومن ثم
فحص سندها ، تتوضح صحتها او عدمها، ومن الامثلة على ذلك حديث : (النساء
ناقصات عقل و دين) و حديث ( ان المرأة خلقت من ضلع اعوج) (1) ،وكذلك في
تفسير وفهم اية القوامة القرآنية .
وكان سماحة الامام الشيخ حسين المؤيد واحدا من رجال الدين الذين
تصدوا – بعقل نقدي موضوعي علمي منفتح – لمثل هذه الاحاديث والروايات
واعاد للمرأة – من خلال عمله هذا – كرامتها المهانة.
ففي جواب له لمقدم برنامج ( أطراف الحديث على قناة الشرقية) الذي سأل
عن حديث " النساء ناقصات عقل و دين " قال:
(( إنّ اعتبار الحديث – أي حديث – و حجيته لا ترتبط بسلامة سنده و
حسب , و انما لا بد في صلاحية الحديث للأخذ به و إعتباره حجة مضافاً الى
سلامة السند من سلامة المتن و عدم مخالفته للقطعي من النقل و العقل , فلو
أن متن الحديث كان مخالفاً لمضمون قرآني قطعي الدلالة , فان الحديث يسقط
عن الحجية حتى لو كان سنده صحيحاً اذ تكشف مخالفته للقرآن الكريم عن ثغرة
فيه تمنع من الإحتجاج به , لانه لا يمكن أن يصدر من رسول الله صلى الله
عليه و على آله و سلم ما ينافي القرآن الكريم . و كذلك اذا كان الحديث
مخالفاً لأحكام العقل القطعية التي لا مجال للاختلاف فيها فأنه يسقط عن
الإعتبار , لأنّ الشرع لا يتصادم مع قطعيات العقل , فما يتصادم مع قطعيات
العقل ليس بشرع . و كذلك اذا كان متن الحديث مما يكذبه الواقع الخارجي
فانه يسقط عن الإعتبار أيضاً , لان حديث الرسول عليه أفضل الصلاة و
السلام لا يتطرق اليه الكذب بحال فلا يمكن ان يكذبه الواقع , فما يكذبه
الواقع لا يكون منتسباً الى رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم .
فإذا خالف الحديث قطعيات النقل أو العقل أو الواقع فانه لا يتصف
بالاعتبار و الحجية و انما تكشف مخالفته لذلك عن وجود ثغرة فيه , فاما أن
يكون بعض الرواة قد وقع في خطأ في نقله لا سيما اذا نقله بالمعنى , أو أن
يكون موضوعاً و قد وضع له سند صحيح في الظاهر و دس في الأحاديث أو ما
شاكل من الثغرات . و على كل تقدير لا يكون متصفاً بالحجية .
و هكذا نعرف أن مجرد سلامة السند لا تكفي لإعتبار الحديث , و انما لا
بد على العالم الفقيه أن يدرس الحديث سنداً و متناً و يدقق فيه و يوازن
حتى يصل الى النتيجة العلمية التي تقضي اما بقبول الحديث أو رده .
و حديث " النساء ناقصات عقل و دين " اذا وضع على طاولة التمحيص و
التدقيق فانه لا يثبت و لا يكون واجداً لشروط الاعتبار و الحجية حتى لو
كان له بحسب الظاهر سند معتبر , لان متنه مخالف لحقائق الشرع و العقل و
الواقع .
و لبيان ذلك نأتي لدراسة متن الحديث وَ هو يصف النساء بالنقص في جانبي
العقل و الدين و لندرس هذين الجانبين .
أما في جانب العقل , هل النساء ناقصات عقل ؟ و هل ينسجم هذا الوصف مع
قطعي القرآن و العقل و الواقع ؟
الجواب بالسلب . فهذا الوصف لا ينسجم بحال مع قطعي القرآن الكريم و
لا مع قطعي العقل و لا مع الواقع .
أما عدم انسجامه مع قطعي القرآن الكريم فلأنه يتصادم مع قوله تعالى "
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم " و هذه الآية الكريمة واضحة في أن
الانسان بما هو انسان و بغض النظر عن كونه ذكراً أو أنثى قد خلق على أحسن
خلق في الإعتدال و التركيب من حيث الشكل و من حيث العقل و النفس و من
الواضح أن عقل النساء اذا كان ناقصاً لم يكن خلقهن على أحسن تقويم اذ
ينثلم جانب الاعتدال في العقل , بينما الآية الكريمة و التي جائت جواباً
لقسم تصرح و تؤكد على الإعتدال في خلق الإنسان و على أنه أحسن درجات
الإعتدال .
و كذلك قوله تعالى { يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم . الذي خلقك
فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك } فهذه الآية الكريمة أيضاً تصرّح
بان الانسان بما هو انسان و بغض النظر عن كونه ذكراً أو انثى قد خلقه
الله تعالى سوياً معتدلاً و هذا يعني نفي النقص في خلق الإنسان , و هو لا
ينسجم مع وصف النساء بنقص العقل اذ نقص العقل لا يتماشى مع وصف خلق
الإنسان بالسوي المعتدل .
و هكذا يتضح ان المضمون القرآني القطعي يدل دلالة واضحة على ان
الانسان ذكراً و انثى خلق سوياً و على أحسن وجوه الخلق في الإعتدال , و
هذا المضمون يصطدم مع وصف عقل المرأة بالناقص , فيكون متن الحديث منافياً
لقطعي القرآن و يسقط عن الأعتبار .
و أما مخالفة متن الحديث لقطعي العقل , فلأن أسس التفكير العقلي و
إطاره واحد في الذكر و الانثى . فالعقل اما أن يكون عقلاً نظرياً , و اما
أن يكون عقلاً عملياً . و العقل النظري هو الذي يدرك ما هو كائن , و
العقل العملي هو الذي يدرك ما ينبغي أن يكون . و المادة الأصلية لمدركات
العقل النظري واحدة في الذكر و الانثى فالمعقولات الاولية للعقل البشري و
التي هي الأساس في توالد الأفكار و تكوين الإستنتاجات واحدة في الذكر و
الانثى و هذه الحقيقة قطعية في الفلسفة و نظرية المعرفة فلا تفاوت بين
الذكر و الأنثى في إدراك المعقولات الأولية فما هو أولي في الذكر موجود
في الأنثى ايضاً سواء بسواء و عليه لا تفاوت بين الذكر و الانثى في
المصدر الرئيسي للمعرفة . و كذلك الأمر في المعقولات الثانوية , فان
ادراك العقل لهذه المعقولات لا يتفاوت بين الذكر و الانثى , و أما
التوالد الفكري فما يبتني على المعرفة الإكتسابية يخضع للجهد الذي يبذله
الانسان في تنمية المعارف و لا يرتبط بالذكورية و الانثوية , و ما يبتني
على التوالد الفكري فالقوة العقلية ايضاً واحدة في الذكر و الانثى , و
عقل الانثى يشكل الأقيسة المنطقية كعقل الرجل سواء بسواء . اذن النقص في
العقل الذي لا يعود الى الإكتساب المعرفي غير موجود في الانثى اطلاقاً
لكونها مع الذكر سواء في أسس التفكير العقلي وآلياته .
أما العقل العملي فمدركات العقل العملي واحدة في الذكر و الانثى و هي
مدركات مودعة في العقل البشري بما هو عقل بشري فلا تفاوت بين الذكر و
الانثى في ادراك الحسن و القبح العقليين .
اذن قوة الادراك التي تشكل أساس التفكير البشري و اطاره سواء في جانب
الادراك النظري أو في جانب الادراك العملي متساوية و واحدة في الذكر و
الانثى , و أما تنمية المعرفة فهو يرجع الى أمر إكتسابي و ليس الى أمر
ذاتي . و هذا يعني أن وصف عقل المرأة بالنقصان يصطدم مع قطعيات العقل ,
فعقل المرأة في ما يرجع الى الكمال الذاتي للعقل هو على حد عقل الرجل و
لا نقصان فيه .
اذن متن الحديث ينافي قطعي العقل . و أما مخالفته للواقع , فانّ
الواقع يشهد انّ المرأة لا تختلف عن الرجل في سلامة التفكير ذاتا و
الانسان ابن بيئته فحينما تكون المرأة في بيئة تساعدها على النمو المعرفي
و الثقافي فإنها تتصف حينئذ برجاحة العقل , و قد تتفوق على الذكر , و
حينما لا تتهيأ للانسان مثل هذه البيئة فان الذكر يصاب بضعف التفكير و
قصوره .
و الشواهد عصية على الإحصاء في هذا المجال لكن خذ مثلاً امرأة فرعون فهل
يعقل أن تكون امرأة فرعون بايمانها و تصديقها الاعتقادي ناقصة عقل
بالمقايسة الى فرعون نفسه ؟
وَ خذ بلقيس ملكة سبأ التي فاقت برجاحة عقلها عقل مستشاريها من الرجال و
قد ظهر تفوقها العقلي و برزت رجاحة عقلها في عدة أمور و مواقف :-
لجوؤها الى الشورى و عدم استبدادها في أخذ القرار , و هذا يدلل دون
أدنى شك على رجاحة عقلها و سلامة تفكيرها و سمو نظرها و حسن معرفتها و
تقديرها .
قوة تفكيرها في مناقشة الرأي الذي عرض عليها فقد قيل لها " نحن أولوا
قوة و أولوا بأس شديد " فكان جوابها " ان الملوك اذا دخلوا قرية أفسدوها
و جعلوا أعزة أهلها أذلة و كذلك يفعلون و اني مرسلة اليهم بهدية فناظرة
بم يرجع المرسلون " فكان عمق تفكيرها و قوة رأيها و تقديرها للأمور أجود
من الآخرين و فيهم ذوي الوزن الثقيل من الذكور .
ذكاؤها في جوابها لسليمان حينما نكروا لها عرشها و سألها سليمان "
أهكذا عرشك " قالت " كأنه هو " و في هذا الجواب قدر كبير من الذكاء و
جودة الذهن .
فهمها العالي الذي أوصلها الى الإيمان و أخرجها من الكفر بعيداً عن
العناد و اللجاجة والإنفعالية في التفكير , قالت : " ربي اني ظلمت نفسي و
أسلمت مع سليمان لله رب العالمين " .
فهل يمكن أن توصف بلقيس بانها ناقصة عقل , و هل ينطبق عليها هذا
الوصف أم على مستشاريها من الرجال في مقام المقايسة ؟
ثم إن متن الحديث ذكر بياناً لوجه نقصان عقل المرأة هو ان شهادتها
بنصف شهادة الرجل , و البعض ذكر أن هذا الأمر جيء به كوجه من وجوه نقصان
عقل المرأة , و ذكر آخرون انه هو الوجه الذي علل به نقصان عقل المرأة . و
على كلا التقديرين هل يدل ذلك على نقصان عقل المرأة ؟
اذا دققنا في القضية سنصل الى أن هذا الأمر لا علاقة له بنقصان عقل
المرأة ابداً .
إن الشهادة و التي هي عبارة عن الاخبار عن حس فيها جانبان :-
الاول :- يرتبط بتحمل الشهادة .
الثاني :- يرتبط بأداء الشهادة .
و لنأت الى الجانب الذي يرتبط بتحمل الشهادة , فحيث أن الشهادة اخبار
عن حس , فهذا يعني أن المطلوب في تحملها هو الإدراك الحسي , و هو ما يكون
بالحواس , و من الواضح الذي لا يختلف فيه اثنان انّ حواس المرأة كحواس
الرجل سواء بسواء فليست باصرة المرأة من حيث هي إمرأة بأضعف من باصرة
الرجل من حيث هو رجل , و ليست سامعة المرأة من حيث هي إمرأة بأضعف من
سامعة الرجل من حيث هو رجل . و كذلك لا تفاوت في التصورات العقلية
الأولية بين ذهن الرجل و ذهن المرأة حيث أن انطباع صور الأشياء في الذهن
من خلال الحواس هو على حد واحد في الرجل و المرأة . اذن في مقام تحمل
الشهادة لا تفاوت في الإدراك الحسي للوقائع .
و أما جانب أداء الشهادة فهو لا يرتبط بالتحليل العقلي للوقائع لان
المطلوب في باب الشهادة ليس تحليل الشاهد للقضية المترافع عليها , و انما
المطلوب هو الاخبار عما أدركه بالحس , أي الاخبار عن التصور العقلي
الأولي للذهن و هو واحد في الذكر و الانثى كما تقدم.
و أما عنصر الذاكرة و الحفظ كعملية من عمليات الذهن البشري فهل كون
شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل يقوم على أساس ان قوة الحفظ و
الذاكرة في عقل المرأة أضعف منها في عقل الرجل ؟
الصحيح أنه لا يقوم على ذلك , و الدليل عليه ما يلي :-
أن كون شهادة المرأة نصف شهادة الرجل لو كان يبتني على ذلك فكيف يطلب
ضم شهادة امرأة اليها اذ المفروض انها مثلها في قوة الذاكرة و الحفظ , و
بعبارة أخرى سيكون المطلوب هو ضم من فيه نقص الى من فيه نقص , فهل يمكن
لمن هو في ذات درجة النقص العقلي أن يكمل من هو على ذات الدرجة من
النقص . اذ المفروض أن قوة الذاكرة في النساء متماثلة في درجة النقص .
اذا كان يقوم اشتراط التعدد في شهادة النساء على أساس ان احدى
الشاهدتين تذكر الأخرى فيما لو نسيت فلماذا لا يكون الرجل الذي يشهد مع
المرأة مذكراً لها ما دام ان الكل يشهد على الواقعة نفسها و ان الشهادة
هي محض أخبار حسّي لا تدخل فيه عوامل أخرى تقوم على التحليل العقلي و ما
دام يفترض الصدق و العدالة في كل الشهود ؟
ان المقرر في القضاء هو عدم اشتراط جمع الشهود مع بعض عند أداء
الشهادة , و انما يمكن للقاضي أن يسمع شهادة الشهود على إنفراد و هذا
يعني ان التعدد في شهادة النساء لا يقوم على أساس التذكير لنقصان في قوة
ذاكرة المرأة .
أن الذاكرة قد ترتبط بعوامل تؤثر فيها قوة و ضعفاً فمن عامل الزمن
الى عامل السن الى الظروف التي يعيشها الشاهد .
فلماذا لا تؤخذ هذه العوامل بنظر الاعتبار في الرجل ؟
و لو كان التعدد في شهادة النساء مبنياً على قضية قوة الذاكرة للزم
الأمر أخذ هذه العوامل في الرجل , اذ في مقام التفاضل قد تكون ذاكرة
الأنثى الشابة التي تعيش في ظروف حياة طبيعية أقوى من ذاكرة رجل مسن أو
رجل يعيش في ظروف قد تجعل باله مشغولاً و مستهلكاً فيها . إن أخذ هذه
النقاط بنظر الاعتبار يجعل بناء التعدد في شهادة النساء على قضية ضعف
الذاكرة أمراً بعيداً ان لم يكن خاطئاً .
انّ النتيجة التي نريد الوصول اليها هي أن اشتراط التعدد في شهادة
النساء و قيام شهادتين للنساء مقام شهادة للرجل لا يرتبط بنقصان العقل .
و هذا يعني أن في متن الحديث الذي يربط بين ذلك و نقصان العقل خللاً يفتح
ثغرة تسقطه عن الإعتبار .
و لك أن تسأل :- أوليس هذا الربط منتزعاً من القرآن الكريم و يدل
عليه قوله تعالى { و استشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل
و أمرأتان ممن ترضون من الشهداء ان تضل احداهما فتذكر احداهما الأخرى } ؟
و الجواب :-
أولاً :- انّ الآية الكريمة لم تربط ذلك بنقصان عقل المرأة بينما متن
الحديث يصرح بهذا الربط و معنى ذلك أنّ هذا الربط الذي يصرح به متن
الحديث لا علاقة له بالآية الكريمة و لا يصح إنتزاعه منها .
ثانياً :- أن ربط قيام شهادة امرأتين مقام شهادة الرجل لا يصح اساساً
ربطه بعقل المرأة و لا اشارة فيه الى ذلك لا من قريب و لا من بعيد فمن
جهة دلت آيات القرآن الكريم و المرتبطة بخلق الإنسان على خلقه سوياً لا
خلل فيه و لا نقص ذكراً كان أو أنثى كما تقدم , و من جهة ان مثل هذه
الأحكام لا تتصل بقضايا ذاتية بالمعنى الفلسفي , فكما انّ القصاص في
القتلى يقوم على أساس ان الانثى بالانثى و ليس الرجل بالانثى , و كما أن
دية المرأة هي على النصف من دية الرجل دون أن ترتبط هذه الأحكام بكون
المرأة أقل قدراً من الرجل أو منزلة أو إنسانية و في الكرامة الانسانية
بل و في القيمة الانسانية , و قد دلت على ذلك بصراحة ووضوح آيات عديدة في
االقرآن الكريم , كذلك شهادة المرأة و كونها نصف شهادة الرجل لا ترتبط
بعقل المرأة إطلاقاً و قد دل على ذلك العقل و النقل .
و أما في جانب الدين فقد علل متن الحديث نقصان النساء في دينهن
بقعودهن أيام حيضهن عن الصلاة و الصيام .
و في هذه أوجه من الخلل :-
1- ان قعود المرأة عن صلاتها و صومها أيام حيضها لم يكن الا بامر من الله
تعالى , فكيف يشرّع الله تعالى للمرأة ما يعيبها عليه عند إمتثالها له ,
و كيف يعيبها على ما شرعه عز و جل لها و التزامها به ؟
2- إن النقص في الدين لا يكون الا من حيث التقصير في الطاعة , و هي لم
تقصر في طاعته عز وجل , بل انها امتثلت أمره تعالى بقعودها هذا فكيف يعد
ذلك نقصاناً في دينها ؟
3- كيف يفهم نقصان الدين ؟ فحين تقول عن شخص بان دينه ناقص , فانت اما أن
تقصد تقصيره في التزامه الديني من حيث امتثال احكام الله تعالى , أو
قصوره عن أهلية توجيه الامر اليه . و هذا القصور إما ناشئ منه هو و بسبب
منه أو ناشئ من أمر خارج عن إرادته و إختياره . فان كان تقصيراً في
الامتثال فالتقصير في الامتثال منقصة في الدين لكنه لا ينطبق على المرأة
الحائض لانها لم تقصر في طاعة الله تعالى بل إمتثلت امره عز و جل بقعودها
عن الصلاة و الصوم أثناء حيضها . و ان كان قصوراً ناشئاً بسبب من الشخص
نفسه فهذا قد يكون منقصة في الدين أيضاً لكنه لا ينطبق على المرأة الحائض
أيضاً لانها لم تتسبب في قعودها عن الصلاة و الصيام . و ان كان قصوراً
لسبب خارج عن ارادة الانسان فهو لا يعد نقصاً في الدين , و منه قعود
المرأة الحائض عن الصلاة و الصوم , فان قصورها عن أهلية توجيه الأمر
بالصلاة و الصوم اليها انما هو بسبب أمر خارج عن ارادتها و اختيارها ,
فلا يمكن أن يعد نقصاً في دينها .
4- ان قعود المرأة عن الصلاة و الصيام أثناء حيضها لو كان نقصاً في
دينها , للزم أن يكون الرجل ناقص الدين اذا كان معذوراً عن اداء الصيام
لعجز أو مرض و قد يكون كذلك طيلة عمره , و للزم أن يكون الرجل المصاب
بغيبوبة تعيقه عن أداء الصلوات ناقص الدين . و للزم أن يكون كل سبب يؤدي
الى عجز الرجل عن إمتثال حكم من أحكام الله تعالى موجباً لنقص دينه ,
فلماذا يفترض في المرأة ما لا يفترض في الرجل ؟
و هل يمكن أن يكون فاقد الطهورين أفضل حالاً من المرأة الحائض ؟ فان
فاقد الطهورين اما لا تصح منه الصلاة فيسقط عنه الأداء و يجب عليه
القضاء , و على قول آخر يسقط القضاء عنه ايضاً , و اما انه تجب عليه
الصلاة و يسقط شرط الطهارة , و على كل هذه التقادير كيف يكون فاقد
الطهورين أفضل حالاً من المرأة الحائض التي سقطت عنها الصلاة بأمر من
الله تعالى .
و هكذا نصل الى أن وصف المرأة بنقصان الدين لقعودها عن الصلاة و
الصيام أثناء حيضها أمر لا يستقيم مع أي منطق سليم عقلي أو شرعي .
و هذا يعني أن متن الحديث لا يتصف بالحجية بناءً على الثغرات
الموجودة فيه , و اذا كان قد صدر عن رسول الله صلى الله عليه و على آله و
سلم فلا يمكن أن يكون محمولاً على الجد و انما يمكن أن يكون قد صدر على
سبيل المزاح و أن رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم لم يكن يقصد
منه بيان مفهوم ديني اجتماعي و انما قصد منه التندر و المزاح كشيء اقتضته
طبيعة المناسبة حيث انه صلى الله عليه و على آله و سلم قاله و هو يمر على
النساء في يوم عيد و هو يوم فرح و إنشراح . و قد يقوّي هذا المعنى – أي
انه ذكره على سبيل التندر و المزاح – قوله ما رأيت من ناقصات عقل و دين
أذهب بلب الرجل الحازم من احداكن , فهو عليه الصلاة و السلام لا يشير
بذلك الى مفهوم ديني و انما الى ما يدهش من تأثير النساء السحري على
الرجال , فذكر عليه الصلاة و السلام نقصان العقل و الدين على سبيل التندر
و مقتضيات المزح , و لذا علله بأمور لا تصلح أن تذكر كعلل جادة , و لكن
يمكن أن تذكر كعلل يقتضيها مقام المزاح و التندر . و من هنا لا يبنى على
هذا الحديث مفهوم اسلامي عن المرأة و لم يصدر هذا الحديث عن النبي عليه
الصلاة و السلام كنبي و مشرّع , و انما صدر منه في حديث شخصي كسائر
الاحاديث الشخصية التي لا علاقة لها بالتشريع و لا ببيان المفاهيم
الدينية )).
بهذا التحليل العلمي الموضوعي دون ان يخرجه من الاصول الالهية والذي
حرصت على نقله كاملا ، هل يمكننا ان ندعي ان المرأة تعيش بعقل
ناقص،وانها مخلوق اعوج ؟
***
وما دمنا نتحدث عن الفكر الاسلامي الواعي الذي يحمله سماحة الامام
الشيخ المؤيد ، ونظرته التصحيحية والتجديدية الى المرأة في الفكر
الاسلامي، ننقل اجابة سماحته عن سؤال قدم له حول رأيه في القانون
الافغاني، وكيف عالج بعض جوانب قضية المرأة في افغانستان ، والسؤال كان
مفاده :
(( ماهو رأيكم بالقانون الافغاني الجديد الذي هو فكرة اية الله محمد
اصف محسني والذي يجيز للزوج إكراه زوجته لإقامة المعاشرة الجنسية وحتى
قطع الطعام عنها إذا خالفته في ذلك)).
ولم يكن هذا القانون بعيدا عن الموروث الاسلامي في الحافظة الجمعية
(البايلوجية = العقل، والصناعية = الكتب) الاسلامية ، دون الاخذ بنظر
الاعتبار الواقع الذي نعيش فيه، والشروط الاخرى التي تحدثنا عنها في
السطور السابقة ، وانما كان دليل المشرع لذلك القانون ولغيره من اصحاب
الضلع الاعوج ومنتقصي عقل المرأة ،هو ان القرآن الكريم يصلح لكل زمان
ومكان ،وهذه اللافتة التي هي من القول الحق الذي يراد به باطلا.
نعم، ان ما في القرآن الكريم ومن ثم الاسلام شرع يصلح لكل زمان
ومكان ، بشرط اعمال العقل، لا من باب اسقاطه على الواقع بأرثذوكسية
متحجرة، بل من باب البحث عن اجابات فيه لاعمال هذا الواقع بما يتوافق مع
اساسيات الشرع.
اجاب الامام الشيخ السائل بـ :
(( في مقام الإجابة على هذا السؤال يمكن تسليط الضوء على القضية
المذكورة فيه من خلال النقاط التالية :-
النقطة الأولى :- يجب على الزوجة تمكين زوجها من جماعها ومن سائر
الاستمتاعات المحللة معها إذا طلب منها ذلك . ويعد التمكين هذا حقا ثابتا
من حقوق الزوج على الزوجة وقد نص عليه الشرع الحنيف واتفقت عليه فتاوى
علماء الإسلام.
ومن الواضح ان من اهم مقاصد العلاقة الزوجية تحصين الرجل والمرأة من
الوقوع في المحرمات , وإشباع الغريزة الجنسية من خلال العلاقة الزوجية .
قال تعالى (( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت
إيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون )) ومن
هنا كان الواجب على المرأة تمكين زوجها من الممارسة الجنسية أداء لحقه
ووفاء بأحد أهم مقاصد الزواج , وقد دلت على ذلك الأحاديث النبوية الشريفة
التي يستفاد منها حرمة امتناع الزوجة من التمكين , ففي صحيح البخاري , عن
ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال ( إذا دعا رجل امرأته
الى فراشه فأبت ان تجئ لعنتها الملائكة حتى تصبح ), وفي صحيح مسلم عن ابي
هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده ما من
رجل يدعو امرأته الى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا
عليها حتى يرضى عنها ) . وفي سنن ابن ماجه رواية عبد الله بن ابي أوفى عن
رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ( والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة
حق ربها حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه ) . ومن
طرق الإمامية وردت معتبرة محمد بن مسلم عن ابي جعفر الباقر عليه السلام
قال :( جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم فقالت : يا رسول
الله ما حق الزوج على المرأة فقال لها : أن تطيعه ولا تعصيه ولا تصدق من
بيته الا بإذنه ولا تصوم تطوعا الا بإذنه ولا تخرج من بيته الا بإذنه ولا
تمنعه نفسها وان كانت على ظهر قتب ) .
وفي معتبرة أبي بصير عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال : قال النبي
صلى الله عليه واله وسلم : ( لا تطولن صلاتكن لتمنعن أزواجكن ) . بل ورد
ما يدل على حرمة التسويف في التمكين ففي معتبرة ضريس الكناسي عن أبي عبد
الله الصادق عليه السلام قال : ان امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه
واله وسلم لبعض الحاجة فقال لها لعلك من المسوفات , قالت وما المسوفات يا
رسول الله ؟ قال : المرأة يدعوها زوجها لبعض الحاجة فلا تزال تسوفه حتى
ينعس زوجها فينام فتلك التي لا تزال الملائكة تلعنها حتى يستيقظ
زوجها ) . وكذلك الأمر بالنسبة للزوج حيث يجب عليه إشباع زوجته جنسيا وهو
حق للزوجة على زوجها ويدخل في وجوب المعاشرة بالمعروف وكذلك في قوله
تعالى { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف })) .
ان الجملة الاخيرة / الاية القرآنية{ ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف }هي
رد قاطع لمن يقول ان في الاجابة اعلاه امتهان للمرأة ايضا ، فهي سلعة
وظيفتها تمكين الرجل من التخلص من توتراته الجنسية ، الا ان الاية
القرآنة تضع الرجل والمرأة على خط واحد في الحقوق والواجبات الزوجية.
ويتابع سماحته قائلا:
(( النقطة الثانية :-
ان وجوب التمكين يسقط عن الزوجة في الحالات الاستثنائية التي تعد
الزوجة فيها معذورة شرعا , نظير حالات الضرر سواء أكان ضررا جسديا او
نفسيا , وكذلك حالات العسر والحرج فان الحرج والمشقة يرفعان التكليف ,
قال تعالى { ما جعل عليكم في الدين من حرج }.
وقال تعالى { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } .
بل يعم الحكم حالات الاضطرار الأعم من الحرج والضرر لقوله صلى الله
عليه واله وسلم ( رفع عن أمتي ما اضطروا إليه ) .
ولا يحق للزوج إجبار زوجته على الممارسة إذا كان فيها ضرر او حرج
ويحرم إكراهها ولا يسقط بامتناعها في هذه الحالات اي حق من حقوقها )).
من هنا يبدأ الحق الشرعي للمرأة ، واذا كان البعض القليل يعرف هذا
الحق الا انه لا يجهر به لاسباب كثيرة ، فهو حق مذكور في القرآن الكريم،
الا ان البعض ينساه او يتناساه ولاسباب كثيرة ايضا ، من بينها ان المجتمع
الشرقي الاسلامي مجتمع رجولي ، ولا اقصد ان باقي المجتمعات غير ذلك ، بل
هي كذلك الا ان حديثنا يقصد المجتمع الشرقي بكل سلبياته التي جاء الاسلام
لازالتها الا انها اعيدت مرة اخرى بعد انقضاء فترة الوحي.
((النقطة الثالثة :-
لو امتنعت الزوجة عن التمكين دون عذر شرعي يوجب سقوط الحكم بوجوب
التمكين عنها فمضافا إلى إنها تعد آثمة شرعا ومرتكبة للحرام فانها كذلك
تعد شرعا ناشزة ومتعدية لحدود الله تعالى ومقصرة في أداء حق زوجها .
والحقيقة ان هذا النشوز يكشف عن حالة غير سوية في الزوجة , فان الزوجة في
الحالات الاعتيادية وحينما لا يكون هناك ضرر او حرج لا تتمرد على زوجها ,
فإذا وقع منها التمرد كشف عن وضع غير سوي وغير أخلاقي في الحياة الزوجية
وقد يكشف عن وضع غير طبيعي في العلاقة الزوجية . وفي هذه الحالة تنطبق
أحكام النشوز على المرأة والتي ذكرها الفقهاء وبعضها محل إجماع والبعض
الآخر محل خلاف . وأريد ان أتعرض هنا وبإيجاز لأهم هذه الأحكام وما له
علاقة بموضع السؤال وبما يعبر عما أفتي به في هذه المسألة :-
1: ذكر القرآن الكريم تعليما شرعيا لسلوك الزوج في معالجة نشوز زوجته قال
تعالى { واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فان
أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ان الله كان عليا كبيرا } .
وتتضمن هذه الآية الكريمة مجموعة من الأحكام الشرعية ليس هنا مجال
الحديث عنها. لكنني أريد ان أركز على الأمور التالية في ما أراه في فقه
الآية الكريمة :-
أ: أن الإجراءات المذكورة في الاية الكريمة انما هي على سبيل الترتيب
والتدرج .
ب: ان الضرب الوارد في الآية الكريمة إنما هو الضرب التأديبي وليس الضرب
الانتقامي وبالتالي يقتصر فيه على المورد المباح شرعا والمذكور في
الفقه .
ج: ان الضرب إنما يجوز في حال احتمال التأثير احتمالا معتدا به وأما إذا
حصل اليقين بعدم تأثير الضرب أو بمردوده العكسي فلا يجوز حينئذ لأنه يخرج
عن دائرة التأديب .
د: لا يجوز للزوج اتخاذ أي إجراء اخر قبل استكمال الإجراءات المذكورة في
الآية الكريمة عملا بقوله تعالى في ذيل الآية الكريمة { فان أطعنكم فلا
تبغوا عليهن سبيلا } . حيث يستفاد من الآية الكريمة ان جواز طلب سبيل آخر
منوط بعدم تحقق الطاعة من خلال الأمور المذكورة في الآية الكريمة . وعليه
لو قيل بجواز قطع النفقة عنها أو بجواز إجبارها على التمكين فان ذلك إنما
يكون في حال عدم تحقق الطاعة من خلال الوعظ ثم الهجر ثم الضرب , ولا يجوز
قبل استكمال هذه الأمور الثلاثة .
2:- أفتى معظم الفقهاء على تنوع مذاهبهم بعدم استحقاق الزوجة الناشز
للنفقة , فإذا امتنعت عن التمكين من دون عذر شرعي سقطت نفقتها وكان للزوج
عدم الإنفاق عليها .
والذي اذهب اليه هو عدم سقوط النفقة عنها بالنشوز عملا باطلاقات أدلة
وجوب الإنفاق على الزوجة ولا يوجد دليل تام على التقييد . نعم يستثنى من
ذلك ما لو خرجت من بيت زوجها دون إذنه ففي هذه الحالة دل الدليل على عدم
استحقاقها للنفقة حتى ترجع , ولا مجال لتسرية الحكم إلى حالات النشوز
الأخرى لاحتمال الفرق فيقتصر على مورد النص , والقول بأن استحقاق الزوجة
للنفقة إنما هو مقابل التمكين غير صحيح ومورد للمناقشة .
3: ذهب كثير من الفقهاء إلى جواز إجبار الزوجة على التمكين . والذي اذهب
إليه هو عدم جواز إكراهها على ذلك لإطلاق وجوب معاشرتها بالمعروف
المستفاد من قوله تعالى { وعاشروهن بالمعروف } وهذا الإطلاق يفيد عدم
جواز إجبارها على الممارسة لان الإكراه عليها خروج عن المعاشرة
بالمعروف .
4: في حال عدم انصياع الزوجة واستمرارها على النشوز والعصيان مع سلوك
الزوج للأمور المذكورة في الآية الكريمة من الوعظ والهجر والضرب يكون
المورد من موارد الشقاق والمخاصمة الذي تتبع فيه أحكام الشقاق وفصل
الخصومة .
5: ما أشير إليه في السؤال من جواز قطع الطعام عن الزوجة الناشز ان أريد
به جواز قطع النفقة فقد ذكرنا إننا لا نرى ذلك , وان أريد به جواز
معاقبتها بمنعها من تناول الطعام مطلقا فالصحيح ان هذا العمل حرام ويأثم
الزوج على ارتكابه . هذا وقد عرفت ان الصحيح عدم جواز إجبارها على
الممارسة الجنسية)).
***
ولما كانت منظومة سماحة الامام الشيخ المؤيد، الفكرية
الاجتهادية ،تنطلق من تكريم الاسلام للمرأة ، تلك المرأة المسلمة المؤمنة
التي رافقت الرجل : اب ، زوج ، اخ، ابن ، وحتى من تحب – فهذه المنظومة
مترابطة في النظر ذاك دون ان تخل بثوابت الاسلام واصوله المذكورة في
القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة عنده.
يسأل سائل : (( ما رأيكم في إرث الزوجة من الأرض والأموال غير
المنقولة التي تركها زوجها ، فهل ترث منها أم لا ؟ ذلك أن فتوى مراجع
التقليد المعاصرين أنها لا ترث )).
فيجيب سماحته:
((المعروف بين فقهاء الإمامية أن الزوجة لا ترث من الأرض وسائر
الأموال غير المنقولة لا عينا ولا قيمة . ولكننا نذهب إلى أنها ترث من
الأرض وسائر الأموال غير المنقولة عينا ، وأن حصتها في الإرث ثابتة في كل
ما ترك زوجها من الأعيان والقيم دون تمييز سواء أكان لها منه ولد أم لم
يكن لها منه ولد)).
لقد تفرد سماحة الامام الشيخ في فتواه هذه وفي الكثير من الفتاوي عن
فقهاء الشيعة الامامية ،لا بهدف التفرد، وانما بهدف الوصول الى الحقيقة
الشرعية التي تعيد للمرأة كرامتها وتصون حقها .
***
سأل سائل سماحته قائلا:
(( س:- إذا بلغت المرأة درجة الاجتهاد هل يجوز تقليدها ؟)).
فأجاب سماحته:
(( الرجوع إليها بما هي فقيهة لأخذ الفتوى فقط ومن باب الرجوع إلى أهل
الخبرة , ورجوع الجاهل إلى العالم خارجا عن المناصب الأخرى أقول هذا
النوع من الرجوع لم يثبت المنع عنه بل مقتضى بعض الأدلة المعتبرة صحته
والله العالم)) .
***
الهوامش:
1 - ناقشنا هذا الحديث في كتاب (وقفات مع البخاري في الصحيح).
- ينقل محمد حسين الطباطبائي في كتابه ( قضايا المجتمع والاسرة) ص78
حديث للامام الباقر ، يقول : (( وفي نهج البيان للشيباني عن عمرو بن أبي
المقدام عن أبيه قال : سألت أبا جعفر عليه السلام : من أي شئ خلق الله
حواء ؟ فقال عليه السلام : أي شئ يقولون هذا الخلق قلت يقولون : إن الله
خلقها من ضلع من أضلاع آدم فقال : كذبوا أكان الله يعجزه أن يخلقها من
غير ضلعه ؟ فقلت : جعلت فداك من أي شئ خلقها ؟ فقال : أخبرني أبي عن
آبائه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله تبارك
وتعالى قبض قبضة من طين ، فخلطها بيمينه - وكلتا يديه يمين - فخلق منها
آدم ، وفضلت فضلة من الطين فخلق منها حواء )).
والعجيب ان المؤلف يذكر حديث اخر عن السجاد يذكر عكس ما جاء في الحديث
الاول ، ولم يتعب المؤلف فكره ومعرفة صحة الحديثين ، وبأيهما نأخذ :
(( أقول : ورواه الصدوق عن عمرو مثله ، وهناك روايات اخر تدل على أنها
خلقت من خلف آدم وهو أقصر أضلاعه من الجانب الأيسر ، وكذا ورد في التوراة
في الفضل الثاني من سفر التكوين ، وهذا المعنى وإن لم يستلزم في نفسه
محالا إلا أن الآيات القرآنية خالية عن الدلالة عليها كما تقدم . وفي
الاحتجاج عن السجاد عليه السلام في حديث له مع قريش يصف فيه تزويج هابيل
بلوزا أخت قابيل ، وتزويج قابيل باقليما أخت هابيل ، قال : فقال له
القرشي : فأولداهما ؟ قال : نعم فقال له القرشي . فهذا فعل المجوس
اليوم ، قال : فقال : إن المجوس فعلوا ذلك بعد التحريم من الله ، ثم قال
له : لا تنكر هذا إنما هي شرائع الله جرت ، أليس الله قد خلق زوجة آدم
منه ثم أحلها له ؟ فكان ذلك شريعة من شرائعهم ثم أنزل الله التحريم بعد
ذلك )) .
ويعلق قائلا:
(( أقول : وهذا الذي ورد في الحديث هو الموافق لظاهر الكتاب والاعتبار
وهناك روايات أخر تعارضها وهي تدل على أنهم تزوجوا بمن نزل إليهم من
الحور والجان ، وقد عرفت الحق في ذلك )).
ان الحديث الاول – على الرغم من عدم توثيق صحة سنده، الا انه مما لا
يتنافى من احكام الشرع ، والعقل السوي ، والذوق السليم.
11
الشفاعة في فكر الامام الشيخ حسين المؤيد
يمر الفكر الشيعي الامامي الاثني عشري اليوم بأزمة ذاتية وموضوعية ،
فهو من حيت انه فكر يعتمد الاجتهاد ، والعقل ايضا ، فهو فكر منغلق في
الوقت نفسه ، و المتأخرون ما زالوا يعيدون ما قاله الاوائل في اكثر من
منحى وقضية ، وشاعت فيه الخرافات والغلو ، وينطبق عليه قول الشاعر عنترة
العبسي:
هل غادر االشعراء من متردم وهل عرفت الدار بعد توهم
واذا كان هذا الفكر الى ما قبل سنوات قد تحصن في الحوزات العلمية (في
النجف وقم) وبين المختصين فقط ،فإن ثورة الاتصالات والانترنيت وثقافة
السيدي جعلته اكثر انكشافا وانفتاحا، ليس امام الاخر فحسب ، بل امام
ابنائه العامة والخاصة ، فارتفع عنه الغطاء (كما صور غورباتشوف في كتابه
البيروسترويكا في نهايات القرن الماضي الشعب السوفياتي المضغوط في قدر
يغلي) ، وانكشف المستور ، وراحت الفضائيات تزيد الطين بلة ، تنشر ما لم
ينزل الله به من سلطان ، فإنبرت بعض اصوات خاصته – وما اقلها – الى اعادة
النظر فيما قيل ، لمنحه الحيوية في زمن اصبح فيه العالم كالقرية العصرية
الصغيرة، ومن بين هذه الاصوات المرجع الديني سماحة الامام الشيخ حسين
المؤيد.
الدراسة هذه تسلط الضوء على واحدة من اهم المسائل العقدية في الفكر
الديني العالمي والفكر الاسلامي خاصة ، والشيعي الامامي الاثني عشري على
الخصوص ، وهي مسألة الشفاعة.
***
من المسائل العقدية التي اشتركت فيها الاديان كافة – السماوية
والوضعية – هي مسألة الشفاعة ، واخذت لها مساحة واسعة في الدراسات
الفلسفية والكلامية(1)، وباتت عند المؤمنين - بتلك الاديان- شغلهم الشاغل
وحلمهم الذي يرجون التحقق يوم الاخرة،ليفوزوا الفوز العظيم ، انها صارت
ثقافة عامة منذ فجر التاريخ (تقديم القرابين والاناشيد والتراتيل الدينية
على سبيل المثال) الى يومنا هذا.
الا ان الاختلاف الذي وقع بين الاديان، ومن ثم بين المذاهب داخل كل
دين في هذه المسألة، جعلها تتربع على عرش الدراسات تلك ، ومن ثم وضع لها
الكثير من الاحاديث(2)- على صعيد الدين الاسلامي - التي تؤيدها من خلال
الشافع والمشفوع اعتمادا على العشرات من الايات القرآنية ، فراحت كافة
المذاهب الاسلامية تضع الاحكام لها ، وتتفنن بذكر من يشفع ومن الذي يشفع
له.
ووضعت الاسئلة الكثيرة:
- هل هي خاصة بالمؤمنين ام لغيرهم، خاصة اصحاب الكبيرة ؟
- من هم المشفعون ،هل الانبياء يشفعون ام ان النبي محمد (ص) فقط يقوم
بهذه الفضيلة ، وهل هناك غيرهم؟
وهناك من وسع، وهناك من ضيق .
وقد ناقش الفكر الشيعي الامامي هذه المسألة، وتوصل الى ان من يقوم
بالشفاعة هم : الأنبياء والشهداء والعلماء ، و القرآن ، والصالحون،
والمؤمنون ،وخاصة النبي (ص) والائمة.
(( والشفاعة ثبتت عندنا للنبي ( ص ) وكثير من أصحابه ولجميع الأئمة
المعصومين وكثير من المؤمنين الصالحين . . .)) كما يقول الطوسي ص26 .
و قال الامام على بن ابي طالب( لنا شفاعة ولأهل مودتنا شفاعة) كما يذكر
الصدوق ص20.
وقال الشيخ المفيد : (( اتفقت الإمامية على أن رسول الله ( ص ) يشفع يوم
القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أمته ، وأن أمير المؤمنين ( عليه
السلام ) يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته ، وأن أئمة آل محمد ( عليهم
السلام ) كذلك ، وينجي الله بشفاعتهم كثيرا من الخاطئين )). ص25.
وفي اجابة للمرجع الديني السيد علي السيستاني عن سؤال جاء فيه: ( لمن
الشفاعة الكبرى يوم القيامة ؟ 1 - الرسول الأكرم - صلى الله عليه وآله
- ؟ 2 - فاطمة الزهراء - عليها السلام - ؟ 3 - علي بن أبي طالب - عليه
السلام - ؟) قال :
(( رسول الله - ص - صاحب الشفاعة الكبرى ففي الأحاديث أن الأنبياء
أيضا بحاجة إلى شفاعته والمراد من الشفاعة أن ولايته أي متابعته والإيمان
به لو لم ينضم إلى العمل لم ينفع . ولا يبعد أن يقال أنها بهذا المعنى لا
تختلف بالنسبة إلى الرسول (ص) ، فإنه كما لا ينفع العمل من دون ولائه (ص)
كذلك لا ينفع من دون ولائهم سلام الله عليهم)) .( استفتاءات - السيد
السيستاني - ص 242).
وجاء في تفسير الإمام العسكري (ع) - المنسوب إلى الإمام العسكري (ع)
- ص 37:
(( ... شفاعة المؤمنين : فإذا كان يوم القيامة أضاف هذه الرحمة
الواحدة إلى تسعة وتسعين رحمة فيرحم بها أمة محمد صلى الله عليه وآله ،
ثم يشفعهم فيمن يحبون له الشفاعة من أهل الملة حتى أن الواحد ليجئ إلى
مؤمن من الشيعة ، فيقول : اشفع لي . فيقول : وأي حق لك علي ؟ فيقول :
سقيتك يوما ماءا . فيذكر ذلك ، فيشفع له ، فيشفع فيه ، ويجيئه آخر
فيقول : إن لي عليك حقا ، فاشفع لي . فيقول : وما حقك علي ؟ فيقول :
استظللت بظل جداري ساعة في يوم حار . فيشفع له ، فيشفع فيه ، ولا يزال
يشفع حتى يشفع في جيرانه وخلطائه ومعارفه ، فان المؤمن أكرم على الله مما
تظنون )).
في هذا التفسير يتخصص المؤمن بالشيعي فقط.
ومن هذا الفهم الشيعي الامامي للشفاعة ، تأثرت الحياة اليومية للشيعة
الامامية ، حتى وصل الامر الى القول ان زيارة ضريح الامام الحسين تدخل
صاحبها الجنة، وغير ذلك، فبدأ الاتكال ، وضاعت الفرائض الالهية.
(( عن أبي عبد الله ( ع ) قال : من زار الحسين بن علي ( ع ) في شهر
رمضان ومات في الطريق لم يعرض ولم يحاسب وقيل له ادخل الجنة آمنا )).
(3)
عن جعفر بن محمد ((من جاءه خاشعا محتسبا مستقيلا مستغفرا فشهد قبره
في احدى ثلاث ليال من شهر رمضان أول ليلة من الشهر وليلة النصف وآخر ليلة
منه تساقطت عنه ذنوبه وخطاياه)). (المصدر السابق)
((وروى عمر بن يزيد قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) إني
سمعتك وأنت تقول : كل شيعتنا في الجنة على ما كان منهم . قال : صدقتك
كلهم والله في الجنة قال : قلت جعلت فداك إن الذنوب كثيرة كبار . فقال :
أما في القيامة فكلكم في الجنة بشفاعة النبي المطاع أو وصي النبي ولكني
والله أتخوف عليكم في البرزخ . قلت : وما البرزخ ؟ قال : القبر منذ حين
موته إلى يوم القيامة))0 (ثلاث رسائل ، العوائد والفوائد - السيد مصطفى
الخميني - ص 37)
واخيرا يقول محرر (الشفاعة حقيقة إسلامية) في صفحته الاخيرة : ((وأن
الرسول ( ص) والأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) والصالحين والعمل
الصالح والقرآن والملائكة كلهم يشفعون للذين يستحقون الشفاعة)).
***
تعريف الشفاعة:
تعرف الشفاعة لغة : (4)
((شفع شفعا ، الشئ صيره شفعا أي زوجا بأن يضيف إليه مثله ، يقال كان
وترا فشفعه بآخر " أي قرنه به " . وتقول " شفع لي الأشخاص " أي أرى الشخص
شخصين لضعف بصري ، وشفع شفاعة لفلان ، أو فيه إلى زيد : طلب من زيد أن
يعاونه وشفع عليه بالعداوة : أعان عليه وضاده . وتشفع لي وإلي بفلان أو
في فلان : طلب شفاعتي)).
اما اصطلاحا فهي : (نوع من الدعاء والرجاء) و (رفع العقاب عن
المذنبين) ص10.
هذا يعني، ان طرفا ثالثا يسمى الشافع ، دخل في الوسط بين الطرف الاول
المتشفع منه (المشفع) والطرف الثاني المتشفع له.
وهو ما يسمى مجازا بـ (الواسطة) بين طرف واخر، او في مفهوم المشركين قبل
البعثة بمعنى :(المتخذينهم زلفى ، أي المتقرب بهم ) مع العلم ، يقول
القرآن الكريم:
(وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ
عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ
لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ
آمِنُونَ) (سـبأ:37) (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ
اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا
لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ
بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي
مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) (الزمر:3) وقد وردت الشفاعة وتصريفاتها
في القرأن الكريم في اكثر من اية:
*(لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ
عَهْداً) (مريم:87) *(يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ
أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً) (طـه:109) *(وَلا
تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا
فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا
الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (سـبأ:23) *(قُلْ لِلَّهِ
الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ
إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (الزمر:44) *(وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ
مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ
يَعْلَمُونَ) (الزخرف:86) *( وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ
نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا
عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) (البقرة:48) *( وَاتَّقُوا يَوْماً لا
تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا
تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) (البقرة:123) *(يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ
أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ
وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة:254) *( مَنْ يَشْفَعْ
شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ
شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً) (النساء:85) *( كل نفس بما كسبت رهينة * إلا
أصحاب اليمين * في جنات يتساءلون * عن المجرمين * ما سلككم في سقر *
قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين *
وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين * فما تنفعهم شفاعة الشافعين *
فما لهم عن التذكرة معرضين * كأنهم حمر مستنفرة *فرت من قسورة ).(38 -
51 )
*( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم
الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين * الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا
وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا
بآياتنا يجحدون *ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون
*هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت
رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا
نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون). (50 - 53 )
*( ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون * وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ
شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ) (الروم:
13) *( أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ
كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ) (الزمر:43)
*( فكبكبوا فيها هم والغاون * وجنود إبليس أجمعون * قالوا وهم فيها
يختصمون * تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين * وما
أضلنا إلا المجرمون * فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم ) (الشعراء : 94
- 101)
*(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا
يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ
أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي
الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (يونس:18)
*( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ
سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ
ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ
أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ
إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا
يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة:255)
*(وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ
لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ
يَتَّقُونَ) (الأنعام:51) *(وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ
لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ
أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ
وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا
أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ
حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) (الأنعام:70)
*(إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي
سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ
رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (يونس:3) *(اللَّهُ
الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ
أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ
وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ) (السجدة:4)
*(وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ
كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ) (غافر:
18)
***
اذن، من يملك فعل الشفاعة هم :
- مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً.
- إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً.
- إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ.
- إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ.
والمنفي عنهم الشفاعة:
- من يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ.
- لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا
شَفَاعَةٌ.
- المشركون.
- المجرمون.
- اِلظَّالِمِونَ.
- الذين نسوا الدين.
- الكافرون.
- الممتنع عن الانفاق.
- المفترون.
- الغاوون .
- جنود إبليس.
- المكذبون بيوم القيامة.
- الذين اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ
الْحَيَاةُ الدُّنْيَا.
فيما يذكر الفكر الشيعي الامامي بلا دليل موثق اؤلئك الذين يملكون
الشفاعة (بإذن الله) وهم:
- النبي (ص).
- السيدة فاطمة الزهراء.
- الامام علي بن ابي طالب و الائمة.
- الشيعة المؤمنون.
- الشهداء.
- العلماء.
- الصالحون.
وحتما ان الشهداء والعلماء والصالحين هم فقط من الشيعة طالما خص
الشيعة من المؤمنين فقط .
دراستنا هذه تناقش هذه المسألة عند الامام الشيخ حسين المؤيد ، الذي
رفع راية الاصلاح في المذهب الشيعي (5) فضلا عن انه صاحب مشروع اصلاحي
وطني واسلامي .
***
الشفاعة عند سماحة الامام الشيخ المؤيد:
ناقش سماحة الامام الشيخ هذه المسألة انطلاقا من قواعد اساسية ذكرها
سماحته، منها :
1- ان الشفاعة قضية تعيش في وجدان الناس و تنعكس على سلوكهم و طريقة
تفكيرهم و نظرتهم الى الأمور ، و هي مضافاً الى أنها تلتقي مع نزعة في
نفس الانسان تميل الى التشبث يأطواق النجاة و ان على مستوى الامل ، فانها
اتخذت بدوافع سياسية و مصلحية أيضاً لتبرير تصرفات الظالمين و من على
شاكلتهم و ترميم صورتهم بين الناس و تسكين خواطرهم ازاء ما يصدر عنهم من
سيئات.
2- إنّ تكوين مفهوم صائب عن الشفاعة يجب أن يمر عبر التركيز على ما ورد
في القرآن الكريم و جعله الأساس الذي بناءً عليه يتم التعامل مع ما ورد
في الشفاعة من أحاديث فلا يؤخذ الا بما ينسجم و المعطيات الموجودة في
القرآن الكريم ، و يترك ما عدا ذلك وان كان له سند معتبر ، لأن اعتبار
السند لوحده لا يكفي في حجية الحديث و انما يجب التأكد من سلامة المتن
أيضاً على أساس عدم التنافي مع محكمات القرآن الكريم و مسلمات العقل و
الفطرة .
ومن هذه المنهجية العلمية / الواقعية ، ناقش سماحة الامام الشيخ
مفهوم الشفاعة، فكانت (نظريته) او رأيه الذي لا يبتعد عن القرآن
الكريم .
***
ان نظرية الامام الشيخ، تعتمد على :
1 - أن الأصل و القاعدة العامة في الثواب و العقاب و الجزاء هيَ الإيمان
و العمل.
2 - ان للشفاعة دور في يوم الجزاء و ان لم تكن الأصل و القاعدة لكنها
عامل مساعد .
3- ان قرار الشفاعة بيد الله تعالى وحده ، فهو مالك الشفاعة و اليه يرجع
أمرها ، و ليس هناك تفويض عام بها لأحد من دون الله عز و جل.
4- إن الشفاعة يوم القيامة لا تكون الا بإذن من الله عز و جل في ذلك
اليوم فليس لأحد أن يبادر بالشفاعة لأحد.
5- ان تأثير الشفاعة يتوقف على أمرين :- الأول :- اذن الله تعالى
بالشفاعة . الثاني :- رضاه بها .
6- انّ الشفاعة لا تكون في كل المجالات.
7- أنّ الاذن بالشفاعة لن يعطى الا اذا ارتضى الله تعالى الشفاعة للمشفوع
له، و لعل هذه الغيبية تأتي في سياق يربي الناس على عدم الاتكال على
الشفاعة بدلاً من العمل.
8- لم يذكر القرآن الكريم تفاصيل المجالات التي تقبل فيها الشفاعة.
9- لم يتحدث القرآن الكريم عن تفاصيل الشافعين.
ونفهم من اعلاه :
انها بيد الله، ولا تفويض عام بها الا لمن يرتضيه و يأذن له ، وليست
عامة ،وعلى المؤمن ان لا يتكل عليها لان ايمانه وعمله هما العاملان
المساعدان في الحصول عليها.
فيتوصل سماحة الامام الشيخ الى نتيجة مفادها :
1 - أن الشفاعة قضية محدودة بحدود معينة و انها ترتبط باذن الله تعالى و
لها مجالات معينة و لا تكون الا في حق أشخاص معينين .
2 - لا بد أن تعرض أحاديث الشفاعة على هذه المعطيات القرآنية فيقبل منها
ما لا يتعارض و هذه المعطيات تعارضا بيناً و يرفض الباقي .
وهاتان النتيجتان (أي محدودية الشفاعة وصحة الاحاديث) لم يضعهما نصب
عينيه كل من ناقش هذه المسألة من فلاسفة وكلاميين ومفسرين ورجال دين
وغيرهم.
وقد انتبه سماحة الامام الشيخ الى قضية كانت غائبة عمن ناقش هذه
المسألة وهي قضية التوبة المفتوح بابها امام المؤمنين ، ومن خلالها يمكن
للعبد ان يراجع اعماله فيتوب ولا ينتظر الشفاعة الاخروية.
*(وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ
اهْتَدَى) (طـه:82) اذن فالشفاعة ، كما يقول سماحة الامام الشيخ:
((ليست ذلك الباب المفتوح على مصراعيه ليكون طوق النجاة للمجرمين و
الآثمين ليتعلقوا به ، و ليست رجاءً يعوّل عليه من لا يريد أن يسعى و
يتواكل عن العمل إتكالاً على الشفاعة ، كما أنها ليست باباً ضيقة تختص
بالمتقين فقط دون غيرهم ، فإن هذا الاختصاص لا تدل عليه آيات القرآن
الكريم ، و قوله تعالى ( و لا يشفعون الا لمن إرتضى ) المقصود به من
ارتضى للشفاعة و ليسَ من ارتضى بمعنى من اتقى و رضي عنه لتكون الشفاعة
خاصة بالمتقين لان هذا الفهم لا ينسجم مع ما يفهم عرفاً من معنى الشفاعة
و من الجو العام لآيات الشفاعة و قيودها الموحي بالشفاعة لمن يحتاج اليها
في درء العذاب أو تخفيفه ، و هذا لا يتنافى مع استحقاق المذنب للعقاب
الاخروي حتى تلك الذنوب التي يستحق عليها الخلود في النار لأنه قد يكون
له من الأعمال و المواقف ما يفتح له معها باب الشفاعة عند الله تعالى في
التخفيف أو المسامحة . نعم كل ذلك في إلاطار الذي لا يخرج بالشفاعة عن
مقتضى فلسفة المعاد و عن القاعدة الأساسية في الجزاء)).
***
اخيرا :
نسأل: من هم الشافعين عند الله ، من دونه سبحانه؟
الجواب : هم من ارتضى الله لهم الشفاعة.
: ومن هم اؤلئك؟
: انهم في غيب الله .
***
الهوامش:
1- انكرت المعتزلة الشفاعة ، لتأكيد العدل الالهي.
2 - رأيي – المتواضع - في الاحاديث النبوية : انها ما زالت غير موثقة
وغير متفق عليها بين المذاهب الاسلامية ، وسبق ان قلت هذا الرأي في اكثر
من دراسة ، لهذا اعتبر كل حديث موضوع ما لم يثبت العكس.
3 - موسوعة أحاديث أهل البيت (ع) - الشيخ هادي النجفي - ج 4 - ص 299 –
304 – ط الأولى 1423 – 2002 م - دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر
والتوزيع - بيروت – لبنان - شارع دكاش.
4 - (الشفاعة حقيقة إسلامية - مركز الرسالة ) سأعتمد هذا المصدر في هذه
الدراسة ، كونه يناقش الشفاعة من وجهة نظرالمذهب الشيعي الامامي المتداول
في مصادره المعتمدة ، ونقارنه بمفهوم الشفاعة من وجهة نظر شيعية اخرى ،
هي وجهة نظر سماحة الامام المؤيد في اجابته للسائل عن الشفاعة. وسأذكر
الصفحة فقط من المصدر اعلاه عند الاخذ منه، ما لم اذكر غير ذلك.
5 - لا ننكر ان هنالك رجال دين شيعة من المراجع او الذين اقل منهم درجة
حوزوية ، لهم مشاريعهم الاصلاحية داخل هذا المذهب.
***
12
المشروع الاصلاحي والتجديدي في مسألة الخمس
عند سماحة الامام المؤيد
مسألة الخمس من القضايا المختلف في: جبايتها، ومتى تجبى ، و من له
الامربذلك ،ومن المستفيد منها ، بين المذاهب الاسلامية، وبين مدارس
المذهب الواحد.
((وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ
خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى
وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ
وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى
الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)). (الانفال :41)
1 - المناسبة التي نزلت فيها تلك الاية هي ما حصل عليه المسلمون من غنائم
في معركة بدر.
وفي الوقت نفسه جاءت الاية / 36 التي قبلها التي تؤكد على: (( إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ
اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ
يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ)). من
السورة ذاتها ، لتخبر المسلمين ، ان تلك الغنائم هي من اموال المشركين
التي جمعوها ليحاربوا بها الله ورسوله ،فيجب ان تذهب عنهم تلك الاموال
ليندموا على ما فعلوا، وليتحسروا على تلك الاموال التي غنمتموها .
اذن ، فالخمس يؤخذ من غنائم الحرب.
2 – ان المصادر التاريخية لم تذكر ان النبي (ص) قد ادخل المكاسب في باب
الخمس ، ولم نطلع على ان جباة النبي(ص) قد جبوا هذا النوع ، وكذلك
بالنسبة لخلفائه الراشدين ، وخاصة الامام علي بن ابي طالب .
3 – الذي حصل – حسب المصادر الشيعية الامامية الاثني عشرية – ان الائمة
قد اوجبوا الخمس على المكاسب بحكم كونهم ولاة امر الشيعة وقتذاك، من باب
ما اسماه سماحة الامام الشيخ المؤيد (الأحكام الولائية) وليس كواجب شرعي
الهي بنص قرآني ، لانه – كما يقول سماحته – جاء بناء على ( أساس امامتهم
و ولايتهم التي تعطيهم صلاحية فرض ضريبة على قواعدهم المنتمية لهم و
المعتقدة بإمامتهم).
والدراسة هذه ترى، ان ذلك من حق الامام وقتذاك ، كونه بعيدا عن
الخلافة الرسمية التي تخوله الحصول على غنائم الحروب فيما لو وقعت حرب
ما.
الا ان المصادر التاريخية تذكر- ايضا - ان بعض الائمة اوقفوا اخراج
الخمس عدة مرات ، وهذا ما يذكرة سماحته في اجابته التي تعتمدها هذه
الدراسة ، ويقول سلار ( المتوفي سنة 448 هـ ) في ( المراسم العلوية -
سلار بن عبد العزيز - ص 142):
(( والمأخوذ منه الخمس : إذا كان مأخوذا بالسيف ، فأربعة أخماسه :
بين من قاتل عليه ، فإن اختار الإمام قبل القسمة شيئا من الغنيمة - كائنا
ما كان - فهو له . والأنفال له أيضا خاصة ، وهي : كل أرض فتحت من غير أن
يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، والأرض الموات ، وميراث الحربي ، والآجام ،
والمفاوز ، والمعادن ، والقطائع . فليس لأحد أن يتصرف في شئ من ذلك ، إلا
بإذنه ، فمن تصرف فيه بإذنه ، فله أربعة أخماس المستفاد منها ، وللإمام
الخمس . وفي هذا الزمان قد أحلوها مما نتصرف فيه من ذلك كرما وفضلا لنا
خاصة )).
***
لنلقي نظرة سريعة على مسألة الخمس منذ عهد الائمة الى يومنا هذا :
في كتاب فقه الرضا ، المنسوب للامام الرضا - علي بن بابويه - ص
294:جاء في باب الغنائم والخمس: (( إعلم أن الأرض لله يورثها من يشاء من
عباده والعاقبة للمتقين . وأروي عن العالم عليه السلام ، أنه قال : ركض
جبرائيل عليه السلام برجله حتى جرت خمسة أنهار ، ولسان الماء يتبعه :
الفرات ، ودجلة ، والنيل ، ونهر مهربان ، ونهر بلخ فما سقت وسقي منها
فللإمام ، والبحر المطيف بالدنيا . وروي أن الله عز وجل جعل مهر فاطمة
عليها السلام خمس الدنيا ، فما كان لها صار لولدها عليهم السلام . وقيل
للعالم عليه السلام : ما أيسر ما يدخل به العبد النار ؟ قال : أن يأكل من
مال اليتيم درهما ، ونحن اليتيم. وقال جل وعلا : ( واعلموا أنما غنمتم من
شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ) إلى آخر الآية ، فتطول علينا بذلك
امتنانا منه ورحمة إذا كان المالك للنفوس والأموال وسائر الأشياء الملك
الحقيقي ، وكان ما في أيدي الناس عواري و أنهم مالكون مجازا لا حقيقة
له . وكل ما أفاده الناس فهو غنيمة ، لا فرق بين الكنوز والمعادن والغوص
ومال الفئ الذي لم يختلف فيه ، وهو ما ادعي فيه الرخصة ، وهو ربح التجارة
وغلة الضيعة ، وسائر الفوائد من المكاسب والصناعات والمواريث وغيرها ،
لأن الجميع غنيمة وفائدة من رزق الله تعالى. فإنه روي أن الخمس على
الخياط من إبرته ، والصانع من صناعته ، فعلى كل من غنم من هذه الوجوه
مالا فعليه الخمس ، فإن أخرجه فقد أدى حق الله عليه ، وتعرض للمزيد ،
وحاله الباقي من ماله وطاب ، وكان الله أقدر على إنجاز ما وعده العباد من
المزيد والتطهير من البخل ، على أن يغني نفسه مما في يديه عن الحرام الذي
يحل فيه ، بل قد خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين ، فاتقوا
الله وأخرجوا حق الله مما في أيديكم ، يبارك الله لكم في باقيه وتزكوا ،
فإن الله تعالى الغني ونحن الفقراء . وقد قال الله تعالى : ( لن ينال
الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) فلا تدعوا التقرب إلى
الله بالقليل والكثير على حسب الإمكان وبادروا بذلك الحوادث ، واحذروا
عواقب التسويف فيها ، فإنما هلك من هلك من الأمم السالفة بذلك ، وبالله
الاعتصام )).
من الحديث اعلاه نفهم ان الخمس يجبى من : (كل ما أفاده الناس فهو
غنيمة ، لا فرق بين الكنوز والمعادن والغوص ومال الفئ الذي لم يختلف
فيه ، وهو ما ادعي فيه الرخصة ، وهو ربح التجارة وغلة الضيعة ، وسائر
الفوائد من المكاسب والصناعات والمواريث وغيرها ، لأن الجميع غنيمة
وفائدة من رزق الله تعالى)
فيما يذكرالشيخ الكليني في الكافي - ج 8 - ص 285 – 286 الرواية
التالية :
(( علي بن محمد ، عن علي بن العباس ، عن الحسن بن عبد الرحمن ، عن
عاصم بن حميد ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : قلت
له : إن بعض أصحابنا يفترون ويقذفون من خالفهم ؟ فقال لي : الكف عنهم
أجمل ، ثم قال : والله يا أبا حمزة إن الناس كلهم أولاد بغايا ما خلا
شيعتنا ، قلت : كيف لي بالمخرج من هذا ؟ فقال لي : يا أبا حمزة كتاب الله
المنزل يدل عليه أن الله تبارك وتعالى جعل لنا أهل البيت سهاما ثلاثة في
جميع الفيئ ثم قال عز وجل : " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه
وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل " فنحن أصحاب الخمس
والفيئ وقد حرمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا والله يا أبا حمزة ما من
أرض تفتح ولا خمس يخمس فيضرب على شئ منه إلا كان حراما على من يصيبه فرجا
كان أو مالا ولو قد ظهر الحق لقد بيع الرجل الكريمة عليه نفسه فيمن لا
يزيد حتى أن الرجل منهم ليفتدي بجميع ماله ويطلب النجاة لنفسه فلا يصل
إلى شئ من ذلك وقد أخرجونا وشيعتنا من حقنا ذلك بلا عذر ولا حق ولا حجة .
قلت : قوله عز وجل : " هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنين " قال : إما موت
في طاعة الله أو أدرك ظهور إمام ونحن نتربص بهم مع ما نحن فيه من الشدة "
أن يصيبهم الله بعذاب من عنده " قال : هو المسخ " أو بأيدينا " وهو
القتل ، قال الله عز وجل . لنبيه ( صلى الله عليه وآله ) : " قل تربصوا
فإنا معكم المتربصون " والتربص انتظار وقوع البلاء بأعداءهم)) .
هذا معناه ان الامام الباقر حلل الخمس والفيء على الشيعة ، اذن ، فلا
يجبى منهم .
وقد تعددت اراء علماء الشيعة في فترة الغيبة خاصة بين ترك الخمس
للشيعة ، وبين كنزه ، و بين كنز قسم منه والقسم الاخر يتصرف به الشيعي
كما يحب .
اما مجتهدي عصرنا الحالي والعصر الذي سبقه تقريبا ، فحملوا الخمس ما
لا يمكن تحميله زائدا عن الحق الشرعي الالهي الذي نزل به القرآن الكريم ،
حتى وصل الحال بهم ان يشاركوا عامة الشيعة في اتعابهم التي يقبضون جرائها
اجرهم اليومي، او معاشهم الحكومي، دون ان يشاركوهم كدهم وتعبهم بلا دليل
قرآتني او حديث معتبر صحيح الاسناد والمتن. (مراجعة الملاحق)
ولا نريد ان نطيل في هذا الموضوع ، واحيل القاريء النبيه الى ملاحق
هذا الموضوع التي ستعطيه فكرة عامة عن مسألة الخمس .
***
قال سماحة الامام الشيخ المؤيد :
(( الذي أذهب اليه هو أن خمس أرباح المكاسب ليس من التشريعات على مستوى
الأحكام الشرعية الثابتة في الشريعة الإسلامية , فهو ليس كالزكاة التي هي
ضريبة نص عليها القرآن الكريم و قرنها بالصلاة في مواضع كثيرة , وَ وردت
نصوص نبوية في بيان أحكامها و تصدى رسول الله صلى الله عليه و على آله و
سلم لجبايتها . فخمس أرباح المكاسب ليس كالزكاة من حيث كونه حكماً من
الأحكام الثابتة في الشريعة الإسلامية .
الاّ أن عدداً من أئمة آل البيت عليهم السلام تصدوا لطلب خمس أرباح
المكاسب من شيعتهم , و أوجبوا عليهم دفع هذا الخمس و وردت في هذا نصوص
كثيرة , و ثبت هذا الأمر في الواقع التاريخي , و كان له رد فعل في فرق
شيعية أخرى حيث أن بعض أئمة و فقهاء الزيدية اعترضوا على ذلك في وقته .
و الذي يدقق في هذه القضية يجد أن الائمة الذين أوجبوا الخمس في أرباح
المكاسب لم يوجبوه بوصفه حكماً شرعياً ثابتاً من أحكام الشريعة , و انما
بنوا ذلك على أساس امامتهم و ولايتهم التي تعطيهم صلاحية فرض ضريبة على
قواعدهم المنتمية لهم و المعتقدة بإمامتهم , فيكون وجوب دفع الخمس اليهم
طاعة لولي الأمر , و يكون هذا الخمس من الأحكام الولائية و من الأحكام
التي يملأ بها ولي الأمر ما اصطلح عليه الإمام الشهيد السيد محمد باقر
الصدر قدس سره بمنطقة الفراغ و التي يملأها ولي الأمر حسب مقتضيات
المصلحة العامة , و هذه الأحكام وان أخذت طابع الإلزام و وجوب الطاعة من
وجهة نظر شيعية الا انها ليست من الأحكام الشرعية الثابتة في الشريعة و
انما هي من القوانين التنفيذية التي يصدرها الإمام بصفته ولياً للأمر . و
يبدو أن الأئمة عليهم السلام قد رأوا أن وجود ميزانية مالية بأيديهم لسد
حاجات شيعتهم و ضمان إستقلاليتهم لممارسة دورهم في الإمامة ضرورة تستدعي
فرض ضريبة على شيعتهم لتحقيق هذا الهدف فأوجبوا عليهم ذلك باعتبار
ولايتهم التي يعتقد بها شيعتهم
و هذا هو الذي يفسر تحليل الخمس من قبل بعض الأئمة في فترات معينة و
تجميد طلبه في فترات معينة . فان خمس أرباح المكاسب لو كان حكماً شرعياً
ثابتاً في الشريعة كالزكاة فانه ليس للإمام تعطيل هذا الحكم الشرعي أو
جعل الناس في حل من إمتثاله اذ ليست له ولاية على الأحكام الشرعية
الثابتة في نفسها في الشريعة و لذا ليس له تعطيل الزكاة أو جعل الناس في
حل من دفعها في نفسها . بل ان لسان التحليل انما يتناسب مع الأحكام
الولائية التي يصدرها الإمام ملأً لمنطقة الفراغ و لا يتناسب مع الأحكام
الشرعية الثابتة في الشريعة الإسلامية .
و أما النصوص الصادرة من الأئمة عليهم السلام الدالة على خلاف ذلك
فهي محل مناقشة علمية ولا تصمد أمام التحقيق.
و في ضوء هذا الفهم , لا يكون اخراج خمس أرباح المكاسب واجباً على
المكلف كحكم شرعي تكليفي أولي . و ما طلبه الأئمة بحكم الولاية فقد أحلوه
و أباحوه لشيعتهم و لا يجب عليهم دفعه الا اذا طلبه من له الولاية عليهم
بحكم ولايته .
و أما الزكاة فهي ضريبة منصوصة في الشريعة اٍلاسلامية و يجب دفعها
إمتثالاً لحكم ثابت في الشريعة . و نحن نميل الى وجوبها في الأوراق
النقدية و عدم إختصاص وجوبها بالذهب و الفضة المسكوكين بسكة المعاملة
((..
من خلال فتوى سماحة الامام الشيخ المؤيد (اجابته عن سؤال حول الخمس)
نفهم ان سماحته يفرق بين الغنائم والمكاسب .
1 – خمس الغنائم قد شرع بنص ،اي انه حكم شرعي.
2- خمس ارباح المكاسب ليست من الأحكام الشرعية الثابتة، لانها تفتقد
لدليل.
***
وهكذا يأتي الحكم الشرعي لسماحته مقرونا بدليل اثبات الخمس على
الغنائم فقط (وهو دليل قرآني)، اما خمس ارباح المكاسب فلا دليل عليه.
ان سماحة الامام الشيخ يعتمد في فتواه على الدليل القرآني ، والدليل
الحديثي الذي يثبت انه موثوق ومعتبر، اما الحديث والرواية التي يكون في
متنها اضطراب او تناقض مع القرآن الكريم ، او تناقض داخل متنها - وكذلك
بالنسبة لسندها غير الصحيح - فيضرب به عرض الحائط ، حتى لو كان السند
معتبرا الا ان المتن في حالات الاضطراب المذكورة.
هذا هو التجديد الذي عنيته في العنوان ، أي تجديد النظر بما قيل
سابقا ،وفحص هذا القول حسب الدليل الصحيح، ومن هذا التجديد ينبثق التصحيح
في الفكر الشيعي الامامي على الرغم من ان مسألة الخمس من العقائد (عند
علماء الشيعة الامامية الاثني عشرية)،حيث ان من لا يعتقد به يخرج من
الملة.
و لو راجعنا باب الملاحق ،ملحق الخمس ، فقرة/ 1 ، لتبين لنا كيف ان
السيد الخوئي المرجع الديني للشيعة الامامية الاثني عشرية (المرجع الديني
لسبعينات وثمانينيات وبداية تسعينات القرن الماضي) يوجب دفع الخمس من
المال الذي يجعل من صاحبه مستطيعا على القيام بفريضة الحج حتى لو نقص ذلك
المال وتوقفت فريضة الحج، مع العلم ان فريضة الحج فريضة شرعية وجاء فرضها
بدليل قرآني واضح البيان :
((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)).
(آل عمران:97)
***
13
القصص في القرآن
ضم القرآن الكريم سورا وايات جاءت بشكل قصصي تروي لنا حياة الانبياء
والرسل السابقين لنبينا محمد (ص) ، وكذلك قصص عن الاقوام السالفة عن عصر
البعثة النبوية ، وقصص اخرى في مواضيع شتى ، وان المراد من تلك القصص كما
قال الله سبحانه عدة وظائف لم تكن الوظيفة التاريخية احدها: (1)
(تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ
جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا
بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ
الْكَافِرِينَ) (لأعراف:101) (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ
أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ
الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود:120) (كَذَلِكَ
نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ
لَدُنَّا ذِكْراً) (طـه:99) (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا
نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ
بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً) (الفرقان:32) اذن
وظيفتها هي : ( تثبيت فؤاد النبي ، موعظة وذكرى للمؤمنين ).
وقد درس المسلمون قديما وحديثا ، هذه القصص وبينوا وظيفتها وسبب
ورودها في كتاب الهي ، وانقسم المسلمون فيها الى قسمين : قسم قال انها
حدثت حقيقة في الواقع ، اما القسم الثاني ، فمنهم من قال ان قصص القرآن
اخذت الاطار العام لما حدث واقعا ولم تفصّل ، ومنهم من قال : انها جاءت
للتمثيل ولم تقع حقيقة .
وقد تناول الامام الشيخ محمد عبدة (من المتأخرين ) في بداية القرن
الماضي هذه القصص - على سبيل المثال - فقال عنها : (2)
(( وتقرير التمثيل في القصة على هذا المذهب هكذا. ان اخبار الله
الملائكة يجعل الانسان خليفة في الارض هو عبارة عن تهيئة الارض وقوى هذا
العالم وارواحه لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها فيكون بها كمال الوجود
في هذه الارض .
وسؤال الملائكة عن جعل خليفة يفسد في الارض لانه يعمل باختياره ويعطي
استعدادا في العلم والعمل لاحد لهما هو تصوير لما في استعداد الانسان
لذلك وتمهيد لبيان انه لا ينافي خلافته في الارض . وتعليم ادم الاسماء
كلها بيان لاستعداد الانسان لعلم كل شيء في هذه الارض وانتفاعه به في
استعمارها. وعرض الاسماء على الملائكة وسؤالهم عنها وتنصلهم في الجواب
تصوير لكون الشعور الذي يصاحب كل روح من الارواح المدبرة للعوالم محدودا
لا يتعدى وظيفته. وسجود الملائكة لادم عبارة عن تسخير هذه الارواح والقوى
له ينتفع بها في تربية الكون بمعرفة سنن الله تعالى في ذلك . واياه ابليس
واستكباره عن السجود تمثيل لعجز الانسان عن اخضاع روح الشر وايطال داعية
خواطر السوء التي هي مثال التنازع والتخاصم والتعدي و الافساد في الارض .
ولولا ذلك لجاء على الانسان زمن يكون فيه افراده كالملائكة بل اعظم او
يخرجون عن كونهم من هذا النوع البشري... الخ )) .
وقال كذلك عند تفسيره لقصة هاروت وما روت من سورة البقرة ما يلي :
((: بينا غير مرة ان القص جاءت في القرآن لاجل الموعظة والاعتبار لا
لبيان التاريخ ولا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الاخبار عند الغابرين وانه
ليحكي من عقائدهم الحق والباطل ومن تقاليدهم الصادق والكاذب ومن عاداتهم
النافع والضار لاجل الموعظة والاعتبار فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة
ولا تتجاوز مواطن الهداية ولا بد ان يأتي في العبارة اوالسياق واسلوب
النظم ما يدل على استحسان الحسن واستهجان القبيح)). ص 205 – المصدر
السابق.
و يقول الاستاذ خلف الله : (( ونستطيع ان نختم هذا العرض لاقوال
المفسرين بذلك النص الواضح البين الذي يصور رأي الاستاذ الامام في القصة
التمثيلية . جاء في المنار ما يلي:
واما تفسير الايات على طريقة الخلف في التمثيل فقال فيه ان القرآن كثيرا
ما يصور المعاني بالتعبير عنها بصيغة السؤال والجواب او باسلوب الحكاية
لما في ذلك من البيان والتأثير فهو يدعو بها الاذهان الى ما وراءها من
المعاني كقوله تعالى " يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد" فليس
المراد ان الله تعالى يستفهم منها وهي تجاوبه وانما هو تمثيل لسعتها
وكونها لا تضيق بالمجرمين مهما كثروا ونحو قوله عز وجل بعد ذكر الاستواء
الى خلق السماء " فقال لها وللارض ائتيا طوعا او كرها قالتا آتيا طائعين"
والمعنى في التمثيل ظاهر.)) ص196 – المصدر السابق.
***
وعن ورود قصة ياجوج وماجوج في القرآن الكريم (3)، سائل يسأل سماحة
الامام الشيخ المؤيد قائلا:
(( الموضوع الذى اثيره امامكم اخذ حيزا واسعا و اهتماما كبيرا من قبل
علماء الدين و المفسرين بل حتى طلاب الدراسات العليا الذين جعلوا من هذا
الموضوع مجال البحث فى الا طروحة المقدمة للحصول على شهادة الماجستير او
الدكتوراه .
الموضوع يتعلق بقصة ياجوج و ماجوج مع ذى القرنين الواردة فى سورة الكهف ،
لقد اطلعت على الكثير من كتب التفسير و الكتب الخاصة بهذا الموضوع و كذلك
بعض المواقع الدينية و استطيع ان الخص النتيجة بما يلى :
- الغالبية العظمى تشير الى احاديث للرسول عليه الصلاة و السلام تذكر فيه
وجود هذه الاقوام و تتوسع فى ذكر صفاتها و خواصها التى تختلف عن صفات
البشر و انها موجودة منذ ذلك الوقت محجوزة خلف السد و الى قرب قيام
الساعة وانها تقوم بحفر فتحة فى هذا السد يوميا الا ان هذه الفتحة تعود
فتنغلق و تتكرر هذه الحالة بشكل يومى و الى قيام الساعة .
- بعض المفسرون ينهون عن الاستفهام عن هذا الموضوع و يجب اخذ ه كما هو و
يعتبرون ان هذا الاستفسار انما يعتبر تشكيكا فى مصداقية ما ورد فى القران
الكريم .
وردت استفسارات عديدة جدا الى المواقع الدينية كما قراتها تسال عن اين
توجد هذه الاقوام و بهذه الاعداد الهائلة و اين هذا السد الذى يحجزهم و
كيف لم يمكن اكتشاف وجودهم الى الان بالرغم من التطور العلمى الذى لم
يترك اى بقعة من الارض دون معرفة ما موجود على سطحها او فى باطنها و
طبقاتها ، ان هذا السؤال اجده مشروعا طالما ان الغاية منه هو المعرفة و
ليس التشكيك او التكذيب
- بعض المفسرون شرحوا بان السد قد دك فى وقته و ان هذه الاقوام قد خرجت و
اندمجت مع غيرها من الاقوام و انهم سيعاودون الظهور قرب قيام الساعة .
هنا اود ان استفسر من سماحتكم حول ما يلى :
ما هى رؤية سماحتكم حول هذه القصة المتعلقة بياجوج و ماجوج و قصة السد ؟
هل ان الاستفسار عن تفاصيل هذا الموضوع يعتبر غير مشروع كما يعتبره بعض
علماء الدين )).
جواب سماحة الامام الشيخ:
(( لا يعتبر الاستفسار عن هذه القصة أمراً غير مشروع ، فليس هناك من
النصوص الشرعية ما يمنع من الاستفسار أو ما يحجر على العقول . و للانسان
أن يبحث دائماً حتى يتمكن من الوصول الى الحقيقة ، و ليس في البحث تكذيب
للقرآن الكريم، فالقرآن الكريم له مصداقية تتضائل أمامها و تذوب كل نقاط
التشكيك ، و ليس من المنطقي أن يعكس الانسان جهله الناشيء من قصور في
رؤيته أو نضب في مادة بحثه على القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من
بين يديه و لا من خلفه . و ما أكثر الحقائق التي جاء بها القرآن الكريم و
لم تكتشف في قرون مضت ثم جاء التطور العلمي ليكشف هذه الحقائق التي سبق
اليها القرآن الكريم .
و لا بد للباحث أن يتقيد بمنهج معين في التعامل مع آيات القرآن
الكريم فيما يتصل بامثال هذه الامور . فالقرآن الكريم ليس كتاب تاريخ أو
جغرافيا و ليس كتاباً لبيان حقائق الفيزياء أو الكيمياء أو ما شاكل ، و
انما هو كتاب هداية و دستور عمل و سفر عقيدة و ايمان ، و اذا تطرقت بعض
آياته الى قصص تاريخية فليس الغرض منها سرد التاريخ و انما الغرض بيان
الدروس و العبر التي تصب في الاهداف المتوخاة للقرآن الكريم ككتاب هداية
و ايمان . و من هنا نجد أن آيات القرآن الكريم لا تتوقف كثيراً عند
التفاصيل التاريخية الا في حدود معينة يقتضيها هدف النص القرآني .
و من هنا فان الآيات الكريمة التي تحدثت عن ذي القرنين و الأحداث
التي جرت له لم تدخل في تفاصيل شخصية ذي القرنين و لا الخصوصيات
الزمكانية لهذه الأحداث لان الهدف ليس الا استخلاص الدروس و العبر التي
تتصل بالعقيدة و السلوك الايماني .
ومن الامور المهمة كمنهج في التعامل مع الايات القرآنية التي تتحدث عن
أحداث تاريخية :-
1 - عدم التعويل على الأحاديث المروية في تفسير هذه الآيات مما لا ينسجم
و حدود هذه الآيات و معطياتها أو لا ينسجم مع الواقع القطعي لان كثيراً
من هذه الأحاديث ضعيف أو موضوع أو مدسوس من الإسرائيليات .
2 - لا يصح محاكمة ما يعرضه القرآن الكريم الى التاريخ و قد أشار المرحوم
سيد قطب في كتابه القيّم في ظلال القرآن الى هذه الحقيقة قائلاً :-
" و من البديهي أنه لا تجوز محاكمة القرآن الكريم الى التاريخ لسببين
واضحين :-
أولهما :- ان التاريخ مولود حديث العهد فاتته أحداث لا تحصى في تاريخ
البشرية لم يعلم عنها شيئاً . و القرآن يروي بعض هذه الأحداث التي ليس
لها لدى التاريخ علم عنها .
و ثانيهما :- ان التاريخ – و ان وعى بعض هذه الأحداث – هو عمل من أعمال
البشر القاصرة يصيبه ما يصيب جميع أعمال البشر من القصور و الخطأ و
التحريف . و نحن نشهد في زماننا هذا – الذي تيسرت فيه اسباب الاتصال و
وسائل الفحص – أن الخبر الواحد أو الحادث الواحد يروى على أوجه شتى و
ينظر اليه من زوايا مختلفة و يفسر تفسيرات متناقضة و من مثل هذا الركام
يصنع التاريخ مهما قيل بعد ذلك في التمحيص و التدقيق .
فمجرد الكلام عن استفتاء التاريخ فيما جاء به القرآن الكريم من القصص
كلام تنكره القواعد العلمية المقررة التي ارتضاها البشر قبل أن تنكره
العقيدة التي تقرر أن القرآن هو القول الفصل " .
و أقول يجب الالتفات الى ما يلي :-
1 - لا يعوّل على الأحاديث التي توسعت في ذكر خصوصيات هذه القصة لا
سيما ما يخرج عن حدود ما جاء به القرآن الكريم و ما لا يسنده الواقع
القطعي و ما لا ينسجم و مضمون الآيات الكريمة الواردة بهذا الشأن .
2 - ان عدم وجود شواهد تاريخية فيما بين أيدينا من تاريخ لا يمكن أن
يزعزع ايماننا بصحة ما ورد في القرآن الكريم لان مصداقية القرآن الكريم
فوق كل الشبهات و لأن المنهج العلمي يرفض محاكمة آيات القرآن الى التاريخ
كما تقدم قبل قليل .
3 - يجب التقيد بفهم معتدل لآيات القرآن الكريم و عدم تحميلها ما لا
تحتمل فعلى سبيل المثال ليس في قوله تعالى " فما اسطاعوا أن يظهروه و ما
أستطاعوا له نقبا " دلالة على التأبيد الدائم و انما يمكن أن يكون وصفاً
للحالة في وقت بناء السد و في ذلك المقطع الزماني فلا ينافي تطور الأحداث
فيما بعد و تغير المشهد التاريخي لذا لا يمكن طرح التساؤل عن أنه كيف لم
يتم إكتشاف وجود هؤلاء الى الآن برغم التطور العلمي ، لسبب بسيط و هو أن
الآية الكريمة تتحدث عن مقطع زمني لا ينفي تغير المشهد التاريخي بفعل
تسلسل الأحداث . و ليس من الصحيح تحميل الآيات أكثر من مداليلها . و قوله
تعالى " قال هذا رحمة من ربي فاذا جاء وعد ربي جعله دكاء و كان وعد ربي
حقاً " لا دلالة له على بقاء المشهد التاريخي الحاصل في ذلك الوقت . لأن
المذكور في الآية الكريمة نقل لكلام ذي القرنين و هذا يعني تصور ذي
القرنين نفسه . مضافاً الى أن الحديث هو عن السد نفسه و ليس عن الأقوام
التي خلفه .
4 - ان عدم اكتشاف السد على فرض عدم تشخيصه لا يثير أدنى شك في ما جاء به
القرآن الكريم فالآية لم تذكر زمان هذا الحدث فقد يكون حدثاً بعيداً جداً
في أعماق التاريخ السحيقة و يكون السد موجوداً حقيقة لكن التغيرات
الجيولوجية أخفته . و نحن نشهد في زماننا إكتشاف آثار لم تكن معروفة
أصلاً قبل عقود من الزمن بفعل التنقيبات الأثرية و تكتشف مدن تحت
التراب ، و التنقيبات الأثرية لم تبلغ مداها في جميع بقاع الأرض فمن
الممكن أن يفاجأ الناس بفتح علمي أثري يكتشف هذا السد .
هذا ، و للعلامة الطاهر بن عاشور في تفسيره بيان يرى فيه أن ذا
القرنين كان ملكاً من ملوك الصين و ذلك لما يلي :-
1 - ان بلاد الصين اشتهر أهلها منذ القدم بأنهم أهل تدبير و صنايع .
2 - ان معظم ملوكهم كانوا أهل عدل و تدبير .
3 - ان من سماتهم تطويل شعر رؤوسهم و جعلها في ظفيرتين .
4 - ان سداً وردما عظيماً لا يعرف له مثيل في العالم موجود بين الصين و
بلاد المغول و هو المشهور بالسور الأعظم .
5 - ما روته أم حبيبة عن زينب بنت جحش رضي الله عنهما أن النبي صلى الله
عليه آله و سلم خرج ليلة فقال ويل للعرب من شر قد أقترب فتح اليوم من
الردم ماجوج و ياجوج هكذا و أشار بعقد تسعين من السبابة و الابهام .
و من المعلوم أن زوال عظمة سلطان العرب كان على يد المغول فيتعين أن
ياجوج و ماجوج هم المغول و أن الردم هو الفاصل بين الصين و منغوليا و كان
موجوداً في حدود سنة 247 ق.م .
وهكذا يصل الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى الى أن الردم المذكور في
الآية الكريمة هو سور الصين العظيم الذي بناه أحد ملوك الصين .
لكن المذكور عن سور الصين أنه مبني من الطين و الحجارة بينما القرآن
الكريم يتحدث عن سور مبني من الحديد الذي أذيب عليه النحاس حيث أن إختلاط
النحاس المذاب بالحديد يزيد من صلابته و قيل ان هذه الطريقة استخدمت
حديثاً في تقوية الحديد حيث وجد أن اضافة نسبة من النحاس اليه تضاعف
مقاومته و صلابته فكان هذا الذي هدى الله تعالى اليه ذا القرنين و ذكره
في القرآن الكريم سبقاً للعلم البشري الحديث بقرون .
اذن ليس المقصود بالردم سور الصين و ربما يكون السد أمام هجمات
المغول لكن ليس سور الصين و انما سد آخر لم يتم إكتشافه لحد الآن أو أن
سور الصين ليس كله من طين و حجارة و انما كان جزء منه قديماً قد استعمل
في بنائه الحديد و القطر .
و كيفما كان فإننا نتقيد بالحدود المذكورة في الآيات الكريمات ، و قد
ذكرته الآيات الكريمات لأخذ العبر و الدروس الإيمانية و لا يهمنا أين كان
هذا السد مكاناً و في أي زمان و انما المهم وقوع هذه القضية كحدث تاريخي
أخبر عن وقوعه القرآن الكريم و من أصدق من الله حديثاً)).
اذن ، لا يمكن محاكمة قصص القرآن الكريم محاكمة التاريخ، لان الله
سبحانه وتعالى لم يرد ذلك ، وانما اراد منها ان تؤدي دورا مهما هو :
( تثبيت فؤاد النبي ، موعظة وذكرى للمؤمنين) اما غير ذلك فليس من
مهامها .
***
الهوامش:
1 - اقصد بالوظيفة التاريخية هو سرد لاحداث تاريخية لبيان وقعوعها حقيقة.
2 - راجع : الفن القصصي في القران الكريم – محمد احمد خلف الله – سينا
للنشر – الانتشار العربي – لندن – بيروت – القاهرة – ط4 - 1999 – ص197.
3 – راجع ملحق قصة يأجوج ومأجوج، بين القرآن والتوراة .
-------
-الشعائر الحسينية
يمارس بعض العامة من الشيعة الامامية دون الخاصة من رجال الدين بعض
الممارسات المستوردة من الهند (1) ، كاللطم وضرب الرؤوس بالسيوف
والقامات ، وضرب الظهر بالسلاسل ، وقد افتى الكثير من مجتهدي الشيعة
بحرمتها ، وسكت البعض عنها ، لانها اعمال مستحبة برأيهم الفقهي ، اما
الذين حرموها فلم تنشر فتاويهم بين عامة الشيعة ، وهذا يعني قبول فعلها
من باب الاستحباب ، الا ان سماحة الامام الشيخ له رأي صريح بها ، وهو
حرمة هذه الممارسات.
***
1- معنى الشعائر الحسينية:
(( س 1 - هل التبرع بالدم في يوم عاشوراء او يوم أربعينية الحسين
عليه السلام يعتبر من شعائر الحسينية ؟ خصوصا ما يتردد في أواسط الناس ان
بدل التطبير وضرب الزناجير الأفضل التبرع بالدم.
س 2 - هل التطبير و الضرب الزناجير والتي تدمي الشخص مباح في رأي
سماحتكم ؟ أي هل يقع إشكال شرعي على ذلك ؟
س 3 - هل التطبير والضرب الزناجير يعتبر من الشعائر الحسينية ؟ خصوصا
مجتمعا يمارسها من سنين)).
جواب سماحة الامام الشيخ:
(( جواب السؤال الأول: لا يعتبر من الشعائر الحسينية و إن كان فيه
ثواب جزيل و خدمة إنسانية ، و هو ممارسة صحيحة بدلاً عن التطبير الذي هو
ممارسة خاطئة و فعل محرم .
جواب السؤال الثاني: لا يجوز التطبير و ضرب الزناجيل .
و في ذلك إشكال شرعي ، فإن التطبير و ضرب الزناجيل عمل محرم ، و ليس ذلك
من الشعائر الحسينية ، و اذا أتى الشخص به على أنه من الشعائر يكون
مبتدعاً و يأثم إثمين إثماً لحرمة العمل نفسه ، و إثماً للابتداع .
جواب السؤال الثالث: لا يعتبر من الشعائر الحسينية ، و طول الممارسة لا
يجعلها شعيرة ، و إنما هي عادة خاطئة و عمل محرم)) .
***
2 - ضرب الزنجيل والتطبير:
(( ماحكم سماحتكم في الممارسات التي تشوب الشعائر الحسينية من قبيل
الزنجيل والتطبير وكل ما من شئنه الحاق اذى بالجسد )).
جواب سماحة الامام الشيخ:
(( لاشك في ان نهضة الامام الحسين عليه السلام لم تكن حدثا تاريخيا
عابرا أو واقعة مأساوية كسائر الوقائع العادية التي تحفل بها الازمنة،
وانما كانت واقعة من اهم الوقائع الكبرى التي يهتز لها الوجدان الانساني
وتطبع بصماتها على الناس . وقلما يظفر المتأمل في سجل التاريخ بحادثة
كحادثة كربلاء ، وقضية كقضية أبي الاحرار الامام الحسين عليه السلام في
اثارتها للوجدان الجماهيري وتحريكها للعاطفة الانسانية بصورة مستمرة
وبالزخم نفسه الذي زلزلت به ساحة الاحداث في المقطع الذي وقعت فيه تلك
الملحمة الخالدة التي ترائت للناس اسطورة في ماعرضته من مشاهد وسطرته من
معاني وخلفته من آثار . وقد خلقت هذه الحادثة قاعدة جماهيرية متصلة
تبنتها وتعهدت بالنضال في سبيلها هدفا وفكرا ومنهجا ورصيدا وعملا ، وكان
لهذا الامر دوره في ادامة هذه القضية وترسيخها في الالباب والقلوب ، انها
ظاهرة تناغم أخاذ بين هذه القضية التي توقد بحرارتها النفوس فتطفق تعبر
عما يجول فيها من رؤى ومشاعر وبين هذه النفوس التي جندت لأداء وظيفتها
ازاء هذه القضية كالزيت يحترق بالنار فيمونها لتبقى شعلتها ملتهبة وملهبة
مادام له وجود . وقد تعرٌضت هذه القضية لافراط وتفريط ، أما التفريط فهو
المحاولات غير المبررة لجعلها من الحوادث التأريخية العادية أو شبه
العادية واعطائها طابعا محدودا وتسطيحها ، فضلا عن محاولات انسائها
واقتلاعها من سجل الذكريات ، بل منع البعض من اظهار الحزن والبكاء وانشاد
المراثي مدخلا لها في الجانب الشخصي للقضية وكانها من قبيل التفجع على
موت انسان مع انها ليست كذلك جزما ،فان الحزن والبكاء والرثاء لاجل
المظلومية امر تنزع اليه النفس الانسانية حسب فطرة الله التي فطر الناس
عليها فكيف يحول الشارع بحكم بين النفس وما فطرت عليه وهذا غير التفجع
لحادثة الموت نفسها حيث ان الموت هو قدر الله الماضي على جميع خلقه .
وهذا يعبر عن جانب التفريط في القضية وهو امر لايتقبله منطق التاثير
التاريخي . واما جانب الافراط فهو الذي يتعامل مع هذه القضية من خلال
تضخيم بعض تفاصيلها استنادا الى روايات ضعيفة أو التركيز على جانب
الماساة والمغالاة في تحريك العاطفة الانسانية ليتحول التعاطي معها الى
حالة الانفعال العاطفي واهمال المحتوى العظيم والثر الذي يتصل بفلسفة هذه
النهضة ودراسة ابعادها المتنوعة واستخلاص العبر والدروس منها واستنطاقها
لتبقى الحادثة الملهمة على الدوام . وقد يصل هذا التركيز العاطفي الى
درجة التعبير عن العاطفة وابراز التـفاعل مع المأساة بألوان واشكال من
الممارسات التي تعطي صورة مشوهة عن الطريقة المعقولة في احياء الذكرى
فتوجد انعكاسا سلبيا على الذكرى نفسها،بل يتسرب من خلالها الوهن الى
القاعدة الفكرية التي تنطلق منها . ولذا فاننا نرى أن هذه الممارسات غير
صحيحة وليست فيها مصلحة ويجب تنزيه الشـعائر الحسينية منها والعمل على
احياء الذكرى بالطرق الصحيحة التي تـتـنــاسب وعظمتها وما تستحقه من
فاعلية وبقاء ولا نعني بذلك اغفال الجانب العاطفي والمأساوي في القضية
لكن يتم ابراز عنصر المأساة وما فيه من تحريك للوجدان وما يتمخض عنه من
تعبير تتوهج من خلاله العاطفة الانسانية بالاداء الصحيح الذي يتماشى
والطبع العقلائي بما يحفظ للفكرة هيبتها وللحادثة عمق تأثيرها الايجابي
وبالله التوفيق )).
***
3 – الحلية وعدمها :
قال سماحة الامام الشيخ المؤيد اجابة عن سؤال حول حليتها او عدمها:
(( لا يعد التطبير في حد نفسه شعيرة دينية ، لأن الشعيرة الدينية هي
ما جعله الله تعالى من معالم دينه وعلائمه ، وليس التطبير كذلك ، فإنه لم
يجعل شرعا من معالم الدين وعلائمه ، وإنما هو من مخترعات الناس وما تواضع
عليه البعض لإظهار التفجع على الإمام الحسين عليه السلام ، مع أنه ليس من
المصاديق المشروعة ولا الراجحة للتفجع ، ذلك أن مورد النصوص الواردة في
هذا الباب هو عناوين خاصة معينة كالحزن والبكاء والتعزية والرثاء وهي
عناوين لا تنطبق على مثل التطبير ولا تتسع له ، ولو فرض وجود إطلاق في
هذه النصوص أو غيرها فإنه لا يشمل مثل التطبير وضرب السلاسل وما جرى
مجراهما ، لانصراف الإطلاقات عنهما عرفا لعدم كونهما من المصاديق
المنظورة في العرف العام والمتعارفة عقلائيا في هذا المجال ، مضافا إلى
بعدها عن مذاق الشارع حسب المرتكزات المتشرعية ،الأمر الذي يوجب إنصراف
الأذهان العرفية عنها في زمان صدور النصوص .
ثم إن هذه المصاديق والأساليب لا تنسجم مع مقاصد الشريعة ومذاق الشارع
وما يستفاد من مجموع خطاباته في باب حفظ النفس والبدن وصيانتهما عن
الأذى والضرر وحرص الشارع على سلامتهما مما يمكن أن يستنبط منه مبغوضية
هذه الأفعال عند الشارع المقدس خاصة مع عدم كونها من المصاديق اللازمة
والمطلوبة . هذا إن لم يستفد من بعض الأدلة وبشكل مباشر حرمة مثل هذه
الأفعال. أضف إلى ذلك إن هذه الأفعال تسيء إلى صورة الدين والمذهب وتشوه
المضمون الحقيقي لإحياء قضية الإمام الحسين عليه السلام ، ولا شك في ذلك
لا سيما في زماننا هذا ولو في الجملة فتكون محرمة بالعنوان الثانوي .
وهكذا يتضح أن التطبير وما جرى مجراه لا يندرج في شعائر الدين ولا في
العناوين الجائزة أو الراجحة .)).
وفي اجابة اخرى حرم سماحته مثل هذه الافعال :
((نعم حيث أن التطبير حرام شرعا فإن الذي أقدم على تطبير غيره يلحقه
الإثم لأنه إرتكب من الناحية التكليفية فعلا محرما وإن لم يترتب عليه شيء
من الناحية الوضعية حسب ما ذكرناه.)).
و قال ايضا:
(( وقد تعرٌضت هذه القضية لإفراط وتفريط ، أما التفريط فهو المحاولات
غير المبررة لجعلها من الحوادث التاريخية العادية أو شبه العادية
وإعطائها طابعا محدودا وتسطيحها ، فضلا عن محاولات أنسائها واقتلاعها من
سجل الذكريات ، بل منع البعض من إظهار الحزن والبكاء وإنشاد المراثي
مدخلا لها في الجانب الشخصي للقضية وكأنها من قبيل التفجع على موت إنسان
مع انها ليست كذلك جزما ،فان الحزن والبكاء والرثاء لأجل المظلومية أمر
تنزع إليه النفس الإنسانية حسب فطرة الله التي فطر الناس عليها فكيف يحول
الشارع بحكم بين النفس وما فطرت عليه وهذا غير التفجع لحادثة الموت نفسها
حيث ان الموت هو قدر الله الماضي على جميع خلقه . وهذا يعبر عن جانب
التفريط في القضية وهو أمر لا يتقبله منطق التأثير التاريخي . وأما جانب
الإفراط فهو الذي يتعامل مع هذه القضية من خلال تضخيم بعض تفاصيلها
استنادا إلى روايات ضعيفة أو التركيز على جانب المأساة والمغالاة في
تحريك العاطفة الإنسانية ليتحول التعاطي معها إلى حالة الانفعال العاطفي
وإهمال المحتوى العظيم والثر الذي يتصل بفلسفة هذه النهضة ودراسة أبعادها
المتنوعة واستخلاص العبر والدروس منها واستنطاقها لتبقى الحادثة الملهمة
على الدوام . وقد يصل هذا التركيز العاطفي إلى درجة التعبير عن العاطفة
وإبراز التـفاعل مع المأساة بألوان وأشكال من الممارسات التي تعطي صورة
مشوهة عن الطريقة المعقولة في إحياء الذكرى فتوجد انعكاسا سلبيا على
الذكرى نفسها،بل يتسرب من خلالها الوهن إلى القاعدة الفكرية التي تنطلق
منها . ولذا فإننا نرى أن هذه الممارسات غير صحيحة وليست فيها مصلحة ويجب
تنزيه الشـعائر الحسينية منها والعمل على إحياء الذكرى بالطرق الصحيحة
التي تـتـنــاسب وعظمتها وما تستحقه من فاعلية وبقاء ولا نعني بذلك إغفال
الجانب العاطفي والمأساوي في القضية لكن يتم إبراز عنصر المأساة وما فيه
من تحريك للوجدان وما يتمخض عنه من تعبير تتوهج من خلاله العاطفة
الإنسانية بالأداء الصحيح الذي يتماشى والطبع العقلائي بما يحفظ للفكرة
هيبتها وللحادثة عمق تأثيرها الايجابي وبالله التوفيق .)).
وقال اخيرا عن هذه المسألة :
(( إن المعارضة للتطبير وما يجري مجراه ليست معارضة للشعائر الحسينية
ومن الخطأ الفاحش أن ينظر إليها على أنها معارضة للشعائر الحسينية بل هي
دعوة إصلاحية لتنزيه الشعائر الحسينية وإبرازها بالصورة الصحيحة
والناصعة . ولماذا يتم إختزال إحياء قضية كبرى بمستوى قضية الإمام الحسين
عليه السلام بمجموعة من الأساليب التي لم يرد بها نص شرعي ولا يقبلها
العرف العقلائي العام وإنما جرت عليها العادة في فترة متأخرة من الزمن)).
(3)
***
الهوامش:
1 - هذا ما صرح به الشيخ حسن الصفار (من علماء الشيعة السعوديين ) في
واحدة من المقابلات التلفازية.
2 - سبقه الى القول بعدم مشروعيتها من علماء الدين الشيعة العرب ، السيد
محسن الامين (1862 – 1952 م): – اللبناني الاصل – اذ هاجم في رسالته:
التنزيه لاعمال الشبيه في العادات الدينية المتبعة في اقامة الشعائر
الدينية الحسينية لدى المسلمين الاماميين قائلا : ( البدع المستجدة في
الاسلام ، ولا سيما لطم الخدود ، وشق الجيوب ، وجرح الرؤوس ، ودق
الطبول ، وضرب الصنوج ، ولبس الاكفان، وإعلاء البكاء على الحسين بن علي
في الايام العشرة الاولى من شهر محرم من كل عام ، لان في ذلك إيذاء
للنفس ، وإيذاء النفس محرم شرعا وعقلا، ناهيك عن انه لا يترتب على ذلك ،
اية فائدة دينية او دنيوية اجتماعية ، وهو من عمل الشيطان، وتسويل النفس
الامارة بالسوء.). كما جاء في كتاب : العقل والشريعة – مباحث في
الابستمولوجيا العربية الاسلامية – د. مهدي فضل الله – دار الطليعة بيروت
– ط 1 - 1995 .
وكذلك ما قاله الشيخ الدكتور احمد الوائلي وتخريفه لهذه الاعمال .
(انظر دراستنا تخريف ، خرافة- المرحوم الشيخ الدكتور الوائلي يسفه مؤلفي
الكتب الصفراء، المنشورة على مواقع شبكة الانترنيت).
ومن الطريف ان نذكر ، ان احد رجال الدين الشيعة – وهو مسؤول عن مؤسسة
شيعية في لندن – قال عن ذلك في الندوة التلفزيونية - الحوار الصريح بعد
التراويح – التي قدمتها قناة المستقلة الفضائية : ان هناك الكثير من هذه
الممارسات في الاديان الاخرى كما عند الهنود، كالمشي على النار وما الى
ذلك!!!
وكاتب هذه السطور يؤكد على ان الاسلام جاء ليصحح الكثير من اعتقادات
الاخرين في الديانات السابقة له ، وان من يقوم بمثل هذه الممارسات
الخاطئة يجب ان نصحح لهم اعتقاداتهم لا ان ننقلها الى الاسلام ، وخير
مثال على ذلك قصة المسلمين الذين طالبوا النبي (ص) ان يجعل لهم شجرة ذات
انواط كما عند الجاهليين فرفض طلبهم.
15
في السياسة
الفهم الواقعي للعلاقة مع ايران:
ربما هذا الموضوع لا علاقة له بدراسات الكتاب ، الا ان بعض الساسة
العرب والكتاب وضعوا جميع شيعة العراق في الجانب الايراني ، اذ صنفوهم
على اساس مذهبي ، أي تابعين الى ايران في كل شيء (المذهب والسياسة)،
فتدخلت السياسة في المذهبية ، واذا كان بعض ما قالوه ينطبق الى حد ما على
البعض من شيعة العراق وهم اقلية جدا ، الا ان اغلبية الشيعة في العراق
ينظرون الى ايران نظرة غير مذهبية ، وانما نظرة سياسية بحت، لهذا السبب
كان هذا الموضوع هنا.
***
يسأل احدهم سماحة الامام الشيخ على موقعه الالكتروني قائلا:
(( س:- هل صحيح أنكم إتهمتم إيران على أنها أخطر من أمريكا وإسرائيل في
خبر سابق ؟ )).
جواب سماحة الامام الشيخ:
((جاء ذلك في حديث عن مخاطر النفوذ الايراني في العالم العربي و
الاسلامي بحكم أن النظام الايراني له مشروع قومي ايراني يوظف الاسلام و
المذهب كأدوات لتسويق هذا المشروع و بسط الهيمنة و النفوذ لمصالح ايرانية
لا تنسجم مع المصلحة الاسلامية الرسالية ، و قد جاءت هذه المقارنة بلحاظ
أن الستراتيجية الاسرائيلية واضحة في عدائيتها للعرب و المسلمين و لا
يمكن ان تنطلي عليهم بينما تتستر الستراتيجية الإيرانية ببرقع الدين و
المذهب فتنطلي على كثير من الناس فهي أخطر من هذه الناحية)) . (1)
***
الهوامش:
1 - راجع ملحق الاحاديث الصحفية والتلفازية.
16
الملاحق
لمن ليس له اطلاع على عقائد الشيعة الامامية الاثني عشرية التي وردت
في دراسات هذا الكتاب ،وضعت هذه الملاحق للتذكير بها.
***
ملحق / 1
خطبة الشقشقية
يقول سماحة الامام الشيخ :
((هذا السند غير معتبر في ضوء معطيات علم الرجال عند الإمامية لوجود
عكرمة فيه , لأنه غير موثق عندهم , و يذهب رجاليون امامية الى انه
مجروح .
و قد حاول البعض تقوية السند بان عكرمة هنا يروي ما لا يوافق رأيه و
اعتقاده فلا يتهم بالكذب . لكن هذا التصحيح من حيث المبدأ عليل , لأن
الرجل اذا لم يكن ثقة أمكن أن يروي أو يدس في الرواية أموراً لأغراض
معينة يتوخاها و ان لم تتفق هذه الامور مع رأيه و اعتقاده .
نعم رويت هذه الخطبة بالمضمون نفسه بطرق أخرى ليس فيها عكرمة الأمر
الذي يبعد شبهة تصرف عكرمة في النقل فضلاً عن شبهة الوضع . الا أن هناك
ملاحظات تستوقف الدارس لهذه الخطبة :-
انها تتعارض في بعض مضامينها مع خطب و كلمات أخرى للإمام علي عليه
السلام تعارضاً بيّناً , و لا مجال للأخذ بالمتعارضين معاً لأنه يوقع
الامام علياً عليه السلام في التناقض في أقواله و تقييماته و يعطي
انطباعاً سلبياً بعيداً كل البعد عن شخصيته عليه السلام . ففي هذه الخطبة
يتحدث عليه السلام عن خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فيقول "
فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلامها و يخشن مسها و يكثر العثار فيها و
الاعتذار منها فصاحبها كراكب الصعبة إن اشنق لها خرم و ان اسلم لها تقحم
فمني الناس لعمر الله بخبط و شماس و تلون و اعتراض فصبرت على طول المدة و
شدة المحنة " . بينما له كلام آخر عن عمر يقول فيه " لله بلاد عمر فلقد
قوّم الأود و داوى العمد و أقام السنة و خلف الفتنة , ذهب نقي الثوب قليل
العيب أصاب خيرها و سبق شرها . أدى الى الله طاعته و اتقاه بحقه " .
و في كلام آخر قال :- " و تولى عمر الأمر فكان مرضي السيرة ميمون
النقيبة " و غير ذلك من عبارات المدح المنقولة عنه عليه السلام في حق عمر
رضي الله عنه .
و حين تقارن بين ما ورد في الخطبة الشقشقية وَ ما ورد في غيرها مما
نقلناه تجد بوناً شاسعاً و فرقاً كبيراً . و لا مجال لحمل المدح على محمل
التقية , فلم يكن أمير المؤمنين علي عليه السلام ليحمل على عظيم مدح
كهذا , و لسان التقية بلا شك هو غير هذا اللسان .
إن الخطبة الشقشقية لم تكن كلاماً قيل في جمع محدود و مغلق من الناس
و الخواص , و انما هي خطبة عامة خطبها عليه السلام على الملأ و على نطاق
مفتوح و من البعيد جداً أن يلقي الإمام علي عليه السلام مثل هذه المضامين
على عموم الناس , فقد كانت لأبي بكر و عمر مكانة كبيرة في نفوس الناس , و
الذين بايعوا علياً عليه السلام و قاتلوا معه هم الذين بايعوا أبا بكر و
عمر رضي الله عنهما و قد صرّح بذلك علي عليه السلام بنفسه اذ قال : "
بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان على ما بايعوهم عليه "
و هؤلاء الناس كانت بيعتهم لأبي بكر و عمر رضي الله عنهما عن رضى و
إختيار و قد كانت سيرتهما مرضية عند الناس , فلم يكن من المنطقي أن يوجه
الإمام عليه السلام مثل هذا النقد اللاذع لهما حيث لا يقع موقع القبول ,
بل يثير سخط الناس و يستفز مشاعرهم و قد يزرع فتنة في المجتمع و هذا ما
لم يكن علي عليه السلام ليقدم عليه , لا سيما في ظروف كالظروف التي
عاشها , و كم كان أحوج الى وحدة المجتمع و تماسكه خلفه وهو يخوض حرباً
بعد الأخرى و له أعداء متربصون لا شك أنهم سيستغلون مثل هذا الكلام لو
صدر منه أسوء استغلال و سيخلقون إنشقاقاً في صفوف جماعته وهو يدرك ذلك
جيداً فمن المستبعد جداً صدور مثل هذه المضامين الحادة منه عليه السلام .
و مما يعزز ذلك ما ورد في نهج البلاغة نفسه من خطبة له و قد سأله بعض
أصحابه كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام و أنتم أحق به فقال : " يا أخا بني
أسد انك لقلق الوضين ترسل في غير سدد و لك بعد ذمامة الصهر و حق المسألة
و قد استعلمت فأعلم . أما الاستبداد علينا بهذا المقام و نحن الأعلون
نسباً و الأشدون برسول الله صلى الله عليه و آله نوطا فانها كانت أثرة
شحّت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس آخرين و الحكم الله و المعود اليه
القيامة . و دع عنك نهباً صيح في حجراته و هلم الخطب في ابن ابي سفيان
الخ......
فأنت تجد بوضوح انه عليه السلام أبدى عدم ارتياحه من السؤال و وصف
السائل بانه يطلق كلاماً في غير موضعه ثم اجابه إجابة مقتضبة عامة و ركز
على المعركة و الصراع مع معاوية . فهل من المعقول و هو يفعل هذا في جمع
من أصحابه و خواصه القائلين بأحقيتة بينما يلقي خطبة عامة على الناس فيها
مثل هذا النقد اللاذع و التجريح المثير ؟
و هب انّ هذه الخطبة لم تكن ألقيت على حلقة واسعة من الناس لكن مثل
هذه المضامين لن تبقى حبيسة تلك الحلقة و ستنقل الى الناس و تحدث أثرها,
لذا من المستبعد جداً حصول ذلك .
و قد يقال أن الامام عليه السلام نفسه قد عبر عنها بانها شقشقة هدرت
ثم قرّت ما يعنى أن الامام عليه السلام القاها في حالة نفسية غير
طبيعية , و قد كان في قمة الإحباط بعد حروب ثلاثة كلها معاناة و أسى .
لكن هذا التبرير غير منطقي لا سيما في شخص كالامام علي عليه السلام وهو
من هو في امساك زمام النفس , فلا يعقل افتراض انه عليه السلام فقد
السيطرة على أعصابه فألقى بهذا الكلام في فورة هياج .
ان المعروف عن أمير المؤمنين عليه السلام انه ضرب المثل الاعلى في
الانصاف و المروءة و الاعتدال في كل شيء و من ذلك في تقييم الامور و
الاشخاص و الاحداث , فلا يمكن أن يصدر منه تقييم غير متوازن يركز على
جانب و يهمل الجوانب الاخرى , بينما مضامين هذه الخطبة ليست على هذه
الشاكلة فهي تركز في موضوع خلافة أبي بكر رضي الله عنه على قضية توليه
للخلافة دون ان تسجل أي انجاز له و لو على مستوى محاربة من ارتد عن
الاسلام , و تختزل كل خلافة عمر رضي الله عنه بالتركيز على اعطاء انطباع
سلبي دون اشارة الى أي جانب ايجابي مما كان للامام نفسه اسهام فيه و لو
بالنصح و المشورة فضلاً عن الدعم و التأييد , و تأتي الى خلافة عثمان رضي
الله عنه لتصوره منذ تولى الخلافة شخصاً استبد به الزهو و الكبر و أهمته
بطنه و ميوله . مع ان الكل حتى من نقم عثمان أقر بانه سار في السنيّ
الأولى سيرة مرضية و انما سجلت في السنوات الأخيرة أحداث أدت الى ما أدت
اليه .
و الغرض أن مضامين هذه الخطبة تبتعد عما هو المعروف و الثابت من
شخصية الامام علي عليه السلام في انصافها و توازنها في التقييم و عدالتها
في كل الجوانب , الأمر الذي يثير شكوكاً حقيقية في صحة انتساب هذه
المضامين اليه عليه السلام .
إن أخذ الملاحظات المتقدمة بنظر الاعتبار يستوقف كل باحث و يجعله
يتوقف على الأقل في انتساب هذه الخطبة الى أمير المؤمنين علي عليه
السلام . على أن بعض مضامينها لا ينسجم و العقيدة المتبناة لدى الشيعة
القائلين بامامة علي عليه السلام من خلال النص و التعيين فان قوله عليه
السلام في الخطبة " أما و الذي فلق الحبة و برأ النسمة لولا حضور الحاضر
و قيام الحجة بوجود الناصر و ما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على
كظة ظالم و لا مظلوم لألقيت حبلها على غاربها و لسقيت آخرها بكأس أولها "
فان هذا المضمون لا ينسجم و فكرة النص و التعيين لجهة انه لا يستبطن حتى
الاشارة الى أن نهوضه عليه السلام بالمسؤولية انما هو لاجل انه مكلف من
قبل الله تعالى بها , فالامام عليه السلام لم يطرح ذلك بل طرح ما تفرضه
مسؤولية العالم و قيام الحجة بوجود الناصر مع أن المفروض أن الحجة قائمة
أساساً بالنص و التعيين و وجود الناصر انما هو عامل في فعلية ذلك
خارجاً , و ان قيامه عليه السلام بالمسؤولية قيام الحاكم المنصوب من قبل
الله تعالى , فهذا المقطع لا ينسجم و فكرة النص و التعيين التي تتبناها
المدرسة الشيعية و لا مجال للتفكيك في نسبة الخطبة الى أمير المؤمنين
عليه السلام فأما أن تقبل النسبة في الكل أو تناقش في الكل(( ..
***
ملحق/ 2
مفهوم الرجعة في المذهب الشيعي الامامي
1 - جاء في (الرجعة في أحاديث الفريقين - الشيخ نجم الدين الطبسي - ص 2
وما بعدها):
(( ان مسألة الرجعة من أمهات المسائل العقائدية ومما أجمعت عليها
الامامية وقامت عليها عشرات من الروايات الصحيحة كما حدثت في الأمم
السابقة كرات ومرات واتفق أيضا رجوع عشرات الأموات إلى الدنيا في هذه
الأمة ، وكتب الفريقين طافحة بذكر أسمائهم وقصصهم وقضاياهم . ومع ذلك لا
أدري ما هذا الموقف السلبي من بعض إخواننا المسلمين ، والضوضاء و هذه
الأجواء ولماذا هذا النحو من التهجم الشرس ضد عقيدة مستوحاة من أكثر من
خمسة مأة رواية فليكن عذرهم جهلهم بالحقائق والمصادر أضف إلى ذلك العصبية
العمياء التي تحول دون استيعاب الواقع . نسأل الله حسن العاقبة (... )
الرجعة في اللغة : بالفتح هي المرة في الرجوع ومعناه العود إلى الدنيا
بعد الموت .
1 - قال ابن فارس : " رجع : الراء والجيم والعين ، أصل كبير مطرد
منقاس ، يدل على رد و تكرار . تقول : رجع يرجع رجوعا إذ أعاد وراجع الرجل
امرأته وهي الرجعة والرجعة . . . والاسم الرجعة . . ..
2 - ابن الأثير : " الرجعة : المرة في الرجوع ومنه حديث ابن
عباس : . . . سأل الرجعة عند الموت . . . أي سأل ان يرد إلى الدنيا ليحسن
العمل ويستدرك ما فات . . . والرجعة مذهب من العرب . . . ومذهب طائفة من
فرق المسلمين . . . ".
3 - الفيروزآبادي : " يؤمن بالرجعة أي بالرجوع إلى الدنيا بعد الموت ".
4 - الطريحي : " الرجعة بالفتح ، اي المرة في الرجوع بعد الموت بعد ظهور
المهدي عليه السلام ".
5 - الشيرازي : " الرجعة كضربة ، الرجوع وفلان يؤمن بالرجعة أي
بالرجوع ، رجوع النبي ( صلى الله عليه وآله ) والمؤمنين إلى الدنيا " .
الرجعة في الاصطلاح : وهي عندنا بمعني رجوع الحجج الإلهية ورجوع الأئمة
الطاهرين ورجوع ثلة من المؤمنين وغيرهم إلى الدنيا بعد قيام دولة
المهدي . وقد فسرها البعض برجوع دولة الحق لا رجوع الأموات إلى الدنيا
وهو تفسير شاذ لا يقول به مشهور الامامية .
1 - قال الصدوق : " إن الذي تذهب إليه الشيعة الإمامية ، ان الله تعالي
يعيد عند ظهور لمهدي قوما ممن كان تقدم موته من شيعته وقوما من أعدائه
" .
2 - وقال المفيد : " اتفقت الامامية على وجوب رجعة كثير من الأموات إلي
الدنيا قبل يوم القيامة وان كان بينهم في معنى الرجعة اختلاف " .
وقال أيضا : " انما يرجع إلى الدنيا عند قيام القائم من محض الايمان أو
محض الكفر محضا فأما سوى هذين فلا رجوع إلى يوم المآب ".
توضيح الاختلاف : لعل المراد بالاختلاف الذي أشار إليه الشيخ المفيد
هو تأويل بعض الشيعة الإمامية ، للأخبار المستفيضة في الرجعة إلى رجوع
دولة الحق ، ورجوع الامر و النهي إلي الأئمة ( عليهم السلام ) والى
شيعتهم واخذهم بمجاري الأمور ، دون رجوع أعيان الأشخاص واليه أشار الشيخ
الصدوق قائلا : " وان قوما من الشيعة تأولوا الرجعة على معناها : رجوع
الدولة والامر والنهي من دون رجوع الأشخاص وإحياء الأموات ". أقول :
وهؤلاء كأنهم عجزوا عن فهم هذه الروايات وتصحيح القول بالرجعة استنادا
إلى النصوص المتظافرة . الامكان والوقوع . قبل الخوض في الأدلة واثبات
هذه الفكرة ، لدينا سؤال يطرح نفسه وهو هل ان الرجعة امر ممكن ذاتا أم
ممتنع ومحال . والجواب : لا يرى العقل اي استبعاد في ذلك ولا يراها من
الممتنعات العقلية كاجتماع النقيضين والضدين وذلك لان مفاد الرجعة التي
نعتقدها هي عبارة عن احياء بعض النفوس في هذه النشأة بعد ما ذاقت الموت
وهذا امر ممكن الحصول والوقوع وشئ معقول ، كيف وهو من رشحات قدرة الخالق
تعالى قدره الذي عمت قدرته جميع الممكنات . اذن لا يلزم من القول بها
محال ولا المنافاة للتكليف بل على المستشكل فيها من الالتزام بأحد
الامرين : اما انكار الصغرى ودعوى ان الرجعة ليست من الأمور الممكنة . أو
انكار الكبرى ودعوى ان الله ليس بقادر - والعياذ بالله - على أن يحيي
الموتى ، وكلاهما في حيز المنع بلا ريب . وحينئذ : فلو قامت الأدلة
الصحيحة على هذه العقيدة والفكرة . فمن اللازم قبولها والالتزام بها ،
كأي عقيدة من العقائد الاسلامية التي تبناها المسلمون والتزموا بها نتيجة
لقيام البراهين الصحيحة والأدلة القاطعة . هل الرجعة امر واقع ؟ قد
يقال : هب أن الرجعة امر ممكن ولكن هل هو امر واقع ؟ إذ ليس كل امر ممكن
هو واقع أيضا . والجواب : لدينا شواهد قرآنية وأحاديث شريفة ونصوص
تاريخية ، تصرح بالحيات بعد الموت - في هذه الدنيا - وتحقق الرجعة في
الأمم السابقة وفي هذه الأمة المرحومة بالذات وقد صنف بعض علماء السنة في
هذا الحقل مصنفات وأوردوا قائمة بأسماء الذين رجعوا إلى الدنيا بعد
الموت )).
***
2 - جاء في (عقائد الإمامية – الشيخ محمد رضا المظفر - ص 80 وما بعدها) :
((إن الذي تذهب إليه الإمامية أخذا بما جاء عن آل البيت عليهم السلام
أن الله تعالى يعيد قوما من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا
عليها ، فيعز فريقا ويذل فريقا آخر ، ويديل المحقين من المبطلين
والمظلومين منهم من الظالمين ، وذلك عند قيام مهدي آل محمد عليه وعليهم
أفضل الصلاة والسلام . ولا يرجع إلا من علت درجته في الإيمان أو من بلغ
الغاية من الفساد ، ثم يصيرون بعد ذلك إلى الموت ، ومن بعده إلى النشور
وما يستحقونه من الثواب أو العقاب ، كما حكى الله تعالى في قرآنه الكريم
تمني هؤلاء المرتجعين الذين لم يصلحوا بالارتجاع فنالوا مقت الله أن
يخرجوا ثالثا لعلهم يصلحون : ( قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين
فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل ) " المؤمن : 11 " . نعم قد جاء
القرآن الكريم بوقوع الرجعة إلى الدنيا ، وتظافرت بها الأخبار عن بيت
العصمة . والإمامية بأجمعها عليه إلا قليلون منهم تأولوا ما ورد في
الرجعة بأن معناها رجوع الدولة والأمر والنهي إلى آل البيت بظهور الإمام
المنتظر ، من دون رجوع أعيان الأشخاص وإحياء الموتى . والقول بالرجعة يعد
عند أهل السنة من المستنكرات التي يستقبح الاعتقاد بها ، وكان المؤلفون
منهم في رجال الحديث يعدون الاعتقاد بالرجعة من الطعون في الراوي
والشناعات عليه التي تستوجب رفض روايته وطرحها . ويبدو أنهم يعدونها
بمنزلة الكفر والشرك بل أشنع ، فكان هذا الاعتقاد من أكبر ما تنبز به
الشيعة الإمامية ويشنع به عليهم . ولا شك في أن هذا من نوع التهويلات
التي تتخذها الطوائف الإسلامية فيما غبر ذريعة لطعن بعضها في بعض
والدعاية ضده . ولا نرى في الواقع ما يبرر هذا التهويل ، لأن الاعتقاد
بالرجعة لا يخدش في عقيدة التوحيد ولا في عقيدة النبوة ، بل يؤكد صحة
العقيدتين ، إذ الرجعة دليل القدرة البالغة لله تعالى كالبعث والنشر ،
وهي من الأمور الخارقة للعادة التي تصلح أن تكون معجزة لنبينا محمد وآل
بيته صلى الله عليه وعليهم وهي عينا معجزة إحياء الموتى التي كانت للمسيح
عليه السلام ، بل أبلغ هنا لأنها بعد أن يصبح الأموات رميما ( قال من
يحيى العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم )
" يس : 79 " . وأما من طعن في الرجعة باعتبار أنها من التناسخ الباطل ،
فلأنه لم يفرق بين معنى التناسخ وبين المعاد الجسماني ، والرجعة من نوع
المعاد الجسماني ، فإن معنى التناسخ هو انتقال النفس من بدن إلى بدن آخر
منفصل عن الأول ، وليس كذلك معنى المعاد الجسماني ، فإن معناه رجوع نفس
البدن الأول بمشخصاته النفسية فكذلك الرجعة . وإذا كانت الرجعة تناسخا
فإن إحياء الموتى على يد عيسى عليه السلام كان تناسخا ، وإذا كانت الرجعة
تناسخا كان البعث والمعاد الجسماني تناسخا . إذن ، لم يبق إلا أن يناقش
في الرجعة من جهتين ( الأولى ) أنها مستحيلة الوقوع ( الثانية ) كذب
الأحاديث الواردة فيها . وعلى تقدير صحة المناقشتين فإنه لا يعتبر
الاعتقاد بها بهذه الدرجة من الشناعة التي هو لها خصوم الشيعة . وكم من
معتقدات لباقي طوائف المسلمين هي من الأمور المستحيلة أو التي لم يثبت
فيها نص صحيح ، ولكنها لم توجب تكفيرا وخروجا عن الإسلام ، ولذلك أمثلة
كثيرة : منها الاعتقاد بجواز سهو النبي أو عصيانه ، ومنها الاعتقاد بقدم
القرآن . ومنها القول بالوعيد ، ومنها الاعتقاد بأن النبي لم ينص على
خليفة من بعده . على أن هاتين المناقشتين لا أساس لهما من الصحة ، أما أن
الرجعة مستحيلة فقد قلنا أنها من نوع البعث والمعاد الجسماني غير أنها
بعث موقوت في الدنيا ، والدليل على إمكان البعث دليل على إمكانها . ولا
سبب لاستغرابها إلا أنها أمر غير معهود لنا فيما ألفناه في حياتنا
الدنيا ، ولا نعرف من أسبابها أو موانعها ما يقربها إلى اعترافنا أو
يبعدها وخيال الانسان لا يسهل عليه أن يتقبل تصديق ما لم يألفه ، وذلك
كمن يستغرب البعث فيقول ( من يحيي العظام وهي رميم ) فيقال له :
( يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ) . نعم في مثل ذلك ، مما
لا دليل عقلي لنا على نفيه أو إثباته أو نتخيل عدم وجود الدليل ، يلزمنا
الرضوخ إلى النصوص الدينية التي هي من مصدر الوحي الإلهي ، وقد ورد في
القرآن الكريم ما يثبت وقوع الرجعة إلى الدنيا لبعض الأموات كمعجزة عيسى
عليه السلام في إحياء الموتى ( وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن
الله ) وكقوله تعالى ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام
ثم بعثه ) والآية المتقدمة ( قالوا ربنا أمتنا اثنتين . . . ) فإنه لا
يستقيم معنى هذه الآية بغير الرجوع إلى الدنيا بعد الموت ، وإن تكلف بعض
المفسرين في تأويلها بما لا يروي الغليل ولا يحقق معنى الآية . وأما
المناقشة الثانية ، وهي دعوى أن الحديث فيها موضوع ، فإنه لا وجه لها لأن
الرجعة من الأمور الضرورية فيما جاء عن آل البيت من الأخبار المتواترة .
وبعد هذا ، أفلا تعجب من كاتب شهير يدعي المعرفة مثل أحمد أمين في كتابه
( فجر الإسلام ) إذ يقول : ( فاليهودية ظهرت في التشيع بالقول
بالرجعة ) ، فأنا أقول له على مدعاه : فاليهودية أيضا ظهرت في القرآن
بالرجعة ، كما تقدم ذكر القرآن لها في الآيات المتقدمة . ونزيده فنقول :
والحقيقة أنه لا بد أن تظهر اليهودية والنصرانية في كثير من المعتقدات
والأحكام الإسلامية لأن النبي الأكرم جاء مصدقا لما بين يديه من الشرائع
السماوية وإن نسخ بعض أحكامها ، فظهوراليهودية أو النصرانية في بعض
المعتقدات الإسلامية ليس عيبا في الإسلام ، على تقدير أن الرجعة من
الآراء اليهودية كما يدعيه هذا الكاتب . وعلى كل حال فالرجعة ليست من
الأصول التي يجب الاعتقاد بها والنظر فيها ، وإنما اعتقادنا بها كان تبعا
للآثار الصحيحة الواردة عن آل البيت عليهم السلام الذين ندين بعصمتهم من
الكذب ، وهي من الأمور الغيبية التي أخبروا عنها ، ولا يمتنع وقوعها)) .
***
3 - جاء في (أضواء على عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني - ص
458 وما بعدها ) :
((إن فكرة الرجعة التي تحدثت عنها بعض الآيات القرآنية والأحاديث
المروية عن أهل بيت الرسالة مما يشنع بها على الشيعة ، فكأن من قال بها
رأى رأيا يوجب الخروج عن الدين ، غير أن هؤلاء نسوا أو تناسوا أن أول من
أبدى نظرية الرجعة هو الخليفة عمر بن الخطاب ، فقد أعلن عندما شاعت رحلة
النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) بأنه ما مات وليعودن فيقطعن أيدي
وأرجل أقوام . . . عن أبي هريرة قال : لما توفي رسول الله ( صلى الله
عليه وآله ) قام عمر بن الخطاب ، فقال : إن رجالا من المنافقين يزعمون أن
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) توفي ، وإن رسول الله ( صلى الله عليه
وآله ) والله ما مات ، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران ، فقد
غاب عن قومه أربعين ليلة ، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات ، والله
ليرجعن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كما رجع موسى ، فليقطعن أيدي
رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مات! ! ولا يخفى
أن كلام الخليفة لو كان كلاما حقيقيا لا بد أن يحمل على أن النبي ما مات
موتا لا رجوع فيه وإنما يرجع فيقوم بما أخبر عنه الخليفة ، ولو أراد من
نفي موته أنه ما زال حيا فهو خلاف رأي جميع الصحابة الذين اتفقوا على
موته ( صلى الله عليه وآله ) ، ولم يكن موت النبي ( صلى الله عليه وآله )
أمرا يدركه جميع الناس ولا يدركه الخليفة . إن الرجعة بمعنى عود جماعة
قليلة إلى الحياة الدنيوية قبل يوم القيامة ثم موتهم وحشرهم مجددا يوم
القيامة ليس شيئا يضاد أصول الإسلام ، وليس فيه إنكار لأي حكم ضروري ،
وليس القول برجعتهم إلى الدنيا يلغي بعثهم يوم القيامة ، وكيف لا يكون
كذلك وقد أخبر سبحانه عن رجوع جماعة إلى الحياة الدنيوية ، نظير :
1 - إحياء جماعة من بني إسرائيل.
2 - إحياء قتيل بني إسرائيل.
3 - موت ألوف من الناس وبعثهم من جديد .
4 - بعث عزير بعد مائة عام من موته.
5 - إحياء الموتى على يد عيسى ( عليه السلام ). فلو كان الاعتقاد برجوع
بعض الناس إلى الدنيا قبل القيامة أمرا محالا ، فما معنى هذه الآيات
الصريحة في رجوع جماعة إليها ؟ ولو كان الرجوع إلى الدنيا على وجه
الإطلاق تناسخا فكيف تفسر هذه الآيات ؟ إن الاعتقاد بالذكر الحكيم يجرنا
إلى القول بأنه ليس كل رجوع إلى الدنيا تناسخا ، وإنما التناسخ الباطل
عبارة عن رجوع الإنسان إلى الدنيا عن طريق النطفة والمرور بمراحل التكون
البشري من جديد ليصير إنسانا مرة أخرى ، وأين هذا من الرجعة وعود الروح
إلى البدن الكامل من جميع الجهات من دون أن يكون فيها رجوع من القوة إلى
الفعلية ، أو دخول روح في بدن آخر ، إنسانا كان أو حيوانا ؟ ! اتفقت
الشيعة على بطلان التناسخ وامتناعه ، وقد كتبوا فيه مقالات ورسائل يقف
عليها من كان له إلمام بكتبهم وعقائدهم ، وقد ذكروا أن للتناسخ أنواعا
وأقساما ، غير أن الرجوع إلى الدنيا من خلال دخول الروح إلى البدن الذي
فارقه عند الموت لا يعد تناسخا ، وإنما هو إحياء للموتى ، الذي كان معجزة
من معاجز المسيح . كل ذلك يدل على أنه ليس أمام القول بالرجعة عراقيل
وموانع ، وإنما هو أمر ممكن لو دل عليه الدليل القطعي نأخذ به وإلا
فنتركه في سنبله ، والحال أن بعض الآيات والروايات تدل على أنه سيتحقق
الرجوع إلى هذه الدنيا قبل يوم القيامة لبعض الناس على وجه الإجمال ،
وأما من هم ؟ وفي أي وقت يرجعون ؟ ولأي غرض يعودون إلى الدنيا ؟ فليس هنا
مقام بيانها ، إنما نكتفي ببيان بعض الآيات الدالة على وقوعه قبل البعث ،
وإليك الآيات . قال سبحانه : { وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من
الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون * ويوم نحشر من كل أمة
فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون }. لا يشك من أمعن النظر في سياق
الآيات وما ذكره المفسرون حولها ، في أن الآية الأولى تتعلق بالحوادث
التي تقع قبل يوم القيامة ، وعليه تكون الآية الثانية مكملة لها ، وتدل
على حشر فوج من كل جماعة قبل يوم القيامة ، والحال أن الحشر في يوم
القيامة يتعلق بالجميع لا بالبعض ، يقول سبحانه : { ويوم نسير الجبال
وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا }. أفبعد هذا التصريح
يمكن تفسير الآية السابقة بيوم البعث والقيامة ؟ وهذه الآية تعرب عن
الرجعة التي تعتقد بها الشيعة في حق جماعة خاصة ، وأما خصوصياتها فلم
يحدث عنها القرآن الكريم ، وجاء التفصيل في السنة . وقد سأل المأمون
العباسي الإمام الرضا ( عليه السلام ) عن الرجعة ، فأجابه بقوله : " إنها
حق قد كانت في الأمم السالفة ونطق بها القرآن وقد قال رسول الله ( صلى
الله عليه وآله ) يكون في هذه الأمة كل ما كان في الأمم السالفة حذو
النعل بالنعل والقذة بالقذة ". وأما من هم الراجعون ؟ وما هو الهدف من
إحيائهم ؟ فيرجع فيه إلى الكتب المؤلفة في هذا الموضوع ، وإجمال الجواب
عن الأول : أن الراجعين لفيف من المؤمنين ولفيف من الظالمين . وقال
المفيد ناقلا عن أئمة أهل البيت : إنما يرجع إلى الدنيا عند قيام القائم
من محض الإيمان محضا أو محض الكفر محضا ، وأما ما سوى هذين فلا رجوع لهم
إلى يوم المآب. وقال أيضا في المسائل السروية : والرجعة عندنا تختص بمن
محض الإيمان ، ومحض الكفر دون ما سوى هذين الفريقين. وإجمال الجواب عن
الثاني ما ذكره السيد المرتضى ، قال : إن الله تعالى يعيد عند ظهور
المهدي - عجل الله تعالى فرجه الشريف - قوما ممن كان تقدم موته من شيعته
ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ومشاهدة دولته ، ويعيد أيضا قوما من أعدائه
لينتقم منهم .
ملاحظات جديرة بالانتباه:
1 - إن الرجعة وإن كانت من مسلمات عقائد الشيعة ، ولكن التشيع ليس منوطا
بالاعتقاد بها ، فمن أنكرها فقد أنكر عقيدة مسلمة بين أكثر الشيعة ، ولكن
لم يكن ركنا من أركان التشيع ، ولأجل ذلك نرى أن جماعة من الشيعة أولوا
الأخبار الواردة في الرجعة إلى رجوع الدولة إلى شيعتهم وأخذهم بمجاري
الأمور دون رجوع أعيان الأشخاص ، والباعث لهم على هذا التأويل هو عجزهم
عن تصحيح القول بها نظرا واستدلالا ، ولكن المحققين من الإمامية ، أخذوا
بظواهرها وبينوا عدم لزوم استحالة عقلية على القول بها لعموم قدرة الله
على كل مقدور ، وأجابوا عن الشبه الواردة عليها ، وإلى هذا الاختلاف يشير
الشيخ المفيد بقوله : واتفقت الإمامية على رجعة كثير من الأموات إلى
الدنيا قبل يوم القيامة وإن كان بينهم في معنى الرجعة اختلاف . ويشير إلى
الاختلاف تلميذه الجليل الشريف المرتضى في المسائل التي وردت عليه من
الري ومنها حول حقيقة الرجعة ، فأجاب : بأن الذي تذهب إليه الشيعة
الإمامية أن الله تعالى يعيد عند ظهور المهدي قوما ممن كان تقدم موته من
شيعته ، وقوما من أعدائه ، وأن قوما من الشيعة تأولوا الرجعة على أن
معناها رجوع الدولة والأمر والنهي إلى شيعتهم ، من دون رجوع الأشخاص ،
وإحياء الأموات .
2 - كيف يجتمع إعادة الظالمين مع قوله سبحانه : { وحرام على قرية
أهلكناها أنهم لا يرجعون } فإن هذه الآية تنفي رجوعهم بتاتا ، وحشر لفيف
من الظالمين يخالفها . والإجابة عن السؤال واضحة ، فإن الآية مختصة
بالظالمين الذين أهلكوا في هذه الدنيا ورأوا جزاء عملهم فيها ، فالآية
تحكم بأنهم لا يرجعون ، وأما الظالمون الذين رحلوا عن الدنيا بلا مؤاخذة
فترجع طائفة منهم ليروا جزاء عملهم فيها ثم يردون إلى أشد العذاب في
الآخرة ، فالآية تنفي رجوع طائفة من الظالمين الذين ماتوا حتف الأنف .
3 - إن الظاهر من قوله تعالى : { حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون
* لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ
إلى يوم يبعثون } هو نفي الرجوع إلى الدنيا بعد مجئ الموت لأي أحد .
والإجابة عنها واضحة ، فإن الآية كسائر السنن الإلهية الواردة في حق
الإنسان ، فهي تفيد أن الموت بطبعه ليس بعده رجوع ، وهذا لا ينافي رجوع
البعض استثناء ولمصالح عليا ، كما مرت الآيات الواردة في هذا المضمار .
أضف إلى ذلك أن عود بعض الظالمين إلى الدنيا - على القول بالرجعة - إنما
هو لأجل عقابهم والانتقام منهم ، وأين هذا من طلب هؤلاء الكفار الرجوع
لأجل تصحيح عملهم والقيام بما تركوه من الصالحات ، ورد هذا الفرع من
الرجوع لا يكون دليلا على نفي النوع الأول منه)).
***
4 -جاء في ( الرجعة أو العودة إلى الحياة الدنيا بعد الموت - مركز
الرسالة - ص 6 وما بعدها ) :
(( ولقد اتخذت الرجعة وسيلة للطعن والتشنيع على مذهب الإمامية حتى
عدها بعض المخالفين من المستنكرات التي يستقبح الاعتقاد بها ، مع أن
الدليل على إمكانها وارد في الكتاب الكريم بصريح العبارة وبما لا يقبل
التأويل أو الحمل ، ومع أنها من أشراط الساعة كنزول عيسى ( عليه السلام )
وظهور الدجال وخروج السفياني وأمثالها من القضايا الشائعة عند المسلمين
ولا يترتب على اعتقادهم بها أدنى إنكار لأي حكم ضروري من أحكام الإسلام ،
وفوق ذلك أن الرجعة دليل على القدرة البالغة لله تعالى كالبعث والنشور ،
وهي من الأمور الخارقة للعادة التي تصلح أن تكون معجزة كبرى لنبينا وآل
بيته المعصومين ( عليهم السلام ) . فمن أجل توضيح مباني هذا الاعتقاد
وإزالة اللبس الذي يعتري أذهان البعض حوله ، قام مركزنا بإصدار هذه
الدراسة التي تحتوي على ستة فصول تلم بأطراف الموضوع تعريفا وأدلة
وأحكاما باعتماد ما ورد في الكتاب العزيز والأحاديث المستفيضة عن النبي
الأكرم وأهل بيته الطاهرين ( عليهم السلام ) ، نسأل الله تعالى أن ينفع
بها . إنه ولي التوفيق مركز الرسالة المقدمة الحمد لله رب العالمين ،
وأفضل الصلاة وأتم التسليم على الحبيب المصطفى الأمين وآله الهداة
الميامين وصحبهم المتقين . وبعد : إن أنباء الغيب وحوادث المستقبل وما
سيقع من الفتن والملاحم وعلامات الظهور وأشراط الساعة وغيرها تعد من
المسائل التي أولاها المحدثون أهمية خاصة ، ذلك لأن الكتاب الكريم والسنة
المباركة يدلان على أن الموت ليس هو النتيجة النهائية لرحلة الروح والبدن
في هذا الكون ، بل هو نافذة تطل على حياة جديدة وعوالم مختلفة * ( أيحسب
الانسان أن يترك سدى * ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوى
* فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى * أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى )
*. روى سعد بن عبد الله الأشعري بالإسناد عن بريدة الأسلمي ، قال : قال
رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( كيف أنت إذا استيأست أمتي من
المهدي ، فيأتيها مثل قرن الشمس ، يستبشر به أهل السماء وأهل الأرض ؟
فقلت : يا رسول الله بعد الموت ؟ فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
والله إن بعد الموت هدى وإيمانا ونورا . قلت : يا رسول الله ، أي العمرين
أطول ؟ قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : الآخر بالضعف ). وقال أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : ( أيها الناس ، إنا خلقنا
وإياكم للبقاء لا للفناء ، لكنكم من دار إلى دار تنقلون ، فتزودوا لما
أنتم صائرون إليه ). إن اعتقادنا بعودة بعض الناس إلى الحياة بعد الموت
لم يكن اعتباطيا ، وإنما كان تبعا للآثار الصحيحة المتواترة التي حفلت
بها كتب أصحابنا ، واحتلت مساحة واسعة من أحاديث النبي وعترته الطاهرة
( عليهم السلام ) الذين ندين بعصمتهم من الكذب ، وعلى هذا إجماعهم ،
وإجماعهم حجة لقوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( إني تارك فيكم ما إن
تمسكتم به لن تضلوا بعدي ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ،
وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني
فيهما ). وقد دل الكتاب الكريم على الحشر الخاص قبل يوم القيامة ، وهو
عودة بعض الأموات إلى الحياة في قوله تعالى : * ( ويوم نحشر من كل أمة
فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون ) * كما دل على الحشر العام بعد نفخة
النشور في نفس السورة بقوله : * ( ويوم ينفخ في الصور ففزع من في
السماوات ومن في الأرض ) * إلى قوله تعالى : * ( وكل أتوه داخرين )
ويستفاد من مجموع الآيتين أن يوم الحشر الخاص هو غير يوم النفخ والنشور
الذي يحشر فيه الناس جميعا ، وبما أنه ليس ثمة حشر بعد يوم القيامة بدليل
الكتاب والسنة ، فلا بد أن يكون الحشر الخاص واقعا قبل يوم القيامة ، فهو
إذن من العلامات الواقعة بين يدي الساعة ، كظهور الدجال وخروج السفياني
ونزول عيسى من السماء وطلوع الشمس من مغربها وغيرها من الأشراط المدلولة
بالكتاب والسنة . كما دل الكتاب الكريم على رجعة بعض الناس في الأمم
السابقة إلى الحياة بعد الموت في عدة آيات صريحة لا تقبل التأويل ، منها
قوله تعالى : * ( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت
فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ) * وهو يدل على إمكان الرجعة في هذه
الأمة أيضا لقوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( لتركبن سنن من كان
قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتم ).
وملخص الاعتقاد بالرجعة هو أن الله تعالى يعيد في آخر الزمان طائفة من
الأموات إلى الدنيا ممن محضوا الإيمان محضا أو محضوا الكفر محضا ، فينتصر
لأهل الحق من أهل الباطل ، وعلى هذا إجماع الشيعة الإمامية الاثني
عشرية ، وقد علم دخول المعصوم في هذا الاجماع بورود الأحاديث المتواترة
عن النبي وأهل بيته المعصومين ( عليهم السلام ) الدالة على اعتقادهم بصحة
الرجعة . إن الاعتقاد بالرجعة على ما جاء في الروايات عن آل البيت
( عليهم السلام ) من ضروريات المذهب الشيعي ، وقد بحث العلماء عن حكم من
أنكر شيئا من الضروريات - من أتباع المذهب أو سائر من نطق بالشهادتين -
في الكتب المتعلقة بهذا الشأن ، الأمر الذي لسنا الآن بصدد التحقيق عنه
في هذه الرسالة . والاعتقاد بالرجعة من مظاهر الإيمان بالقدرة الإلهية ،
فقد روي أن ابن الكواء الخارجي سأل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عن
الرجعة - في حديث طويل - قال ( عليه السلام ) في آخره : ( لا تشكن يا بن
الكواء في قدرة الله عز وجل ). وسأل أبو الصباح الإمام الباقر عن
الرجعة ، فقال ( عليه السلام ) : ( تلك القدرة ، ولا ينكرها إلا
القدرية ، تلك القدرة فلا تنكرها ) وبمثل ذلك أجاب ( عليه السلام ) عبد
الرحمن القصير. إن من يعتقد بأن الله تعالى هو الذي برأ الخلق من العدم
إلى حيز الوجود كيف يشك ويتردد في أنه يعجزه إعادتهم ! ومن قدر على
الابتداء فهو على الإعادة أقدر ، قال تعالى : * ( وضرب لنا مثلا ونسي
خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو
بكل خلق عليم * الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون
* أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو
الخلاق العليم * إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) * . هذه
هي الرجعة التي كثرت التهويلات والتشنيعات على المعتقدين بها حتى عدوها
أسطورة وقولا بالتناسخ ، وأن معتقدها خارج عن الإسلام والدين ، وأنها من
مفتريات عبد الله بن سبأ ، وما إلى ذلك من التشدق على مدرسة الإسلام
الأصيل ، إننا لا نعطي الحق لمن لا يؤمن برجعة بعض الأموات إلى الحياة
الدنيا بعد الموت لعدم ثبوته عنده ، بل عليه أن يبحث ويسأل أهل الذكر
وليس من حقه أن يشنع على من يقول بذلك لتواتر الأحاديث وثبوت النصوص
عنده ، إذ لا حجة للجاهل على العالم . ويحق لنا في هذا المقام أن نسأل
المنكرين لأنباء الغيب وما يقع في المستقبل ، ما الدليل على زعمكم أنه لا
يوجد ثمة عودة إلى الحياة بعد الموت ؟ وما الحجة التي تعزز ما تذهبون
إليه ؟ هل تخلل أحد منكم في آفاق المستقبل ، وسبر أغوارها ، ووقف على
حقيقة الأمر ثم عاد وأخبر أنه لم يجد شيئا مما أخبر به القرآن الكريم
والعترة النبوية الطاهرة ( عليهم السلام ) ؟ في هذا البحث سنحاول تسليط
الضوء على تعريف الرجعة وفقا لما ورد عن أئمة الإمامية وعلمائهم ، ونسوق
الأدلة التي احتجوا بها لإثبات صحة الاعتقاد بها من الآيات القرآنية
والأحاديث الشريفة والاجماع وغيرها من القرائن المختلفة ، ونبين أيضا
الهدف منها وحكم منكريها ، وجملة من احتجاجات العلماء وردودهم على
الاشكالات المطروحة حول هذا الموضوع وغيرها إن شاء الله تعالى)) .
***
ملحق/ 3
صلاة الجمعة
جاء في (الفتاوى الواضحة - للسيد محمد باقر الصدر - ص 277 وما بعدها ) :
(( وهي من أهم شعائر الاسلام، قال الله سبحانه وتعالى ( يا أيها
الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا
البيع ، ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون ) ( الجمعة 9 ) . وجاء في الحديث عن
الإمام الصادق عليه السلام ( ما من قدم سعت إلى الجمعة الا حرم الله
جسدها على النار ) . وتحتل صلاة الجمعة موضع صلاة الظهر ضمن تفصيلات
تأتي . وقد ميز الله سبحانه وتعالى صلاة الجمعة عن سائر الصلوات اليومية
على ما يأتي ، بان أوجب أداءها ضمن صلاة جماعة ، وامر بتوحيدها في كل
منطقة ، ولم يسمح بالتأخر عن حضورها إذا أقيمت الا لاعذار خاصة . وبذلك
كانت صلاة الجمعة تعبر عن اجتماع أسبوعي موسع لعامة المصلين والمؤمنين ،
يبدأ بالموعظة والتثقيف ضمن خطبتي صلاة الجمعة ، وينتهي بالعبادة والتوجه
إلى الله ضمن الصلاة نفسها . وصورتها ركعتان كصلاة الصبح تماما ، الا ان
المصلي ينوي بها انه يصلي صلاة الجمعة قربة إلى الله تعالى وتتميز عن
صلاة الصبح بان من من المستحب فيها قنوتين : أحدهما قبل الركوع من الركعة
الأولى والآخر بعد الركوع من الركعة الثانية ولا تقع صلاة الجمعة صحيحة
إلا إذا أديت بالشروط التالية :
أولا : ان تؤدي جماعة ( وصلاة الجماعة هي صلاة يشترك فيها عدد من المصلين
ويكون أحدهم إماما والباقون مأمومين ويتابعونه في قيامه وركوعه وسجوده
وسيأتي تفصيل أحكامها ) . وعلى هذا الأساس يجب ان يتوفر في صلاة الجمعة -
لكي تقع صحيحة - كل ما هو شرط لصحة صلاة الجمعة على ما يأتي .
ثانيا : ان لا يقل عدد المشتركين في جماعة الجمعة عن خمسة أحدهم الامام ،
فان لم يتواجد الا أربعة أو أقل لم تصح منهم صلاة الجمعة وصلوا صلاة
الظهر .
ثالثا : ان تسبقها خطبتان من قبل امام صلاة الجمعة ، وذلك بان يقوم
الامام خطيبا ، فيحمد الله ، ويثني عليه ، ويوصي بتقوى الله ، ويقرأ سورة
من الكتاب العزيز . وبعد ذلك يجلس قليلا ثم يقوم خطيبا مرة ثانية ، فيحمد
الله ويثني عليه ، ويصلي على محمد وعلى أئمة المسلمين ،ويستغفر للمؤمنين
والمؤمنات ، وبعد ذلك يبدأ بالصلاة ويجب على الامام في الخطبتين أن يرفع
صوته على نحو يسمع عدد من المأمومين . ولا يجب ان يكون غير القرآن من
عناصر الخطبة باللغة العربية وان كان ذلك أحسن وأحوط . وإذا كان
المأمومون لا يفهمون اللغة العربية فعلى الامام ان يعظهم باللغة التي
يفهمونها .
رابعا : ان لا تكون قد أقيمت صلاة جمعة أخرى في مكان آخر قريب من تلك
الصلاة ، ونريد بالمكان القريب هنا ما كانت المسافة فيه بين المكانين أقل
من فرسخ ، وهو عبارة عن خمسة كيلومترات وخمس الكيلو متر . وفي حالة وجود
صلاتي جمعة على هذا النحو تبطلان معا إذا كان الابتداء بإحداهما في نفس
وقت الابتداء بالأخرى ، وإذا كان الابتداء بإحداهما بعد الابتداء بالأخرى
بطلت الصلاة المتأخرة فقط . ولكن إذا كانت إحدى الصلاتين باطلة على اي
حال حتى ولو كانت وحدها لسبب من الأسباب فلا تضر بالصلاة الأخرى حينئذ
ويعتبر وجودها وعدمها سواء . وعلى هذا الأساس صح القول بان من شروط صلاة
الجمعة ان لا تسبقها ولا تقارنها في بدايتها صلاة جمعة أخرى في مكان قريب
بالمعنى المتقدم للمكان القريب . ولكن إذا تقارنت صلاتا جمعة في مكانين
متقاربين دون ان يعلم جماعة كل من الصلاتين بالصلاة الأخرى وانتهتا في
وقت واحد فكلتا الصلاتين صحيحة . وكذلك إذا بدأت إحداهما بعد ابتداء
الأخرى بدون علم وانتهتا معا في وقت واحد .
حكم صلاة الجمعة : - وتجب إقامة صلاة الجمعة وجوبا حتميا في حالة وجود
سلطان عادل متمثلا في الامام أو فيمن يمثله . ويراد بالسلطان العادل :
الشخص أو الاشخاص الذين يمارسون السلطة فعلا بصورة مشروعة ، ويقيمون
العدل بين الرعية . وهذا الحكم الأول لصلاة الجمعة يعبر عنه ( بالوجوب
التعييني لامامة صلاة الجمعة ) .
واما في حالة عدم توفر السلطان العادل فصلاة الجمعة واجبة أيضا ،
ولكنه تجب على وجه التخيير ابتداء ، وتجب على وجه الحتم انتهاء . وذلك أن
المكلفين في هذه الحالة يجب عليهم ان يؤدوا الفريضة في ظهر يوم الجمعة ،
اما بإقامة صلاة الجمعة جماعة على نحو تتوفر فيها الشروط السابقة واما
بالاتيان بصلاة الظهر . وأيهما اتى به المكلف أجزأه وكفاه ، غير أن إقامة
صلاة الجمعة أفضل وأكثر ثوابا وهذا هو الحكم الثاني لصلاة الجمعة ويعبر
عنه ب ( الوجوب التخييري لإقامة صلاة الجمعة ).
- فان اختار خمسة من المكلفين إقامة صلاة الجمعة امتثالا للحكم الثاني ،
وكان فيهم شخص عادل يصلح ان يكون امام جماعة فقدموه ليخطب بهم ويصلي صلاة
الجمعة وأقاموها على هذا النحو وجب على سبيل الحتم والتعيين على المكلفين
عموما الحضور والاشتراك في صلاة الجمعة ، لان اقامتها نداء لصلاة
الجمعة ، وإذا نودي لصلاة الجمعة وجب السعي إلى ذكر الله وهذا هو الحكم
الثالث لصلاة الجمعة ويعبر عنه ب (الوجوب التعييني لحضور صلاة
الجمعة ).
- ويستثنى من الحكم الثالث من يلي : ( 1 ) من كان الحضور وحرجا مشقة
شديدة عليه أو سببا للضرر . ( 2 ) الأعمى . ( 3 ) المريض ( 4 ) المرأة .
( 5 ) الشيخ الكبير كالرجل الذي تجاوز السبعين . ( 6 ) المسافر سفرا يسوغ
له التقصير في الصلاة ( التقصير هو أداء صلاة الظهر والعصر والعشاء
ركعتين بدلا عن أربعة ) . ( 7 ) من كان يبعد عن مكان صلاة الجمعة بفرسخين
اي بعشرة كيلومترات وأربعة أخماس الكيلو متر . فهؤلاء يهذرون في عدم
الحضور ولكنهم إذا تكلفوا وحضروا صحت منهم صلاة الجمعة . والبعيد إذا جاء
إلى مكان الصلاة وجب عليه الاشتراك في صلاة الجمعة وصحت صلاته .
- إذا نودي لصلاة الجمعة على النحو الذي ذكرناه لم يسغ لكل من يجب عليه
الحضور ان يتشاغل عن ذلك ببيع وتجارة ونحو ذلك مما هو معيق عن أداء هذه
الفريضة ، ولكن إذا لم يكن البيع معيقا عن ذلك فلا بأس به كما إذا أمكنه
ان يبيع وهو في طريقه إلى الصلاة .
- كما لا يسوغ أيضا لمن وجب عليه الحضور ان يسافر عند ظهر يوم الجمعة ،
الا إذا كان في سفره يمر على صلاة جمعة أخرى صحيحة يمكنه الالتحاق بها
والاشتراك فيها قبل ان يفوت وقت صلاة الجمعة .
- وكما يجب حضور الصلاة وفقا للحكم الثالث المتقدم كذلك يجب حضور
الخطبتين والاصغاء عند الحضور أيضا ، ولو تقاعس شخص عن السعي إلى صلاة
الجمعة ففاتته الخطبة وأدرك الصلاة صحت منه .
- ووقت فريضة صلاة الجمعة يبدأ من أول الظهر . والجدير بالمقيمين لها
احتياطا وحرصا على ما هو المطلوب شرعا ان لا يؤخروها عن الظهر - الزوال -
مدة طويلة ، فعليهم ان يؤدوها قبل انتهاء الوقت المفضل لصلاة الظهر في
سائر الأيام ، بل في بدايات هذا الوقت وقبل ان يمتد الظل الشرقي للجدار
الواقع بين الشمال والجنوب بقدر اثنين من سبعة من ارتفاع ذلك الجدار .
ويسوغ تقديم الخطبتين على الزوال ، ولكن لا يجوز الابتداء بالصلاة نفسها
الا بعد تحقق الزوال .
- وإذا فاتت الانسان صلاة الجمعة فلا يسمح له بأمتها ثانية حتى ولو كان
وقتها باقيا ، بل يتعين عليه ان يأتي بصلاة الظهر)) .
***
ملحق /4
صلاة التراويح
جاء في ( صلاة التراويح بين السنة والبدعة - مركز المصطفى (ص) –
القرص المدمج "مكتبة اهل البيت) :
((صلاة التراويح لم تكن على عهد رسول الله ، ولم تكن على عهد أبى
بكر ، ولا شرع الله الاجتماع والجماعة لأداء نافلة من السنن غير صلاة
الاستسقاء ، وكان الرسول يقيم ليالي رمضان ويؤدي سننها في غير جماعة ،
ويحض على قيامها ، فكان الناس يودونها بالصورة التي كان رسول الله
يؤديها . وظل الأمر على هذه الشاكلة طوال عهد أبى بكر وحتى السنة 13 من
الهجرة . وفى سنة أربعة عشر من الهجرة دخل عمر المسجد وكان خليفة ، فرأى
الناس بين قائم وساجد ومسبح ومحرم ، فانزعج ورأى ان هذا خطا ، وان من
واجبه إصلاح هذا الخطأ ، فأصدر قرارا بسن سنة التراويح جماعة ، ونصب
للناس إمامين في المدينة يصليان بهم التراويح ، اماما للرجال وآخر
للنساء ! ثم عمم قراره على كافة الولايات والأمصار ! ! راجع الكامل في
التاريخ لابن الأثير مجلد 3 صفحة 31 والطبقات الكبرى لابن سعد مجلد 3
صفحة 281 ، وراجع الملل والنحل للشهرستاني مجلد 1 صفحة 28 .
أخرج البخاري في كتاب التراويح عن عبد الرحمن بن عبد القادر قال :
خرجت مع عمر ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون إلى ان
قال فقال عمر ( اني أرى لو جمعت هؤلاء على قاري واحد كان أمثل ، ثم عزم
فجمعهم على أبى بن كعب ، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئ
فقال عمر : تمت البدعة ! صحيح بخارى كتاب التراويح مجلد 2 صفحة 252 وموطأ
مالك مجلد 1 صفحة 114 قال العلامة القسطلاني في أول الصفحة 4 من مجلد 5
من إرشاد الساري في شرح صحيح بخارى : سماها عمر بدعة لأن رسول الله لم
يسنها لهم ، ولا كانت في زمن الصديق 2 ! وذكر السيوطي في كتابه تاريخ
الخلفا ان عمر أول من سمى أمير المؤمنين ، وأول من سن قيام شهر رمضان
بالتراويح ، وأول من حرم المتعة ، وأول من جمع الناس في صلاة الجنائز على
أربع تكبيرات ، راجع تاريخ الخلفا للسيوطي ، والكامل لابن الأثير مجلد 3
صفحة 31 وغنى عن البيان ان الله تعالى قد أكمل الدين ، وأتم النعمة ، وان
رسول الله قد بين للأمة الصواب في كل شئ ، في ما فعله ، وما قاله وما
قرره ، وما لم يفعله الرسول ، وما لم يقره ، أو يقوله فهو سنة لغيره
وليست له . بمعنى ان رسول الله لم يسن صلاة التراويح بالصورة التي أوجدها
عمر في عهده ، وان سنة الرسول في هذا الموضوع هي سننه الفعلية التي كانت
سائدة في زمانه وفى زمان أبى بكر . لكن إذا أردت ان ترى ترجيح وأهمية سنة
القوة المتغلبة وتفوقها على سنة الرسول ، يمكنك مشاهدة المساجد في ليلة
من ليالي رمضان ! ! هذا يؤكد على ان القوة المتغلبة سخرت كل وسائل
اعلامها وموارد الدولة طوال التاريخ لترسيخ قناعات الغالب ، وآرائه
الشخصية ، وخلق حالة من الانبهار بقدرة هذا الغالب ، وبعد نظره ! فكان
الغالب عمليا أولى بالاتباع من رسول الله ! ‹ صفحة الخلاف ج 1 ص 184
› : مسألة 268 : نوافل شهر رمضان تصلى منفردا والجماعة فيها بدعة . وقال
الشافعي : صلاة المنفرد أحب إلي منه . وشنع ابن داود على الشافعي في
هذه المسألة فقال : خالف فيها السنة والإجماع . وأختلف أصحاب الشافعي في
ذلك على قولين : فقال أبو العباس وأبو إسحاق وعامة أصحابه : صلاة
التراويح في الجماعة أفضل بكل حال وتأولوا قول الشافعي فقالوا : إنما
قال : النافلة ضربان : نافلة سن لها الجماعة وهي العيدان ، والخسوف ،
والاستسقاء . ونافلة لم تسن لها الجماعة مثل ركعتي الفجر ، والوتر . وما
سن له الجماعة أوكد مما لم تسن له الجماعة . ثم قال : وأما قيام شهر
رمضان فصلاة المنفرد أحب إلي منه يعني ركعات الفجر والوتر التي تفعل على
الانفراد أوكد من قيام شهر رمضان . والقول الثاني : منهم من قال بظاهر
كلامه فقال : صلاة التراويح على الانفراد أفضل منها في الجماعة بشرطين :
أحدهما : ان لا تختل الجماعة بتأخره عن المسجد . والثاني : أن يطيل
القيام والقراءة ، فيصلي منفردا ويقرأ أكثر مما يقرأ إمامه ، وقد نص في
القديم على أنه إن صلى في بيته في شهر رمضان فهو أحب إلي ، وإن صلاها في
جماعة فحسن . واختار أصحابه مذهب أبي العباس وأبي إسحاق . دليلنا : إجماع
الفرقة ، فإنهم لا يختلفون في أن ذلك بدعة . وأيضا روى زيد بن ثابت ان
النبي صلى الله عليه وآله قال : " صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في
المسجد إلا المكتوبة " . وروت عائشة : ان النبي صلى الله عليه وآله صلى
في المسجد ، فصلى بصلاته ناس ، ثم صلى في القابلة فكثر الناس ، ثم
اجتمعوا في الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه
وآله ، فلما أصبح قال : " رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم
إلا أني خشيت أن يفرض عليكم " . وروي عن عمر أنه أمر أن تصلى التراويح
جماعة ، وأمر بإخراج القناديل ، ثم قال : هي بدعة ونعمت البدعة هي . فصرح
عمر بأنها بدعة والنبي صلى الله عليه وآله قال " كل بدعة ضلالة ، وكل
ضلالة في النار . ‹ صفحة الشافي في الإمامة المرتضى ج 4 ص : › الشافي في
الإمامة المرتضى ج 4 ص : قال صاحب الكتاب : ( شبهة لهم أخرى وربما
قالوا : إنه أبدع في الدين ما لا يجوز كالتراويح ، وما عمله في الخراج
الذي وضعه على السواد ، وفي ترتيب الجزية ، وكل ذلك مخالف القرآن
والسنة ، لأنه تعالى جعل الغنيمة للغانمين ، والخمس منها لأهل الخمس ،
فخالف القرآن وكذلك السنة تنطق في الجزية أن على كل حالم دينارا فخالف
ذلك ، والسنة أن الجماعة لا تكون إلا في المكتوبات فخالف السنة ) . وأجاب
عن ذلك : ( إن قيام شهر رمضان قد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
أنه عمله ثم تركه ، وإذا علم أن الترك ليس بنسخ صار سنة يجوز أن يعمل
بها ، وإذا كان ما لأجله ترك عليه السلام من التنبيه بذلك على أنه ليس
بفرض ومن تخفيف التعبد ليس بقائم في فعل عمر لم يمتنع أن يدوم عليه ، .
وإذا كان فيه الدعاء إلى الصلاة والتشدد في حفظ القرآن . فما الذي يمنع
أن يعمل به على وجه أنه مسنون )) .
***
ملحق/ 5
الخمس
1 - جاء في (منية السائل - السيد الخوئي - ص 54 – 61) :
(( باب الخمس:
( س ): هل يعتبر في وجوب الخمس إذن الوالد أو كون الشخص منفصل عن والده
أم يجب حتى لو كان مع والده في السكن ؟ .
( ج ) لا يعتبر إذنه ويجب حتى لو كان مع والده في السكن إذا كان بالغا في
عمره فربح ربحا وبقي عنده سنة .
( س ) إذا جاء موسم الحج وفي نفس الوقت جاء موعد اخراج الخمس الذي عليه ،
فإذا أخرج الخمس نقصت أموال الحج فلا يستطيع الذهاب وإن حج ولم يدفع
الخمس منع حق من حقوق الله ، فما العمل وأيهما يقدم ؟ .
( ج ) لا بد من التخميس فإن بقيت استطاعته وجب عليه الحج وإلا لم يجب
وليعلم أنه لا اعتبار بوصول رأس السنة التي تجعل بل المدار على أن يحول
الحول ( السنة ) على الربح فحينئذ إذا كان قد حال على بعض الأموال الحول
يجب تخميسه فقط فالباقي يجوز صرفه في المؤنة التي منها الحج ، فإذا لم
يكفي فهو غير مستطيع ويسقط عنه الحج في هذه السنة .
( س ) المال المخمس إذا حول إلى عملة أخرى فصار ضعفا أو أكثر ودار عليه
الحول هل يجب تخميس المحول بعد العام أم لا ؟ .
( ج ) يجب الخمس في الصورة المفروضة على الزائد بعد مضي الحول عليه وعدم
صرفه في المؤونة دون المقدار المخمس من المال ، هذا إذا كان بقصد
التجارة ، وأما بقصد الحفظ فلا يجب تخميس الزائد فعلا .
( س ) هل صحيح أن للمكلف حق التصرف بثلث سهم الإمام ( ع ) من الخمس
المتحقق عنده ؟
( ج ) لم نأذن كليا بذلك وإنما رخصنا لمن سأل ذلك منا والله العالم .
( س ) إذا قرأنا من كتاب عشر صفحات فهل يطلق عليه أنه قد قرأ ، بحيث لو
دار عليه الحول لا يخمس أم كم ينبغي القراءة منه حتى إذا دار عليه الحول
لا يخمس ؟ .
( ج ) إذا كانت القراءة حسب الحاجة إليها في أثناء السنة فلا خمس فيه .
( س ) ما هي الأمور التي تحسب في رأس المال ؟ .
( ج ) رأس المال دائر مدار اختيارك أنت إلا أن الذي لك أن لا تخمسه هو
معادل مصرف سنتك فإذا كان مصرفك عشرة آلاف ليرة مثلا فلك أن تجعلها رأس
مالك بغير تخميس فتكتسب بها تدر عليك بالربح فتأكل من ربحها أو تصرف
نفسها في مؤونتك فتأكلها .
( س ) هل يجوز دفع الخمس من مال المالك بدون علمه ورخصته لمن يعلم
باستحقاق الخمس في ماله تأكيدا . . إذا كان هذا المالك معاندا ورافضا
لدفع الحق الشرعي ؟
( ج ) نعم مع كسبه الرخصة المأخوذة من الحاكم .
( س ) عند رأس السنة تم احتساب الخمس ومن ثم تسليمه وأجريت بعد عملية
تسليم الخمس المترتب بالذمة عملية مصالحة حول تخميس أموال لم تحتسب ضمن
الخمس سهوا أو نسيانا أو جهلا بأنها مما يجب أن يخمس أو ظنا بأنها
مخمسة ، ثم تبين أن مقدارا من المال لم يحتسب ضمن الخمس لأحد الأسباب
أعلاه ، وهو يقل عن مبلغ المصالحة بكثير ، فهل يجب فيه الخمس أم أن عملية
المصالحة كافية ومبرئة للذمة .
( ج ) إن كان نيته عند المحاسبة تفريغ ذمته عما يستوجب عليه ولكن لم يكن
ما ذكر من المتخلف مشهودا أو منظورا له وكان ما أخرجه يستوعب المتخلف
أيضا أجزأ عنه أيضا .
( س ) هناك بعض المواد التي تدعمها الدولة فتباع بأسعار زهيدة للمستهلك
والمواد نفسها تباع بسعر آخر في السوق قد يصل إلى عشرين ضعفا أو أكثر عن
السعر الأول وهي مما تثقل كاهل المستهلك ذي الدخل المحدود والفقير شرعا ،
فهل يتم احتساب الخمس لهذه المواد عند رأس السنة على أساس السعر المدعوم
أو سعر السوق ؟ .
( ج ) الخمس لازم على تلك المواد بسعر السوق وقت الدفع .
( س ) هل يجب الخمس في الأجزاء غير المقروءة من دورات الكتب خصوصا إذا
كان عمل الشخص في التتبع والبحث والتحقيق في التاريخ والأدب وغيرها من
المجالات فربما يحتاج اليوم هذا الجزء من الدورة ويحتاج الجزء الآخر منها
بعد أكثر من سنة نظرا لمتطلبات العمل ، هذا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن
دورات الكتب لا تباع مجزأة ؟ .
( ج ) في مفروض السؤال لا خمس في البقية غير المقروء فيها .
( س ) هناك بعض الشركات تعطي موظفيها قروضا لشراء أرض وبناء بيت للسكن
وتخصم من قيمة الأرض 50 % ومن البيت 20 % فهل يجب الخمس في الأقساط
المسددة من المبالغ المقترضة من الشركة قبل وبعد سكن البيت ؟ .
( ج ) إن صارت معمورة لسكنهم فسكنوا فيها قبل أو مع موعد خصم القسط فلا
خمس على التسديدات التي لحقتهم من فوائدهم وإن عمروها لغير مسكنهم أو
سكنوها بعد مرور عام من التسديد لزمهم خمس جميع بدل التسديد لغير السكن
وخمس ما سبق بعام من تسديد السكن قبل أن يحققوا فيها السكن .
( س ) شخص هاجر من بلده وكان عنده مبلغ من المال وكان قد خمسه في نهاية
السنة ، وبعد ارتحاله وسكنه في بلد ثان ، حول ما عنده من عملة بلده إلى
الدولار الأمريكي لغرض الحفاظ على ماله ، وأصبح الدولار هو العملة
الرئيسية في معاملاته التجارية إضافة إلى عملة البلد الجديد وعليه فإذا
احتاج إلى مصروف يصرف من الدولار والعملة للبلد الجديد ، وفي نهاية السنة
وجد أن قيمة الدولار أصبحت بالنسبة إلى العملة الأولى والعملة لبلده
الثاني ضعف ما كانت عليه في نهاية السنة الحسابية الماضية ، فهل يجب
الخمس في هذه الزيادة الحاصلة في قيمة الدولار أم لا ؟ .
( ج ) نعم يجب تخميس الزيادة في الصورة المفروضة .
( س ) هل يجوز لطالب العلم الديني أن يأخذ من الحقوق الشرعية إذا كان
أهله موسرين ولا يزال تحت نفقتهم ؟ .
( ج ) نعم يجوز إذا كان غرضه خدمة الدين .
( س ) إذا كان الموظف في الدولة يقبض معاشا شهريا محددا ، وعلى مدى
السنين الطويلة يحصل له تعويض عند تركه للعمل أو إحالته للتقاعد ، بحيث
أن التعويض يتأتى نتيجة الأتعاب أو الخدمة حيث تكون الدولة محتفظة له
بمقدار من أتعابه كل شهر حتى يترك العمل أو يتقاعد فيكون المال نتيجة
لها ، فهل يجب اخراج خمس ذلك المال مباشرة عند قبضه أم لا بد من مرور
الحول عليه أولا ؟ أم لا بد من تخميسها وإن لم يقبضها بعد وإن كان يعلم
مقدار المال الذي سيحصل عليه في النهاية .
( ج ) لا يجب اخراج الخمس منه مباشرة بل لا بد من مرور الحول عليه .
( س ) هل يحق للسيد أو الهاشمي أن يأخذ من سهم الإمام من غير ضرورة ؟
( ج ) لا يجوز بدون الإجازة من المرجع .
( س ) لو أراد شخص بناء سكن له ولعياله فوضع الأساس في السنة الأولى
وأقام الأعمدة والسقوف في السنة الثانية وجهز وأتم في السنة الثالثة كل
ذلك كان من أرباح في أثناء السنة ومن ديون ، فما الذي يجب فيه الخمس ؟
والخمس يكون بحسب القيمة الفعلية أخر الثلاث سنين من الانتهاء أم بحسب
الكلفة لكل آخر سنة بحيث يجمع مجموع ما كلفه على مدى الثلاث سنين ويخرج
الخمس أم بحسب القيمة الفعلية لكل آخر سنة مما أنجز ؟ .
( ج ) نعم عليه أن يؤدي خمس البناء بسعر يوم دفع خمس عدا الثمن الذي بقي
عليه من دين ، وكان له في كل سنة قبل أن يكمل البناء أن يخرج خمس كلفة ما
يصرف في السنة ويعمر بما قد خمسه حتى لا يتكلف الخمس بسعر غال .
( س ) لو كان عنده مال وقبل أن يمر عليه الحول بيوم واحد اشترى به بضاعة
فرارا من الخمس حتى لا يتعلق به ليحسب له رأس مال جديد ، فهل يجوز ذلك ؟
وهل يجب الخمس في هذه الحال أم لا ؟ .
( ج ) عند تمام الحول يتعلق الخمس بالبضاعة لأنها اشتريت بما كملت السنة
بمرور اليوم الباقي من السنة فلا فرق بين التبديل وعدمه .
( س ) لو أن إنسانا اشترى برأس ماله الذي لا يزيد على مؤنه سنته قطعة
أرض ليزرعها ويعيش منها ، فهل يجب عليه اخراج خمس قطعة الأرض هذه أو لا ؟
مع العلم أنه يستطيع الزراعة بواسطة استئجار أرض أخرى ؟ .
( ج ) نعم على تقدير عدم مضي الحول عليه وعدم وجود مال أو كسب آخر
لمعيشته جاز له ذلك من دون تخميس فيما إذ كان بمقدر مصرف سنته كما هو
المفروض والله العالم .
( س ) شخص اشترى محلا للتجارة بمعنى أعطى عوض إخلائه ( السرقفلية ) وصرف
عليه أموالا لتحسينه وتزينه للترغيب فهل تحسب هذه الأمور من الفواضل كي
يجب تخميسها أو لا ؟
( ج ) ماله بدل في الحال يعد من رأس المال ويجري عليه حكمه .
( س ) شخص رأس سنته أول محرم الحرام مثلا فلو ربح بعد الغروب وقبل الصبح
من يوم رأس سنته فهل هذا الربح من أرباح السنة الماضية حتى يخمس أو
لا ؟ .
( ج ) حيث أن لكل ربح نسبة لك أن تحسبه من السنة الماضية في مفروض
السؤال والله العالم .
( س ) شخص وهب أولاده أرضا ومتعلق فيها الخمس منذ سنين والآن زاد ثمنها
كثيرا فهل يجب على هذا الشخص أن يدفع خمس ثمنها زمن الهبة أو خمس ثمنها
الآن ؟ .
( ج ) نعم يجب عليه أن يدفع خمس ثمنها زمن الهبة والله العالم .
( س ) شخص يملك أرضا - شرعا - وهو يستغلها الآن ولكنها مسجلة في دائرة
الطابو باسم غيره بحيث يمكن للغير أو لورثته أن ينتزعوها منه ساعة يشاؤون
فهل يجب عليه تخميسها الآن أو حتى تسجل في الطابو باسمه ؟ .
( ج ) يجب عليه تخميسها الآن والله العالم .
( س ) ما رأيكم في رجل اشترى قطعة أرض بمبلغ لم يمر عليه سنة ثم مر أكثر
من سنة على تملكه الأرض ، ثم أراد أن يخمس ، هل يتعلق الخمس بسعر الشراء
أم بقيمة الأرض حين التخميس ، مع العلم أن الأرض مشتراة للاقتناء لا
للتجارة ؟ .
( ج ) في الصورة المفروضة على الرجل تخميس الأرض بسعرها الحالي ولا فرق
في هذا الحكم بين أن يكون شراؤها للاقتناء أو للتجارة .
( س ) ما رأيكم في رجل اشترى قطعة أرض بمبلغ مر عليه سنة ، ثم مر أكثر
من سنة على تملكه للأرض ثم أراد أن يخمس ، هل يتعلق الخمس بسعر الشراء أم
بقيمة الأرض حين التخميس ؟ . مع العلم أن الأرض مشتراة للاقتناء لا
للتجارة ؟ .
( ج ) على الرجل في هذه الصورة تخميس الأرض بسعرها المشتراة )).
***
2 – جاء في (استفتاءات - السيد السيستاني - ص 11) :
(( السؤال : أعمل لدى شركة تمنح موظفيها قروضا لبناء منازل لهم ، وقد
اقترضت مبلغا من الشركة التي أعمل فيها فشيدت منزلا فيه مع زيادته بمبلغ
من جيبي الخاص . وعملت لي رأس سنة للخمس ، وقد سددت جزءا من ذلك الخمس ،
ثم بعت المنزل لبناء منزل لأسكن فيه ( حيث أني أسكن مع والدي في الوقت
الراهن ) بقيمة المنزل المباع . فماذا عن الخمس المتبقي ؟ وإذا كان مبلغ
بيع المنزل شيكا هل فيه خمس أم لا ؟
الجواب : يجب الخمس في الربح إذا لم يصرف في مؤونة السنة ولا يجب فيما
يعادل القرض إلا إذا بقي ودفعت قسطه ولا فرق بين كون الثمن شيكا أو نقدا
إلا إذا لم يكن للمشتري رصيد وحينئذ فلا يجب الخمس في الربح إلا بعد
استلام الثمن أو امكان استلامه .
سؤال : ما رأي سماحتكم بالنسبة إلى الأموال المدخرة لشراء السكن والتي
مضى عليها حول كامل ؟ هل يجب أن تخمس أم لا ؟ وإذا كان الخمس فيها واجبا
فهل لنا الرجوع في هذه المسألة إلى السيد الكلبايكاني مع بأننا انتقلنا
إلى تقليده بعد وفاة السيد الخوئي ثم رجعنا إليكم بعد وفاته ؟
الجواب : يجب فيها الخمس ولا يجوز الرجوع)) .
***
3 - جاء في ( الفتاوى الميسرة - السيد السيستاني - ص 229 وما بعدها) :
(( قال أبي : - (…) فهل علمت بوجوب الخمس ؟ - قلت - وقد اجتاحتني
موجة من طمأنينة واثقة ورهبة وخوف : نعم . . نعم . . علمت . ثم قام من
مقعده وناولني ثانية مجلدا كان قريبا منه يسميه ( الوسائل ) فقرأت على
وجه صفحته الأولى اسم مؤلفه ( محمد بن الحسن الحر العاملي ) وقال لي :
أخرج لي منه كتاب الخمس واقرأ . - فأخرجت كتاب الخمس وقرأت له أحاديث عن
النبي صلى الله عليه والسلام والإمام علي عليه السلام والإمام الباقر
عليه السلام والإمام الصادق عليه السلام والإمام الكاظم عليه السلام في
الخمس . وكان مما قرأت له هو الحديث الذي يرويه رجل يسمى عمران بن موسى
قال قرأت على موسى بن جعفر عليها السلام آية الخمس . فقال : ( ما كان لله
فهو لرسول الله ، وما كان للرسول فهو لنا ، ) ثم قال . والله لقد يسر
الله على المؤمنين أرزاقهم بخمسة دراهم جعلوا لربهم واحدة وأكلوا أربعة
احلاء . وهذا الحديث الذي يرويه رجل يسمى سماعة قال : سألت أبا الحسن
عليه السلام عن الخمس ، فقال : ( في كل ما أفاد الناس من قليل أو
كثير ) . وهذا الحديث المروي عن محمد ابن الحسن الأشعري قال : كتب بعض
أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام : أخبرني عن الخمس أعلى جميع ما
يستفيد الرجل من قليل وكثير ، ومن جميع الضروب وعلى الصناع ؟ وكيف ذلك ؟
فكتب بخطه ( الخمس بعد المؤنة ) . وإذ انتهيت من تلاوة هذا الحديث سألت
أبي : - في حوارية الصلاة قلت : لا تصل بملابس تعلق بها الخمس ولم تخمس ،
ثم عدت ثانية وقلت لي في حوارية الحج : طهر مالك بإخراج خمسه وزكاته - إن
كان مشمولا بهما - فهل أن تحج به . فهل يجب علي أن أخمس كل مالي يا ترى ؟
قال أبي : يجب الخمس فيما يأتي :
1 - ما يغنمه المسلمون في الحرب من الأموال المنقولة وغيرها للكفار
الذين يحل قتالهم .
2 - ما يستخرج من المعادن كالذهب والفضة والنحاس والحديد والكبريت
وغيرها ، وكذلك النفط والفحم الحجري ، بعد طرح تكاليف الانتاج والتصفية ،
شرط أن تبلغ القيمة السوقية للكمية المستخرجة منها ما يساوي قيمة خمسة
عشر مثقالا صيرفيا من الذهب المسكوك . أو يزيد .
3 - الكنوز ، شرط أن تبلغ قيمة الكمية المستخرجة منها خمسة عشر مثقالا
صيرفيا من الذهب أو أكثر ، ومن الفضة مائة وخمسة مثاقيل أو أكثر بعد
استثناء تكاليف الاخراج .
4 - ما أخرج بالغوص من البحر أو الأنهار الكبار مما يتكون فيها اللؤلؤ
والمرجان وغيرهما إذا بلغت قيمته دينارا ذهبيا .
5 - المال الحلال المخلوط بالمال الحرام في بعض صوره .
6 - الأرباح السنوية المتحصلة من تجارة أو صناعة أو هدية أو زراعة أو
حيازة أو أي كسب آخر بما في ذلك أجور العمل والرواتب و . . . و . . .
وقاطعته : - معنى هذا أن أرباح التجار يجب أن تخمس ؟
- ليست أرباح التجار وحدها يجب أن تخمس بل أرباح كل مستفيد بما فيهم أنت
وأنا . - وكيف يحسب التاجر أرباحه الخاضعة للتخميس ؟ - يحسب ما لديه من
الأموال من بضاعة ونقد بعد مرور سنة من شروعه في التجارة ويستثني منه :
أولا : رأس ماله الذي تاجر به . ثانيا : المبالغ المصروفة في سبيل تحصيل
الأرباح من أجور النقل والكهرباء والهاتف والمحلات والمخازن والضرائب
ونحوها . ثالثا : مصروفه الشخصي ومصروف عائلته خلال السنة المنصرمة ،
أي : ما صرفه في المأكل والمشرب ، والملبس والمسكن ، والنقل والأثاث ،
والعلاج والنثريات الأخرى ، بما في ذلك تسديد الديون والهدايا ،
والواجبات والسفرات والمناسبات وغيرها مما هو طبيعي لمثله ولا يعد سرفا
وتبذيرا فإذا استثنى الأمور المذكورة أخرج 20 % من الباقي ودفعه خمسا . -
وضح لي هذا بذكر مثال . - مثلا : إذا لاحظ التاجر عند حلول رأس سنته أنه
يمتلك عشرة آلاف دينار نقدا وعشرين ألف دينار من البضاعة ليكون المجموع
ثلاثين ألف دينارا ، ولاحظ أنه كان رأس ماله في بداية السنة خمسة عشر ألف
دينار ، ودفع في سبيل تجارته من أجور النقل والهاتف والكهرباء والدكان
ونحو ذلك مبلغا قدره ألف دينار ، وصرف على نفسه وعائلته خلال العام أربعة
آلاف دينار ، يكون صافي ربحه بعد طرح رأس المال ومؤونة التجارة والمؤونة
السنوية هو عشرة آلاف دينار أي 30000 - 20000 : 10000 وهو ما يجب أن
يخمسه ، ومقدار الخمس ألفا دينار 10000 / 5 : 2000 وهو المبلغ الواجب
دفعه .
- ومن أي تاريخ أبدأ بحساب الأرباح حتى إذا مر عليها عام وجب أن أدفع
خمسها ؟
- من أول ظهور الربح إذا لم تكن لك مهنة تعتاش منها فمتى استفدت ومضى على
تاريخ تلك الاستفادة عام من دون أن تصرفها في مأكل أو ملبس أو علاج أو
أثاث أو سفرة أو . . . أو . . . فادفع خمس ما حصلت عليه ، أما إذا كانت
لك مهنة تتعاطاها في معاشك فابدأ بالحساب من تاريخ الشروع بالاكتساب .
- لو اشتريت بدلة لي ومضى عليها عام ولم ألبسها ؟ - إدفع خمسها . وكذلك
يخمس رب الأسرة - مثلا - وكل مالك ما اشتراه من حاجيات بيتية أثناء العام
ولم يستخدمها ، بما في ذلك ما يفضل في بيته من رز أو طحين أو حنطة أو
شعير أو سكر أو شاي أو ماش أو عدس أو معلبات أو دهن أو حلويات أو نفط أو
غاز أو غيرها .
- معنى هذا كل ما زاد عن الحاجة فلم يستخدم أو يؤكل أو يلبس أو . .
أو . . يخمس . - نعم . . فإذا حل يوم إخراج الخمس تقوم بعملية جرد شاملة
للفائض عن الحاجة السنوية وتدفع خمسه من عينه ، أو تقدر قيمته وتدفع
خمسه .
- أأقدر قيمته يوم حساب الخمس أم قيمته حين الشراء ؟
- بل قيمته السوقية عند حساب الخمس ، لا قيمته التي اشتريته بها .
- ولو لم أخمس حاجة كان يجب علي أن أخمسها ؟
- لا يحل لك التصرف بها حينئذ حتى تدفع الخمس ، ويجوز بإذن الحاكم
الشرعي إذا رأى مصلحة في ذلك .
- والمتوفى إذا كان في ذمته خمس ولم يوص باخراجه فما هي وظيفة الورثة ؟
- يلزمهم إخراجه من أصل ما خلفه مقدما على الوصية والإرث ، ويستثنى من
ذلك ما لو كان المتوفى عاصيا لا يدفع الخمس فإنه تحل تركته للوارث المؤمن
ولا يلزمه تفريغ ذمة مرثه مما علق بها من الخمس . وهكذا الحال في كل ما
ينتقل إلى المؤمن ممن لا يخمس أمواله بمعاملة أو مجانا ، فإنه يملكه
ويجوز له التصرف فيه ، كما يجوز له التصرف في أموال من لا يخمس إذا
أباحها له من دون تمليك فإن في جميع ذلك يكون المهنأ للمؤمن والوزر على
مانع الخمس إذ كان مقصرا . هكذا قال أبي ثم سكت برهة فبادرت قائلا -
وماذا يفعل التاجر أو مالك الأرض الزراعية أو صاحب المعمل الصناعي أو
الملاك أو العامل أو الموظف أو الطالب أو غيرهم إذا كان لا يخمس ولا
يحاسب نفسه لاخراج الخمس سنوات وسنوات غنم خلالها واستفاد وربح أموالا
وعمر ديارا واشترى أثاثا وفراشا وحاجيات وملابس ، ثم تنبه إلى وجوب إخراج
الخمس من هذه الأرباح ؟
- يجب عليه إخراج الخمس من هذه الأرباح من كل ما ذكرت وعددت إذا لم يكن
من مؤنة سنته ، بل كان فائضا عن حاجته السنوية .
- اضرب لي مثلا على ما تقول .
- الدار التي اشتراها ولم يتخذها مسكنا له ، لأنه يملك دارا أخرى غيرها
ملائمة لسكناه ، يجب عليه إخراج خمسها . والأثاث الذي اشتراه ولم يستخدمه
لعدم احتياجه إليه يجب عليه إخراج خمسه . والحاجيات التي اشتراها ولا
يحتاج إليها من هو في مستواه يجب عليه إخراج خمسها .
- وما كان من مؤنته السنوية كالدار التي اشتراها لسكناه أو الأثاث الذي
اشتراه واستخدمه لحاجته إليه وما شاكل ذلك .
- إذا كان قد اشترى الدار مثلا أو الأثاث من أرباح نفس تلك السنة سنة
سكناه في الدار ، أو استخدامه الأثاث فلا يجب عليه تخميسها ، وكذلك غيرها
من أمثالها .
- وإذا كان قد اشترى الدار لسكناه مثلا من أرباح تجمعت عنده من سنين
سابقة مضافا إليها أرباح تلك السنة - سنة سكناه في الدار - كما هو حال
الكثير من الناس اليوم - كما أظن - ممن تجمعت لديهم أرباح من سنين سابقة
فاختلط عليهم حساب الخمس ؟
- يجب عليه مراجعة الحاكم الشرعي أو من يقوم مقامه ليجري معه مصالحة
بشأن المقدار المشكوك أنه من أرباح السنين السابقة أو من ربح سنة السكنى
في الدار ، وأما ما يتعين إنه من أرباح السنين السابقة فلا بد من إخراج
خمسه فورا .
- وإذا لم يكن قادرا على أداء الخمس دفعة واحدة معجلا أو كان يجد في ذلك
حرجا ومشقة ؟ - يقسطه عليه الحاكم الشرعي أو من يقوم مقامه بعد أن ينقله
إلى ذمته بالمداورة ليؤديه تدريجيا من غير مسامحة أو اهمال .
- أنا الآن أسكن معك في نفس الدار فهل يجب علي الخمس ، أو يكفي خمسك عن
نفسك ؟ - نعم يجب عليك إخراج الخمس من ربحك حتى لو كنت معي في نفس الدار
إذا ربحت وبقي ربحك عندك سنة كاملة لم تستخدمه فيها لعدم احتياجك إليه .
- لو اشتغلت في العطلة الصيفية - أنا الطالب - بأجر شهري ولم تأخذه أنت
أبي مني كي أصرفه على نفسي . . . على ملابسي مثلا ، على حاجياتي فهل يجب
علي أن أخمس أجري الشهري ؟
- إذا صرفته فيما يناسبك ويليق بك فلا خمس عليك ، وإن ادخرته أو بعضا
منه حتى مر عليه العام وجب عليك تخميس المدخر .
- محل تجاري اشتراه صاحبه ( بسرقفلية ) هو وأدوات العمل فيه وأخرج خمسه
في السنة الأولى . فهل يجب عليه إخراج خمس زيادة القيمة التي تطرأ على
السرقفلية والأدوات كل عام ؟ - كلا ، بل يجب عليه تخميس الزيادة الطارئة
بعد بيع المحل وظهور الربح فيه إذا لم يصرفها من مؤنة سنته . - الأواني
المعدة للطعام والشراب لو استعملت كتحفيات للزينة ، فهل يعد هذا
الاستعمال استعمالا مسقطا للخمس ؟ - إذا كان وجودها متعارفا عند أمثاله
من الناس وعدم وجودها نقصا حسبت عندئذ من مؤنة السنة . ولا خمس عليها . -
كمية من العملة خمسها مالكها ثم حولها إلى عملة أخرى فتضاعفت قيمتها
بالقياس إلى العملة الأولى فقرر حفظها وادخارها ومر على ذلك عام .
- لا يجب عليه تخميس القيمة الزائدة ما دام المالك قاصدا حفظ المال
وادخاره فعلا .
- بعض المواد الغذائية تدعمها الدولة فتباع بأسعار زهيدة قياسا بأسعارها
السوقية المرتفعة . فلو لم يستهلك منها مالكها شيئا حتى مر عليها عام فهل
يتم احتساب قيمة المواد على أساس السعر المدعوم أو على أساس سعر السوق ؟
- تقدر على أساس سعر السوق وقت دفع الخمس .
- قطعة أرض اشتراها صاحبها شرعا واستغلها ولكنها مسجلة باسم غيره في
دائرة الطابو بحيث يحق لهذا الغير انتزاعها من مالكها الشرعي ساعة ما
يشاء . فهل يجب عليه تخميسها الآن أو حتى تسجل في دائرة الطابو باسمه ؟
- يجب عليه تخميسها الآن إن انطبقت عليه شروط الخمس مارة الذكر .
- المكافأة التقاعدية التي تدفعها الدولة إلى الموظف المتقاعد أيجب عليه
إخراج خمسها عند قبضها مباشرة أم حتى يحل رأس سنته ؟
- يخمس الفائض منها عند حلول رأس سنته .
- وإذا أخرجت الخمس فلمن أدفعه ؟ - الخمس نصفان نصف للإمام المنتظر
( عجل الله فرجه الشريف ) . يصرف في الأمور التي يضمن أو يحرز رضا الإمام
في صرفها فيها وبإجازة من المرجع [ الأعلم المطلع والمحيط بالجهات
العامة ] أو يدفع إليه ، ونصف للفقراء وأبناء السبيل من الهاشميين
المؤمنين وكذلك أيتام الفقراء المؤمنين منهم العاملين بفرائض دينهم
القويم . ويقصد بالهاشميين الذين ينتسبون من جهة الأب إلى هاشم جد النبي
الكريم محمد صلى الله عليه والسلام . هذا [ ولا يجوز اعطاء الخمس لمن تجب
نفقته على صاحب المال كالأب والأم والزوجة والولد ] ، كما لا يجوز دفعه
إلى من يصرفه في الحرام ، [ بل يعتبر أن لا يكون في الدفع إليه إعانة على
الإثم وإن لم يكن يصرفه في الحرام ، كما لا يجوز اعطاؤه لتارك الصلاة أو
شارب الخمر أو المتجاهر بالفسق ] ...)).
***
4 - (حواريات فقهية - السيد محمد سعيد الحكيم - ص 17 وما بعدها) :
(( وجوب تخميس أرباح كل مستفيد - مثال على ذلك - من أي تاريخ نبدأ
بحساب الربح . وجوب تخميس ما يفضل في البيت من حاجيات لم تستخدم حتى يوم
الجرد السنوي - كيف نقدر قيمة الحاجيات حتى ندفع خمسها - كيف يخمس من كان
لا يخمس أمواله - مثال على ذلك . أسئلة متفرقة عن حالات تخص الخمس - لمن
ندفع الخمس بعد إخراجه .
الموقف من الخمس والأنفال:
لقد كان الشيخ المفيد يعتقد - كما يقول في (المقنعة ) : ان الأنفال لله
وللرسول خاصة ، وهي للإمام القائم مقامه من بعده خالصة له كما كانت له
(ص) في حياته ، ولا يحق لأحد ان يعمل في شيء من الأنفال الا بأذن الإمام
العادل ، فمن عمل فيها بأذنه فله أربعة أخماس المستفاد منها وللامام
الخمس .
ولما كان (الإمام العادل) في المصطلح الامامي - كما يقول الطوسي في :
(الخلاف في الفقه ) يعني : (الإمام المعصوم المعين من قبل الله تعالى )
وانه منذ وفاة الإمام الحسن العسكري سنة 260 ه هو (الإمام الثاني عشر
المهدي محمد بن الحسن العسكري ) الذي ولد سنة 255 ه وغاب بعد ذلك الى
اليوم ، فانه يصبح : المالك الحقيقي للأنفال ، وكذلك المالك الحقيقي
للخمس ، وهو قانون خاص غير الزكاة يفرضه الشيعة على المغانم والأرباح ،
ويعتقدون ان عليهم تقديمه لله وللرسول وللامام ولليتامى والمساكين وابناء
السبيل من بني هاشم ، وان سهم الله والرسول وذي القربى يجب تقديمه للإمام
(الذي يمثل ذوي القربى ) والذي واليوم (الإمام المهدي المنتظر ) كما يجب
إعطاؤه الأسهم الثلاثة الأخرى : اسهم اليتامى والمساكين وابناء السبيل ،
لكي يوزعها على الأصناف الثلاثة من بني هاشم .
وقد أدى الالتزام بنظرية (الانتظار) الى الوقوع في أزمة حادة في
موضوع الخمس والأنفال في (عصر الغيبة) ، فمن جهة : ان الإمام المهدي هو
الشخص الوحيد صاحب الخمس والأنفال ، والذي يحق له استلامها وتوزيعها ،
ومن جهة أخرى : لا سبيل الى الوصول اليه لأداء حقوقه ، كما لا توجد اية
نصوص منه في مسالة توزيعها والتصرف فيها في ظل الغيبة.
ومن هنا فقد احتار الفقهاء في حكم الخمس والأنفال ، وقد قال الشيخ
المفيد في :(المقنعة):• قد اختلف قوم من أصحابنا في ذلك عند الغيبة ،
وذهب كل فريق منهم الى مقال:
فمنهم من يسقط فرض إخراجه ، لغيبة الإمام ، وما تقدم من الرخص فيه من
الأخبار.
و بعضهم يوجب كنزه ، ويتأول خبرا ورد :( ان الأرض تظهر كنوزها عند
ظهور الإمام ، وانه (ع) اذا قام دلّه الله على الكنوز فيأخذها من كل
مكان).
وبعضهم يرى صلة الذرية وفقراء الشيعة على طريق الاستصحاب.
وبعضهم يرى عزله لصاحب الأمر ، فان خشي إدراك الموت قبل ظهوره وصّى
به الى من يثق به في عقله وديانته حتى يسلم الى الإمام ، ثم ان ادرك
قيامه .. والا وصّى به الى من يقوم مقامه في الثقة والديانة، ثم على هذا
الشرط الى ان يظهر امام الزمان .
وهذا القول عندي أوضح من جميع ما تقدم ، لأن الخمس حق لغائب لم يرسم
فيه قبل غيبته رسما يجب الانتهاء اليه فوجب حفظه الى وقت ايابه ، والتمكن
من إيصاله اليه او وجود من انتقل بالحق اليه ، ويجري ذلك مجرى الزكاة
التي يعدم عند حلولها مستحقها فلا يجب عند ذلك سقوطها ، ولا يحل التصرف
فيها على حسب التصرف في الأملاك ، ويجب حفظها بالنفس او الوصية الى من
يقوم بإيصالها الى مستحقها من اهل الزكاة من الأصناف .
وان ذهب ذاهب الى ما ذكرناه في شطر الخمس الذي هو خالص الإمام وجعل الشطر
الآخر لأيتام آل محمد وابناء سبيلهم ومساكينهم على ما جاء في القرآن لم
يبعد إصابته الحق في ذلك ، بل كان على صواب .وانما اختلف أصحابنا في هذا
الباب لعدم ما يلجأ اليه من صريح الألفاظ ، وانما عدم ذلك لموضع تغليظ
المحنة مع إقامة الدليل بمقتضى العقل في الأمر من لزوم الأصول في حظر
التصرف في غير المملوك الا بأذن المالك وحفظ الودائع لأهلها ورد
الحقوق .
ويلاحظ : ان المفيد يكشف عن الحيرة في موضوع الخمس والغموض الذي
يلفه ، ويتحدث عن عدم وجود نصوص صريحة من (الإمام المهدي) او غيره حول
حكم الخمس في (عصر الغيبة) وهو ما أدي الى ظهور عدد من الأقوال الغريبة
المنافية للعقل والقرآن من قبيل إسقاط الخمس او دفنه في الأرض او إلقائه
في البحر او عزله والوصية به الى يوم ظهور المهدي ، وهو الرأي الذي
اختاره المفيد .
وقد اتخذ الشيخ المفيد هذا الرأي اعتمادا على التزامه بنظرية
(الانتظار للإمام المهدي الغائب) التي كانت تعني تحريم إقامة الدولة في
(عصر الغيبة) او القيام بمسئولياتها ، ومنها استلام الخمس وتوزيعه .
وقد أيد الشيخ الطوسي في :(المبسوط) رأي الشيخ المفيد ، وعزى اختلاف
الشيعة في حكم الخمس في (عصر الغيبة) الى عدم وجود نص معين.
واستعرض الطوسي مختلف الآراء ورفض الإباحة بقول مطلق • لأنه ضد
الاحتياط ، وتصرف في مال الغير بغير إذن قاطع وأوجب شطر الخمس الى شطرين
ودفن الشطر الخاص بالامام ، اوالايصاء به حتى ظهوره .
وذهب الشيخ الطوسي في :(النهاية) الى تحليل الخمس للشيعة في حال
الغيبة في الأمور التي لا بد لهم منها من المناكح والمتاجر والمساكن ،
ورفض التصرف فيما عدا ذلك .
وذكر اختلاف أقوال أصحابنا في حكم الخمس في الكنوز وغيرها ، وذلك
لعدم وجود نص معين ، وقال:• لو ان انسانا استعمل الاحتياط وعمل على أحد
الأقوال المتقدم ذكرها من الدفن والوصاية لم يكن ماثوما .
ومن الواضح ان الشيخ الطوسي قد بنى موقفه على أساس الظن والتخمين ،
او الاحتياط ، كما بنيت الأقوال الأخرى على ما يشبه ذلك ، ولم يكن يمتلك
نصا معينا ، كما يقول . والسبب في ذلك ... هو الإيمان بحصر إقامة الدولة
في (الإمام المعصوم) وعدم جواز أقامتها لأي أحد من الفقهاء او غيرهم في
(عصر الغيبة).
وقد سجل الشيخ أبو الصلاح الحلبي تقدما في (الكافي في الفقه) فرفض
نظرية دفن الخمس ، وافتى بلزوم إخراج الخمس ، ولكنه قال بعزل شطره لولي
الأمر (المهدي المنتظر) انتظارا للتوصل اليه ، فان استمر التعذر أوصى حين
الوفاة الى من يثق بدينه وبصيرته ليقوم بأداء الواجب مقامه ، واخراج
الشطر الآخر الى مساكين آل علي وجعفر وعقيل والعباس وايتامهم وابناء
سبيلهم .
والتزم سلار في (المراسم) في كتاب الخمس بنظرية التحليل والإباحة
وقال:• ان الأئمة (ع) قد أحلوا الخمس في زمان الغيبة كرما وفضلا للشيعة
خاصة .
وفصّل القاضي ابن براج في (المهذب) في تحليل الخمس بين المساكن
والمناكح والمتاجر ، فأجاز التصرف فيها زمان غيبة الإمام (ع) للشيعة فقط
دون غيرهم ، وبين غير ذلك مما يختص به الإمام ، فلم يجز التصرف في شيء
منه ، ورجّح نظرية الاحتفاظ بسهم الإمام أيام الحياة الى حين إدراك
الإمام المهدي ، ووجوب دفعه اليه بعد الوفاة . ومع انه ذكر أيضا نظرية
الدفن المعتمدة على خبر إخراج الأرض لكنوزها عند ظهور القائم ، الا انه
قال عن نظرية الاحتفاظ بسهم الإمام من الخمس والايصاء به لحين ظهوره :•
انها أحوط واقوى في براءة الذمة .
وظلت مشكلة إخراج الخمس وتوزيعه في (عصر الغيبة) تراوح مكانها لدى علماء
القرن السادس ، بتأثير الحيرة والازمة الكبرى التي نجمت من جراء حصر
المتكلمين الامامة والتنفيذ بالامام المعصوم (المهدي المنتظر الغائب)
وتحريم إقامة الدولة لغيره في (عصر الغيبة) .
وكاد موقف محمد ابن ادريس الحلي ( 543 - 598) ان يكون مطابقا لموقف
القاضي ابن براج ، فقد قال في (السرائر) بإباحة الخمس في المساكن
والمتاجر والمناكح للشيعة في عصر الغيبة ، وذكر اختلاف أقوال الشيعة لعدم
وجود النص ، كما استعرض مختلف الأقوال ورد القول الذي يبيح الخمس بشكل
مطلق ، بشدة ، ورفض نظرية الدفن التي قال بها الشيخ الطوسي وغيره اعتمادا
على خبر واحد ، واختار نظرية الحفظ والوصية بسهم الإمام من الخمس ،
وقال:• الأولى عندي الوصية به والوديعة ، ولا يجوز دفنه ، لأنه لا دليل
عليه . وهذا الذي أخبرناه وافتيانا به ، وهو الذي يقتضيه الدين أصول
المذهب وأدلة العقول وأدلة الفقه وأدلة الاحتياط.
وأكد المحقق الحلي نجم الدين جعفر بن الحسن ( 602 - 676) في :( شرائع
الاسلام - كتاب الخمس): ثبوت إباحة المناكح والمساكن والمتاجر حال
الغيبة ، وقال:• لا يجب إخراج حصة الموجودين من أرباب الخمس منه .
وقد مال الشيخ يحيى بن سعيد الحلي ( 601 - 690) في :(الجامع للشرائع)
الى نظرية إباحة الخمس وغيره للشيعة حال الغيبة كرما من الأئمة وفضلا ،
وذكر اختلاف الشيعة فيما يستحقه الإمام من الكنوز وغيره ، فاستعرض مختلف
الأقوال من الإباحة المطلقة الى الحفظ والوصية والدفن والتفريق والصرف
على الفقراء الصالحين ، ولكنه لم يختر رأيا معينا وتردد قائلا: الله
اعلم.
اما العلامة الحسن بن المطهر الحلي فقد أكد في :(تحرير الأحكام)
إباحة الأئمة لشيعتهم المناكح في حال ظهور الإمام وغيبته ، وقال: ان
الشيخ الطوسي قد ألحق المساكن والمتاجر. وافتى بصراحة بعدم وجوب إخراج
حصة الموجودين من أرباب الخمس منه.
واستقرب الشهيد الأول ( -786) في : (الدروس الشرعية): صرف نصيب
الأصناف عليهم مستحبا في حال الغيبة ، والتخيير في نصيب الإمام بين الدفن
والايصاء ، وصلة الأصناف مع الإعواز ، وأكد إباحة المناكح والمساكن
والمتاجر وعموم الأنفال حال الغيبة .
واعتبر في :(البيان) القول بحفظ نصيب الإمام الى حين ظهوره من أصح
الأقوال ، ورخّص في حال الغيبة : المناكح والمتاجر والمساكن .
وبالرغم من ان المحقق الكركي ( - 940) كان قد ابتعد عن نظرية :
(التقية والانتظار) خطوات واسعة ، وذلك بتبنيه لنظرية :(النيابة العامة)
وقيامه بإعطاء الملك الصفوي (طهماسب بن اسماعيل) إجازة الحكم باسمه كنائب
عن الإمام المهدي ، الا انه أفتى في :(جامع المقاصد في شرح القواعد)
بالتخيير في نصيب الإمام بين الحفظ بالوصية الى ان يسلم اليه عند ظهوره
وبين قسمة حقه على الأصناف ، ولم يقل بوجوب صرف نصيب الإمام على الفقراء
والمساكين وابناء السبيل وحاجات الدولة الشيعية الأخرى .
وذهب الشهيد الثاني ( 911 - 966) في :(مسالك الافهام): الى إباحة
الأنفال بشكل مطلق في حال الغيبة ، وليس إباحة المناكح والمساكن والمتاجر
فقط ، وقال: • ان الأصح هو ذلك .
ومع إفتائه بملك الإمام للأرض الموات وقت الفتح وعدم جواز أحيائها
الا بأذنه ، الا انه اشترط في ذلك وجود الإمام فان كان غائبا فهي ملك
للمحيي ولا حاجة للاذن .
وتردد محمد بن الحسن الحلي ، في :(إيضاح الفوائد في شرح اشكالات
القواعد) في الموقف من الخمس حال الغيبة ، وخيّر المكلف بين الحفظ
بالوصية الى ان يسلم اليه ، وبين صرف النصف الى أربابه وحفظ الباقي ،
وبين قسمة حقه على الأصناف.
واستظهر المقدس الاردبيلي ( - 993) في :( مجمع الفائدة والبرهان) :
إباحة مطلق التصرف في أموال الإمام الغائب للشيعة ، خصوصا مع الاحتياج ،
وقال:• اعلم ان عموم الأخبار ... يدل على السقوط بالكلية في زمان الغيبة
والحضور ، بمعنى عدم الوجوب الحتمي فكأنهم (عليهم السلام) اخبروا بذلك
فعلم عدم الوجوب الحتمي واضاف:• فلا يرد انه لا يجوز الإباحة لما بعد
موتهم (عليهم السلام) فانه مال الغير ، مع التصريح في البعض بالسقوط الى
القائم ويوم القيامة. بل ظاهرها : سقوط الخمس بالكلية حتى حصة الفقراء
أيضا ، واباحة أكله مطلقا ، سواء أكل من في ماله ذلك او غيره . وهذه
الأخبار هي التي دلت على السقوط حال الغيبة وكون الإيصال مستحبا ، كما هو
مذهب البعض ، مع ما مرّ من عدم تحقق محل الوجوب الا قليلا ، لعدم دليل
قوي على الأرباح والمكاسب وعدم الغنيمة ولكنه استدرك قائلا:• هذا ولكن لا
ينبغي الاحتياط التام وعدم التقصير في إخراج الحقوق خاصة حقوق الأصناف
الثلاثة .. بل لو صرف حصته (عليه السلام) أيضا في الذرية العلوية أظن عدم
البأس وبراءة الذمة بذلك ، وان لم نقدر على الجزم بالوجوب والتضييق بذلك
على صاحب الحق للاحتمالات المذكورة ، ولما ذكره الأصحاب من احتمال الدفن
والايصاء وغير ذلك .
وافتى المقدس الاردبيلي بجواز احياء الارض الموات بلا حاجة لاستئذان
الإمام العادل المعصوم ، مع غيبته .
وأكد محمد باقر السبزواري ( 1018 - 1090) في :(كفاية الاحكام) و
( ذخيرة المعاد) إباحة المتاجر والمناكح والمساكن من الأنفال في حال غيبة
الإمام للشيعة خاصة دون المخالفين ، ونفى وجود اي خلاف حول إباحة التصرف
في ارض الموات وما يجري مجراها ، كما استظهر إباحة سائر الأنفال غير
الأرض للشيعة في زمان الغيبة ، وذلك للأخبار الكثيرة. 24
وبعد ان استظهر الإباحة في حكم سائر الأنفال غير الأرض استدرك قائلا
في :(ذخيرة المعاد) : او وجب حفظ ما يخص الإمام له الى ظهوره ، او صرف
الفقيه له.
ورجح سقوط خمس الأرباح في زمان الغيبة ، وقال:• المستفاد من الأخبار
الكثيرة في بحث الأرباح كصحيحة الحرث بن المغيرة النضري وصحيحة الفضلاء
وصحيحة زرارة وصحيحة علي بن مهزيار وصحيحة ضريس وحسنة الفضيل ورواية محمد
بن مسلم ورواية داود بن كثير ورواية الحرث بن المغيرة ورواية معاد بن
كثير ، ورواية اسحق بن يعقوب ورواية عبد الله بن سنان ورواية حكم مؤذن
بني عبس : إباحة الخمس للشيعة. وتصدى للرد على بعض الاشكالات الواردة على
هذا الرأي وقال: • ان أخبار الإباحة أصح أصرح فلا يسوغ العدول عنها
بالأخبار المذكورة ، وبالجملة : ان القول بإباحة الخمس مطلقا في زمان
الغيبة لا يخلو عن قوة.
ولكن السبزواري احتاط أخيرا استحبابا بصرف جميع الخمس على الأصناف
الموجودين .
وهكذا فعل محمد حسن الفيض الكاشاني في :(مفاتيح الشريعة) حيث اختار نظرية
سقوط ما يختص بالامام المهدي الغائب ، لتحليل الأئمة ذلك للشيعة ، وأوجب
صرف حصص الباقين الى اهلها ، واستحسن احتياطا صرف الكل اليهم .
وقد ذكر الشيخ جعفر كاشف الغطاء ( - 1227) في :(كشف الغطاء) : تحليل
الأئمة الأنفال للامامية من شيعتهم.
وبحث الشيخ محمد حسن النجفي ( - 1266) في :( جواهر الكلام) حكم أموال
الإمام (ع) في زمان الغيبة ، بشكل مفصل ، وقال بعد ان استعرض الأخبار
التي تحلل الخمس للشيعة:• وكيف كان فسبر هذه الأخبار المعتبرة الكثيرة
التي كادت تكون متواترة ، المشتملة على التعليل العجيب والسر الغريب ،
يشرف الفقيه على القطع بإباحتهم (ع) شيعتهم زمن الغيبة ، بل والحضور الذي
هو كالغيبة في قصور اليد وعدم بسطها : سائر حقوقهم (ع) في الأنفال ، بل
وغيرها مما كان في أيديهم ، وأمره راجع اليهم مما هو مشترك بين المسلمين
ثم صار في أيدي أعدائهم ، اما غير الشيعة فهو محرم عليهم أشد تحريم
وابلغه ولا يدخل في أملاكهم شيء منها .
وقال في المسألة الثالثة من كتاب الخمس من (جواهر الكلام) :• صرح
جماعة بأنه ثبت شرعا إباحتهم (ع) المناكح والمساكن والمتاجر في حال
الغيبة ، وان كان ذلك بأجمعه للإمام (ع) او بعضه فانه مباح ولا يجب إخراج
حصة الموجودين من أرباب الخمس منه ... وان كان في عباراتهم نوع اختلاف
بالنسبة للمباح هو الأنفال او الخمس او الأعم .
واستعرض أقوال العلماء القائلين بالتحليل والسقوط في عصر الغيبة ،
وتردد فيها .
ثم استعرض أقوال القائلين بالعزل والحفظ والوصية بالخمس الى ان يظهر
(الإمام المهدي) ونفى وجود اي دليل على ذلك سوى ما أشار اليه المفيد : من
كون الخمس حقا لإمام لم يأمرنا ما نصنع فيه فيجب حفظه له كما في سائر
الأمانات الشرعية.
ورفض النجفي :• دعوى وجوب دفع حق الإمام (ع) للأصناف الآن من حيث
وجوب الإتمام حتى في هذا الزمان وقال :• انها مما لا تستأهل ان يسود بها
قرطاس او يستعمل فيها يراع .
وقد أباح السيد علي الطباطبائي في :( رياض المسائل) كتاب الخمس :
المناكح من الخمس للشيعة ، على الاشهر ، وقال: ان الشيخ ألحق بها المتاجر
والمساكن.
وقال عن الأنفال :• انها للإمام ولا يجوز لأحد ان يتصرف فيها الا
باذنه ، بالنص والإجماع .
والتزم السيد محمد علي الطباطبائي (- 1009) بنظرية (التقية
والانتظار) فقال في :(مدارك الأحكام) عن الخمس والأنفال في حال الغيبة :•
الأصح إباحة الجميع ، كما نص عليه الشهيدان وجماعة ، للأخبار الكثيرة
المتضمنة لاباحة حقوقهم في حال الغيبة.. وكيف كان فان المستفاد من
الأخبار المتقدمة إباحة حقوقهم (ع) من جميع ذلك .
وأباح الشيخ رضا الهمداني ( - 1310) في :( مصباح الفقيه) الأنفال
للشيعة في عصر الغيبة وقال:• الذي يقتضيه التحقيق هو ان ما كان من
الأنفال من قبيل الارضين الموات والمعادن ورؤوس الجبال وبطون الأودية
والآجام وتوابعها مما جرت السيرة على المعاملة معها معاملة المباحات
الأصلية ، فلا ينبغي الارتياب في أباحتها للشيعة في زمن الغيبة وقصور
اليد عن الاستيذان من الإمام عليه السلام)) .
***
5 – جاء في: تطور الفكر السياسي الشيعي - أحمد الكاتب:
(( وقد تعجب الشيخ حسن الفريد (زميل الامام الخميني ) في كتابه :
(رسالة في الخمس) واستغرب بحيرة وتساءل عن السر وراء عدم سؤال الكليني من
(صاحب الزمان) عبر وكيله النوبختي عن حكم مسألة الخمس في (عصر
الغيبة) )).
***
ملحق / 6
يأجوج ومأجوج، بين القرآن والتوراة
كتب فراس السواح على موقع الذاكرة:
(( يأجوج ومأجوج اسم لقبائل بربرية كانت تفسد في الأرض وتعتدي على
جيرانها بالقتل والسلب والنهب. وقد ورد خبرهم في القرآن الكريم في سياق
قصة ذي القرنين، وهو ملك صالح مؤمن يسّر له الله أسباب المُلك والسلطان
والفتح والعمران، فانطلق في حملة تهدف إلى نشر دين الله بين الأقوام
الوثنية، حتى بلغ مغرب الشمس، أي أقصى حدّ في الأرض المسكونة، حيث تغرب
الشمس على أفق المحيط. ثم انقلب راجعاً حتى وصل إلى أقصى شرق المسكونة،
حيث تشرق الشمس من وراء بقاع مجهولة، فوجد شعباً يتكلم لغة غريبة ساكنا
عند فجوة بين سلستي جبال، تتدفّق من ورائها عليهم تلك الأقوام. نقرأ في
سورة الكهف:
((وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ
مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ
مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) حَتَّى إِذَا
بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ
تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا
مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ
فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ
صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا
يُسْرًا (88) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ
الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ
دُونِهَا سِتْرًا (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا
(91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ
السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ
قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ
تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ
رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ
رَدْمًا (95) آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ
الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ
آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ
يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) )).
ولكن يأجوج ومأجوج سوف ينقبون السدّ في آخر الزمن، ويكون خروجهم للإفساد
في الأرض ثانية من علامات الساعة. وهذا ما تشير إليه بقية القصة في سورة
الكهف:
قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ
دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ
يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ
جَمْعًا (99) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا
(100)
وهناك إشارة أخرى في سورة الأنبياء إلى نقب يأجوج ومأجوج للسد عند اقتراب
الساعة: " حتى إذا فُتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب يَنسِلون (14)
واقترب الوعد الحق، فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا: يا ويلتنا قد كنا
في غفلة من هذا، بل كنا ظالمين. " (الأنبياء: 96-97).
الرواية التوراتية :
يرد الاسم "جوج" في سفر حزقيال على أنه اسم لملك يحكم على أرض تدعى
"ماجوج" أو على شعب يدعى بهذا الاسم. وهو سيقوم بغزو أرض إسرائيل قبل
اليوم الأخير. ولكنه يُقتل هو وشعبه في مذبحة هائلة :
" وكان كلام الرب إليَّ قائلاً: يا ابن آدم اجعل وجهك على جوج أرض ماجوج،
رئيس روش وماشك وتوبال، وتنبأ عليه وقل ... هكذا قال السيد الرب. في ذلك
اليوم عند سُكنى شعبي إسرائيل آمنين ... تأتي من موضعك من أقاصي الشمال
أنت وشعوب كثيرة معك، كلهم راكبون خيلاً، جماعة عظيمة وجيش كثير، وتصعد
على شعبي إسرائيل كسحابة تغشى الأرض. في الأيام الأخيرة يكون (هذا)، وآتي
بك على أرضي لكي تعرفني الأمم حين أتقدس فيك أمام أعينهم ياجوج ... ويكون
في ذلك اليوم، يوم مجيء جوج على أرض إسرائيل، يقول السيد الرب، أن غضبي
يصعد في أنفي، وفي غيرتي في نار سخطي تكلمتُ أنه في ذلك اليوم يكون رعش
عظيم في أرض إسرائيل، فترعش أمامي سمك البحر وطيور السماء ووحوش الحقل
والدابات التي تدب على الأرض، وكل الناس الذين على وجه الأرض. وأستدعي
السيف عليه في كل جبالي، يقول السيد الرب، فيكون سيف كل واحد على أخيه،
وأعاقبه بالوباء والدم، وأُمطر عليه وعلى جيشه وعلى كل الشعوب الذين معه
مطراً جارفاً وحجارة برد عظيمة وناراً وكبريتاً. فأتعظم وأتقدس وأُعرف في
عيون أمم كثيرة فيعرفون أني أنا الرب. " (حزقيال 38: 1-23).
من مقارنة الروايتين، نلاحظ أن الرواية القرآنية قد انفردت بذكر السد
الذي بني لكي يحجب يأجوج ومأجوج، ونقبهم له قبل يوم القيامة وانتشارهم
للإفساد في الأرض. وتتفق الروايتان على أن خروج هذه الأقوام هو علامة من
العلامات التي تسبق اليوم الأخير.
وقد ورد ذكر جوج وماجوج أيضاً في سفر الرؤيا وهو آخر أسفار العهد الجديد،
باعتبارهم أقواماً مفسدين يظهرون في آخر الزمن، فيصطدمون بجيش المؤمنين
ولكن الله يقضي عليهم:
" ثم متى تمت الألف سنة يُحل الشيطان من سجنه ويخرج ليضل الأمم الذين في
أربع زوايا الأرض جوج وماجوج ليجمعهم للحرب، الذين عددهم مثل رمل البحر.
فصعدوا على عرض الأرض وأحاطوا بمعسكر القديسين وبالمدينة المحبوبة
(=أورشليم). فنزلت نار من عند الله من السماء وأكلتهم. وإبليس الذي كان
يُضلهم طُرح في بحيرة النار والكبريت. " (الرؤيا 20: 7-10)...)).
***
ملحق / 7
الاحاديث الصحفية والتلفازية
1 - ((اتهم المرجع الديني الامام الشيخ حسين المؤيد إيران بامتلاكها
مشروعا قوميا ،يهدف إلى السيطرة على المنطقة . وقال إن إيران (أكثر خطرا
على الدول العربية من أمريكا وإسرائيل) وأضاف أن لديها مشروعا قوميا(يهدف
إلى السيطرة على المنطقة). وقال المؤيد خلال ندوة نظمها نادي خريجي
الجامعات والمعاهد العراقية في عمان ( ان العراق اليوم يعيش بين مشروعين
نقيضين مشروع يرفض الاحتلال ويسعى الى إخراجه بشتى السبل ، ومشروع آخر
يسعى الى تأصيل الحالة الموجودة في العراق ) .وأوضح ( إن الاحتلال أوجد
انقساما سياسيا ، وصور هذا الانقسام على أنه انقسام بين نظرتين لمواجهة
الاحتلال ، إحداها نظرية تؤمن بالعمل العسكري المسلح لطرد المحتل ، وأخرى
تؤمن بالمقاومة السلمية والسياسية لإخراجه ). ورفض المؤيد هذا التقسيم
وقال ( أن هذا التصور غير صحيح وخاطئ ، فالانقسام الحاصل في العراق عقب
الاحتلال لم يكن على هذا الأساس ، وإنما هو بين نظرية اختارت مواجهة
الاحتلال ومشروعه ، وأخرى موالية للاحتلال للحصول على مكاسب وهذا تصدع
كبير وخطير داخل المجتمع العراقي ) . وشن المؤيد ، الذي درس في مدارس قم
الإيرانية وعاش فيها قرابة العقدين من الزمن هجوما عنيفا على النظام
الإيراني ، واصفا إياه بأنه ( نظام يسعى لتحقيق مطامع قومية على حساب
شعوب المنطقة ، وتحت يافطة الدين والمذهب ) . ونفى أن يكون لإيران أي
مشروع شيعي أو إسلامي ، وقال ( إن مشروعها قومي ينطلق من سيكولوجية تحتقر
العرب وتكرههم ) . وذهب الى ( ان خطر التمدد الإيراني على العراق
والمنطقة العربية أكبر من الخطر الأمريكي والإسرائيلي ) . وكشف المؤيد عن
وجود ما وصفه بخلايا نائمة في الوطن العربي قال إنهم من العرب وتم
تجنيدهم من قبل إيران وكشفنا بعضها . كما أن هناك مقار إيرانية في العراق
يتم فيها تخزين السلاح وتهريبه الى تلك الخلايا النائمة في الوطن العربي
حسب قوله)) .
(جريدة (الزمان) الدولية - العدد 2497- 10/9/2006)
***
2 - وفي لقاء صحفي اخر مع قناة الشرقية ، قال سماحة الامام الشيخ :
(( لعل إيران اللاعب الأكثر حظوة في الشارع العراقي ، ولكن الدور
الإيراني ليس دورا ايجابيا ولا يمكن أن اصف الدور الإيراني بأنه دور
ايجابي .
وعن السلبيات ، قال : في اعتقادي إن الإيرانيين لهم مشروعهم القومي
الإيراني وان هذا المشروع يتخذ من الدين والمذهب أدوات لتسويقه فإيران
ليس لها مشروع إسلامي عام وليس لها مشروع مذهبي عام أيضا وإنما لها مصالح
قومية وعلى أساس هذه المصالح بني مشروعها القومي هذا المشروع القومي لا
يلتقي مع مصالحنا كعراقيين او مع مصالحنا كعرب ، وعلى هذا الأساس لا يمكن
ان اصف الدور الإيراني في العراق او في المنطقة بأنه دور ايجابي بينما
الدول العربية التي نحثها على ان تلعب دورا مهما في الشأن العراقي لصالح
الشعب العراقي هذه الدول حتى لو انطلقت من مصالحها القُطرية إلا ان
ارتباط مصالحها القطرية بالوضع العربي العام يجعلني لا أستطيع ان اصف
الدور العربي بأنه دور سلبي)) .
***
3 - ادناه نص الحوار الذي نشرته جريدة العرب اليوم مع سماحة الإمام
المؤيد 26/12/2006
(( حذر المرجع الشيعي العراقي آية الله حسين المؤيد من خطر الدور
الإيراني في العراق ومن طموحات النظام الإيراني في العراق والمنطقة
العربية.
وقال:إن المساحات التي يستطيع النظام الإيراني توظيفها في الساحة
الشيعية العراقية محدودة,ولذلك فان النظام الإيراني لا يمتلك قرار شيعة
العراق أو ولاءهم وإنما له في العراق قوى سياسية تابعة له أو تنسق
معه ,ومن خلال التحالف مع هذه القوى يحاول النظام الإيراني أن يمد نفوذه
أو يلعب بالورقة الطائفية داخل العراق,وهذا لا يعني إن النظام الإيراني
امتلك قرار الشيعة أو ولاءهم ,فإذا كانت هناك مجموعات لها مثل هذا الولاء
فهي لا تعبر عن كل المساحة الشيعية في العراق,وهذه القوى كان لها دور
سلبي للغاية من عدة أوجه أهمها:انها قبلت مشروع الاحتلال وقبلت أن تعمل
في ظل هذا المشروع بالتعاون مع المحتل..والوجه الآخر هو الأداء السيئ
لهذه القوى في الجوانب السياسية والاجتماعية والدينية ,فلم تقدم إلا
نموذجا سيئا لعجز الدولة عن إدارة شؤونها ..وليس صحيحا إن هذه القوى
تمتلك تمثيلا حقيقيا للشيعة , وإنما في ظل وجود فراغ سياسي وشحن طائفي
داخل المجتمع العراقي تصور كثير من الشيعة إن الوقوف إلى جوار هذه القوى
والاصطفاف خلفها سيحقق لهم جنة الله في أرضه!
وأضاف المرجع الشيعي : هذه القوى لم تختر منذ بداية الأمر طريق
المقاومة العسكرية وإنما اختارت طريقا آخر ,لكن التنافس بين القوى
الشيعية الموالية لإيران وبين بعضها البعض أدى إلى محاولة بعضهم للاحتماء
بالاحتلال للقضاء على منافسيهم وتحجيم دورهم .
وحول رؤيته للمشروع الإيراني في العراق وأهدافه (؟)قال:النظام
الإيراني ليس له مشروع إسلامي عام وليس له مشروع شيعي عام ولكن له مشروع
إيراني قومي يتخذ من الإسلام والتشيع أدوات بسط النفوذ
والهيمنة ,والسياسة الإيرانية ترسم من زاوية المصلحة القومية لإيران التي
لا تلتقي مع المصلحة العربية العامة ولا مع المصلحة الإسلامية ولا مع
المصلحة العراقية,فالنظام الإيراني له طموح في أن تكون إيران هي القوة
الإقليمية الأكبر في المنطقة والإستراتيجية التي تنتهجها الأنظمة
الإيرانية تاريخيا ثابتة ولم تتغير لا قبل الثورة ولا بعدها, فقط اختلفت
الأساليب والصيغ ,خاصة في مجال السياسة الخارجية التي يعبر عنها طموح
الساسة الإيرانيين في تكوين الإمبراطورية الإيرانية الكبرى .
وفيما يخص العراق فإن العراق بالنسبة لا يران ليس كأفغانستان التي
تعتبر حديقة خلفية لإيران ,ولكن العراق يمثل مركز الثقل الاستراتيجي في
السياسة الإيرانية,وبالتالي فإن تحقيق حلم الإمبراطورية الإيرانية وطموح
النفوذ الأكبر في المنطقة يتوقف على إمساك الإيرانيين بالورقة العراقية
وحجم النفوذ الإيراني في العراق ,ولذلك فإن النظام الإيراني يحاول توظيف
أية ورقة يمكن أن تساعد في تحقيق هذا الأمر سواء كانت ورقة شيعية أو غير
شيعية. وأضاف:ان النظام الإيراني في سياسته بالمنطقة العربية ككل يوظف
أوراقا في فلسطين وأوراقا في لبنان ,والأوراق التي يحاول توظيفها في
فلسطين ليست شيعية,فحركة حماس ليست شيعية , والجهاد الإسلامي حركة غير
شيعية ,وكذلك الأمر في لبنان فإن التيار الوطني الحر ليس مسلما من الأساس
وإنما هو تنظيم مسيحي ,لكن النظام الإيراني يحاول توظيف هذا التيار
لتحقيق المصلحة الإيرانية في لبنان ولذلك فإن الواضح إن إيران تسعى
لتوظيف أي شئ يمكن أن يخدم مصالحها .
وقال آية الله المؤيد: إنني اعتقد إن غياب المرجعية العراقية
الوطنية أدى إلى تداعيات خطيرة داخل المجتمع العراقي ,فلو كان المجال فتح
لكي تأخذ المراجع العراقية الوطنية الدينية مكانتها اللائقة بها لاستطاعت
أن تشكل حالة زعامة وطنية لكل المجتمع العراقي وليس الشيعة فقط ,واعتقد
إن المرجعية كان يجب عليها إلا تشكل غطاء للعملية السياسية التي جرت في
العراق وكان يفترض في المرجعية إذا لم تكن ترى إن المصلحة تقتضي مرحليا
اتخاذ موقف عام يقتضي المقاومة العسكرية على الأقل ,كانت تدفع بالمجتمع
تجاه المقاومة السياسية والضغط لإنهاء الاحتلال ,أو تقدم مشروعا
وطنيا,بمعنى أن تندمج فيه كل مكونات الشعب العراقي,وتسعى لتحقيق مصلحة
عامة,وتقف مسافة واحدة من كل أبناء الشعب العراقي وهذا ما لم يحدث..وكان
يجب على المرجعية أن تتصدى للتمدد الإيراني ,فالمكتب الذي فتحه (خامنئي)
في النجف .صحيح أن له واجهة دينية لكنه يقوم بأدوار سياسية واضحة وليس من
الحكمة أن يفتح (خامنئي ) مكتبا في العراق وهو مرشد للثورة الإيرانية.
وحول رؤيته للصراع الطائفي في العراق قال المرجع الشيعي في لقاء
بنقابة الصحفيين المصريين:رؤيتي إن الانقسام في العراق بين فريقين...فريق
يؤمن بضرورة مقاومة مشروع الاحتلال بكل الطرق المشروعة سواء كانت سياسية
أم عسكرية أم غير ذلك,وفريق آخر وجد في الاحتلال فرصة للحصول على مكاسب
له أما فئوية أو شخصية فتماشى وتماهى مع مشروع الاحتلال . وفي ضوء ذلك
فإن الصراع في العراق صراع سياسي قد توظف له الورقة الطائفية ,لكنه ليس
صراعا طائفيا,ولا شك انه على ذلك حدث احتقان طائفي في العراق .لكني اعتقد
إن المجتمع العراقي رغم كل ذلك مازال متماسكا وما زال المخزون الوطني
العراقي عصيا على التفتيت )).
***
المراجع الرئيسة:
1 – القرص المدمج : مكتبة اهل البيت – الاصدار الاول – 1426 – 2005 –
المعجم الفقهي ومركز المصطفى للدراسات الاسلامية.
2 – موقع سماحة الامام الشيخ حسين المؤيد على شبكة الانترنيت.
3 – مواقع عديدة على شبكة الانترنيت.